من «منادمة الأطلال ومسامرة الخيال» لعبد القادر بن بدران (ت ١٣٤٦هـ)
الْمدرسَة القليجية (٢)
قَالَ ابْن شَدَّاد الْمُوصي بوقفها الْأَمِير سيف الدّين عَليّ بن قليج النوري إِلَى القَاضِي صدر الدّين ابْن سني الدولة الشَّافِعِي وعمرها بعد وَفَاة الْمُوصي سنة خمس وَأَرْبَعين وسِتمِائَة
قَالَ الْأَسدي وَبهَا قبر الْوَاقِف توفّي سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَهِي قبلي الخضراء شمَالي الصدرية غربي تربة القَاضِي جمال الدّين الْمصْرِيّ درس بهَا شمس الدّين ابْن قَاضِي الْعَسْكَر ثمَّ أَوْلَاده ثمَّ بعدهمَا سِتَّة مدرسين
قَالَ ابْن شُهْبَة فِي تَارِيخه كَانَ سيف الدّين أَمِيرا كَبِيرا صَالحا فَاضلا شَاعِرًا وَأورد من شعره فِي التَّارِيخ وَلَا يحضرني الْآن واحترقت فِي فتْنَة تيمورلنك سنة سِتّ وَثَمَانمِائَة واستمرت كوم تُرَاب إِلَى حُدُود سنة أَربع وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة قَالَ ابْن شُهْبَة وتعذرت إِعَادَتهَا لعدم وقف لَهَا بَلغنِي أَن جَمِيع وَقفهَا كَانَ سقفا دَاخل الْبَلَد فَاحْتَرَقَ فِي الْفِتْنَة الْمَذْكُورَة ثمَّ قيض الله لَهَا بِمُبَاشَرَة أهل الْخَيْر المرحوم مُحَمَّد جلبي قَاضِي الشَّام ابْن الْمُفْتِي أبي السُّعُود صَاحب التَّفْسِير فصرف مائَة سلطاني على نقل تُرَاب وَضرب لبن وَإِقَامَة بعض القناطر والعضائد ووقف أمرهَا ثمَّ سنح للشَّيْخ أَحْمد ابْن الشَّيْخ سُلَيْمَان أَن ينْتَقل من زَاوِيَة لَهُ كَانَت ضيقَة وَمن بَيته بِمحل الشلاحة إِلَيْهَا وَأَن يعمرها فصرف عَلَيْهَا من مَاله مَا شَاءَ الله ثمَّ ساعده فِيهَا أَرْكَان الدولة وَجِيء بخشبها من غيضة السُّلْطَان وَمَاله وتمت وكملت فِي غَايَة الْحسن وَالسعَة وَالْبركَة وأقيمت فِيهَا الْأَذْكَار والموالد والجمعيات وَذَلِكَ فِي حُدُود سبعين وَتِسْعمِائَة وَقَالَ المحبي فِي تَرْجَمَة أَحْمد الْمَذْكُور انه عزل التُّرَاب الَّذِي كَانَ فِيهَا من بقايا الخراب فِي فتْنَة تيمور وعمرها وَأَنْشَأَ سَبِيلا فِي جوَار تربَتهَا سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَقَالَ مامية الرُّومِي مؤرخا بِنَاء السَّبِيل
هَذَا السَّبِيل الأحمديلله مَا فِيهِ خفا
وَقد أَتَى تَارِيخهاشرب هَنِيئًا بل شفا
هَذَا مَا كَانَ من أمرهَا وَأما حالتها الْآن فقد وقفت على أطلالها أسائلها فأعيت جَوَابا وَمَا بِالربعِ من أحد مَا بِالربعِ سوى الْجِدَار القبلي وَمن جِهَة الغرب مِنْهُ بَاب الْمدرسَة وَهُوَ مَبْنِيّ على هندسة جميلَة وَقد قسم الْآن بَابَيْنِ لدارين وَالْبناء الْقَدِيم يلوح من أعلاهما وبجانب ذَلِك الْبَاب من الْجَانِب الشَّرْقِي التربة الْمَذْكُورَة وَهِي قبَّة عَظِيمَة وبناؤها قَائِم إِلَى الْآن وَلها شباكان على الطَّرِيق ومحفور على صَخْرَة فَوق الشباك الْأَيْمن قَالَ الْأَمِير الْمُجَاهِد الْكَبِير المرابط الاسفهلار السعيد الشَّهِيد سيف الدّين أَبُو الْحسن عَليّ بن قليج بن عبد الله هَذِه الأبيات وَأمر أَن تكْتب على تربته بعد وَفَاته وعَلى عتبَة الشباك الْأَيْسَر مَا صورته
هَذِه دَارنَا الَّتِي نَحن فِيهَادَار حق وَمَا سواهَا يَزُول
فَاعْتَمَرَ مَا اسْتَطَعْت دَارا إِلَيْهَاعَن قَلِيل يفضى بك التَّحْوِيل
وَاعْتمد صَالحا يؤنسك فِيهَامثل مَا يؤنس الْخَلِيل الْخَلِيل
وَبعد هذَيْن الشباكين شباكان أَيْضا مسدودان يظهران للنَّاظِر والجدار شَاهِق الْبناء مَبْنِيّ بالأحجار الْكَبِيرَة الصَّفْرَاء جمال منظره يَقُول أَن هُنَاكَ كَانَ مدرسة كَبِيرَة أنفقت الْأَمْوَال الْكَثِيرَة فِي بنائها ثمَّ بعد رؤيتي لذَلِك دخلت بَابا وسرت فِي زقاق ضيق فوصلت إِلَى فسحة وَاحِدَة فِي وَسطهَا بركَة مَاء وَبَعض حجرات معدة للحياكة فسبحان الْبَاقِي
تَرْجَمَة واقفها هُوَ الْأَمِير سيف الدّين عَليّ بن قليج النوري توفّي سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وسِتمِائَة قَالَ ابْن كثير وَدفن بتربته الَّتِي بمدرسته الْمَذْكُورَة الَّتِي كَانَت سكنه بدار الْفُلُوس قَالَ ابْن قَاضِي شُهْبَة فِي تَارِيخ الْإِسْلَام عَليّ بن قليج بن عبد الله الظَّاهِرِيّ الأميري الْكَبِير الْفَاضِل سيف الدّين أَبُو الْحسن كَانَ أَمِيرا جَلِيلًا وَعِنْده فَضِيلَة قَالَ الشهَاب القوصي جمع بَين الإمرة والسيادة وجزالة الرَّأْي وَمَا قدم على جَيش إِلَّا وَلم شعثه انشد لنَفسِهِ فِي التحذير من احتقار الْعَدو
لَا تحقرن عدوا لَان جَانِبهوان ترَاهُ ضَعِيف الْبَطْش وَالْجَلد
فللذبابة فِي الْجرْح المديد يَدتنَال مَا قصرت عَنهُ يَد الْأسد
وَقَالَ إِن دَار الْفُلُوس الَّتِي كَانَت دَاره سميت فِي أَيَّام تنكز بدار الذَّهَب وَهِي دَار خَالِد بن الْوَلِيد ﵁ وَهِي قبلي الْمدرسَة
تَرْجَمَة القَاضِي مُحَمَّد جلبي قَالَ الْغَزِّي فِي الْكَوَاكِب السائرة هُوَ مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد أحد الموَالِي الرومية وَابْن مفتيها الملا أبي السُّعُود كَانَ فَاضلا بارعا ترقى فِي المناصب حَتَّى أعطي قَضَاء الْقُضَاة بِدِمَشْق فِي سنة خمس وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة وَكَانَ سخيا مَا أَتَانَا من الرّوم أسخى مِنْهُ وَكَانَ ودودا قَالَ وَاجْتمعت الْخِصَال المحمودة فِيهِ وَمر يَوْمًا بسوق الأساكفة غربي بَاب الْبَرِيد فوقفوا وَشَكوا إِلَيْهِ مَا هم فِيهِ من هم الْعَوَارِض من الصفين الغربي والشرقي فأزالها وَلم يسْأَل عَن غنيهم وَلَا عَن فقيرهم اهـ وَمَا ذكرت هَذِه الْحِكَايَة إِلَّا لأبين أَن وَظِيفَة البلدية فِي ذَلِك الزَّمَان كَانَ بَعْضهَا إِلَى الْقُضَاة
تَرْجَمَة مرممها الْأَخير هُوَ الشَّيْخ احْمَد بن الشَّيْخ سُلَيْمَان قَالَ فِي الْكَوَاكِب مَا خلاصته كَانَ المترجم يعرف بِابْن الصَّواف وَكَانَ شافعيا على طَريقَة القادرية مُعْتَقدًا بَين النَّاس وَله مريدون يداخل النَّاس فِي الْإِصْلَاح بَينهم فيترددون عَلَيْهِ وَكَانَ وقورا حسن الْخلق بشوشا يتَرَدَّد على الْحُكَّام ويعتقدون فِيهِ وَيكْتب للنَّاس الحروز فيقبلون عَلَيْهِ توفّي سنة خمس بعد الْألف عَن ثَمَانِينَ سنة وَدفن بزاويته جوَار سيف الدّين وَمَات لَهُ ولد قبله فَدفن بجواره وَقد قَامَ النَّاس عَلَيْهِ لذَلِك ثمَّ اطْمَأَن
النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع