من «المحاسن والأضداد» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
محاسن حب الوطن
قال عمر بن الخطاب: لولا حب الوطن لخرب بلد السوء. وكان يقال: بحب الأوطان عمرت البلدان، وقال جالينوس: يتروح العليل بنسيم أرضه كما تتروح الأرض الجدبة ببل المطر. وقال بقراط: يداوي كل عليل بعقاقير أرضه كأن الطبيعة تنزع إلى غذائها، ومما يؤكذ ذلك قول إعرابي وقد مرض بالحضر فقيل له: ما تشتهي؟ فقال: مخيضاً روباً وضباً مشوياً، وقد قيل: أحق البلدان بنزاعك إليها بلد أمصك حلب رضاعه، وقيل: احفظ أرضاً أرسخك رضاعها، وأصلحك غذاؤها، وارع حمى اكتنفك فناؤه.
وقيل: لا تشك بلداً فيه قبائلك. وقيل: من علامة الرشد أن تكون النفس إلى أوطانها مشتاقة وإلى مولدها تواقة. وحدثنا بعض بني هاشم قال: قلت لإعرابي: من أين أقبلت؟ قال: من هذه البادية، قلت: وأين تسكن منها؟
قال: مساقط الحمى حمى ضرية ما إن لعمر الله أريد بها بدلاً ولا أبتغي عنها حولاً حفتها الفلوات فلا يملولح ماؤها وتحمى تربتها ليس فيها أذى ولا قذى ولا وعك ولا لوم ونحن بارفه عيش وأوسع معيشة وأسبغ نعمة. قلت: ما طعامكم؟ قال: بخ بخ الهبيد والضباب واليرابيع مع القنافذ والحيات وريثما الله أكلنا القد واشتوينا الجلد فلا نعلم أحداً أخصب منا عيشاً، فالحمد لله على ما رزق من السعة وبسط من حسن الدعة.
وقيل لإعرابي: كيف تصنع بالبادية إذا انتصف النهار وانتعل كل شيء ظله؟ فقال: وهل العيش إلا ذاك؟ يمشي أحدنا ميلاً فيرفض عرقاً كأنه الجمان ثم ينصب عصاه ويلقي عليها كساه وتقبل الرياح من كل جانب فكأنه في إيوان كسرى.
وقال بعض الحكما: عسرك في بلدك خير من يسرك في غربتك. وقيل لإعرابي: ما الغبطة؟ قال: الكفاية ولزوم الأوطان والجلوس مع الإخوان، وقيل: فما الذل؟ قال: التنقل في البلدان والتنحي عن الأوطان. وقال بعض الأدباء: الغربة ذلة والذلة قلة، وقال الآخر: لا تنهض عن وطنك ووكرك فتنقصك الغربة وتصمتك الوحدة. وشبهت الحكماء الغريب باليتيم اللطيم الذي ثكل أبويه فلا أم ترأمه ولا أب يحدب عليه. وكان يقال:
الغريب عن وطنه ومحل رضاعه الذي زايل أرضه وفقد شربه فهو ذاو لا يثمر وذابل لا ينضر. وكان يقال: الجالي عن مسقط رأسه كالعير الناشر عن موضعه الذي هو لكل رام رمية، وأحسن من ذلك وأصدق قول الله ﷿:
«ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء». وقال تعالى: «ولو أنما كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو أخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم» فقرن جل ذكره للجلاء عن الوطن بالقتل، وقال تقدست أسماؤه: «وما لنا ألّا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا»، فجعل القتال بازاء الجلاء، قال ﷺ:
«الخروج عن الوطن عقوبة» ومما قيل في ذلك من الشعر:
إذا ما ذكرت الثغر فاضت مدامعيوأضحى فؤادي نهبة للهماهم
حنينا إلى أرض بها اخضر شاربيوحلت بها عني عقود التمائم
والطف قوم بالفتى أهل أرضهوأرعاهم للمرء حق التقادم
وقال آخر:
أحن إلى أرض الحجاز وحاجتيخيام بنجد دونها الطرف يقصر
وما نظري من نحو نجد بنافعيأجل لا ولكني على ذاك أنظر
ففي كل يوم قطرة ثم عبرةلعيشك يجري ماؤها يتحدّر
متى يسترح قلب فإما محاذرحزين وإما نازح يتذكر
وقال آخر:
نقل فؤادك حيث شئت من الهوىما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتىوحنينه أبداً لأول منزل
وقال ابن أبي السرح: قرأت على حائط بيتي شعر، وهما:
إن الغريب ولو يكون ببلدةيجبى إليه خراجها لغريب
وأقل ما يلقى الغريب من الأذىإن يستذل وإن يقال كذوب
وقال: وقرأت على حائط بعسكر مكرم:
إن الغريب إذا ينادي موجعاًعند الشدائد كان غير مجاب
فإذا نظرت إلى الغريب فكن لهمترحماً لتباعد الأحباب
وقال: وقرأت على حائط ببغداد:
غريب الدار ليس له صديقجميع سؤاله أين الطريق
تعلق بالسؤال لكل شيءكما يتعلق الرجل الغريق
فلا تجزع فكل فتى سيأتيعلى حالاته سعة وضيق
وقال: ووجدت على حائط باب مكتوباً:
عليك سلام الله يا خير منزلرحلنا وخلفناك غير ذميم
فإن تكن الأيام فرقن بيننافما أحد من ريبها بسليم
وقال آخر:
وإن اغتراب المرء من غير حاجةولا فاقة يسمو لها لعجيب
فحسب امريء ذلاً ولو أدرك الغنىونال ثراءً، أن يقال غريب
وقال آخر:
إن الغريب وإن يكن في غبطةلمعذب وفؤاده محزون
ومتى يكون مع التغرب عاشقاًومفارقاً يا رب كيف يكون
وقال آخر:
إن الغريب ذليل أينما سلكالو أنه ملك كل الورى ملكا
إذا تغنى حمام الأيك في غصنحن الغريب إلى أوطانه فبكى
وقال آخر:
سل الله الإياب من المغيبفكم قد رد مثلك من غريب
وسل الحزن منك بحسن ظنولا تيأس من الفرج القريب
وقال آخر:
تصبر ولا تعجل وقيت من الردىلعل إياب الظاعنين قريب
فقلت وفي قلبي جوى لفراقها:ألا لا تصبرني فلست أجيب
وقال آخر:
أعاذل حبي للغريب سجيةوكل غريب للغريب حبيب
لئن قلت لم أجزع من البين إن مضوالطيتهم إني إذاً لكذوب
بلى غبرات الشوق اضرمت الحشاففاضت لها من مقلتي غروب
وقال آخر:
إذا اغترت الكريم رأى أموراًمجللة يشيب لها الوليد
وقال آخر:
ما كنت أحسب أن يكون كذا تفرقنا سريعا
بخل الزمان علي أننبقى كما كنا جميعا
فأحلني في بلدةوأحلك البلد الشسيعا
قد كنت أنتظر الوصالفصرت أنتظر الرجوعا
وقال آخر:
نسيم الخزامى والرياح التي جرتبنجد على نجد تذكرني نجدا
أتاني نسيم السدر طيباً إلى الحمىفذكرني نجداً فقطعني وجدا
وفي معناه (الدعاء للمسافر) بأيمن طالع وأسر طائر، ولا كبابك مركب ولا أشت بك مذهب ولا تعذر عليك مطلب، سهل الله لك السير، وأنا لك القصد، وطوى لك البعد بمسرة الظفر وكرامة المدخر. على الطائر الميمون والكوكب السعد إلى حيث تتقاصر أيدي الحوادث عنك وتتقاعس نوائب الأيام دونك بسهولة المطلب ونجاح المنقلب. كان الله لك في سفرك خفيراً وفي حضرك ظهيراً بسعي نجيح وأوب سريح. بصرك الله محلك وهدك رحلك وسر بأوبتك أهلك، ولا زلت آمناً مقيماً وظاعناً بأسعد جد وانجح مطلب واسر منقلب وأكرم بدأة وأحمد عاقبة. أشخص مصحوباً بالسلامة والكلاءة، آئباً بالنجح والغبطة، محوطاً فيما تطالعه بالعناية والشفقة، في ودائع الله وكنفه وجواره وستره وأمانه وحفظه وذمامه. وقال رجل للنبي ﷺ: إني أريد سفراً، فقال: «في كنف الله وستره زودك الله التقوى ووجهك إلى الخير حيثما كنت استخلف الله فيك واستخلفه منك». وقا الشاعر:
في كنف الله وفي سترهمن ليس يخلو القلب من ذكره
وقال آخر:
ارحل أبا بشر بأيمن طائروعلى السعادة والسلامة فانزل
وضده، قال بعض حكماء الفلاسفة: اطلبوا الرزق في البعد فإنكم إن لم تكسبوا مالاً غنمتم عقلاً كثيراً، وقال آخر: لا يألف الوطن إلّا ضيق العطن. وقيل: لا توحشنك الغربة إذا آنستك النعمة. وقيل: الفقير في الأهل مصروم والغني في الغربة موصول. وقال: لا تستوحش من الغربة إذا أنست مصورما. وقيل: أوحش قومك ما كان في إيحاشهم أنسك واهجر وطنك ما نبت عنه نفسك. وأنشد:
لا يمنعنك خفض العيش في دعةنزوع نفس إلى أهل وأوطان
تلقى بكل بلاد إن حللت بهاأهلاً بأهل وجيراناً بجيران
وقال آخر:
نبت بك الدار فسر آمنافللفتى حيث انتهى دار
وفي معناه (الدعاء إلى المسافر) بالبارح الأشأم والسائح الأعضب والصرد الأنكد والسفر الأبعد. لا استمرت به مطيته ولا استتبت به أنيته ولا تراخت منيته. بنحس مستمر وعيش مر. لا قرى إذا استضاف ولا أمن إذا خاف. ويقال إن علياً ﵇ لما اتصل به مسير معاوية قال: لا أرشد الله قائده ولا أسعد رائده ولا أصاب غيثاً ولا سار إلا ريثاً ولا رافق إلا ليثاً أبعده الله وأسحقه وأوقد على أثره وأحرقه لا حط الله رحله ولا كشف محله ولا بشر به أهله، لا زكى له مطلب ولا رحب له مذهب ولا يسر له مراما، فلا فرج الله غمه ولا سرى همه، لا سقاه الله ماء ولا حل عقده ولا أروى زنده، جعله الله سفر الفراق وعصى الشقاق وأنشد:
بأنكد طائر وبشر فاللأبعد غاية وأخس حال
بحد السد حيث يكون منيكما بين الجنوب إلى الشمال
غريباً تمتطي قدميك دهراعلى خوف تحن إلى العيال
وقال آخر:
إذا استقلت بك الركابفحيث لا درّت السحاب
وحيث لا تبتغي فلاحاوحيث لا يرتجى إياب
وحيث ما درت فيه يوماقابلك الذئب والغراب
وقال آخر:
أدنى خطاك الهند والصينوكل نحس بك مقرون
بحيث لا يأنس مستوحشوحيث لا يفرج محزون
تهوي بك الأرض إلى بلدةليس بها حاء ولا طين
النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع