من «المحاسن والأضداد» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
محاسن التطير
عن عكرمة قال: كنا جلوساً عند ابن عباس وابن عمر فطار غراب يصيح، فقال رجل من القوم: خير خير، فقال ابن العباس: لا خير ولا شر، والذي حضرنا من العشر في مثله لأبي الشيص:
ما فرق الأحباب بعد الله إلا الإبل
والناس يلحون غرابالبين لما جهلوا
وما على ظهر غراب البين تطوى الرحل
ولا إذا صاح غراب في الديار ارتحلوا
وما غراب البيين إلا ناقة أو جمل
وقال آخر:
أترحل عمن أنت صب بمثلهوتلحي غراب البين أنك تظلم
أقم فغراب البين غير مفرّقولا بأتي إلا على الفصل يحكم
وقال آخر:
غلط الذين رأيتهم بجهالةيلحون كلهم غراباً ينعق
ما الذنب إلا للجمال فإنهامما يشتت شملهم ويفرق
إن الغراب بيمنه يدنى النوىوتشتت الشمل الجميع الأنيق
وقال آخر:
لا يعلم المرء ليلا ما يصبحهإلا كواذب مما يخبر الفال
والفال والزجر والكهان كلهممضللون ودون الغيب أقفال
وضده، حكي عن النعمان بن المنذر أنه خرج متصيداً ومعه عدي بن زيد العبادي فمر بآرام- وهي القبور- فقال عدي: أبيت اللعن، أتدري ما تقول هذه الآرام؟ فقال: لا قال: إنها تقول:
أيها الركب المخفونعلى الأرض تمرون
لكما كنتم فكناوكما كنا تكونون
فقال: أعد فأعادها فترك صيده ورجع كئيباً، وخرج معه مرة أخرى فوقف على آرام بظهر الحيرة، فقال عدي: أبيت اللعن، أتدري ما تقول هذه الآرام قال: لا، قال: إنها تقول:
رب ركب قد أناخوا عندنايشربون الخمر بالماء الزلال
ثم أضحوا عصف الدهر بهموكذاك الدهر حالا بعد حال
فانصرف وترك صيده. قال: ولما خرج خالد بن الوليد إلى أهل الردة انتهى إلى حي من تغلب فأغار عليهم وقتلهم، وكان رجل منهم جالساً على شراب له وهو يغني بهذا البيت:
ألا عللاني قبل جيش أبي بكرلعل منايانا قريب وما ندري
فوقف عليه رجل من أصحاب خالد فضرب عنقه، فإذا رأسه في الجفنة التي كان يشرب منها. وهذا كقولهم:
إن البلاء موكل بالمنطق
النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع