تجاوز إلى المحتوى

من «المحاسن والأضداد» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

محاسن الوفاء

قيل في المثل: أوفى من مكيهة وهي امرأة من بني قيس بن ثعلبة، كان من وفائها أن السليك بن سلكة عزا بكر بن وائل، فلم يجد غفلة يلتمسها، فخرج جماعة من بكر فوجدوا أثر قدم على الماء فقالوا: إن هذا الأثر قدم ورد الماء، فقصدوا له، فلما وافى حملوا عليه فعدا حتى ولج قبة فكيهة فاستجار بها، فأدخلته تحت درعها فانتزعوا ضمارها فنادت إخوتها فجاءوا عشرة، فمنعوهم منها. قال: وكان سليك يقول: كأني أجد خشونة شعر استها على ظهري حين أدخلتني تحت درعها: وقال:

لعمر أبيك وابناء تنميلينقم الجار أخت بني عوارا
من الخفرات لم تفضح أخاهاولم ترفع لوالدها شنارا
عنيت به فكيهة حين قامتلدخل السيف فانتزعوا الخمارا

ويقال أيضاً: هو أوفى من أم جميل، وهي من رهط ابن أبي بردة من دوس، وكان من وفائها أن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي قتل رجلاً من الأزد فبلغ ذلك قومه بالسراة فوثبوا على ضرار بن الخطاب الفهري ليقتلوه فعدا حتى دخل بيت أم جميل وعاذ بها، فقامت في وجوههم ودعت قومها فمنعوه لها فلما ولي عمر بن الخطاب ظنت أنه أخوه فأتته بالمدينة، فلما انتسبت له عرف القصة فقال: إني لست بأخيه إلا في الإسلام وهو غاز وقد عرفنا منتك عليه وأعطاها على أنها ابنة سبيل. ويقال: أوفى من السموأل بن عاديا»

، وكان من وفائه أن امرأ القيس بن حجر لما أراد الخروج إلى قيصر

استودع السموأل دروعا له فلما مات امرؤ القيس غزاه ملك من ملوك الشام فتحرز منه السموأل فأخذ الملك ابناً له خارج الحصن وصاح، يا سموأل هذا ابنك في يدي وقد علمت أن امرأ القيس ابن عمي وأنا أحق بميراثه، فإن دفعت إلي الدروع وإلا ذبحت ابنك. فقال: أجلني فأجله، فجمع أهل بيته فشاورهم فكلهم أشاروا بدفع الدروع وأن يستنقذ ابنه، فلما أصبح أشرف عليه وقال: ليس لي إلى دفع الدروع سبيل فاصنع ما أنت صانع فذبح الملك ابنه وهو ينظر إليه وكان يهوديا، وانصرف الملك ووافى السموأل بالدروع في الموسم فدفعها إلى ورثة أمرىء القيس: وقال في ذلك:

وفيت بأدرع الكندي إنيإذا ما خان أقوام وفيت
للشاعر السموأل، من قصيدة «عفا من آل فاطمة الخبيت»
وقالوا عنده كنز رهيبفلا وأبيك أغدر ما مشيت
بنى لي عادياً حصناً حصيناًوبئراً كلما شئت استقيت
للشاعر السموأل، من قصيدة «عفا من آل فاطمة الخبيت»

وفي ذلك يقول الأعشى:

كن كالسموأل إذ طاف الهمام بهفي جحفل كسواد الليل جرار
بالأبلق الفرد من تيماء منزلهحصن حصين وجار غير غدار
للشاعر الأعشى، من قصيدة «شريح لا تتركني بعدما علقت»
خبره خطتي خسف فقال لهمهما تقول فإني سامع حار
فقال ثكل وغدر أنت بينهمافاختر فما فيهما حظ لمختار
للشاعر الأعشى، من قصيدة «شريح لا تتركني بعدما علقت»
فشك غير طويل ثم قال لهاقتل أسيرك إني مانع جاري

ويقال: أوفى من الحارث بن عباد، وكان من وفائه أنه أسر عدي بن ربيعة ولم يعرفه، فقال له: دلني على عدي بن ربيعة ولك الأمان، فقال:

أنا آمن أن دللتك عليه، قال: نعم. قال: فأنا عدي بن ربيعة فخلاه وفي ذلك يقول الشاعر:

لهف نفسي على عدي وقد شارفه الموت واجتوته المنون

ويقال: هو أوفى من عوف بن محلم، وكان من وفائه أن مروان القرظ عزا بكر بن وائل ففضوا جيشه وأسره رجل منهم وهو لا يعرفه فأتى به

أمه فقالت: إنك تختال بأسيرك كأنك جئت بمروان القرظ فقال لها مروان:

وما ترجين من مروان؟ قالت: عظم فدائه. قال: وكم ترجين من فدائه؟

قالت: مائة بعير. قال مروان: لك ذلك على أن ترديني إلى خماعة بنت عوف بن محلم، قالت: ومن لي بالمائة فأخذ عوداً من الأرض وقال: هذا لك، فمضت به إلى عوف فاستجار بخماعة ابنته فبعثت به إلى عوف، ثم إن عمرو بن هند بعث إلى عوف أن يأتيه بمروان، وكان واجداً عليه في شيء، فقال عوف لرسوله: إن خماعة ابنتي قد أجارته، فقال: إن الملك قد آلى أن يعفو عنه أو يضع كفه في كفه، فقال عوف: يفضل ذلك على أن تكون كفي بين أيديهما، فأجابه عمرو إلى ذلك، فجاء عوف بمروان فأدخله عليه فوضع يده في يده ووضع يده بين أيديهما فعفا عنه. ومنهم الطائي صاحب النعمان بن المنذر، وكان من وفائه أن النعمان ركب في يوم بؤسه، وكان له يومان يوم بؤس ويوم نعيم لم يلقه أحد في يوم بؤسه إلا قتله ولا في يوم نعيمه إلا أحياه وحباه وأعطاه، فاستقبله في يوم بؤسه أعرابي من طيء، فقال: حيا الله الملك، لي صبية وصغار لم أوص بهم أحداً فإن رأى الملك أن يأذن لي في إتيانهم وأعطيه عهد الله أن أرجع إليه إذا أوصيت بهم حتى أضع يدي بين يديه، فرق له النعمان وقال له: لا إلا أن يضمنك رجل ممن معنا فإن لم تأت قتلناه، وكان مع النعمان شريك بن عمرو بن شراحبيل فنظر إليه الطائي وقال:

يا شريك ابن عمروهل من الموت محاله
يا أخا كل مضافيا أخا من لا أخاله
يا أخا النعمان فكاليوم عن شيخ غلاله
ابن شيبان قتيلأصلح الله فعاله

فقال شريك: هو علي أصلح الله الملك، فمضى الطائي وأجل له أجلاً يأتي فيه، فلما كان ذلك اليوم أحضر النعمان شريكاً وجعل يقول له:

إن صدر هذا اليوم قد ولي وشريك يقول: ليس لك علي سبيل حتى نمسي فلما أمسوا أقبل شخص والنعمان ينظر إلى شريك فقال شريك: ليس لك

علي سبيل حتى يدنو الشخص فلعله صاحبي، فبينما هما كذلك أقبل الطائي فقال النعمان: والله ما رأيت أكرم منكما وما أدري أيكما أكرم أهذا الذي ضمنك وهو الموت أم أنت وقد رجعت إلى القتل؟ والله لا أكون الأم الثلاثة، فأطلقه وأمر برفع يوم بؤسه. وأنشد الطائي:

ولقد دعتني للخلاف عشيرتيفأبيت عند تجهم الأقوال
إني امرؤ مني الوفاء سجيةوفعال كل مهذب بذال

فقال النعمان: ما حملك على الوفاء؟ قال: ديني. قال: وما دينك؟

قال: النصرانية. قال: أعرضها علي، فعرضها عليه، فتنصر النعمان.

وضده، قيل: كتب صاحب بريد همذان إلى المأمون وهو بخراسان يعلمه إن كاتب صاحب البريد المعزول أخبره أن صاحبه وصاحب الخراج كانا تواطأ اعلى إخراج مائتي ألف درهم من بيت المال واقتسماها بينهما، فوضع المأمون، إنا ترى قبول السعاية شراً من السعاية لأن السعاية دلالة والقبول إجارة وليس من دل على شيء كمن قبله وأجازه، فأنف الساعي عند ذلك وقال: يا أمير المؤمنين رضي الله عنك. المعذرة فإن الساعي وإن كان في سعايته صادقا لقد كان في صدقه لئيماً إذ لم يحفظ الحرمة ولم يف لصاحبه.

قال: ودخل رجل على سليمان بن عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين، عندي نصيحة. قال: وما نصيحتك هذه؟ قال: فلان كان عاملاً ليزيد بن معاوية وعبد الملك والوليد، فخانهم فيما تولاه ثم اقتطع اموالا كثيرة جليلة فمر باستخراجها منه. قال: أنت شر منه وأخون حيث أطلقت على أمره وأظهرته ولولا أني أنفر النصاح لعاقبتك، ولكن اختر مني خصلة من ثلاث.

قال: أعرضهن يا أمير المؤمنين. قال: إن شئت فتشنا عما ذكرت، فإن كنت صادقاً مقتناك، وإن كنت كاذباً عاقبناك وإن استقلت أقلناك، فاستقاله الرجل.

النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المحاسن والأضداد»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.