من «المحاسن والأضداد» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
محاسن طلب الرزق
قال عمرو بن عتبة: «من لم يقدمه الحزم أخره العجز»، وقال رسول الله ﷺ: يقول الله ﵎: «يابن آدم أحدث لي سفراً أحدث لك رزقاً»، وفي بعض الحديث «سافروا تغنموا». وقال الكميت بن زيد الأسدي:
ولن يزيح هموم النفس إن حضرتحاجات مثلك إلا الرحل والجمل
وقال أبو تمام الطائي:
وطول مقام المرء في الحي مخلقٌلديباجتيه، فاغترب تتجدد
فإني رأيت الشمس زيدت محبةًإلى الناس أن ليست عليهم بسرمد
وقال بعض الحكماء: «لا تدع الحيلة في التماس الرزق بكل مكان، فإن الكريم محتال والدنيء عيال وأنشد يقول:
فسر في بلاد الله والتمس الغنىتعش ذا يسارٍ أو تموت فتعذرا
ولا ترض من عيش بدون ولا تنموكيف ينام الليل من كان معسرا
وتقول العامة: «كلب جوال خير من أسد رابض»، وتقول: «من غلى دماغه صائفاً، غلت قدره شاتياً». ووقع عبد الله بن طاهر: «من سعى رعى، ومن لزم المنام رأى الأحلام». هذا المعنى سرقه من توقيعات أنوشروان فإنه يقول: «هرك روذ جرد هرك خسبد خراب ببند». وأنشد:
كفى حزناً أن النوى قذفت بنابعيداً وأن الرزق أعيت مذاهبه
ولو أننا إذ فرق الدهر بينناغنى واحدٍ منا تمول صاحبه
ولكننا من دهرنا في مؤونةٍيكالبنا طوراً وطوراً نكالبه
وقال آخر:
ومن يك مثلي ذا عيالٍ ومقتراًمن المال يطرح نفسه كل مطرح
ليبلغ عذراً أو ينال غنيمةًومبلغ نفسٍ عذرها مثل منجح
وقال آخر:
وليس الرزق عن طلبٍ حثيثٍولكن أدل دلوك في الدّلاء
تجئك بملئها حينا وطوراتجيّ بحمأة وقليل ماء
وضده، قيل: وجد في بعض خزائن ملوك العجم لوح من حجارة، مكتوب عليه: «كن لما لا ترجو، أرجى منك لما ترجو؛ فإن موسى ﵇ خرج ليقبس ناراً، فنودي بالنبوة». وبلغنا عن ابن السماك أنه قال:
«لا تشتغل بالرزق المضمون عن العمل المفروض، وكن اليوم مشغولاً بما أنت مسؤول عنه غداً، وإياك والفضول، فإن حسابها يطول». قال الشاعر:
إني علمت، وعلم المرء ينفعهأن الذي هو رزقي سوف يأتيني
أسعى له فيعنّيني تطلبهولو قعدت، أتاني لا يعنيني
وقال آخر:
لعمرك ما كل التعطل ضائرولا كلّ شغل فيه للمرء منفعة
إذا كانت الأرزاق في القرب والنوىعليك سواءً، فاغتنم لذة الدعة
وقال آخر:
سهل عليك، فإنّ الرزق مقدوروكل مستأنفٍ في اللوح، مسطور
أتى القضاء بما فيه لمدتهوكل ما لم يكن فيه، فمخطور
لا تكذبن فخير القول أصدقهإن الحريص على الدنيا لمغرور
؟ وقال آخر:
لا تعتبن على العباد، فإنمايأتيك رزقك حين يؤذن فيه
وقال آخر:
هي المقادير تجري في أعنتهافاصبر فليس لها صبرٌ على حال
يوما تريش خسيس القوم ترفعهدون السّماء ويوما تخفض العالي
وقال آخر:
اصبر على زمن جم نوائبهفليس من شدةٍ إلا لها فرج
تلقاه بالأمس في عمياء مظلمةٍويصبح اليوم قد لاحت له السرج
وقال آخر:
ألا رب راج حاجةً لا ينالهاوآخر قد تقضى له وهو آيس
يجول لها هذا وتقضى لغيرهفتأتي الذي تقضى له وهو جالس
وقال آخر:
فلما أن عنيت بما ألاقيوأعيتني المسائل بالقروض
دعوت الله لا أرجو سواهوربّ العرش ذو فرج عريض
وقال آخر:
يا صاحب الهم إن الهم منفرجٌأبشر بخيرٍ كأن قد فرج الله
اليأس يقطع أحياناً بصاحبهلا تيأسن فإن الصانع الله
إذا ابتليت فثق بالله وارض بهإن الذي يكشف البلوى هو الله
وقال آخر:
وإذا تصبك من الحوادث نكبةٌفاصبر، فكل بليةٍ تتكشّف
النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع