من «المحاسن والأضداد» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
النساء الماجنات
قال سليمان بن عبد الملك: «أنشدوني أحسن ما سمعتم من شعر النساء»، فقال بعضهم: يا أمير المؤمنين سار رجل من الظرفاء في بعض طرقاته، إذا أخذته السماء، فوقف تحت مظلة ليستكن من المطر، وجارية مشرفة عليه، فلما رأته حذفته بحجر فرفع رأسه وقال:
لو بتفاحةٍ رميت رجوناومن الرمي بالحصاة جفاء
فأجابته:
ما جهلنا الذي ذكرت من الشّكل ولا بالذي نراه خفاء
وداية معها، فقالت:
قد بدأتيه ما ذكرت وجديليت شعري فهل لهذا وفاء
وسائلة في الباب، فقالت:
قد لعمري دعوتها فاجابتهي داءٌ، وأنت منه شفاء
قال سليمان: «قاتلها الله هي والله أشعرهم».
عنان جارية الناطفي، قال السلولي: دخلت يوماً على عنان وعندها رجل أعرابي، فقالت: «أيا عم لقد أتى الله بك»، قلت: «وما ذاك» ؟ قالت:
«هذا الأعرابي دخل علي فقال: بلغني أنك تقولين الشعر فقولي بيتاً»، فقلت لها: «قولي»، فقالت: «قد رتج علي، فقل أنت»، فقلت:
لقد جد الفراق وعيل صبريعشية عيرهم للبين زمت
فقال الأعرابي:
نظرت إلى أواخرها ضحياوقد بانت وأرض الشام أمت
فقالت عنان:
كتمت هواكم في الصدر منيعلى أن الدموع علي نمت
فقال الأعرابي: «أنت والله أشعرنا، ولولا أنك بحرمة رجل لقبلتك، ولكني أقبل البساط». وقال بعضهم: دخلت علي عنان فإذا عليها قميص يكاد يقطر صبغة وقد تناولها مولاها بضرب شديد وهي تبكي فقلت:
إن عناناً أرسلت دمعهاكالدر إذ ينسل من سمطه
فقالت وأشارت إلى مولاها:
فليت من يضربها ظالماًتجف يمناه على سوطه
فقال مولاها: «هي حرة لوجه الله إن ضربتها ظالماً أو غير ظالم».
قال: واجتمع أبو نواس، والفضل الرقاشي، والحسين الخليع، وعمرو الوراق، ومحكم بن رزين، والحسين الخياط في منزل عنان فتناشدوا إلى وقت العصر، فلما أرادوا الانصراف قالوا: «أين نحن الليلة» ؟
فكل قال: «عندي» ؟ فقالت عنان: «بالله قولوا شعراً وارضوا بحكمي»، فقال الرقاشي:
عذراء ذات احمرارٍإني بها لا أحاشي
قوموا نداماي روّوامشاشكم من مشاشي
وناطحوني كئوساًنطاح صلب الكباش
وإن نكلت فحلٌّلكم دمي ورياشي
فقال أبو نواس:
لا بل إلي ثقاتيقوموا بنا بحياتي
قوموا نلذ جميعاًبقول هاك وهات
فإن أردتم فتاةًأتيتكم بفتاتي
وإن أردتم غلاماًصادفتموني مؤاتي
فبادروه مجوناًفي وقت كل صلاة
وقال الحسين الخليع:
أنا الخليع فقومواإلى شراب الخليع
إلى شرابٍ لذيذٍوأكل جدي رضيع
ونيك أحوى رخيمٍبالخندريس صريع
قوموا تنالوا وشيكاًمثال ملك رفيع
وقال الوراق:
قوموا إلى بيت عمروإلى سماع وخمر
وساقيات عليناتطاع في كل أمر
وبيسري رخيمٍيزهو بجيد ونحر
فذاك بر وإنشئتم أتينا ببحر
هذا وليس عليكمأولى ولا وقت عصر
وقال محكم بن رزين:
قوموا إلى دار لهوٍوظل بيت دفين
فيه من الورد والمرزنجوش والياسمين
وريح مسك ذكيوجيد المرزجون
قوموا فصيروا جميعاًإلى الفتى ابن رزين
فقال الحسين الخياط:
قضت عنان علينابأن نزور حسينا
وأن تقروا لديهبالقصف واللهو عينا
فما رأينا كظرفالحسين فيما رأينا
قد قرّب الله منهزينا وباعد شينا
قوموا وقولوا أجزناما قد قضيت علينا
وقالت عنان:
مهلاً فديتك مهلاًعنان أحرى وأولى
بأن تنالوا لديهاأسنى النعيم وأحلى
قإنّ عندي حراماًمن الشراب وحلا
لا تطمعوا في سوائيمن البرية كلا
يا سادتي خبرونيأجاز حكمي أم لا
فقالوا جميعاً: «قد أجزنا حكمك وأقاموا عندها».
قال: وكتبت عنان إلى الفضل بن الربيع:
كن لي هديت إلى الخليفة سلّمابوركت يابن وزيره من سلم
حث الإمام على شراي وقل لهريحانةٌ ذخرت لأنفك فاشمم
وكانت عنان تتوقى أبا نواس، وتخاف بمجونه وسفهه، وفيها يقول:
عنان يا من تشبه العيناأنتم على الحب تلومونا
حسنك حسن لا يرى مثلهقد ترك الناس مجانينا
فتهيأت لأبي نواس، وتصنعت له، إلى أن صار إليها، فرأى عندها بعض وجوه أهل بغداد، فأحب أن يخجلها، فقال لها:
ما تأمرين لصبيكفيه منك قطيره
فقالت:
إياي تعني بهذاعليك فاجلد عميره
فقال:
إني أخاف وربيعلى يدي من عبيرة
فقالت:
علبك أمك نكهافإنها كندبيره
فأخجلته، وشاع الخبر حتى بلغ الرشيد فاستظرفها، وطلبها من الناطفي، فحملت إليه فقال لها: «يا عنان»، قالت: «لبيك يا سيدي»، فقال: «ما تأمرين لصب» ؟ قالت: «قد مضى الجواب في هذا يا أمير المؤمنين»، قال: «بحياتي كيف قلت» ؟ قالت: قلت:
إياي تعني بهذاعليك فاجلد عميره
فضحك الرشيد وطلبها من مولاها، فاستام فيها مالاً جزيلاً، فردها.
عريب جارية المأمون:
وأنتم أناسٌ فيكم الغدر شيمةٌلكم أوجه شتى وألسنة عشر
عجبت لقلبي كيف يصبوا إليكمعلى عظم ما يلقى وليس له صبر
فضل الشاعر حدثنا القاسم بن عبد الله الحراني قال: كنت عند سعيد بن حميد الكاتب ذات يوم وقد افتصد، فأتته هدايا «فضل الشاعرة» ألف جدي، وألف دجاجة، وألف طبق رياحين، وطيب وعنبر، وغير ذلك، فلما وصل ذلك كتب إليها: «إن هذا اليوم لا يتم سروره إلا بك وبحضورك». وكانت من أحسن الناس ضرباً بالعود، وأملحهم صوتاً، وأجودهم شعراً، فأتته، فضرب بينه وبينها حجاب، وأحضر قوماً ندماءه، ووضعت المائدة، وجيء بالشراب، فلما شربنا أقداحنا أخذت عودها فغنت بهذا الشعر، والصوت لها والشعر والأبيات هذه:
يا من أطلت تفرسيفي وجهه وتنفسي
أفديك من متدلليزهو بقتل الأنفس
هبني أسأت وما أسأت بلى أقول أنا المسي
أحلفتني أن لا أسارق نظرةً في مجلسي
فنظرت نظرة عاشقٍأتبعتها بتنفسي
ونسيت أني قد حلفتفما يقال لمن نسي
وضربت أيضاً وغنت:
عاد الحبيب إلى الرضافصفحت عما قد مضى
من بعد ما لصدودهشمت الحسود فعرضا
تعس البغيض فلم يزللصدودنا متعرضا
هبني أسأت وما أسأت فإن أسأت لك الرضا
قال: فما أتى علي يوم أسر من ذلك اليوم.
صاحبة الفرزدق: ذكروا أن الفرزدق كان مع أصحاب له فإذا هو بجارية مع مولاها، فقال لأصحابه: «هل أخجل لكم هذه» ؟ قالوا: «نعم»، فقال:
إن لي إيراً خبيثاًلونه يحكي الكميتا
لو يرى في السقف صدعا[لأستحال] عنكبوتا
أو يرى في الأرض شقّالنزا حتى يموتا
فقالت الجارية:
زوجوا هذا بألفٍوأرى ذلك قوتا
قبل أن ينقلب الداء فلا يأتي ويوتى
فخجل الفرزدق وانصرف.
صاحبة جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي، قالت:
عزمت على قلبي بأن أكتم الهوىفضج ونادى إنني غير عاقل
فإن حان موتي لم أدعك بغصتيوأقررت قبل الموت أنك قاتلي
جارية البارقي: ذكروا أنها أنشدت في مجلس عمرو بن مسعدة:
يا أحسن العالم حتى متىيرتفع الحب وانحط
وكيف منجاي وبحر الهوىمذ حف بي ليس له شط
فأجيبت:
يدركك الوصل فتنجو بهأو يقع البحر فتنحطّ
قال علي بن الجهم: كنت في مجلس محمد بن عمرو بن مسعدة، فأقبلت جارية كأنها البدر ليلة التمام، بلون كأنه الدر في البياض، مع احمرار خدين كشقائق النعمان فسلمت، فقال لي محمد: «يا أبا الحسن! هذه الجنة التي كنتم توعدون»، فقالت:
وما الوعد يا سؤلي وغاية منيتيفإن فؤادي من مقالك طائر
فقال لها محمد:
أما وإله العرش ما قلت سيئاًوما كان إلا أنني لك شاكر
فقال ابن الجهم:
أمسك فديتك عن عتاب محمدفهو المصون لوده، المتحاذر
فأقبلت تحدثنا، فإذا عقل كامل، وجمال فاضل، وحسن قاتل، وردف مائل فقلت: «لقد أقر الله عيناً تراك»، فقالت: «أقر الله أعينكم، وزادكم سروراً وغبطة». ثم اندفعت تغني بنغمة لم أسمع أحسن منها:
أروح بهم من هواك مبرحأناجي به قلباً كثير التّفكّر
عليك سلام لا زيارة بينناولا وصل إلا أن يشاء ابن معمر
فما زلنا بومنا ذلك معها في الفردوس الأعلى، وما ذكرتها، بعد ذلك، إلا اشتقت لها، وأسفت عليها.
محمد بن حماد قال: كنا يوماً عند إسحاق بن نجيح، وعنده جارية يقال لها «شادن»، موصوفة بجودة ضرب العود، وشجو صوت، وحسن خلق، وظرف مجلس، وحلاوة وجه، وأخذت العود وغنت:
ظبيٌ تكامل في نهاية حسنهفزها ببهجته وتاه بصده
فالشمس تطلع من فرند جبينهواليدر يغرق في شقائق خده
ملك الجمال بأسره فكأنماحسن البرية كلها من عنده
يا رب هب لي وصله وبقاءهأبداً فلست بعائشٍ من بعده
فطارت عقولنا، وذهلت ألبابنا من حسن غنائها وظرفها، فقلت: «يا سيدتي، من هذا الذي تكامل في الحسن والبهاء سواك» ؟ فقالت:
فإن بحت نالتني عيونٌ كثيرةٌوأضعف عن كتمانه حين أكتم
النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع