من «المحاسن والأضداد» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
محاسن النساء [الشاعرات]
قيل: كان رسول الله ﷺ يستحسن قول الخنساء في صخر أخيها:
لا بدّ من ميتة في صرفها غيروالدهر من شأنه حول وإضرار
وإن صخراً لتأتم الهداة بهكأنه علم في رأسه نار
وقيل للخنساء: «صفي لنا صخراً» ؟ فقالت: «كان مطر السنة الغبراء، وذعاف الكتيبة الحمراء». قيل: «فمعاوية» ؟ قالت: «حياء الجدبة إذا نزل، وقرى الضيف إذا حل». قيل: «فأيهما كان عليك أحنى» ؟ قالت: أما صخر فسقام الجسد، وأما معاوية فجمرة الكبد، وأنشدت:
أسدان محمرا المخالب نجدةًغيثان في الزّمن الغصوب الأعسر
قمران في النادي رفيعا محتدفي المجد فرعا سؤدد متخير
وروي إنها دخلت على عائشة أم المؤمنين، عليها صدار من شعر، فقالت لها عائشة: أتتخذين الصدار، وقد نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وآله» ؟
فقالت: «يا أم المؤمنين! زوجي كان رجلاً متلافاً منفقاً، فقال لي: لو أتيت معاوية فاستعنته، فخرجت وقد لقيني صخر، فأخبرته فشاطرني ماله ثلاث مرات، فقالت له امرأته: لو أعطيتها من شرارها- تعني الإبل- فقال:
تا لله لا أمنحها شرارهاوهي حصان قد كفتني عارها
وإن هلكت مزقت خمارهاواتخذت من شعر صدارها
فلما هلك صخر اتخذت هذا الصدار، ونذرت أن لا أنزعه حتى أموت». قال ثور بن معن السلمي: حدثني أبي قال: دخلت على الخنساء في الجاهلية وعليها صدار من شعر، وهي تجهز ابنتها، فكلمتها في طرح الصدار، فقالت: «يا حمقاء والله لأنا أحسن منك عرساً، وأطيب منك درساً، وأرق منك نعلا، وأكرم منك بعلا». قال عبد الرحمن بن مرة عن بعض أشياخه أن عمر بن الخطاب قال للخنساء: «ما أقرح مآقي عينيك» ؟
قالت: «بكائي على السادات من مضر»، قال: «يا خسناء إنهم في النار»، قالت: «ذلك أطول لعويلي». ومما اخترنا من أشعارها قولها:
تفرقني الدهر قرعاً وغمزاًوأوجعني الدهر نهشاً ووخزا
وأفنى رجالي فبادوا معاًفأصبح قلبي لهم مستفزا
كأن لم يكونوا حمىً يتقىإذ الناس إذ ذاك من عز بزا
وكانوا سراة بني مالكوزين العشيرة مجداً وعزا
وهم في القديم صحاح الأديم والكائنون من الناس حرزا
بسمر الرماح وبيض الصفاحفبالبيض ضرباً وبالسمر وخزا
حززنا نواصي فرسانكموكانوا يظنون أن لا تحزا
ومن ظن ممن يلاقي الحروببأن لا يصاب فقد ظن عجزا
نعف ونعرف حق القرىونتخذ الحمد ذخراً وكنزا
ونلبس في الحرب نسج الحديدوفي السلم نلبس خزاً وقزا
وروي خبر الخنساء من جهة أخرى: ذكروا أنها أقبلت حاجة، فمرت بالمدينة ومعها أناس من قومها، فأتوا عمر بن الخطاب، فقالوا: «هذه خنساء، فلو وعظتها فقد طال بكاؤها في الجاهلية والإسلام»، فقام عمر وأتاها وقال: «يا خنساء»، قال: فرفعت رأسها، فقالت: «ما تشاء وما الذي تريد» ؟ فقال: «ما الذي أقرح مآقي عينيك» ؟ قالت: «البكاء على سادات مضر». قال: «إنهم هلكوا في الجاهلية، وهم أعضاد اللهب، وحشو
جهنم»، قالت: «فداك أبي وأمي، فذلك الذي زادني وجعاً»، قال:
«فأنشديني ما قلت»، قالت: «أما أني لا أنشدك ما قلت قبل اليوم، ولكني أنشدك ما قلته الساعة»، فقالت:
سقى جدثاً أعراق غمرة دونهوبيشه ديمات الربيع ووابله
وكنت أعير الدمع قبلك من بكىفأنت على من مات قبلك شاغله
وأرعيهم سمعي إذا ذكروا الأسىوفي الصدر مني زفرة لا تزايله
فقال عمر: دعوها فإنها لا تزال حزينة أبدا.
ليلى الأخيليلة هاجها رجل من قومها فقال:
ألا حييا ليلى وقولا لها هلافقد ركبت أيراً أغر محجلاً
فأجابته:
تعيرني داء بأمك مثلهوأي جواد لا يقال له هلا
ذكروا أنها دخلت على عبد الملك بن مروان، فقال لها: «يا ليلى هل بقي في قلبك من حب توبة، فتى الفتيان، شيء» ؟ قالت: «وكيف أنساه» ؟ وهو الذي يقول يا أمير المؤمنين:
ولو أن ليلى في ذرى متمنّعبنجران لا لتفّت علي قصورها
حمامة بطن الواديين ترنميسقاك من الغر الغوادي مطيرها
أبيني لنا لا زال ريشك ناعماًوبيضك في خضراء غصن نصيرها
تقول رجال لا يصيرك نأيهابلى كلّ ما شفّ الفنّوس يصيرها
أيذهب ريعان الشباب ولم أزركواعب في همدان بيضاً نحورها
قال: «عمرك الله أن تذكيه». ولتوبة في ليلى الأخيلية:
ولو أن ليلى الأخيلية سلمتعلي ودوني جندل وصفائح
لسلمت تسليم البشاشة أو زقاإليها صدىً من جانب القبر صائح
ولو أن ليلى في السماء لأصعدتبطرفي إلى ليلى العيون اللّوامح
فلما مات توبة، مز زوج ليلى بليلى على قبره، فقال لها: «سلمي على توبة فإنه زعم في شعره أنه يسلم عليك تسليم البشاشة»، فقالت: «ما تريد إلى من بليت عظامه»، فقال: «والله لتفعلن»، فقالت وهي على البعير: «سلام عليك يا توبة، فتى الفتيان». وكانت قطاة مستظلة في ثقب من ثقب القبر، فلما سمعت الصوت، طارت وصاحت، فنفر البعير ورمى بليلى فماتت، فدفنت إلى جنب قبر توبة. قال: وسأل الحجاج ليلى:
«هل كان بينك وين توبة ريبة قط» ؟ قالت: «لا والذي أسأله صلاحك أنه مرة قال لي قولاً ظننت أنه خنع لبعض الأمر» فقلت له:
وذي حاجة قلنا له لا تبح بهافليس إليها ما حييت سبيل
لنا صاحب لا ينبغي أن نخونهوأنت لأخرى فارغ وخليل
فما كلمني بعد ذلك بشيء، حتى فرق بيني وبينه الموت.
قال الحجاج: «فما كان بعد ذلك» ؟ قالت: لم يلبث أن قال لصاحب له: إذا أتيت الحاضر من بني عباد فقل بأعلى صوتك:
عفا الله عنها هل أبيتن ليلةًمن الدهر لا يسري إلي خيالها
فلما سمعت الصوت، خرجت، فقلت:
وعنه عفا ربي وأحسن حالهتعز علينا حاجة لا ينالها
قال: ودخلت ليلى على الحجاج فأنشدته قولها فيه:
إذا نزل الحجاج أرضاً سقيمةًتتبع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الداء العضال الذي بهاغلام إذا هز القناة ثناها
أحجاج لا تعطي العصاة مناهمولا الله يعطي للعصاة مناها
فوصلها الحجاج بألف دينار، وقال: لو قلت: «بدل غلام همام لكان أحسن».
هند بنت عتبة أم معاوية بن أبي سفيان قيل: لما قتل شيبة وعتبة، ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة، رثتهم هند فقالت:
إني رأيت فساداً بعد إصلاحفي عبد شمس فقلبي غير مرتاح
هاجت لهم ادمعٌ تترى ومنبعهامن رأس محروبة إن لها لاحي
لما تنادت بنو فهرٍ على حنقٍوالموت بينهم ساعٍ لأرواح
كأنما النسج في قتلى مصرعةٍسرجٌ أضاءت على جدرٍ وألواح
يا آل هاشم إنا لا نصالحكمحتى نرى الخيل تردي كل كفاح
إن يمكن الله يوماً من هزيمتكميورث نساءكم داءً بتقراح
فأجابتها عمرة بنت عبد الله بن رواحة الأنصاري:
يا هند مهلاً لقد لا قيت مهبلةًيوم الأعنة والأرواح في الراح
أسدٌ غطارفةٌ غرٌ جحاجحةٌأبناء محصنةٌ بيضٌ لجحجاح
هنالك الفوز والرضوان إن صبروامع الرسول فما آبوا بتقباح
الله أهلكهم والأوس شاهدةٌوالخزرج الغر فيهم كلّ مجتاح
لا تبعدنّ فإنّي غير صارخةوكيف تصرخ ذات البعل: يا صاح
النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع