من «المحاسن والأضداد» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
محاسن الدنيا [ومساوئها]
قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: «الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار عافية لمن لها عنها، ودار غنى لمن تزود منها، مسجد أنبياء الله، ومهبط وحيه، ومصلى ملائكته، ومتجر أوليائه يكسبون فيها الرحمة، ويربحون فيها الجنة، فمن ذا يذمها؟ وقد آذنت ببنيها، ونادت بفراقها، ونعت نفسها، وشوقت بسرورها إلى السرور، وببلائها إلى البلاء تخويفاً وتحذيراً، وترغيباً وترهيباً. فيا أيها الذام للدنيا والمفتتن بغرورها متى غرتك: أبمصارع آبائك من البلى، أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى؟ كم عللت بكفيك، وكم مرضت بيديك؟ تبتغي لهم الشفاء، وتستوصف لهم الأطباء، وتلتمس لهم الدواء؟ لم تنفعهم بطلبتك، ولم تشفعهم بشفاعتك، ولم تستشفهم باستشفائك بطبك. مثلت بهم الدنيا مصرعك ومضجعك، حيث لا ينفعك بطاؤك، ولا يغني عنك أحباؤك».
ثم التفت إلى قبور هناك، فقال: «يا أهل الثراء والعز، الأزواج قد نكحت، والأموال قد قسمت، والدور قد سكنت. هذا خير ما عندنا، فما خير ما عندكم» ؟ ثم قال لمن حضر: «والله، لو أذن لهم لأجابوا بأن خير الزاد التقوى». وأنشد:
ما أحسن الدنيا وإقبالهاإذا أطاع الله من نالها
من لم يواس من فضلهاعرض للإدبار إقبالها
قال أبو حازم: «الدنيا طالبة ومطلوبة. طالب الدنيا يطلبه الموت
حتى يخرجه منها، وطالب الآخرة تطلبه الدنيا حتى توفيه رزقه». وقال الحسن البصري: «بينا أنا أطوف بالبيت، إذا أنا بعجوز متعبدة، فقلت:
«من أنت» ؟ فقالت: «من بنات ملوك غسان»، قلت: «فمن أين طعامك» ؟ قالت: «إذا كان آخر النهار، جاءتني امرأة متزينة، فتضع بين يدي كوزاً من ماء، ورغيفين، قلت لها: «أتعرفينها» ؟ قالت: «اللهم لا». قلت: «هي الدنيا خدمت ربك، جل ذكره، فبعث إليك الدنيا فخدمتك».
وضده، زعموا أن زياد أبن أبيه مر بالجدة، فنظر إلى دير هناك، فقال لخادمه: «لمن هذا» ؟ قيل له: «هذا دير حرقة بنت النعمان بن المنذر»، فقال: «ميلوا بنا إليه نسمع كلامها»، فجاءت إلى وراء الباب فكلمها الخادم فقال لها: «كلمي الأمير»، فقالت: «أأوجز أم أطيل» ؟ قال: «بل أوجزي»، قالت: «كنا أهل بيت طلعت الشمس علينا وما على الأرض أحد أعز منا، وما غابت تلك الشمس حتى رحمنا عدونا»، قال: فأمر لها بأوساق من شعير، فقالت: «أطعمتك يد شبعاء جاعت، ولا أطعمتك يد جوعاء شبعت»، فسر زياد بكلامها، فقال لشاعر معه: قيد هذا الكلام ليدرس، فقال:
سل الخير أهل الخير قدماً ولا تسلفتىً ذاق طعم الخير منذ قريب
ويقال: إن فروة بن إياس بن قبيصة انتهى إلى دير حرقة بنت النعمان، فألفاها وهي تبكي، فقال لها: «ما يبكيك» ؟ قالت: «ما من دار امتلأت سرورا إلّا امتلأت بعد ذلك تبوراً»، ثم قالت:
فبينا نسوس الناس والأمر أمرناإذا نحن فيهم سوقة نتنصف
فأف لدنيا لا يدوم نعيمهاتقلب تارات بنا وتصرف
قال: وقالت حرقة بنت النعمان لسعد بن أبي وقاص: «لا جعل الله
لك إلى لئيم حاجة، ولا زالت لكريم إليك حاجة، وعقد لك المنن في أعناق الكرام، ولا أزال بك عن كريم نعمة، ولا أزالها بغيرك إلا جعلك سبباً لردها عليه».
قال: وقال عبد الله بن مروان لسلم بن يزيد الفهمي: «أي الزمان أدركت أفضل وأي ملوكه أكمل» ؟ قال: «أما الملوك فلم أر إلّا ذاماً وحامداً، وأما الزمان فرفع أقواماً ووضع آخرين، وكلهم يذم زمانه لأنه يبلي جديدهم ويهرم صغيرهم، وكل ما فيه منقطع إلا الأمل»، قال: «فأخبرني عن فهم»، قال: هم كما قال الشاعر:
درج الليل والنهار على فه م بن عمرو فأصبحوا كالرميم
وخلت دارهم فأضحت قفاراًبعد عز وثروة ونعيم
وكذاك الزمان يذهب بالناس وتبقى ديارهم كالرسوم
قال: فمن يقول منكم:
رأيت الناس مذ خلقوا وكانوايحبون الغني من الرجال
وإن كان الغني أقل خيراًبخيلاً بالقليل من النوال
فلا أدري علام وفيم هذاوماذا يرتجون من المحال
أللدنيا فليس هناك دنياولا يرجى لحادثة الليالي
قال: أنا، وقد كتمتها. قال: ولما دخل علي صلوات الله عليه المدائن فنظر إلى إيوان كسرى أنشد بعض من حضره قول الأسود بن يعفر:
ماذا يؤمل بعد آل محرقتركوا منازلهم وبعد إياد
أهل الخورنق والسدير وبارقوالقصر ذي الشرفات من سنداد
نزلوا بأنقرة يسيل عليهمماء الفرات يجيء من أطواد
أرض تخيرها لطيب نسيمهاكعب بن مامة وابن أم دواد
جرت الرياح على محل ديارهمفكأنما كانوا على ميعاد
فإذا النعيم وكل ما يلهى بهيوماً يصير إلى بلىً ونفاد
وقال علي صلوات الله عليه: «أبلغ من ذلك قول الله تعالى: «كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك، وأورثناها قوماً آخرين، فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين».
وقال عبد الله بن المعتز: «أهل الدنيا كركب، يسار بهم، وهم نيام». وقال غيره: «طلاق الدنيا مهر الجنة»، وذكروا أن إعرابياً ذكر الدنيا، فقال: «هي جمة المصائب، رنقة المشارب». وقال آخر: «الدنيا لا تمتعك بصاحب». قال أبو الدرداء: «من هوان الدنيا على الله تعالى إنه لا يعصى إلا فيها، ولا ينال ما عنده إلا بتركها». وقال: «إذا أقبلت الدنيا على امرىء أعارته محاسن غيره، وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه».
وقال الشاعر:
أيا دنيا حسرت لنا قناعاًوكان جمال وجهك في النقاب
ديار طالما حجبت وعزتفأصبح إذنها سهل الحجاب
وقد كانت لنا الأيام ذلتفقد قرنت بأيام صعاب
كأن العيش فيها كان ظلاًيقلبه الزمان إلى ذهاب
قال الأصمعي: وجد في دار سليمان بن داود، ﵇، على قبته مكتوباً:
ومن يحمد الدنيا لشيء يسرهفسوف لعمري عن قريب يلومها
إذا أدبرت كانت على المرء حسرةًوإن أقبلت كانت كثيراً همومها
وكان إبراهيم بن أدهم ينشد:
نرقع دنيانا بتمزيق ديننافلا ديننا يبقى ولا ما نرقع
وقال أبو العتاهية:
يا من ترفع بالدنيا وزينتهاليس الترفع رفع الطين بالطين
إذا أردت شريف القوم كلهمفأنظر إلى ملك في زي مسكين
ذاك الّذي عظمت في النّاس همّتهوذاك يصلح للدنيا وللدين
وقال آخر:
هب الدنيا تساق إليك عفواًأليس مصير ذاك إلى زوال
وقال محمود الوراق:
هي الدنيا فلا يغررك منهامخائل تستفز ذوي العقول
أقل قليلها يكفيك منهاولكن لست تقنع بالقليل
تشيد وتبتني في كل يوموأنت على التجهز للرحيل
ومن هذا على الأيام تبقىمضاربه بمدرجة السيول
وقال آخر:
دنيا تداولها العباد ذميمةشيبت بأكره من نقيع الحنظل
وثبات دنيا ما تزال ملمةًمنها فجائع مثل وقع الجندل
وقال آخر:
حتى متى أنت في دنياك مشتغلوعامل الله بالرحمن مشغول
وقال أبو نواس الحسن بن هانيء:
دع الحرص على الدنياوفي العيش فلا تطمع
؟
ولا تجمع لك المالفما تدري لمن تجمع
ولا تدري أفي أرضك أم في غيرها تصرع؟
قال الأصمعي: سمعت أبا عمرو بن العلاء وهو يقول: بينا أنا أدور في بعض البراري، إذا أنا بصوت:
وإن امرأ دنياه أكثر همهلمستمسك منها بحبل غرور
فقلت: «أإنسي أم جني؟»، فلم يجبني، فنقشته على خاتمي.
قال: وسمع يحيى بن خالد بيت العدوي في وصفه الدنيا:
حتوفها رصد، وعيشها نكدوشربها رنق، وملكها دول
فقال: «لقد نظن في هذا البيت صفة الدنيا» قال: وسمع المأمون بيت أبي نواس:
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفتله عن عدو في ثياب صديق
فقال: «لو سئلت الدنيا عن نفسها ما وصفت نفسها كصفة أبي نواس». وقيل للحسن البصري: «ما تقول في الدنيا» ؟ قال: «ما أقول في دار، حلالها حساب، وحرامها عقاب»، فقيل: «ما سمعنا كلاماً أوجز من هذا». قال: «بلى، كلام عمر بن عبد العزيز، كتب إليه عدي بن أرطأة: «ولهي على حمص، قد تهدمت واحتاجت إلى صلاح حيطانها»، فكتب إليه: «حصنها بالعدل ونق طرقها من الظلم، والسلام».
النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع