تجاوز إلى المحتوى

من «المحاسن والأضداد» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

محاسن الزهد

قال محمد بن الحسن عن أبي همام، وكان قد عرف ضيغماً: كنت معه في طريق مكة، فلما بعدنا في الرمل، نظر إلى ما تلقى الإبل من شدة الحر، فبكى ضيغم، فقلت: «لو دعوت الله أن يمطر علينا، كان أخف على هذه الإبل»، قال: فنظر إلى السماء وقال: «إن شاء الله فعل»، قال: «فو الله ما كان إلا أن تكلم، حتى نشأت سحابة، فهطلت».

وعن عطاء بن يسار أن أبا مسلم الخولاني خرج إلى السوق بدرهم يشتري لأهله دقيقاً، فعرض له سائل فأعطاه بعضه، ثم عرض له سائل آخر فأعطاه الباقي، فأتى النجارين، فملأ مزوده من نشارة الخشب، وأتى منزله فألقاه، وخرج هارباً من أهله، فاتخذت المرأة المزود فإذا دقيق حواري، لم تر مثله فعجنته وخبزته، فلما جاء قال: «أين لك هذا» ؟ قالت: «الدقيق الذي جئت به».

وعن أبي عبد الله القرشي، عن صديق له قال: دخلت بئر زمزم فإذا بشخص ينزع الدلو مما يلي الركن، فلما شرب أرسل الدلو، فأخذته، فشربت فضلته، فإذا هو سويق لم أر أطيب منه؛ فلما كانت القابلة في ذلك الوقت جاء الرجل، وقد أسبل ثوبه على وجهه، ونزع الدلو فشرب ثم أرسله فأخذته فشربت فضلته فإذا هو ماء مضروب بالعسل، لم أر شيئاً قط أطيب منه، فأردت أن آخذ طرف ثوبه فانظر من هو ففاتني، فلما كان في الليلة الثالثة قعدت قبالة زمزم في ذلك الوقت، فجاء الرجل، وقد أسبل ثوبه على وجهه، فنزع الدلو، فشرب، وأرسله، وأخذته، وشربت فضلته، فإذا هو

أطيب من الأول، فقلت: «يا هذا أسالك برب هذه البنية من أنت» ؟ قال:

«تكتم علي حتى الموت» ؟ قلت: «نعم». قال لي: «أنا سفيان الثوري، وكانت تلك الشربة تكفيني إذا شربتها إلى مثلها لا أجد جوعاً ولا عطشاً». وقال الأصمعي: «أرأيت إعرابياً يكدح جبهته في الأرض يريد أن تجعل سجادة». فقلت: «ما تصنع» ؟ قال: «إني وجدت الأثر في وجه الرجل الصالح».

وقال الشاعر:

كيف يبكي لمحبس في طلولمن سيقضي ليوم حبس طويل
إنّ في البعث والحساب شغلاعن وقوف برسم ربع محيل

وقال آخر:

إن الشقي الذي في النار منزلهوالفوز فوز الذي ينجو من النار
للشاعر يَزيد بن حبناء، اقرأ القصيدة
يا رب أسرفت في ذنبي ومعصيتيوقد علمت يقيناً سوء آثاري
فاغفر ذنوباً إلهي قد أحطت بهارب العباد وزحزحني عن النار

وقال ذو الرمة:

تعصي الإله وأنت تظهر حبههذا محال في القياس بديع
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «تعصي الإله وأنت تظهر حبه»
لو كان حبك صادقاً لأطعتهإن المحب لمن يحب يطيع
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «تعصي الإله وأنت تظهر حبه»

وقال أبو نواس:

أيا عجباً كيف يعصى الإلهأم كيف يجحده الجاحد
ولله في كل تحريكةوتسكينة فاعلمن شاهد
وفي كل شيء له آيةتدل على أنه واحد
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «فيا عجبا كيف يعصى الإله»

وقال أيضاً:

سبحان من خلق الخلق من ضعيف مهين
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «سبحان من خلق الخل»
يسوقهم من قرارإلى قرار مكين
يجوز خلقاً فخلقاًفي الحجب دون العيون
حتى بدت حركاتمخلوقة من سكون
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «سبحان من خلق الخل»

وقال آخر:

أخي ما بال قلبك ليس ينقىكأنّك ما تظنّ الموت حقّا
للشاعر ابن أبي الدميك، من قصيدة «أخي ما بال قلبك ليس ينقى»
ألا يابن الذين مضوا وبادواأما والله ما ذهبوا لتبقى
للشاعر ابن أبي الدميك، من قصيدة «أخي ما بال قلبك ليس ينقى»
وما لك غير تقوى الله زادإذا جعلت إلى اللهوات ترقى

وقال آخر:

يا قلب مهلاً وكن على حذرفقد لعمري أمرت الحذر
ما لك بالترهات مشتغلاًأفي يديك الأمان من سقر
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا سائل الله فزت بالظفر»

وقال آخر:

إن كنت تؤمن بالقيامةواجترأت على الخطيه
فلقد هلكت وإن جحدت فذاك أعظم للبليه

وقال آخر:

وأفنية الملوك محجباتوباب الله مبذول الفناء
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة
فما أرجو سواه لكشف ضريولا أفزع إلى غير الدعاء
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة
ولا أدعو إلى اللإواء كهفاًسوى من لا يصم عن الدعاء

وضده، قيل: كان جندي بقزوين يصلي في بعض المساجد، فافتقده المؤذن أياماً، فصار إليه، وقرع بابه عليه، فخرج إليه، فقال له المؤذن:

«أبو من» ؟ قال: «أبو الجحيم»، قال: «بئس، يا هذا رد الباب».

قال: وقيل للقيني: «ما أيسر ذنبك» ؟ قال: «ليلة الدير». قيل له: «وما ليلة الدير» ؟ قال: «نزلت بدير نصرانية فأكلت عندها طفشيلاً بلحم خنزير، وشربت خمرها، وفجرت بها، وسرقت كساءها، وخرجت».

قيل أتى خمسة من الفتيان إلى قرية، فنزلوا على باب خان، فقام

أحدهم يصلي، والباقون جلوس، فمرت بهم نبطية، فقالوا: «دلينا على قحبة» قالت: «نعم، كم انتم» ؟ قالوا: «نحن أربعة»، فأومى ألى الذي يصلي، بيده: سبحان الله! أنا الخامس». وقال الشاعر:

وإنني في الصلاة أحضرهاضحكة أهل الصلاة إن شهدوا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وإنني في الصلاة أحضرها»
أقعد في سجدة إذا ركعواوأرفع الرأس إن هم سجدوا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وإنني في الصلاة أحضرها»
أسجد والقوم راكعون معاًوأسرع الوثب إن هم قعدوا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وإنني في الصلاة أحضرها»
فلست أدري إذا هم فرغواكم كان تلك الصلاة والعدد

وقال آخر:

وأصلي فأغلط الدهر فيمابين سبع وأربع وثمان
ومواقيت حينها لست أدريما أذان موقت من أذان

وقال آخر:

نعم الفتى لو كان يعرف ربهويقيم وقت صلاته حماد
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «نعم الفتى لو كان يعرف ربه»
عدلت مشافره الدنان فأنفهمثل القدوم يسنه الحداد
فأبيض من شرب المدامة وجههفبياضه يوم الحساب سواد

وقال آخر:

إن قرأ العاديات في رجبلم يعد منها إلا إلى رجب
بل نحن لا نستطيع في سنةنختم تبت يدا أبي لهب

النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المحاسن والأضداد»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.