تجاوز إلى المحتوى

من «المحاسن والأضداد» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

الأعرابيات

حدثنا ثعلب عن الفتح بن خاقان قال: لما خرج المتوكل إلى دمشق، كنت عديله، فلما صرنا بقنسرين، قطعت بنو سليم على التجار، فأنهى ذلك إليه، فوجه قائداً من وجوه قواده إليهم فحاصرهم، فلما قربنا من القوم، إذا نحن بجارية ذات جمال وهيئة، وهي تقول:

أمير المؤمنين سما إليناسمو البدر مال به الغريف
فإن نسلم فعفو الله نرجووإن نقتل فقاتلنا شريف

فقال لها المتوكل: «أحسنت، ما جزاؤها يا فتح»، قلت: «العفو والصلة»، فأمر لها بعشرة آلاف درهم وقال لها: «مري إلى قومك وقولي لهم: «لا تردوا المال على التجار فإني أعوضهم عنه».

قال الأصمعي: خرجت إلى بادية فإذا أنا بخباء فيه امرأة، فدنوت فسلمت، فإذا هي أحسن الناس وجهاً، وأعدلهم قامةً، وأفصحهم لساناً، فحار فيها بصري، واعترتني خجلة، فقالت: «ما وقوفك» ؟ فقلت:

هل عندكم من مخيض اليوم نشربهأم هل سبيلٌ إلى تقبيل عينيك
فلست أبغي سوى عينيك منزلةًأم هل تجودي لنا عضاً بخديك
أو تأذنين بريقٍ منك أرشفهأو لمس بطنك أو تغميز ثدييك
ردي الجواب على من زاده كلفاًتكريره الطرف في أجدال ساقيك

فرفعت رأسها إلي وقالت: «يا شيخ ألا تستحي؟ ارجع إلى أهلك وارغب في مثلك». وقال بعضهم: رأيت أعرابية بالنباح فقلت لها:

«أتنشدين» ؟ قالت: «نعم في مثلك، ورب الكعبة»، قلت:

«فأنشديني»، فأنشأت تقول:

لا بارك الله فيمن كان يخبرنيأن المحب إذا ما شاء ينصرف
وجد المحب إذا ما بان صاحبهوجد الصبي بثديي أمه الكلف

قال: قلت لها: «أنشديني من قولك»، فقالت:

بنفسي من هواه على التنائيوطول الدهر مؤتنقٌ جديد
ومن هو في الصلاة حديث نفسيوعدل الروح عندي بل يزيد

فقلت لها: «إن هذا كلام من قد عشق». فقالت: «وهل يعرى من ذلك من له سمع وقلب» ؟ ثم أنشدتني:

ألا بأبي والله من ليس نافعيبشيء ولا قلبي على الوجد شاكره
ومن كبدي تهفو إذا ذكر اسمهبشيء ومن قلبي على النأي ذاكره
له خفقانٌ يرفع الجيب بالشجىويقطع أزرار الجربان ثائره

قال: وكتب عمر بن أبي ربيعة إلى امرأة بالمدينة:

برز البدر في جوارٍ تهادىمخطفات الخصور معتجرات
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «برز البدر في جوار تهادى»
فتنفست ثم قلت لبكرٍعجلت في الحياة لي الحيبات
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «برز البدر في جوار تهادى»
هل سبيلٌ إلى التي لا أباليبعدها أن أموت قبل وفاتي
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «برز البدر في جوار تهادى»

فأجابته:

قد أتانا الرسول بالأبياتفي كتابٍ قد خط بالترهات
للشاعر عمر ابن أبي ربيعة، من قصيدة «قد أتانا الرسولُ بالأبياتِ،»
حائر الطرف إن نظرت وماطرفك عندي بصادق النظرات
غر غيري فقد عرفت لغيريعهدك الخائن القليل الثبات
للشاعر عمر ابن أبي ربيعة، من قصيدة «قد أتانا الرسولُ بالأبياتِ،»

النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المحاسن والأضداد»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.