من «البصائر والذخائر» لأبي حيان التوحيدي (ت نحو ٤٠٠هـ)
الجزء الثاني (٥)
أنشد لأعرابية:
من آل فارس أخوالي أساورةهم الملوك وقومي سادة العرب
وجدتي تلبس الديباج ملحفةغزل الفريد ولم تركب على قتب
ولم تكب على البردات تنسجهامعاذ ربي ولم تشرب من العلب
قال سليمان بن عبد الملك: العجب منا ومن هؤلاء القوم، كانوا فيما كانوا فيه من الملك فلم يحتاجوا إلينا، فلما صار الملك إلينا لم نستعن عنهم.
قال بعضهم: من المروءة اجتنابك ما يشينك، واجتباؤك ما يزينك.
وقال آخر: لا تجب من لا يسألك، ولا تسأل من لا يجيبك.
وقال فيلسوف: كن حذراً كأنك غر، وفطناً كأنك غافل، وذاكراً كأنك ناس.
وقال فيلسوف: حسن التدبير مع المال القليل، خير من سوء
التدبير مع المال الكثير، لأن حسن التدبير قد يكثر القليل، وسوء التدبير يمحق الكثير.
وقال آخر: المنفقون ثلاثة: كريم مقتدر، ومسرف مبذر، ولئيم مقتر.
وقال آخر: العقل أمير والأدب وزير، فإذا لم يكن وزير ضعف الأمير، وإذا لم يكن أمير بطل الوزير.
وقال فيلسوف: الناس كالسيوف والشحذ والجلاء كالأدب.
قال بعضهم: الدين يعصم والدنيا تسلم.
قال علي ﵁: بقية السيف أنمى عدداً.
ليته أخبر عن السبب فإنه أعجب من الخبر، لأن السبب سر وهذا علانية، والناس شركاء في العيان ومتباينون في الباطن، وما أكثر ما يطلق اللفظ فيه ولا يحقق شيء منه.
للزيات في الفضل بن سهل:
لم أمتدحك رجاء المال أطلبهلكن لتلبسني التحجيل والغررا
ما كان ذلك إلا أنني رجللا أقرب الورد حتى أعرف الصدرا
قيل لرجل شامي: أي الطعام أطيب؟ قال: ثريدة موسعة زيتاً، تأخذ بأدناها فيضرط أقصاها، تسمع لها وجيباً في الحنجرة كتقحم بنات المخاض في الجرف.
شاعر:
تكاشرني كرهاً كأنك ناصحوعينك تبدي أن صدرك لي دوي
قال الحسن: من ازداد علماً فلم يزدد زهداً لم يزدد من الله إلا بعداً.
استعمل علي بن أبي طالب عبد الله بن عباس على البصرة،
فأخذ من بيت المال ما كان فيه وخرج إلى مكة، فكتب إليه علي: أما بعد فقد علمت ما قال الله ﷿ في الخائنين، فلا ابن عمك آسيت، ولا الأمانة أديت، كأنك لم تكن تريد الله ﷿ بجهادك، وكأنك لم تكن على ثقة فيه من ربك، وكأنك إنما كنت تكيد هذه الأمة عن دنياهم، وتنوي غرتهم عن فيئهم، فلما أمكنتك الشدة في خيانة هذه الأمة، أسرعت العدوة، وعاجلت الوثبة، واختطفت ما قدرت عليه من أموالهم، اختطاف الذئب الأزل دامية المعز الكسير، فحملته إلى الحجاز رحب الصدر غير متأثم من أخذ، كأنك - لا أبا لك - إنما حزت لأهلك تراثك من أبيك وأمك؛ فسبحان الله العظيم! أما تؤمن بالمعاد؟ أما تخاف سوء الحساب؟ أما تعلم أنك تأكل
حراماً وتشرب حراماً؟ أما يكبر عليك أن تنكح النساء وتشتري الإماء بأموال الأيتام والأرامل والمهاجرين، الذين أفاء الله ﷿ عليهم هذه البلاد؟ آردد إلى القوم أموالهم فإنك والله ﷿ إلا تفعل، ثم أمكنني الله ﷿ منك، لأعذرن إلى الله ﷿ فيك، فو الله لو أن حسناً وحسيناً فعلا مثل الذي فعلت، لما كانت لهما عندي هوادة، ولا ظفرا مني برخصة، حتى آخذ الحق لمظلومهما، إن شاء الله.
فكتب إليه ابن عباس: أما بعد، فقد أتاني بأنك تعظم علي ما أصبت من بيت مال البصرة، ولعمري إن حقي في بيت مال الله لأكثر مما أخذت، والسلام.
فكتب إليه علي: أما بعد، فإن العجب أن تزين لك نفسك أن لك في بيت مال الله ﷿ من الحق أكثر مما لرجل من المسلمين، فقد أفلحت إن كان تمنيك الباطل وادعاؤك ما لا يكون ينجيك من المأثم، أو يحل لك ما حرم الله عليك، فلعمري إنك لأنت المهتدي السعيد إذن. قد بلغني أنك اتخذت
مكة وطناً، وضربت بها عطناً، تشتري بها مولدات مكة والمدينة والطائف، تختارهن على عينك، وتعطي فيهن مال غيرك؛ وإني أقسم بالله ربي وربك ورب العزة رب العالمين، ما أحب أن لي ما أخذت من أموالهم حلالاً أدعه لعقبي ميراثاً، فالعجب لاغتباطك به تأكله حراماً؛ فضح رويداً، فكأن قد بلغت المدى، وعرضت عليك أعمالك بالمحل الذي ينادي فيه المغتر بالحسرة، ويتمنى المضيع التوبة، والظالم الرجعة، فذلك وما ذلك، ولات حين مناص، والسلام.
فكتب إليه ابن عباس: أما بعد، فإنك أكثرت علي وإني والله ﷿ لأن ألقى الله بجميع ما في الأرض من ذهبها وفضتها وكل ما فيها أحب إلي من أن ألقاه بدم امرىء مسلم، والسلام.
وأنشد لمضرس بن دومي النهدي:
إذا الحرب شالت لاقحاً وتحدمترأيت وجوه الأزد فيها تهلل
حياء وحفظاً واصطباراً وإنهملها خلقوا والصبر للموت أجمل
وهم يضمنون الجار من كل حادثويمشون مشي الأسد حين تبسل
يرى جارهم فيهم منيعاً مكرماًعلى كل ما حال يحب ويوصل
إذا سيم جار القوم خسفاً فجارهمعزيز حماه في عماية يعقل
في عماية يعقل: يعتصم، هكذا سمعت المتقن الضابط يقول ويوضح، فحدثنا كما أخذنا من غيرنا؛ نفعك الله بالأدب، وخفف عنك فيه التعب، ووقاك عثرة الجاهل، وحيرة العالم، وحسرة المحروم، وذلة المظلوم، وكفاك جميع ما يقطعك عن الحق، ويزين لك الباطل، ولا أخلاك من نصره العزيز، وفتحه المبين.
أنشد لمغلس بن لقيط السعدي:
أبقت لي الأيام بعدك مدركاًومرة والدنيا كريه عتابها
قرينين كالذئبين يبتدراننيوشر صحابات الرجال ذئابها
إذا رأيا لي غرة أغريا بهاأعادي والأعداء تعوي كلابها
وإن رأياني قد نجوت تلمسالرجلي مغواة هياماً ترابها
وأعرضت أستبقيهما ثم لا أرىحلومهما إلا وشيكاً ذهابها
فقد جعلت نفسي تطيب لضغمةأعضهماها يقرع العظم نابها
وقال موسى بن جابر بن أرقم، وهو حنيفي نصراني يمامي جاهلي، ويعرف بابن ليلى، ويلقب بأزيرق اليمامة، وبه يعرف:
لبست شبيبتي ما رم خلقيولا سمت العدو ولا هفوت
وما أدع السفارة بين قوميولا أمشي بغش إن مشيت
وما للملك في الدنيا بقاءوكيف بقاء ملك فيه موت
السفارة: المشي في الصلح، وكأنها كشف ما غمر الحال بين المتنابذين
المتباينين، ويقال للسفرة سفرة لأنها تبسط وتكشف، وكأن السفر أيضاً يكشف عن الأخلاق، والإسفار: ضياء الشمس في ظلام الغلس، والسفر والأسفار: كتب لأنها ضمنت البيان عما يخفى والكشف عما استتر، والمسفرة: المكنسة، كأنها تكشف عن وجه الأرض أي ترفع ما اجتمع عليه. وكما يقال: سفرت بينهم وأنا سفير، يقال: سملت بينهم وأنا سامل، وكأن السامل في الأصل من لاط الحوض، وأصلح المورد، وسهل مكان الشارعة، والكلام كله متداخل، والأشتقاق فيه دائر، ومنه ما يصح ومنه ما يجفى.
قال موسى بن عبد الله بن خازم لما قتل أخوه بخراسان وبلغه نعيه - سمعت أبا سعيد السيرافي يقول: النعي مصدر نعى ينعى، والنعي - بالتشديد - الناعي، والناعي هو المخبر بالموت -: الطويل:
ذكرت أخي والخلو مما أصابنييغط ولا يدري بما في الجوانح
دعته المنايا فاستجاب دعاءهاوأرغم أنفي للعدو المكاشح
فلو ناله المقدار في يوم غارةصبرت ولم أجزع لنوح النوائح
ولكن أسباب المنايا صرعنهكريماً محياه عريض المنادح
بكف امرىء كز فصير نجادهخبيث نثاه عرضة للفضائح
نظر محمد بن المنكدر رجلاً يتبع امرأة في خراب ويناغيها فقال: إن الله ﷿ يراكما، سترنا الله وإياكما.
قال المدائني: شاور معاوية الناس في قتل الحارث بن قيس، فقال له يزيد بن قيس: إن قتلت أصبت، وإن عفوت قلنا أحسنت، فقال: الإصابة أحب إلي من الإحسان لشوقي إلى الإصابة؛ قال بعض المشايخ: أخطأ، لأن الإحسان يستوفي معنى الإصابة ثم يوفي عليها.
وقال المدائني: أخذ رجل من المنصورية فقيل له: ما تقول في
أبي بكر؟ قال: أتولاه، فخلي عنه، فرجع وقال: إني ذكرت تزويجه أخته الأشعث فأنا أتبرأ منه، فقتل.
قال نوح بن جرير بن الخطفى لأخيه بلال: أنا أشرف منك، فقال بلال: أمنا واحدة، فقال: ولدتك وهي أمة وولدتني وهي حرة؛ وكانت ديلمية.
قال المدائني، قال ابن عباس في صفين: ليغلبن معاوية، لأن الله تعالى قال وهو أصدق القائلين " ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً " الأحزاب:. وما أدري كيف صحت هذه الرواية؛ إن ابن عباس لو كان معه هذا البرهان لكان مع من جعل الله له سلطاناً، وفارق من جعل الله عليه سلطاناً، ولكن الرواية خبر، والخبر ينقسم بين التصديق والتكذيب، وبالتوقف عنه وسوء الظن به، ولقد عمت آفته الخلق، وإلى الله ﷿ الشكوى.
أنشد ابن المنزل:
عيني لحيني تدير مقلتهاتطلب ما ساءها لترضيني
أف لدنيا أبت تواتينيإلا بنقضي لها عرى ديني
شاعر:
إذا كثر التجني من خليلبلا ذنب فقد مل الخليل
كتبت من خط أبي إسحاق:
وكنا إذا نحن التقينا تخالساًوسامحت العينين منا شؤونها
أخذنا بأطراف الأحاديث بينناوأوساطها حتى ترق فنونها
حديثاً كماء المزن وافقه الصدىوأشبهه طيب الحياة ولينها
قالت أعرابية: هي أحسن من العقيان، على صدور القيان.
قالت أم هشام السلولية في الإبل: إذا حملت أثقلت، وإذا حلبت أروت، وإن سارت أبعدت، وإن نحرت أشبعت.
خطب أعرابي إلى قوم فقال: الحمد لله الذي يولي الإنعام، والصلاة على محمد والسلام، أما بعد: فإني إليكم خاطب، وفي الألفة بيننا راغب، ولكم علي في من خطبت أحسن ما يجب لصاحب على صاحب، فأجيبوني جواب من يرى نفسه لرغبتي محلاً، ولما دعتني إليه الطلبة أهلاً.
قال أبو عبيدة: أخبرني الزبير بن بكار عن أبيه قال: أهديت
إلى هشام بن عبد الملك حين قدم الحيرة يريد الحج ناقة، فلم يقبلها، فلما قوضت سرادقاته وحجره قلت: يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداك، لم رددت ناقتي، وهي هلواع مرياع مرباع مقراع مسياع مسناع، حلبانة ركبانة؟ فضحك وقال: خذوها منه، وأمر لي بألف درهم.
الهلواع: ناقة فيها نزق وخفة؛ والمرياع: التي تقدم الإبل ثم تعود، والمرباع: التي تعجل باللقاح، من قولك: لك المرباع منها والصفايا، والمقراع: التي تعجل باللقاح أول ما يقرعها الفحل، والمسياع: السمينة، والسياع: الطين، والملواح: الخفيفة، والمسناع: الواسعة الخطو.
قيل لصوفي: ما مراد الحق منك؟ فقال: مراده في هو مراده مني، قيل له: فمن أين حققت هذا الحكم؟ قال: لأن قولي مني وفي إضافة، ومراد الحق واحد، قيل له: إن المراد منك قيامك بالأمر، والمراد فيك وقوفك مع النهي، قال: صدقتم، ولكن ما هو مني به يتم، وما هو في له يتم، والحظ فيما هو مني لي، والحكم فيما في له، وما هو له مقدم على ما هو مني، ما أشير بهذا إلى رد أمره، ولكنني أضيف إليه خفية سره، على أن واضح عذري
مردود عند مشكل حجته، لأن حجته تنتهي إليه فتقوى بالألهية، وعذري ينسب إلي فيضعف بالعبودية، قيل له: فهذا خلاف العقل، قال: إن فعله بالخلق يسبق إدراكهم بالعقل، لأن العقل أيضاً خلق.
وأنشد:
تأسو وتجرح في الحديث جليسهابكلام لا هذر ولا إطناب
إلا مساقطة تلبس بالحشاكتعلق الأحباب بالأحباب
قال الجاحظ: قال رجل مبخل لغلامه: هات الطعام وأغلق الباب، فقال: هذا خطأ، بل أقول: أغلق الباب وأت بالطعام، فقال له الرجل: أنت حر لعلمك بالحزم.
قال شبيب بن شيبة: لما خلع عبد الله بن عبد الرحمن - وقتل بخراسان - قام خطيب المنصور السكوني فقال: والله يا أمير المؤمنين، لقد كان حسن المكان عظيم السلطان، كثير الأعوان، وكان مع ذلك فيه آية من كتاب الله ﷿، كأنها عليه قصرت وفيه نزلت، وهي: " وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم " المنافقون:؛ فالحمد لله الذي أخمد جمرته، وأذل عزته، ولم يقله عثرته.
قال أبو عثمان المازني، عن الأصمعي، عن عيسى بن جعفر، قال: قلت لأعرابي: كم في المسجد من سارية؟ قال: خمسون وخمسمائة بعد الألف؛ قال: وهكذا تقول العرب إذا اجتمع الكثير من العدد والقليل، بدأت بأقل العددين.
قال أنس بن أبي شيخ: اجتماع الضعيفين قوة تدفع عنهما، وافتراق القويين مهانة تمكن منهما، وكان أنس هذا معروفاً بالزندقة، والله أعلم.
قال أبو العيناء: أحضر لإسحاق بن إبراهيم جارية سكرانة أخذت في العسس، فقال لها: ما خطبك يا جارية؟ فقالت على البديهة:
جارية باكرت المروقاتشرب صرفاً وترد رنقا
حتى إذا مرت تمشى العنقاعلقها الشرطي فيمن علقا
فقال إسحاق لصاحب الشرطة: أمثل هذه تؤخذ لا بارك الله فيك؟ خل عنها ولا تعرض لها.
قال الأصمعي: ولى جعفر بن سليمان رجلاً بعض البدو، ثم وجه من يسأل عنه، فلقي شيخاً من الأعراب، فقال: كيف واليكم؟ فقال: ما يطبق جفناً، ولا يعرف أفنا، وكل يوم يزداد فعله حسناً، يبرىء بدوائه، ولا يستبد برائه، قد أذكى العيون على عيونه، وتيقظ في جميع فنونه، فهو غائب كشاهد، ومانع كمعط، والمحسن آمن، والمسيء خائف.
قال إسحاق: أتي عبد الملك بعود، فقال للوليد بن مسعدة الفزاري: ما هذا يا وليد؟ فقال: خشب يشقق ثم يرقق، ثم يلصق، ثم تمد عليه أوتار، وتضرب به القيان، فتطرب له الفتيان، وتضرب برؤوسها الحيطان. امرأتي طالق إن كان في المجلس أحد إلا وهو يعلم منه مثل ما أعلم، أولهم أنت يا أمير المؤمنين! فضحك، وقال: مهلاً يا وليد.
قال قتيبة لنهار بن توسعة: لست تقول فينا كما تقول في آل المهلب؟ قال: إنهم والله كانوا أهدافاً للشعر، قال: هذا والله أشعر مما قلت فيهم.
قال الأصمعي: ذكر أعرابي رجلاً زالت نعمته: والله لقد كان في ظل عيش مثمر فقدحت عليه من الدهر يد غير كابية الزند.
أنشد لصقلاب:
مل فما تعطفه حرمةواتخذ العلات أعوانا
إن ساءك الدهر بهجرانهفربما سرك أحيانا
لا تيأسن من وصل ذي ملةأطرف بعد الوصل هجرانا
يمل هذا مثل ما مل ذافيرجع الوصل كما كانا
وأنشد لشداد بن عقبة الجهني في محمد بن عبد الله بن الحسن:
إني مررت على دار فأحزننيلما مررت عليها منظر الدار
وحش خلاء كأن لم يغن ساكنهابمعتفين وقطان وزوار
من للأرامل والأيتام يجمعهمشتى الموارد من حلس وأكوار
مأوى الغريب وساري الليل معتسفاًوعصمة الضيف والمسكين والجار
بها مساكن كان الضيف يألفهاعند التنسم من نكباء مهمار
فيها مرابط أفراس ومعتلجوجامل أخريات الليل قرقار
فيها معالم إلا أنها درستمن واردين ونزال وصدار
فيها مغان وآيات ومختلففي سالف الدهر من باد وحضار
ثم آنجلت وهي قد بادت معالمهاألقى المراسي فيها وابل سار
وخاويات كساها الدهر أغشيةمن البلى بعد سكان وعمار
جار الزمان عليها فهي خاشعةطورين من رائح يسري وأمطار
ففاضت العين لما عيل مجرعهافيض القري جفت عنه يد القاري
ودارت الأرض بي حتى اعتصمت بهاواستك سمعي بعرفان وإنكار
حتى إذا طار نومي ما يفارقنيما أوجع القلب من حزن وتذكار
وحان مني أنصراف القلب وانكشفتعمياء قلب سراه النوم مهجار
لا يبعد الله حياً كان يجمعهممبدى سويقة أخياراً لأخيار
الباذلين إذا ما الثقل أعدمهمجادت أكفهم بالجود مدرار
والرافعين لساري الليل نارهمحتى يجيء على شدو من النار
والدافعين عن المحتاج خلتهحتى يحوز الغنى من بعد إقتار
والقائلين له أهلاً بمرحبةلج في انفساح ورحب أيها الساري
والضامنين القرى في كل راكدةفيها سديف شظايا تامك وار
والمدركين حلوماً غير عازبةوالناهضين بجد غير معثار
والعاطفين على المولى حلومهمحتى يفيء بحلم بعد إدبار
والعائدين إذا ضنت بدرتهاأم الفصيل فلم تعطف بإدرار
والياسرين إذا ما شتوة جمدتفلم يحس بنار قدر أيسار
والمانعين غداة الروع جارهمبكل أجرد أو جرداء مخطار
والرافعين صدور العيس لاغبةتبغي الإله بحجاج وعمار
على حراجيج أطلاح معودةترمي الفجاج بركبان وأكوار
فليتني قبل ما أمسي لحزنكموكل شيء بميقات ومقدار
لفت علي شفاه القبر في جدثعرى المنون فرادى تحت أحجار
ولم أر العيش في الدنيا ولم يرنيولم يجئني بأنياب وأظفار
ولم أفض عبرات من مواكلةعلى كريم بسفح الواكف الجاري
سمع ابن مسعود وهو يقول في دعائه: اللهم إني أعوذ بك من غنى يطغيني، ومن فقر ينسيني، ومن هوى يرديني، ومن عمل يخزيني.
ومن كلام العرب، تقول: أعرى من مغزل، وأكسى من بصلة.
يقال: معنى قولهم: حين تقلين تدرين، أي غثه من سمينه.
العرب تقول: أطعت الوشاة والمشاة.
لما اشتدت علة عبيد الله بن سليمان أخذ مغرد غلامه المصحف وفتحه، فخرج " حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً " يونس: فمات.
يقال: من لم يكن فيه خمس خصال لم يصلح لشيء من أمر
الدنيا والآخرة: من لم تعرف الوثاقة في أرومته، والدماثة في خلقه، والنبل في نفسه، والمخافة من ربه، والأتعاظ بغيره.
يقال: التبازي: إخراج الصدور، والتبازخ: إخراج الألية.
يقال: رجل به سلال، ولا يقال سل.
يقال: احتمل ممن أدل عليك، وأقبل ممن اعتذر إليك.
يقال: قد قرعت له العصا، أي نبهته من الغفلة.
كان عمرو بن عبيد يوصي الناس بحفظ وصية زياد، وكان أولها: إن الله ﷿ جعل لعباده عقولاً عاقبهم بها على معصيته، وأثابهم بها على طاعته، والناس بين محسن بنعمة الله ﷿ عليه، ومسيء بخلاف الله
إياه، ولله النعمة على المحسن والحجة على المسيء، فما أولى من تمت عليه النعمة في نفسه، ورأى العبرة في غيره، أن يضع الدنيا بحيث وضعها، فيعطي ما عليه منها، ولا يتكثر مما ليس له فيها، فإن الدنيا دار فناء لا سبيل إلى بقائها، ولا بد من لقاء الله ﷿، وأحذركم الله ﷿ الذي حذركم نفسه، وأوصيكم بتعجيل ما أخرته العجزة حتى صاروا إلى دار ليس لهم منها أوبة، ولا يقدرون فيها على توبة، وأنا أستخلف الله ﷿ عليكم، وأستخلفه منكم.
العرب تقول: البريء جريء والخائن خائف، ومن أساء استوحش.
ويقال: الجراءة من البذاءة.
قامت أم سلمة امرأة محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن إلى المنصور وهو راكب ومعها ابناها فقال: من تكونين؟ فقالت: أنا أم ولد محمد ابن عبد الله بن الحسن بن الحسن، وهذان ابناي منه، أيتمهما سيفك، وأضرعهما خوفك، فإن رأيت أن تعطف عليهما لشوابك القرابة، وأواصر الرحم، ولا تصعر خدك لهما، فتتبع الأولى الأخرى، فافعل، فقال المنصور:
هكذا والله أشتهي أن يكون كلام نساء قريش، يا غلام اردد على ولد محمد ضياع أبيهما، فردت وأحسن إليهما.
أنشد لعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر:
إن ابن عمك وابن أمك معلم شاكي السلاح
يقص العدو وليس يرضى حين يبطش بالجراح
لا تحسبن أذى ابن عمك شرب ألبان اللقاح
بل كالشجا تحت اللهاة إذا تسوغ بالقراح
وانظر لنفسك من يجيبك تحت أطراف الرماح
من لا يزال يسوؤهبالغيب أن يلحاك لاح
قال أبو بكر الواسطي: العارف يعرف عن الله بالله ﷿، والعامل يفهم عن الله ﷿ بغير الله، والأشياء كلها دالة على وحدانيته، فإذا وجد الواجد استغنى عن الدليل.
وقال الواسطي في هذا المعنى: ألا ترى إلى قوله تعالى للعاملين " وأعتصموا بحبل الله " آل عمران:، وقال للعارفين: " واعتصموا بالله " الحج:.
كاتب كتب إلى أخ له: ما اتفككت عن ودك، ولا انفركت عن عهدك.
قال عبد الملك بن مروان: لأن أخطىء وقد استشرت، أحب إلي من أن أصيب وقد استبددت.
قال أحمد بن مهران في كتاب: لا أجمع إلى العجز عن شكر ما أمكن، التسرع إلى الأستبطاء فيما تعذر.
وقال العامري: قاطيغورياس في لغة يونان هو التخاصم والتناصف.
سمعت أبا عبد الله الطبري، غلام أبي إسحاق المروزي يقول: القرآن أصل علم الشريعة ونصه ودليله، والحكمة بيان رسول الله ﷺ وسنته، والأمة المجتمعة حجة على من شذ عنها.
والأصل كل ما تمكن بنفسه وتفرع عنه غيره، والفرع ما لم يعلم بنفسه.
والعلم معرفة الشيء على ما هو به، والكلام على ظاهره وعمومه حتى يقوم دليل الخصوم.
والأسماء المفردة ثلاثة: عام لا خاص فيه، كقولك: شيء، قال الله تعالى " والله بكل شيء عليم " النساء:؛ والثاني: عام من وجه خاص من
وجه، كقوله " اقتلوا المشركين " التوبة: و " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله " التوبة: فهذا عام في جميع المشركين إلا أهل الكتاب، وقال " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله " المائدة: فهذا عام في من سرق ربع دينار فصاعداً خاص فيما دونه، والعموم لا يقع إلا في هذين؛ والثالث: خاص لا عام فيه كقولك: زيد وعمرو، قال الله تعالى " محمد رسول الله " الفتح: فهذا خاص. وأقل العموم شيئان، وأقل الخصوص شيء واحد.
والمطلق ما لم يقيد، والمقيد ما ضمن وصفاً، قال الله تعالى " حرمت عليكم أمهاتكم " إلى قوله " وأمهات نسائكم " النساء: فأطلق، وقال تعالى في الربائب " وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن " النساء: فقيد؛ والعموم ما لو كلف إمضاؤه لصح، والجملة ما لو كلف إمضاؤها لم تعلم حتى تفسر.
وأمر الله على الوجوب إلا ما أفرده الدليل، وكذلك أم النبي ﷺ، وأفعال الرسول ﵊ عند طائفة على الندب إلاما قام دليل على وجوبه. والأمر على ضروب: أمر حتم كقوله تعالى " وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله والرسول واتقوا الله " النور: وما أشبه هذا؛ وأمر وعيد، كقوله ﷿ " واعملوا ما شئتم " السجدة: " ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر " الكهف: وإذا لم تستح فاصنع ما شئت؛ وأمر تعجيز كقوله تعالى " كونوا حجارة أو حديدا " الإسراء:؛ وأمر جزاء كقوله " أدخلوا آل فرعون أشد العذاب " المؤمن: أي هذا عقابكم و " ادخلوا الجنة " الأعراف:، أي هذا ثوابكم؛ وأمر
إباحة كقوله ﷿ " وإذا حللتم فاصطادوا " المائدة: " فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض " الجمعة:، وقال ﷿ " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " البقرة: أي إن شئتم؛ وأمر إرشاد كقوله ﷿ " وأشهدوا إذا تبايعتم وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة " البقرة:.
وفي القرآن والسنة آيات أولها ندب وآخرها حتم، كقوله ﷿ " كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده " الأنعام:، " فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً " النور: " وآتوهم من مال الله الذي آتاكم " النور:، وقوله تعالى " لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن " البقرة:، فهذه كلها أولها ندب وآخرها حتم. وقال النبي ﷺ: كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجرا، وانتبذوا في الظروف واجتنبوا كل مسكر.
والقياس قياسان: قياس جلي وقياس خفي: فالجلي ما لا تجاذب فيه، قال الله تعالى " ولا تقل لهما أف " الإسراء: " وذروا البيع " الجمعة: " فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره " الزلزلة: " ولا تلهكم أموالكم " المنافقون: " إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً " النساء: والذي يشرب في آنية الذهب والفضة، وإذا ولغ الكلب في الإناء، أو لحم خنزير، ولا تضحوا بالعوراء، ونهى عن الثوب المصبوغ بالورس للمحرم، فكان المسك أشد نهياً.
والقياس الخفي ما تتجاذبه الأصول، كالجناية على العبد، فالعبد فيه شبه من الأحرار وشبه من الحيوان، فألحق بالأحرار لغلبة الاشتباه لأنه أشبه الحر في
أنه آدمي وأنه مخاطب بالعبادة وأنه يجري القصاص فيما بينهم وأنه في قتله الكفارة، ويشبه الحيوان من جهة أنه مال.
قال العتبي: لما اشتدت شوكة أهل العراق على عبد الملك بن مروان خطب الناس فقال: إن نيران العراق قد علا لهبها، وكثر حطبها، فجمرها ذاك وشهابها وار، فهل من رجل ذي سلاح عتيد، وقلب شديد، ينتدب لها؟ فقال الحجاج: أنا يا أمير المؤمنين، قال: ومن أنت؟ قال: الحجاج بن يوسف بن الحكم بن عامر، قال: اجلس، ثم أعاد الكلام فلم يقم أحد غير الحجاج فقال: كيف تصنع إن وليتك؟ قال: أخوض الغمرات، وأقتحم الهلكات، فمن نازعني حاربته، ومن هرب طلبته، ومن لحقت قتلته، أخلط عجلة بتأن، وصفوة بكدر، وشدة بلين، وتنبيهاً بازورار، وعطاء بحرمان، وما على أمير المؤمنين أن يجربني، فإن كنت للطلى قطاعاً، وللأرواح نزاعاً، وللأموال جماعاً، وإلا آستبدل؛ فقال عبد الملك: من تأدب وجد بغيته، اكتبوا كتابه.
عوتب أعرابي على الكذب فقال: لو غرغرت لهواتك به ما صبرت عنه.
قال يونس: لا تعادوا القضاة فيختاروا عليكم المذاهب، ولا العلماء فيصنفوا عليكم المثالب، ولا المياسير فيبذلوا في تلفكم الأموال.
قال عمرو بن مسعدة: الأقلام مطايا الفطن.
قال أبو سمير: إن الناس ليختصمون في الأمر وفيه وجوه من الحق تغمض عليهم، فيموجون حتى يرجعوا إليها، فتصح سبل حجتهم، وتوري زناد صدقهم، وتقوم بينة طلبتهم، وتعرب الألسنة بما في نيتهم.
قال بشر المريسي وقد سئل عن رجل كيف هو، فقال: هو على أحس حال وأهنؤها، فضحك الناس من لحنه، فقال قاسم التمار: ما هذا إلا صواب، هو مثل ابن هرمة:
إن سليمى والله يكلؤهاضنت بشيء ما كان يرزؤها
فشغل الناس بتفسير التمار عن لحن بشر.
قال أبو عبيدة: أوصت نوار أن يصلي عليها الحسن البصري، فقيل له ذلك فقال: إذا أجنزتموها فأعلموني، فعجب الناس من قوله إذا اجنزتموها.
قال يموت بن المزرع: قال لي ابن صدقة المزني: ضربك الله باسمك، فقلت له: أحوجك الله إلى اسم أبيك.
صلى الشعبي في مسجد باهلة، فقام أعرابي فسأل، فأمر له إنسان من باهلة برغيفين صغيرين رقيقين فلم يأخذهما، ومضى فجاء برغيف كبير حسن وقال: يا باهلة، استفحلوا هذا الرغيف لخبزكم فلعلكم أن تنجبوا.
قال أبو العيناء: ولى المأمون أصرم بن حميد عملاً، فهجاه بعض أهل الأدب فقال:
فما منبر نجسته باسم أصرمبطهر ولو طهرته بابن طاهر
فبلغ ذلك عبد الله بن طاهر، فبعث إليه بعشرة آلاف درهم وقال له: لم نصلك لهجائك لابن أصرم، فلا تعد لمثلها.
قال أعرابي عند ضجره في طلب رزقه: والله لقد تقلبت بي الأسباب، وقرعت جميع الأبواب، واضطربت غاية الاضطراب، وسافرت حتى بلغت منقطع التراب، وحتى رضيت من الغنيمة بالإياب، فما رأيت الحرمان إلا رابضاً، ولا النجح إلا عارضاً.
كتب علي بن الهيثم الثعلبي إلى عباد الكاتب: بسم الله الرحمن الرحيم، أكرمك الله ﷿، فإن الخميس أخو الجمعة، ولا سيما في آخره، فإن كنت غير مختضب ولا محتحب، أتيتك في حاجة هي لي دون صاحبها، وسروري بقضائها فوق سرور المتوسل بي فيها، وإن كنت مشغولاً بما لا بد للعباد من الشغل به، أوحيت بقعودي عنك، إذ كان العذر واقعاً حقاً
مجدداً، وألزمت نفسك قضاء الحاجة مؤكداً.
قال الحسن بن وهب: قال المأمون - وكان بليغاً - وقد ذكر التفاح بحضرته: اجتمع في التفاح الصفرة الدرية، والحمرة الذهبية، والبياض الفضي، والنور القمري، يلذها من الحواس ثلاث: العين لحسنها، والأنف لعرفها، والفم لطعمها.
شاعر، وهو ابن المعتز:
ما بال صبحي لا يرى فجرهوما لدمعي دائم قطره
أستودع الله حبيباً نأىميعاد دمعي أبداً ذكره
وقال إبراهيم ابن هرمة: أصحاب السلطان في المثل كقوم رقوا جبلاً ثم وقعوا منه، فأقربهم إلى التلف أبعدهم في المرقى.
كان في الخريمي إبرام، فقال له الجماز، وقد أبرمه في مسألة: قد أنفدت الشكر، وأفنيت البر، وجزت التودد، والله لو لقيت مصلوباً
لعانقته، ولو عانيت أبخر لقبلته، ولو رأيت قاتل أبيك لشكرته.
أنشد للمؤمل بن طالوت مولى سكينة بنت الحسين:
بدر قريش والذيبرز في المحافل
ذو تدرإ ومدرهفي كل أمر نازل
وذو لقاء صادقوذو قضاء عادل
والناس في ادرائهمحتلطوا القبائل
من راغب وراهبونازل وراحل
ومنصف لا يتقيفي الله عذل عاذل
وراجح لا يمتريدرته بالباطل
ليس بخب خادعولا بغر غافل
نعم الفتى لخائفونعمة لآمل
ونعم مسعار الوغىفي اليوم ذي البلابل
وقد لحن في قوله ونعمه.
قال العتبي: من شريف كلام بعض السلف: لا تذكرن لأحد من أصحاب رسول الله ﷺ زلة، فإنه إن لم يكن في حسناتهم ما يعفى على سيئاتهم، ففي عظيم عفو الله ما يسع سيئاتهم، واعلم أن الله تعالى لم يأمرك باتباعهم وهو يرضى منك بعيبهم، ولا تيأس لمؤمن - مع ما وصف الله
من سعة فضله ورحمته - من عظيم عفوه وتطوله، ولا تثقن لعاص - مع تحذير الله من شدة محاله وأليم عقابه - من نقمته وعذابه، فكم شكر الله اليسير من الخير بكرمه فرحم به، وكم من مستخف باليسير من العصيان قد أوبق به.
قال أبو حاتم: قال أبو عبيدة: إن الجواد عينه فراره، قال: يكفيك من رؤيته أن تفره.
قال شبيب بن شيبة: حضرت يحيى بن خالد وقد قال له رجل: والله لأنت أحلم من الأحنف بن قيس، وأحكم من معاوية، وأحزم من عبد الملك بن مروان، واعدل من عمر بن عبد العزيز، فقال له يحيى: والله لعمير غلام الأحنف أحلم مني، ولسرجون غلام معاوية أحكم مني، ولأبو الزعيزعة صاحب شرطة عبد الملك أحزم مني، ولمزاحم قهرمان عمر أعدل مني، وما تقرب إلي من أعطاني فوق حقي.
قال شبيب: فعجبت من سرعة جوابه، وتعديده هؤلاء حتى كأنه عاصرهم.
قيل لأعرابي: كيف ترى الدنيا؟ قال: وهل فرغني شغلي بها أن أراها؟ قال محمد بن إبراهيم كاتب سيما الدمشقي: سألني علي بن الهيثم حاجة ثم تواني عنها، فقلت له: أنمت عن حاجتك؟ فقال: ما ناء عن حاجته من أسهرك لها، ولا عدل بها عن محجة النجح من قصدك بها.
قال الأصمعي: الشرائع جمع شريعة، وهي حيث يشرع في الماء، وكأن الشريعة في الدين من هذا لن صاحبها يشرب منها فيروى، ويكرع فيها فيسلى، ويغسل نفسه بها فيطهر. ويسقى منها بالبادية سفره فيقطع، فكأنه كمن قدم من الشريعة طاعة الله ﷿ بما تضمنه من الأمر والنهى، والتحليل والتحريم، والحظر والإباجة، والرغبة والرهبة، والخوف والرجاء، والسلامة واليقين.
والحميل: الكفيل، والحمولة - بالفتح - البعران، - والضم - الأحمال. وبار المتاع: كسد - بفتح السين -، والحمالة - بالكسر - علاقة السيف، والحمالة - بالفتح - الغرم والدية. وأبشمني الطعام فبشمت؛ ويقال: كسدت يا فلان علي بيعي وأكسدت.
وفرت انا وأفارني فلان، وصاح فلان وأصاحه غيره. وعجفت الدابة أي هزلت.
وفلان ما رأى مني ما يقذي عينه.
والمنبذة: الوسادة، والبذاذة من الإيمان أي التقشف وسوء الحال، وبذ فلان فلاناً أي علاه وسبقه.
ويقال: ناولني شعيلة أي فتيلة فيها نار.
وفلان بضفة الوادي إذا كان على شطه وشاطئه، أي حرفه.
ويقال: ماء مضفوف أي مشغول من كثرة الغاشية والماشية، وكذلك: رجل مضفوف أي كثير العيال، وما رؤي علينا حفف ولا ضفف أي بؤس وفاقه.
وفلان حسن الشطاط أي القامة، وشطت الدار بفلان أي بعدت، واشتط فلان أي جار.
وفرى الأديم يفريه فرياً إذا قطع، والفرى العجب، والفرأ - بهمز، ويقصر - حمار الوحش، وجمعه فراء.
والرقوء: دواء الجرح، ويقال ارقأ على ظلعك، اللام ساكنة، وقد
رأيت من فتح اللام في مجلس السيرافي فضحك منه ورده عليه، ومعناه لا تكلف ما لا تطيق.
سمعت شيخاً من النحويين يقول: البدل أن تقدر الاسم الأول تقدير الطرح، وتعدي العامل إلى الثاني، وهو على سبعة أنحاء، منها: بدل المعرفة من المعرفة، مثل مررت بأخيك عبد الله، قال الله تعالى " اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين " الفاتحة: و؛ وبدل المعرفة من النكرة كقولك: مررت برجل أخيك، قال الله تعالى " وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم، صراط الله الذي " الشورى: و؛ ومنها بدل النكرة من المعرفة مثل: مررت بالرجل رجل صالح، قال الله تعالى " لنسفعن بالناصية ناصية " العلق: و؛ ومنها بدل النكرة من النكرة كقولك: مررت برجل غلام ظريف، قال الشاعر:
وكنت كذي رجلين رجل صحيحةورجل رمى فيها الزمان فشلت
الشين مفتوحة، ولقد غلط فيها مرة مسكويه وكابر إلى أن فضحته المحنة، وسورته المواقعة والإعجاب مصرعه؛ وقل من تكبر على الناس وحقر أهل الفضل إلا عاجلته العقوبة، ونهكته اللائمة، وأمكن منه الدهر.
نعم، ومنها بدل البيان مثل: ضربت زبداً رأسه، وجاءني قومك بعضهم، قال الله تعالى " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً " آل عمران:، لأن فرض الحج يوجه إلى المستطيع؛ وبدل الأشتمال كقولك: سلب زيد ثوبه، لأن السلب اشتمل على الثوب فأبدل منه لدخوله في المعنى، قال الأعشى:
لقد كان في حول ثواء ثويتهتقضي لبانات ويسأم سائم
ومنها بدل الغلط، ولا يجوز ذلك في كلام الله تعالى ولا فصيح الشعر، وذلك مثل قولك: مررت برجل حمار، كأنك أردت الحمار فسبق لسانك إلى الرجل ثم استدركت فقلت الحمار.
لشاعر في الفضل بن مروان:
لا تغبطن أخا الدنيا بمقدرةفيها وإن كان ذا عز وسلطان
يكفيك من عبر الأيام ما صنعتحوادث الدهر بالفضل بن مروان
إن الليالي لم تحسن إلى أحدإلا أساءت إليه بعد إحسان
والعيش حلو ومر لا بقاء لهجميع ما الناس فيه زائل فان
قال رجل لأعرابي: كيف أنت؟ قال: كما يسرك إن كنت صديقاً، ويسوءك إن كنت عدوا.
قيل لإبراهيم بن شكلة: من المغني؟ قال: الذي تفرع في أجناسه، ولطف في اختلاسه، وتمكن من أنفاسه، وقرع بالمعنى سمعك، وصدع به قلبك.
أنشد عمر بن عبد العزيز ﵀:
إني لأمنح من يواصلنيمني صفاء ليس بالرنق
وإذا أخ لي حال عن خلقداويت منه ذاك بالرفق
والمرء يصنع نفسه ومتىما تبله ينزع إلى العرق
كتب غيلان الشامي إلى عمر بن عبد العزيز وهو خليفة: أما بعد يا أمير المؤمنين، فهل رأيت حكيماً أمر قوماً بأمر ثم حال بينهم وبينه، ثم عذبهم عليه؟ فتعجب القوم من قوله وعنده رجل فقال: الرسالة ناقصة، لو زدنا فيها
شيئاً تمت، قيل: ما هو؟ قال: لو قال: هل رأيت قادراً قاهراً يعلم ما يكون، اتخذ عدواً لنفسه، وهو يقدر على خلاف ذلك؟ فأهدر دم غيلان.
انظر - أرشدك الله - تعالى كيف ماج بالناس هذا الرأي، وغمرهم فيه الهوى، وملكتهم الفتنة، ونأوا عن الحق، وخالفوا إلى الباطل، مع علمنا أن الحق أبلج، والباطل لجلج، وأن الأمر بين، والصواب ضاح؛ لقد جهل الله من استخرج أسرار فعله بعقله، وما قدره حق قدره من وزن إلهيته برأيه ألا ترى أن قدرته وراء عقلك، وحكمته فوق إدراكك، وتدبيره في خفاء من معرفتك، وإنما بين ما بين تشويقاً، وأغمض ما أغمض تحقيقاً، ليبقى بينك وبينه ما تكون به عبداً ويكون لك إلهاً.
اللهم إن خلقك رجموا دونك الظنون، وجانبوا في معرفتك اليقين، بعدما أزحت العلل، وأوضحت السبل، وحققت الحق، وأبطلت الباطل، وزينت المحلى، وحليت العاطل، فراموا الإحاطة بك، والوقوف على سرائرك، والمشاركة في إلهيتك، هذا وقد أعجزتهم عن الإحاطة بأنفسهم، والوقوف على سرائرهم.، ومشاركة بني جنسهم، وعرفتهم تناقض تدبيرهم في خلال أمورهم، ورميتهم بالذل في قعر عزهم، وضربتهم بالحاجة في نفس غناهم؛ اللهم فكن لنا لطيفاً، وبنا رؤوفاً، فإنك إن تركتنا في أوطان عجزنا، ومساكن ضعفنا، تمكن الهوى منا، ولعب الشيطان بنا، واستولى البلاء علينا. اللهم رحمتك
نرجو، وعذابك نخاف، ووصالك نبغي، وهجرك نعاف، وإلى رضاك نميل، ومن سخطك نهرب، وإياك نطلب، وفيك نتهالك، فأجعل جزعنا من أحكامك صبراً، واقلب معارضتنا لك تسليماً، وانتصر لفاقتنا إليك بغنانا على يديك، حتى لا يرد علينا من قضائك إلا ما يقرن بالرضى، ولا يصعد إليك من شكرنا إلا ما يمتري المزيد، ولا يهجس في نفوسنا مما فيه هلاكنا إلا محقته من قدرتك بما يكون فيه ملاذنا، إنك أهل لما لاق بإلهيتك، وحكى آثار تفضلك. إلهي لو ظهر سرك كظهور قدرتك، لباد خلقك، ولو خفيت نعمتك كخفاء سرك لجهل حقك، لا إله إلا أنت حقاً، ولا زال خلقك لك خلقاً.
بعث الحجاج أدهم بن محرز الباهلي إلى أهل سجستان وكتب إليهم: أما بعد، فإني قد بعثت إليكم أدهم بن محرز، ومو ما علمته طويل الجلوس، دائم العبوس، سمين الأمانة، أعجف الخيانة، فاسمعوا له وأطيعوا.
قيل لأعرابي مات أخوه: صف لنا أخاك، فقال: كان شديد العقدة، لين العطفة، يرضيه أقل مما يسخطه.
وقال معاوية على المنبر: يا أهل الشام، إنكم والله ما أنتم بخير من أهل العراق، ثم تداركها فقال: إلا أنكم أعطيتم بالطاعة، وحرموا بالمعصية.
لله أبوه من منذر ثم مبشر في ضروب الخير والشر.
دخل نساء من أهل الكوفة إلى سكينة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب ﵈ يعزينها في زوجها مصعب، فقالت: لا جزاكم الله خيراً يا أهل الكوفة: أيتمتموني صغيرة وأرملتموني كبيرة.
أتي محرق غسان بنسوة من تميم، فأراد قتلهن لنذر، فطلبن إليه العفو فأبى، فقالت له امرأة منهن: ما لك أطال الله سهادك، وأطفأ رمادك، والله إن تقتل إلا نساء أعلاهن ثدي، وأسفلهن دمي، والله ما أدركت ثاراً، ولا محوت عاراً. فأمر بتخلية النساء غيرها وقال: ما أقتلك إلا مخافة أن تلدي مثلك.
وقيل لأعرابي: كيف ترى شيخوختك من شبابك؟ قال: كما ترى عمارتك من خرابك.
لعلك - أيدك الله - قد مللت ما سلف من البصائر والنوادر مما هو جد يوهي قواك، أو هزل يلهي قلبك، ولعمري في الهزل دواء النفس، وطرد لجاثم الكرب، وراكد الفكر، ولكني كما أرى لك أن تتداوى به، فإني أنهاك أيضاً عن الأستمرار فيه، لأن مأتاه سهل، ومأخذه شديد، وقل من ألف مواطن العبث، وألفاظ الخبث، إلا استماله الهوى، ولصقت به الغرة، وخيف عليه الهلاك، وإن الذي يتولد من الجد مع كزازة النفس، وسوء التأني، وبعد السهولة، وبغض التشدد، وثقل الروح، أرجح عند الله وأقرب إلى الطهارة وأدخل في باب الورع. جرس الله النعمة عليك، ولا شغلك التمتع بها عن الشكر لواهبها - فإن الشكر مربوط بالمزيد، وحق على واهب النعمة إذا رأى الإخلاص في الشكر أن يصلها، ويتابع المدد منها - وقربك إلى الخير، وصرفك به، وقصر همتك عليه، وجعل لك فيه تمام الرغبة، وغاية الطلبة، وأمنك عند تضاعف النعم من استدراجه، وثبتك عند ترادف المحن على منهاجه، ولا أخلاك من مواد توفيقه، وثمرات تحقيقه، بمنه وجوده، آمين.
فاسمع الآن فنوناً من المسائل قد كان الوعد تقدم بها، والقول سلف فيها، وتأملها تأملاً شافياً، واقتبس فوائدها، واختلس منافعها، واجعل نظرك في الجملة والتفصيل، للتحقيق والتحصيل، ولا ترض لنفسك بالخسيس، فقد أريد بك الشرف، إذ وهب لك العقل الذي به تستجلي خزائن الملك، وإليه تفزع فيما حزبك من أسباب الهلك، وإياه تستشير عند اختلاف اليقين والشك، وعليه يتم كل شيء تعلق بالفتك والنسك، وقد رفدتك الطبيعة، وصحت فيك الغريزة، فما بقي لك إلا المسارعة في طلبه، وصحة الرغبة في التحلي بين أهله، حتى تكون كامل الموهبة في الأصل، محمود التجربة في الفرع، آخذاً بأدب الله ﷿، جارياً على هدي رسول الله ﷺ، ناصراً لحق الله، هادياً إلى دين الله، مستحقاً لثناء عباد الله، مذخوراً له ثواب الله، فهناك الراحة والعز، والغبطة والفوز.
ما معنى قول الله ﷿ " وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون " الأنبياء:، فلقد رأيت من سأل أبا الحسن الأنصاري وقال: إنما يصح هذا المعنى لو كان الإنسان يحيا بالماء، والحي يموت به إذا شرق، ويموت فيه إذا غرق، وإن كان المعنى أن الحياة مستمدة منه فكذلك جميع ما غذاه مما أمسك الرمق، فما وجه الأختصاص على طريق لا يقع فيه التباس؟ ولم يحصل من الأنصاري لفظ يعتاد، ولا تأويل يستفاد، راغ هكذا وهكذا، وترك السائل على عطنه، يفري ويذر، والجواب سهل قريب، وسيمر بك في عرض غيره إذا وصلت إليه وأشرفت عليه.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع