تجاوز إلى المحتوى

من «البصائر والذخائر» لأبي حيان التوحيدي (ت نحو ٤٠٠هـ)

الجزء الرابع (٣)

قال بعض العلماء: سألت أعرابياً: ما الناقة المرواح؟ قال: التي كأنها تمشي على أرماح؛ قالك أراد طولها.

قال فيلسوف: كما أن الذين يستعملون حواس البدن فقط يمنعهم من الغضب الخوف من الملك المحسوس إذا وقفوا بين يده، كذلك يجب على من

يستعمل الحواس النفسانية أن يمنعه من الغضب الخوف من الملك المعقول الذي هو واقف بين يديه دائماً.

قال أفلاطون: نحن نعيش عيشاً طبيعاياً كي نعيش عيشاً عقلياً، فينبغي أن يكون قصدنا للعيش العقلي ولا نعطي القوة الطبيعية شيئاً أكثر مما تدعو إليه الضرورة.

قال الأموي: يقال: لأنت أضل من خروف القصاب، لأنه يلعب ولا يشعر؛ هكذا قال.

وقال الأموي: قول العرب من الأنس: أنس به يأنس، ولا يقولون أنس؛ هكذا قال.

وقال الأموي: يقال: ما كان ذلك إلا بعد الأين والصلعاء، وإلا بعد الهياط والمياط، أي لم يكن إلا بعد حين؛ هكذا قال الأموي.

قيل لابن لسان الحمرة: أي اللحم أطيب؟ قال: جنوب عرضان، قبض بعناقيد، حبس على دكاكين جزر، في دساكر جوف، لا تسمع الصوت إلا إرناناً.

القبض: المال المقبوض لأن السلطان يقبض أفضلها، حبس: مجتمعة،

دكاكين: جمع دكان، في دساكر جوف: واسعة، لا تسمع الصوت إلا أن ترفع صوتك لأنها كصيرة الأهل والطير؛ هذا لفظ الأموي في النوادر.

وأنشد الأموي لأيمن بن خريم:

وصهباء جرجانية لم يطف بهاحنيف ولم تنغر بها ساعة قدر
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة
أتاني بها يحيى وقدج نمت نومةوقد لاحت الشعرى وقد خفق النسر
فقلت اصطبحها أو لغيري أهدهافما أنا بعد الشيب ويبك والخمر
تعففت عنها فيالسنين التي خلتفكيف التصابي بعد ما كلأ العمر
إذا المرء وفى الأربعين ولم يكنله دون ما يهوى حياء ولا ستر
للشاعر الخُرَيْمي، اقرأ القصيدة
فدعه ولا تنفس عليه الذي أتىوإن جر أرسان الحياة له الدهر
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة

هكذا أنشد الأموي على ما حكى خط ابن الكوفي، وهو خط موثوق به، وكأن الغبن من تنغر مكسورة، وكسر فقال: ينغر: جاش غضبه.

وقال الأموي: عرية الرجل: متجرده.

وقال أيضاً: أسبط الله لوثه؛ أسبط مد رجليه، ولوثه اجتماعه.

وقال بعض النحويين في قوله " أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير " البقرة: إنما يريد الذي هو أدون ولا يريد الذي هو أقرب، والدليل على ذلك أن معه الخير وكذلك " أولى لك " القيامة: و إنما هو مقلوب من الويل.

كاتب: دع رجلي ورجلك في نعال، وما وسعهما القبال.

قال أعرابي يصف رجلاً: له من الرأي رأي يهتك أغطية الستور، ويوضح عن مبهمات الأمور، ويضم من الخير أعطافه، وينظم من الذكر أطرافه، ويشرق بعزم لا يدجو معه خطب، ويومض بصواب لا يلتبس معه صعب، حتى يغدر المستعجم معجماً، والمشكل مشكولاً.

وقال أعرابي: فلان له رأي لا يفيل، وظن لا يستحيل. يقال: فال رأيه إذا فسد وأخطأ جهة الحق، وفيلت أنت رأيه، إذا نسبته منه إلى الفيالة، والفيالة: الركاكة، والركاكة: الضعف، ويقال: الضعف.

وقال أعرابي لرجل: كم كربة فادحة قد فككت أغلاقها، وحادثة مصمتة سنيت أقفالها.

كاتب: قد أورق المجلس فلا بد من تلاق يجتنى به ثمر المحادثة من الأنس.

كاتب: استدم جدة من تزوره بالتجافي عنه والقلة عنده، فإن حركة الراغب ظاهرة للعاقل، واستدعاء الملول مشوب بالفتور، وقد قيل:

مع التغاب الحاب، والإفراط في الزيارة مملول، كما أن التفريط فيها مخل.

هكذا ذكر هذا الكاتب، وكله كلامه.

قال أعرابي: صرف الله محله، وهدى رحله، وسر بأوبته أهله، ولا زال آمناً، مقيماً وظاعناً.

قال بعض لبلغاء: أجمل من رعاية الذمم، والمحافظة على الحرم، وأشهى من فكاك الأسير، وإرخاء المخنوق، والوجدان من الناشد، والماء من الغاص، والأمن من الوجل.

وقال: أحر من يوم الوداع؛ والوداع بفتح الواو، وأما الداع - بكسر الواو - فالموادعة، كأنك تدعن ويدع، ولا يقال من هذا ودعته، هكذا قال العلماء، وقد شذت قراءة بعضهم في قوله تعالى " ما ودعك ربك وما قلى " الضحى: بالتخفيف وقال آخر: أروح من يوم التلاق، وألذ م ساعةن التواصل، وألطف م الروح، وأرق م النسيم وأنتن من ريح الفراق، وأضعف من كبد العشاق.

ومن رقيق ألفاظ الظرفاء في أيمانها: لا والذي يرعاك ويهب لي

رضاك؛ ولا وعز القناعة وروح اليأس؛ لا وبلوغ السؤل فيك؛ لا وحرمة يوم الوصال.

وقال أعرابي في ذم آخر: فاستحقب الوجل، واستعجل الأجل، لا سقاه الله غماماً، ولا ستر له أماماً.

دعا آخر على مسافر فقال: بالبارح الأشأم، والسنح الأعصم، وجد موعث، وكد ملهث، وهم مكرث - يقال كرثني الأمر وأكرثني - وطائر منحوس، وظهر مركوس، ورحل منكوس؛ ولا زالت داره قذفاً، وطلابه أسفاً، وعقباه تلفاً، فإن عاد فلا عاد إلا بكآبة المنقلب، وندامة المعتقب.

من أمثال العامة: من يطفر من وتد إلى وتد يدخل في آسته أحدهما. من أكل على مائدتين اختنق. واحد يعرف له وآخر يطوف له. الضرب في الحاج والسب في الرياح. والحر يعيط والعبد يأمل. المولى برضى والعبد يشق آسته.

وقال لنا علي بن عيسى النحوي مرة، قال ابن الأخشاد: أمثال

العامة تحكى؛ وما أظرف قولهم: شق أستك صيرفي؛ هكذا يقولون.

قال جراب الدولة: كان عندنا بسجستان منجم يعرف بأبي علقمة البستي فقال يوماً من الأيام: غداً يجيء المطر وإن لم يجئ المطر ماتت أمي، فلما كان الغد لم يجئ المطر فدخل فخنق أمه، فقيل له في ذلك فقال: قد أحببت ألا يخطئ حكمي، ولا أكون كاذباً.

هذا طريف جداً.

جاء رجل إلى عابر رؤيا هكذا يقال، والمعبر ضعيف، يقال: استعبرته فعبر، وفي القرآن " إن كنتم للرؤيا تعبرون " يوسف: هذا من غير محققه، وعبر النهر، واستعبر الملاح، واستعبر إذا دمعت عيناه، والعبر - بالضم - سخنة العين، وكذلك العبر، والعبر جانب النهر، والشعري يقال لها العبور، فأما العابور فسحابة هاطلة قليلة اللبث مفرقة القطر كبا الحب، والعبارة اللفظ والمنطق، يقال: فلان حسن العبارة - بكسر العين - فلقد رأيت بعض الرؤساء من الكتاب يهلج بفتح العين، فكان أهل الأدب يعيبون عليه ذلك، فكن متجنباً لشنيع الخطأ وفاحش اللحن، واجتهد في الأخذ بالصواب، فإن تعذر ذلك فاتق ما اشتد فحشه؛ فأما العبير فطيب معروف، ويقال هو الزعفران، وأيضاً الجساد للصوقه بالجسد، ويقال أيضاً الملاب - بالتخفي؛ ويقالك جاء فلان معبراً، هذا من غريب ما حفظ عن أبي عمرو ابن العلاء؛ والعبرة كأنها الدمعة، والعبرة والاعتبار كأنها نظر في ما يتعجب منه ويبكى له - طال هذا الاعتراض، وما أحب أن يتخلج المعنى عليك، أو يقع في ما أرويه بعض ما يقبح في عينيك، ولكن الحديث شجون، والشجون: الرواضع التي تأخذ من النهر العظيم، وشجن الإنسان ما اهتم به وعقد طويته

عليه، ويقال: للناس أشجان ولي شجن - نعم، نعود إلى النادرة فقد سافرنا عنها.

فقال له - أعني للعابر -: رأيت في النوم كأني راكب دابة أشهب له ذنب أخضر، فقال: إن صدقت رؤياك استدخلت فجلة.

يقال: مر عامر بن بهدلة برجل قد صلبه الحجاج ظلماً فقال: يا رب، إن حلمك عن الظالمين قد أضر بالمظلومين، فرأى في منامه كأن القيامة قامت، وكأنه دخل الجنة فرأى المصلوب فيها في أعلى عليين، وإذا مناد ينادي: حلمي عن الظالمين أحل المظلومين بأعلى عليين.

شاعر:

خليلي لو كان الزمان مساعديوعاتبتماني لم يضق عنكما عذري
فأما إذا كان الزمان محاربيفلا تجمعا أن تؤذيان مع الدهر

كاتب: أعقبنا الله بهذه الفرقة ألفة وتلاقياً، وبهذا الشتات شملاً وتدانياً.

شاعر في بعض ولاة بني مروان:

إذا ما قطعتم ليلكم بمدامكموألحقتم أيامكم بمدام
فمن ذا الذي يخشاكم لملةومن ذا الذي يغشاكم بسلام
رضيتم من الدنيا بأيسر بلغةبشرب مدام أو بلثم غلام
ولم تعلموا أن اللسان موكلبمدح كرام أو بذم لئام

كاتب: أشد من كرب الشوق، وأفطع من حرق الفراق، ما تضمنه صدر من لا تساعده دموعه، ولايطاوعه لسانه، فترى الزفرات تتردد في أحشائه، والغموم تتلظى تحت جوانحه، ولو انطلقت عبرته وأسمح لسانه، لطفي بعض ما يعانيه، ولهذا نبذ ما يقاسيه، وإن كان قدر التبل بفراقك أعظم من أن يوازن بالبكاء، ومقدار الصبابة إليك أقوى من أنيستدرك بالاكتئاب.

قال الزيادي، قال السري: النبيذ صاوبن الغم.

شاعر:

رب ليل وصلته بنهارورضاب مزجته بعقار
ومدام أدرتها بيمينوصلاف أخذتها بيسار
وصغار شربتها بحبيبوحبيب صرعته بكبار
وظباء جمعت بين لذيذ العيش بيني وبينها في إزار

قال النخعي: لا يحرم النبيذ إلا صاحب بدعة وهوى. ليته ذكر العلة، فقد والله آلمني غير مكثرث، وما هذا من احتياط الفقهاء المتحرجين.

قال العتبي في جارية هويها فلامه أبوه وأخرجه من داره:

تبدلت من قلبي المودة بالبغضوصيرت بعد القرب منه إلى الرقص
للشاعر العتبي، اقرأ القصيدة
وكان الهوى غضاً فلما ملكتهتقصف غصناه وحال عن الغض
للشاعر العتبي، اقرأ القصيدة
فإن أك قد أخرجت عن دار بغضةفليس بكفي مخرجي سعة الأرض
للشاعر العتبي، اقرأ القصيدة

فقال أبوه: إن اقلعت عن هذاقبلتك، فقال لأبيه:

تراني تاركاً للهـ ما أهوى لما تهوى
للشاعر العتبي، اقرأ القصيدة
أنا أشهد ا، الحب من قلبي إذاً دعوى

كاتب: سقياً لدهر لما خلام لنا خلا منا، ولما تصدى لنا تولى عنا.

وقال زهير بن جناب:

أبني إن أهلك فقدأورثتكم مجداً بنيه
وتركتكم أبناء سادات زنادكم وريه
من كل ما نال الفتىقد نلته إلا التحية
للشاعر زهير بن جَناب الكلبي، اقرأ القصيدة
ولقد شهدت النار للإنقاذ توقد في طميه
ولقد غدوت بناشر الطرفين لم يغمز شظيه
فأصبت من حمر القنان معاً ومن حمر القفيه
للشاعر زهير بن جَناب الكلبي، اقرأ القصيدة
ولقد رحلت البازل الوجناء ليس لها وليه
للشاعر زهير بن جَناب الكلبي، اقرأ القصيدة
ونطقت خطبة ماجدغير الضعيفة والعييه
للشاعر زهير بن جَناب الكلبي، اقرأ القصيدة
والموت خير للفتىفليهلكن وبه بقيه
للشاعر زهير بن جَناب الكلبي، اقرأ القصيدة
من أن يرى تهديه ولدان المقامة بالعشية

قال فيلسوف: كما أن البدن الخالي من النفس تفوح منه رائحة النتن، كذلك النفس العديمة الأدب تحس نقصها بالكلام والأفعال، وكما أن نتن البدن الخالي من النفس ليس يحسه ذلك البدن بل الذي له حس، كذلك النفس العديمة الأدب لا تحس بل الأدباء.

قال فيلسوف: اليسار هو الباقي دائماً عند مالكه الذي لا يمكن له أن يؤخذ منه، ويبقى له عند موته، ليس الذي يبقى معه زماناً يسيراً ولا يكون بعد موته له، والذي يتحد بالصفة الأولى هي الحكمة.

قال فيلسوف: الفقر هو أصل حسن سياسة الناسن وذلك أنه إذا كان من حسن السياسة أن يكون بعض الناس يسوس وبعضهم يساس، وكان من ساس لا يستقيم أن يساس من غير ان يكون فقيراً محتاجاً، فقد تبين أن الفقر هو السبب الذي يقوم به حسن السياسة.

قيل لفيلسوف: لم صار الذين يفعلون الشر لا يعاقبون على فكرهم الردي وإنما يعاقبون على أفعالهم فقط؟ فقالك من قبل أنه قصد الإنسان لا لأن يتفكر لكن لأن لا يفعل الردي مما يتفكر فيه.

قل فيلسوف: إن لم يتهيأ لك البلوغ في العلم م تلقاء نفسك مبلغ القدماء فينبغي لك أن تستغني بعيانهم، وذاك أنهم قد خلفوا لك خزائن العلم في كتبهم، فافتحها وتدبرها وأعن نفسك بها، ولا تكونن كأعمى في يده جوهر ولا يعرف حسنه.

قال عبد الله بن طاهر: عجبني أمير المؤمنين من رؤيا رآها،

فسألته عنها فذكر أنه رأى في منامه كأن رجلاً جلس مجلس الحكماء فقلت له: من أنت؟ فقالك أنا أرسطاطاليس الحكيم، فقلت له: أيها الحكيم، ما أحسن الكلام؟ قالك ما يستقيم في الراي، فقلت: ثم ماذا؟ قال: ما استحسنه السامع، قلت: ثم ماذا؟ قالك ما لا تخشى عاقبته. ثم قال المأمون: لو كان حياً لما كان يتكلم بأحسن مما تكلم به فيما رأيته.

قال بعض المنجمين: الشمي إذا كانت في التاسع من الطالع دلت على العبادة والخوف من الله وذكر الملائكة.

وقال بعض أهل النجوم: إن الملة الإسرائيلية انعقدت في نوبة زحل، وزحل صاحب يوم السبت؛ وزعم أن زحل دليل العطلة والتغرب والتأله، وكذلك اليهود في الانقطاع عن الأعمال في يوم السبت؛ وزعم أن الأحد؛ وزعم أن الملة الإسلامية انعقدت في نوبة الزهرة، وللزهرة يوم الجمعة، ولها النظافة والزينة والتطيب والخصب، وفجدنا المسلمين محثوثين على إعظام يوم الجمعة بالإغتسال والطي وليس الجديد والتوسعة في النفقة.

قال أفلاطون لأرسطاطاليس: لا تقل ما لا ينبغي لك أن تفعله.

وقال له: إن الله عز ولج ليس ينتقم من العباد بالسخط بل

ليقومهم.

وقال له: لا ينبغي لك أن تهوى حياة صالحة فقد بل وموتاً صالحاً، ولا تعتد بالحياة والموت صالحين إلا بأن تكسب بهما البر.

وقال له: أدم التذكر فيم كنت وإلى أين تصير ولا تؤذ أحداً فإن الأشياء زائلة.

وقال له: لا تنتظر بفعل الخير أن تسأل إياه بل ابتدئه مع أهله.

وقال له: أدم ذكر الموت والاعتبار به.

وقال أفلاطون: تعرف خساسة المرء بكثرة كلامه فيما لا ينفعه، وإخباره بما لايسأل عنه ولا يراد منه.

وقال أفلاطون: من فكر في الشر لغيره فقد قبل الشر في نفسه.

وقال أفلاطون: لا تؤخر إنالة المحتاج إلى غد فإنك لا تدري ما يعرض في غد.

وقال: أعن المبتلى إذا لم يكن سوء العمل ابتلاه.

وقال أفلاطون: إن تبعت في البر فإن البر يبقى والتعب يزول وإن التذذت بالآثام فإن اللذة تزول والآثام تبقى.

وقال أفلاطون: أجهل الجهال من عثر بحجر مرتين.

وقال أيضاً: كفاك موبخاً على الكذب علمك بأنك كاذب، وكفاك ناهياً عنه خوفك إذا كذبت.

كاتب: أرعيت مخمصتنا في خصب جنابك، ورويت معطشنا من صوب سحابك، حتى تحافت البطون عن الظهور، وأقلعت العيون عن الجفون.

كاتب: كم نعمة جسيمة وفيتنيها، ونازلة عظيمة كفيتنيها؛ كم من يد لك عندي بيضاء، وصنيعة زهراء، وفائدة غراء، سودت وجوه أعدائي، وأظلمت عيون أكفائي.

قال ابن أبي ليلى: رأيت بالمدينة صبياً قد خرج من دار وبيده عود مكشوف، فقلت له: غطه لأنهعيب، قال: أو يغطى من الله شيء؟ لا بلغت!! قال الفرزدق لغلام أعجبه إنشاده: أيسرك أني أبوك؟ قالك لا ولكن أمي ليصيب أبي من أطابيك.

قال البلاذي: أدخل الركاض وهو ابن أربعسنين إلى الرشيد ليتعجب من فطنته فقال له: ما تحب أن أهل لك؟ قال: جميل رأيك فإني أفوز به في الدنيا والآخرة، فأمر بدنانير ودراهم فصبت بين يديه فقال له: اختر الأحب إليك، فقال: الأحب إلى أمير المؤمنين، وهذا من هذين، وضرب بيده إلى الدنانير، فضحك الرشيد وأمر أن يضم إلى ولده ويجرى عليه.

كان على خاتم أرسطاطاليس: المنكر لما لا يدري أعذر من المقر بما لا يعلم.

وكان على خاتم بقراط: المريض الذي يشتهي أرجى من الصحيح الذي لا يشتهي؛ ومر بي بخط محمد بن فرج في موضع كان محبوساً فيه: من سلب نعمة غيره سلب غيره نعمته.

وكان على خاتم فيثاغورس: شر لا يدوم خير من خير لا يدوم.

وكان خاتم كسرى: لا يكون عمران بحيث يجوز السلطان.

وكان على خاتم بزرجمهر: معالجة الموجود خير من انتظار المفقود.

وكان على خاتم ملك الديلم: الاحتمال حتى تمكن القدرة.

سئل أنوشروان: من أهنأ عيشاً؟ قال: من يتذكر التفريط في ما ينبغي له أن يتقدم فيه.

قال أنو شروان: العطلة تهيج الفكرة، والفكرة تهيج الفتنة.

قال العتبي: إذا تناهى العمر انقطع الدمع، ومن الدليل على ذلك أنك لا ترى مضروباً بالسياط ولا مقدماً لضرب العنق يبكي.

قال فيلسوف: من عاشر الإخوان بالمكر كافأوه بالغدر.

وقال فيلسوف: كل شيء يحتاج إلى العقل، والعقل يحتاج إلى التجارب.

قال إبراهيم بن أدهم ﵀: أنا منذ عشرين سنة في طلب أخ إذا غضب لم يقل إلا الحق فما أجده.

محمد بن حازم الباهلي:

ما الجود عن كثرة الأموال والنشبولا البلاغة في الإكثار بالخطب
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة
ولا الشجاعة عن حسم ولا جلدولا الأمانة إرث عن أب فأب
لكنها همم أدت إلى نجحفي كل ذاك بطبع غير مكتسب
والرزق عن قدر يجري إلى أجلبالعجز والكيس والتضييع والطلب
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة
والناس فيما أرى عندي بأنفسهملا بالقبور ولا الأسلاف والنسب
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة
إني وإن قل مالي لم تقف همميدون الجميل من الأخلاق والأدب
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة
صبراً على الحق في مال سمحت بهوللزمان على اللأواء والكذب
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة
يا صاحباً لم يدع لي فقده جلداًظلمت بعدك إن الدهر ذو عقب
أبكي الشباب لجيران وعاذلةوللمغاني وللأطلال والكثب
ولللصريخ وللإلجام في غلسوللقنا السمر والهندية القضب
وللخيال الذي قد كان يطرقنيوللندامى وللذات والطرب
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة

قال لقمان الحكيم: ضرب الوالد للولد كالسماد للزرع.

قال بعض السلف: إذا ولي صديق لك ولاية فأصبته على العشر من صداقته فليس بأخ سوء.

وقال لقمان أيضاً: نقلت الصخر وحملت الحديد فلم أر شيئاً أثقل من الدين، وأكلت الطيبات وعانقت الحسان فلم أر ألذ من العافية؛ وأنا

أقول: لومسح القفار، ونزح البحار، وأحصى القطار، لوجدها أهون من شماتة الأعداء، خاصة إذا كانوا مساهمين في النسب، أو مجاورين في بلد.

لابن أبي فنن:

عيرتني الشيب أمساء وقد شار العذار
ولها إن بقيت منهـ قناع وخمار
إنما الدنيا وما فيها متاع مستعار
ليس ينجي حذراً مماقضى اله الحذار
للشاعر أحمد بن أبي فنن، اقرأ القصيدة
لا ولا للحر إن ضيم على الضيم قرار
للشاعر أحمد بن أبي فنن، اقرأ القصيدة
إنما الفتح لنا غيث إذا ضن القطار
للشاعر أحمد بن أبي فنن، اقرأ القصيدة
وإلى الفتح إذا ماذكر الجود يشار
للشاعر أحمد بن أبي فنن، اقرأ القصيدة

قيل لفيلسوف: الحزن أشد ام الخوف؟ فقال: بل الحزن، وإنما صار الخوف مكروهاً لما فيه من الحزن، وكما أن السرور غاية كل محبوب فكذلك الحزن غاية كل مكروه.

وقال الحجاج لجلسائه: ما يذهب بالإعياء؟ فقال بعضهم: التمريخ، وقال آخر: النوم، قال: لا، ولكن قضاء الحاجة التي أعيا بسببها.

جاز جحا بقومه وفي كمه خوخ فقال لهم: من أخبرني بما في كمي فله أكبر خوهة فيه، فقالوا: خوخ، فقال: ما قال لكم إلا من أمه زانية.

وقال له أبوه يوماً: احمل ها الحب فقيره، فذهب به فقيره من خارج، فقال له أبوه: أسخن الله عينيك، رأيت من قير الحب من خارج؟ فقال جحا: إن لم ترض عافاك الله فاقبله مثل الخف حتىن يصير القير من داخل.

بات جحا ليلة مع صبيان فجعلوا يفسون فقال لامراته: هذا والله بلية، قالت: دعهم يفسون فإنه أدفأ لهم، فقام وخري وسط البيت ثم قال: أنبهي الآن الصبيان حتى يصطلوا بهذه النار.

وشتم جحا يوماً أمه فقال له أبوه: يا ملعون، هذا جزاؤها منك؟ قال: وأيش عملت لي؟ قال: حملتك في بطنها تسعة أشهر، وأرضعتك وربتك، قال: قل لها تدخل في أستي حتى أخبأها تسعة عشر شهراً.

هذه النوادر رواها لنا ابن قريعة، وكان كثير النوادر، غزير الحفظ، فصيح اللسان على تكلف مع ذلك.

وسمعت القاضي أبا حامد يقول: ببغداد ثلاثة قضاة، أحدهم جدي الظاهر هزلي الباطن، والآخر هزلي الظاهر جدي الباطن، والثالث جدي الباطن والظاخر. فسئل عن هؤلاء الثلاثة فقال: أما ابن معروف فظاهره جد وباطنه هزل، وأما ابن قريعة فظاهره هزل وباطنه جد، وأما ابن أم شيبان فظاهره جد وباطنه جد.

وأنا أقول في هذا شيئاً وإن كان مسعفاً لبعض ما قاله هذا الرئيس، وتعقب كلام الرؤساء صعب، ولكن أين جسارة مثلي وإقدامه، وتحككه واعتزامه؟ اعلم أن هزل ابن معروف كان مغموراً بعلمه وادبه، وكان محتملاً لشكله وظرفه، وقد خلص فضله وخفي نقصه، فإذا لم يكن بد من النقص فلأن يكون مستوراً خير من أن يكون بارزاً لكل عين؛ وأما جد ابن قريعة في باطنه فما أغناه عن هزله في ظاهره لأنه وقف الممتعض منه المتباعد عنه، وصار ناصره وعاذره لا يجدان في تهوين شأنه إلا تمليحه واستظرافه؛ وأما ابن صالح على شرفه وبيته، وماله وجاهه، فما كان جده رافعاً له، ولا هزله واضعاً منه، وكان لا حلواً ولا مراً، ولا خلاً ولا خمراً، وكان مفضوحاً في ولايته، مرحوماً في عزله، وذلك أ، هـ كان لا يقارب العامة ولا يداري الخاصة، ومقاربه العامة إنما هي بلين اللفظ وخفض الجناح وسكون الطائر، وكان أخف من خشاشة، وأطيش من فراشة؛ ومداراة الخاصة إنما تكون ببسط اليد ورفع الحجاب وبذل العطاء ونصرة الائذ ومسالمة المداهن، وكان والله جعد الكف كز الطباع سيء اللفظ، قد أفسده شرفه، وأطغاه يساره، فهو لا يعقل إلا الجمع، ولا يعرف

إلا المنع، قد نسي عواقب الأمور وحوادث الدهور، ينكر الإحسان لأنه لايلتذ بالشكر ولا يطرب على المدح، خبزه مختوم ورغيفه محلى، ودرهمه في الدرك الأسفل من النار، فمن ذا يهوي إليه أو ينقض عليه؟! ولقد قدم ابن المعتصم عليه، وهو شيخ الرملة، والمشار إليه بفلسطين، فقدم على ما ساءه وناءه، حتى قال يوماً غير مكترث: لقد اقشعررت بتلك الديار من ضيم لعله ما كان ينالني، ولو نالني لما كان يغيظني، وأسندت نفسي إلى ابن عم بالعراق، ولو سلخني، ونفخوا في جلدي نفخاً، لكان أهون علي مما قد عاملني به.

طال هذا الفصل وما أدرت ذلك كله، ولكن لتمزيق عرض اللئام حلاوة لا توجد في مدح الكرام، وكان بعض المشايخ يقول: إن مادح الكريم طالب مزيد بعد استقلاله بنفسه، وهاجي اللئيم منتصف من الظالم، وفي الانتصاف نوع من الظفر، والظفر مطلوب كل نفس، ومنية كل ذي حس، وأنا أعوذ بالله من مدح يصحبه تكلف، وهجو يطور به تكذب، وأسأله أن يكفيني حصائد هذا اللسان، وعرامة هذا الطبع، وطغيان هذه النفس، فهو خير معوذ به وأكرم مسؤول ما عنده.

كان عند بعض الملوك ثلاث نسوة: فارسية وعربية ونبطية، فقال للفارسية ذات ليلة: أي وقت هذا؟ قالت: سحر، قال: وما يدريك؟ قالت: وجدت رائحة الرياحين، وقال للعربية أخرى: أي وقت هذا؟ قالت: سحر، قال: ومن أين عملت؟ قالت: وجدت برد خلخالي، ثم قال للنبطية ليلة أخرى: أي وقت هذا؟ قالت: سحرن قال: وما يدريك؟ قالت: أريد أخرى.

دخل رجل حماماً فسرقت ثيابه فخرج وهو عريان، وعلى باب الحمام طبيب فقال له: ما قصتك؟ قال: سرقت ثيابي، قال: بادر ونفس الدم، حتى يخف عنك الغم.

يقال: إن كان إنسان نقع مداواته لما يصيبه من جنس ما يكون منه، فالملاح إذا لسعه زنبور طلى مكانه بقبر، والحجام يشرطه بسكين، والحائط يشده بقطعة خيط فيسكن عنه، والعجان يضع عليه شيئاً من العجين، وأنا رأيت بعض الوارقين كان يطلي مثل هذا بالحبر.

قال الحجاج يوماً لجلسائه: أي صوت سمعه أحدكم أرق فأعجب إليه، فقال بعضهم: ما سمعت صوتاً أرق في سمعي من صوت قارئ حسن القراءة لكتاب الله تعالى في جوف الليل، قال: إن ذلك لحسن؛ وقال آخر: ما سمعت أعجب من ثوت حاد في مسير، قال: إن ذلك لحسن؛ قال آخر: ما سمعت أعجب من أن أترك امرأتي ما خضاً وأخرج إلى المسجد مبكراً فيأتي آت ويبشرني بغلام، فقال الحجاج: واحسناه؛ فقال آخر: ما سمعت صوتاً أعجب من أن أكون قائد جيش فأسرج نحو العدو، فبينا أنا كذلك إذ جاءني البشير بالفتح، فقال الحجاج: واحسناه؛ وقال شعبة بن علقمة التيمي: لا والله ما سمعت صوتاً قط أعجب إلي من أن أكون جائعاً فأسمع قعقعة الخوان، فقال الحجاج: أبيتم يا بني تميم إلا حب الزاد.

دخل أحمد بن أبي العلاء على يحيى بن ماسويه يوماً ووجهه

مهيج، فقال له: ويحك يا أحمد، ما هذا الوجه؟ أيش أكلت البارحة؟ قال: لوزينج، قال: وأيش شربت؟ قال: نبيذ دوشاب، قال: كان ينبغي أن تتنقل عليه بخرا.

اعتل بعض النوكى، وكان من الرؤساء المجدودين، فجيء بطبيب، فقال الطبيب: إذا كان غداً فاحتفظ بالبول حتى أجيء وأنظر إليه فأحكم عليه؛ فلما عاد الطبيب قال المريض: يا عبد الله، كادت مثانتي والله تنشق مما حسبت فما تأخرت بلت الساعة، قال الطبيب: ما هذا؟ إنما أمرتك أن نحبسه في إناء؛ فلما كان من الغد جاء الطبيب فإذا هو قد أخذ بوله في آنية خضراء، فقال له: يا هذا أخطأت، لم يكن في الدنيا قارورة زجاج؟ كنت تأخذه في قدح، ومضى؛ فلما عاد الطبيب وإذا العليل قد أخذ البول في قدح من خشب وجاء به إليه قول: أنت في حرج الله إلا نظرت في هذا الماء واصدقني عن أمري هل يخاف علي من هذه العلة؟ قال الطبيب: أما إذا حلفتني فلا بد من أن أقول لك: أنا خائف من أن تموت من هذا العقل لا من هذه العلة.

صارت عجوز إلى قوم تعزيهم عن ميت، فأت عندهم عليلاً، فلما أرادت أن تقوم قالت: الحركة تغلظ علي في كل وقت، فأعظم الله اجركم في هذا العليل فلعله يموت.

وأخذ الطلق امرأة ابن خلف الهمذاني، فدخل ابن خلف فقال

للقابلة: أخرجيه ذكر ولك دينار ولك ما شئت، بالله لا أحتاج أن أوصيك.

وقدم إلى بنت الصلت جام فالوذج، فلما ذاقته قالت: المساكين أرادوا أن يسووا عصيدة فأفسدوها.

قرأ ابن الجصاص: ولا ينبئك مثل حنين؛ ويقال: إنه قرأ: ذرهم يأكلون ويتمتعون فقال: هذا والله رخيص.

وسمعت مشايخ كثيرين يقولون: كان ابن الجصاص أعقل الناس وأحزم الناس، وأنه هو الذي ألحم الحال بني المعتضد وبين بنت خمارويه، وسفر بينهما سفارة عجيبة وبلغ من الجنبتين أحسن مبلغ، وخطب بنت خمارويه بن ا؛ مد للمعتصد، وجهزها من مصر على أجمل وجه، وأعلى

ترتيب، ولكن اطردت عليه العامة وأشباه العامة من الخاصة هذه النوادر وهذه الشبه، فإن المعتضد ما اختاره للسفارة والصلح والكلام في حال قد تشعثت، وركن قد وهن، وقصة قد استبهمت، إلا والمرجو منه والمأمون في والمظنون به فيما يأتيه ويستبقله من أمر نظير ما قد شاهده في ماضي أيامه. وقد رأة الناس آثار المعتضد وعزائمه وبأسه وإقدامه حتى قيل هو المنصور الثاني، ويقال هو الذي أعاد بهجة دولة بني العباس ومارس فيها أحسن مراس، فرجل حزمه معروف وثباته موصوف، كيف يستبطن ابن الجصاص ويختصخ إلا وهناك عقل كامل، وثبات وفضل غامر، وعزيمة وصبر وتأب واقتدار، وتلطف وتجربة؛ فهل كان يجوز أن ينعقد أمر قد تفاقم، واشتد وتعاظم، برسالة أحمق وسفارة أخرق، أو من إن سكت احتقر، وإن تكلم استخف به؟ هذا ما يكون ولا يتعلق به الظنون.

قلت هذا كله لابن غسان البصري فقال: إن الجد ينسخ حال الأخرق،

ويستر عيب الناقص، ويذب عن عرض المتلطخ، ويقرن الصواب بمنطقه، والصحة برأيه، والنجاح بسعيه، والجد يستخدمه العقلاء لصاحبه، وينزع محاسنهم في مطالبه.

ولقد كان ابن الجصاص على ما فيل وروي، وحدث وحكي، ولكن جده كفاه غائلة الحمق، وحماه عواقب الخرق، ولو عرفت خبط العاقل وتعسفه وسوء تأتيه وانقطاعه إذا فارقه الجد، لعلمت أن الجاهل قد يصيب بجده مع جهله ما لا يصيب العاقل العالم بعلمه مع حرمانه. قلت: فما الجد؟ وما هذا المعنى الذي علقت عليه هذه الأحكام كلها؟ فقالك ليس لي عند عبارة مغنية، ولكن لي به علم شاف استفدته بالاعتبار والتجربة والسماع العريض من الصغير والكبير، ولهذا سمع من امرأة بدوية ترقص ابناً لها فتقول له: رزقك الله جداً يخدمك عليه ذوو العقول، ولا رزقك عقلاً تخدم به ذوي الجدود.

وكان يقول في هذا كلاماً كثيراً، ولعلي أتلافى ما تركت ها هنا فيما أستقبل من الكتاب إن شاء الله.

قال ماجن لطبيب: يا سيدي، إن أمي تجد في حلقها ضيقاً ويبساً وحرارة، فقال الطبيب ليت الذي في حلق أمك في حر أمرأتي، وأن على حلق السكين.

وجاء ماجن آخر إلى الطبيب فقال: أجد في أطرف شعري شبه المغص وفي بطني ظلمة، وإذا أكلت الطعام تغير في جوفي، قال الطبيب: أنا ما تجده من المغص في أطراف شعرك فاحلق رأسك ولحيتك فإنك لا يجد منه شيئاً؛ وأما الظلمة التي في بطنك فعلق على باب آستك قنديلاً حتى لا تجد هذه الظلمة؛ وأما تغير الطعام في جوفك فك لخرا واربح النفقة.

وقال أبو العنبس: سمعت حمدة بن الخراساني في ليلة كسوف وهي تبكي وتتضرع وتقول: يا رب، عذبني بك لشيء ولا تعذبني بالنار، اضربني بالفالح، ارمني بقاصمة الظهر، كل شيء ولا النار. أصرخ واللخ وأصيح، إن أحرقت ثيابي أبقى مجردة. قال: وكانت مثل ياسمينة نقية أو فضة مصفاة، إلا أنها كانت بلهاء.

قال أبو العنبس: سمعت رجلاً يقرأ " يا حسرة على العباد " الآية يس: وهو يبكي ويقول: يا سيدي، ما أشفقك علينا، بأبي انت وأمي كم تتحير علينا؛ قال: وسمعته بعد ذلك يقرأ " أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله " الزمر: ويقول: فديت جنبك يا سيدي، أيش أصاب جنبك يا مولاي، عز علي جنبك، ليت ما بك بي يا سيدي.

قال ابن قريعة القاضي: سمع أعرابي قارئاً يقرأ " الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم " الأنفال: فقال الأعرابي: اللهم لا تجعلني منهم، فقيل له: ويحك لم قلت هذا؟ فقال: لولا انهم قوم سوء لم توجل قلوبهم.

حكيت هذا لبعض مشايخنا الصوفية فقال: لقد أخطأ الأعرابي وأصاب، فاما وجه خطائه فمكشوف، وأما تأويل صوابه فمليح، فقلت: زدني فهماً: يا هذا " إلا من آمن " سبأ:. هذا ما قال لي، والمفهوم فيه مقسوم بيني وبينك، فغن وقع لك كما وقع لي فخذ الفائدة، منه وإن تكن الأخرى فلا ترحمنا حسن الظن منك فهو أدنى ما نستحق على مثلك، مع فضلك وطيب عنصرك ولاتساعك لمعاذير إخوانك.

وإنما أعرض في هذه المواضع مسترسلاً بقلمي، مع نفسي أو من يجري مني مجرى نفسي، فلا أحتشك، لأن غرضي في جميع ما خلدته في هذا الكتاب غرض سليم، ونيتي فيه حسن وغايتي محمودة، وما أبور فيه إلا على حاسد لا يشفيه مني إلا ان يعيني الله من نعمته، ويخليني من صنعه، والله تعالى لا يبلغه أمانيه، ولاينجح له مساعيه؛ أو جاهل بمواقع ما قد نكت

فيه ومررت به على مقدار ما فاض به العقل، وجرى إليه العلم، وأسمحت عليه النفس، وساعدت فيه القوة. وهذا الكلام وإن أشار إلى بعض الاقتدار، فقد اشتمل على نوع من الاعتذار.

كان إبراهيم بن الخصيب المديني أحمق الناس، وكان له حمار أعجف، وكان إذا علق الناس الخالي بالعشي أخذ مخلاة حماره وقرأ عليها " قل هو الله أحد " الإخلاص: وعلقها عليه فارغة وقال: لعن الله من يرى أن كيلجة شعير أنفع من " قل هو الله أحد "؛ فما زال هكذا حتى نفق الحمار فقال: إن " قل هو الله أحد " تقتل الحمير، وهي والله للناس أقتل، لا أقرأها ما عشت.

يقال: اعتلت امرأة ابن مضاء الرازي فجعلت تقول: ويلي، كيف تعمل إن مت؟ فقال ابن مضاء: ويلي أنا كيف أعمل إن لم تموتي؟! وتزوج ابن مضاء امرأة بمهر أربعة آلاف درهم فقيل: ما حملت على نفسك؟ فقال: أنا أفدي غريماً كلما وجدته نكته في آسته.

قيل لبعض القراء: قد ولي أخوك ولاية فلم تأته، فقال: ما سرتني له فأهنته، ولا ساءته في نفسه فأعزيه، فلماذا آتيه؟

قيل لابن شبرمة، وكان من أهل الكوفة: أنتم أروى للحديث ام أهل البصرة؟ فقالك نحن أروى لأحاديث القضاء، وهم أروى لأحاديث البكاء.

أقام رجل بباب بلال بن أبي بردة شهراً لا يصل إليه، فكتب إليه رقعة وتلطف حتى ولصلت، فقرأها بلال وتبسم، فقيل له في ذلك فقال: ما أرفق كاتبها، قيل: ما كتب؟ قال: كتب: حسن الآمال وثناء الرجال وقفاني عليك، والصبر مع العدم لون من ألوان الخرق والحرمان، ومنتجع الكرام مراح الأحرار، فإما عطاء جزيل، أو رد جميل؛ فوجه إليه بعشرة آلاف درهم.

قد سمعت هذه الحكاية على غير هذا الوجه تحكى لبعض من اجتدى، وطرق الرواية مختلفة، والكذب كثير، والتزيد واسع، فكان أبو مخلد يقول: لا تصدق بقول المحدثين: فلان أعطى فلاناً عشرين ألف درهم، وفلان وصل ندمانه في ليلة بمائة ألف درهم، وفلان فعل، وفلان صنع، ويقول: هذه من أكاذيب الوراقين، وليس لما يحكى عن البرامكة حقيقة، وإنما يختلق هذه الألفاظ والمعاني ناس ختلوا قوماص عن دينارهم ودرهمهم، وإلا فلم لا نرى في عصرنا مثل هذا؟ أترى الناس مسخوا؟ فقيل له: لولا أن في عصرنا من يعطي أكثر من هذا ما كنت أنت في هذه النعمة الضخمة، والحال الفخمة، والبال الرخي، والعيش الهني، من غير كتابة بارعة، ولا أدب بارز، ولا نسب شريف، ولا شجاعة ظاهرة، ولا رأي

مصيب، ولا بيت مروف، ولا سبب نادر، ولا أمر بديع؛ وذاك أن أحمد ابن بويه معز الدولة كان يختصه ويقدمه يوعطيه ويغنيه، وهو خال من جميع أنواع الفضل، فما سمع ذلك أمسك وعبس، وسكت فما نبس؛ هكذا حكى أبو الجيش الطبري وكان متبسطاً معه جريئاً عليه، وقمع بهذا غربه وبتر حبله، فقيل لأبي الجيش: ما بعثك على هذا، مع مكانك منه ومنزلتك عنده؟ قال: الغيرة على الأدب والنصرة لأهله، ولو قنع بملابستنا له على مسايرتنا إياه بتغافله أسكتنا، ولكنه قال واشتفى، وسمع فاشتكى، والبادي أظلم.

سئل إسحاق الموصلي عن الندماء فقال: واحد غم، واثنان هم، وثلاثة قوام، وأربعة تمام، وخمسة مجلس، وستة زحام، وسبعة جيش، وثمانية عشكر، وتسعة اضرب طبلك، وعشرة الق بهم من شئت.

قال بشار في مجلس أنس: لا تجعلوا يومنا حديثاً كله، ولا غناء كله، ولا شرباً كله، تناهبوا العيش تناهباً، وإنما الدنيا فرص.

كان المأمون يقول في المجلس: اطرحوا حديث أمس مع ذهابه، فهو أدوم للسرور وأشرح للصدور.

قال المأمون: أنفع طعام صاحب النبيذ سكباجة تفيق شهوته، وقلية تمسك النبيذ بدسمها.

قال بزردمهر: أخيب الناس سعياً من أقام في دنياه على غير سداد، ورحل إلى آخرته بغير زاد.

ورأى فقيراً جاهلاً فقال: بئس ما اجتمع على هذا: فقر ينغض دنياه، وجهل يفسد آخرته.

وقال يوماً لثمامة: ارتفع، قال: يا أمير المؤمنين، لم يف شكري بموضعي هذا، وأنا أبعد عنك بالإعظام لك، وأقرب منك شحاً عليك.

قال أعرابي: رب موثق موبق.

وقال المأمون: الطعام لون واحد فإذا استطبته فاشبع منه،

والندمان واحد فإذا رضيته فلا تفارقه ما لم يفارقك الرضا به، والغناء صوت واحد فإذا استطبته فاستزده حتى تقضي وطرك منه.

قال أعرابي: اللهم إنا نبات نعمتك فلا تجعلنا حصاد نقمتك.

كان ابن يسار يقول: اللههم يسر لنا ما نخاف عسره، وسهل لنا ما نخاف حزونته، ونفس عنا ما نخاف غمه، واكشف عنا ما نخاف كربه.

اختصم اثنان من الشطار إلى قاض لهم، يقول كل واحد: أنا أفتى منك، فقال القاضي لأحدهما: الخبيص أحب إليك أم الفلوذج؟ فقال: الخبيص، فقال الآخر: الفالوذج، فحكم للذي فضل الفالوذج، فسئل عن الحجة فقال: لأن الخبيص يعمل من السكر، والسكر من القند، والقند من القصب، والقصب يمصه الصبيان في الكتاتيب، وليس فيهم فتوة؛ والفالوذج من العسل، والعسل من الشهد، والشهد من النحل، والنحل أيوي الجبل، والجبل يكون فيه الصعاليك، والصعاليك فتيان.

قيل لأعرابي: لم لا تشرب؟ فقال: والله ما أرضى عقلي مجمعاً فكيف أفرقه؟!

وقيل لأعرابي: أما تشرب؟ فقالك لا أشرب ما يشرب عقلي.

خرج سكران من داره فاستقبله الطائف فقال: أنت سكران، قال: لا، قال: أتقرأ القرآن؟ قال: نعم، قال: فاقرأ آية فيها أربع صادات، فقال السكران: وما قص صالح صاحب المصلى، فضحك الطائف، وإنما أراد " فاقصص القصص " الأعراف:.

قال حماد: قلت لمغن: غن، قال: هذا أمر، قلت: فأحب أن تفعل، قال: هذا حاجة، قلت: فلا تفعل، قال: هذا عربدة.

قال أحمد بن أبي العلاء: قلت لمغن في محجلس: غن لي صوت كذا، وبعده كذا، وبعده كذا، قال: يا ابن الزانية، ولا تقترح صوتاً إلا بولي عهد؟؟! خرج سكران من موضع ليلاً فتلقاه الطائف، فلف السكران رأسه ووجهه برداء كان معه، فقال الطائف: وما هذا؟ قال: هذا شيء مغطى وقد نادى الأمير ألا يكشف مغطى، فمن خالف الأمير جلده، قال الطائف: فاكشف لي عن رأسك لي عليك بأس، قال: ليس لي رأس، ومن أين لك أني برأس؟ قال الطائف: ويلك فمن أين تكلمني؟ قال: ليس هذا

عليك، تسمع وتطيع نداء الأمير وإلا فاكشف إن جسرت، فضحك الطائف وتركه.

قال أبو فروة: مر طارق وكان على شرط خالد القسري بابن شبرمة في موكبه، فقال ابن شبرمة:

أراها وإن كانت تحب كأنهاسحابة صيف عن قليل تقشع
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «أراها وإن كانت تحب كأنها»

اللهم لي ديني ولهم دنياهم؛ فاستعمل ابن شبرمة بعد ذلك على القضاء، فقال له ابنه: أتذكر قولك يوم مر طارق في موكبه؟ فقال: يا بني إنهم يجدون مثل أبيك ولا يجد مثلهم أبوك، إن أباك أكل من حلوائهم فحط في أهوائهم.

قال عمر بن الخطاب ﵁: ابن آدم، لا يهلك الناس عن نفسك فإن الأمر يخلص إليك دونهم، ولاتقطع النهار سادراً فإنه محفوظ عليك ما علمت، وإذا أسأت فأحسن، فإني لم أر شيئاً أسد طلباً ولا أسرع دركاً من حسنة حديثة لذنب قديم.

قال أحمد بن الطيب، قال لي رجل مرة: لم لا ترحل إلى فلان وتتصل بفلان؟ قلت: لأني لا أشكلهما، أنا أريد أديباً وهما عطل، وهما يريدان مقاتلاً وأنا من القعدة.

قال أحمد بن الطيب، قال لي أحمد بن محمد بن لي بن الرشيد: لو لم يكن من عيب السودان إلا أنه لا يرى أحدهم أثر الضرب في بدنه وإن أوجعه كما يراه الأبيض إذا احمر أو اخضر فيروعه ذلك فلا يعاود الذنب، وأنك لا ترى في وجهه ولونه أثر العتاب والتبكيت قد أخجلاه بحمرة تظهر وأ، الفزع قد حل بصفرة تبدو فتعفو عنه رجاء صلاحه، كما تتبين حمرة الخجل وصفرة الوجل في وجه الأبيضص؛ هذا قاله في كتابه في آيين خدمة الملوك.

قال الحكماء: لا ينزلن مسافر عن دابته بليل حافياً، ولا يأكلن بقلاً عفلاً، ولا يبولن في نفق لا يرى قعره.

قال فيلسوف: العبيد ثلاثة: عبد رق، وعبد شهوة، وعبد طمع.

قالت الفلاسفة: كن لأسرار الملوك أستر من قبيح الداء في جسمك، فإن إذاعة الداء عيب في البدن، وإذاعة السر من الملوك متلفة للنفوس.

قال رجل لابنه: ابتد بتقوى الله ﷻ وطاعته، وقدمهما مؤثراً فضلهما متحلياً جمالهما، فإن التردي بهما أجمل لباس، والتحصن بهما أمنع حرز، والتشفع بهما أكرم وسيلة.

قال أحمد بن الطيب: يكفينا من الرحمة ألا نظلم، ومن السخاء أن نواسي، ومن الحياء أن نحلم.

قال أحمد بن الطيب، قال رجل من وجوه مدبري الفرس لرجل قد رآه فرغ من عمله فتكلف عملاً آخر: أنت أعلم بما يصلحك ويصلح لنا بك منا ونحن بسيايتك والقوام عليك، وإنما تركنا هذا الفضل فيك وبقينا هذا الزمان عليك لنا لا لك، ليكون لك فرجة بين العملين وراحة تبعثنا لنشاط منك في وقت حاجتنا غلى عملك، فلا تستفرغ وسعك في ما لم تكلفه فيخل بنا فيما كلفناك إذ توليته نضواً طالعاً، وما زدت على أن عرفتنا مقدار جهلك بقدر النعمة منا عليك، فالزم ما كلفت ودع نوافل الفضول.

قال أعرابي لرجل: نزلت مذ نزلت بواد غير ممطور، ورحل غير مسرور، فأقم بعدم أو ارحل بندم.

قال فيلسوف: كلما كنت بالكلام أحذق، كنت بالإنسانية أحق.

قيل لأبي علي الأموي: ادعبل أشعر أم الطائي؟ فقال: أما إني خائف والله أن أصفع دعبلاً بنعل الطائي فأضع من قدر صاحبها.

تقول العرب: أعدم فأعجم، وأترب فأعرب.

شاعر:

لسان الغنى لدن المهزة صارموللفقر حلق في الندي كليل
ألم تعلمي أن الثراء محبةوأن ليس يوماً للخليل خليل

الخليل ها هنا هو المختل الفقير، وقيل في إبراهيم الخليل صلوات الله عليه إنه أريد به هذا المعنى، كأنه ﵇ كان فقيراً إلى الله تعالى وأخلصهم فقراً إلى الله العلي، وفيه كلام غير هذا يمر في الجزء أفرده لأصحاب الضمائر والوساوس الذين يصيرون إلى مذاهب النسك والتصوف، وأنشر هناك من مطوي أمرهم ومكنون حديثهم ما يفيدك علماً، ويزيدك بصيرة، ويريك الحق حقاً، والباطل باطلاً، إن شاء الله.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البصائر والذخائر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.