من «البصائر والذخائر» لأبي حيان التوحيدي (ت نحو ٤٠٠هـ)
الجزء الثامن (١١)
فذهب أحدنا ليلتقط ما كان تحتها فقال: مه، إن ذلك يكون في المنازل تحت السقوف، فأما في مثل هذا المكان فهو لعافية الطير والبهائم. ثم أتي بالخلال فقال: إن من حق الخلال أن تدير لسانك في فمك، فما أجابك ابتلعته، وما امتنع فالخلال. وأتي بالطست والماء، فابتدأ بأول من على يساره حتى انتهى إليه فغسل، ثم غسل من عن يمينه إلى آخرهم، ثم قال: يا عاصم، كيف أنتم في التواصل والتيار؟ قال: على أفضل ما كان عليه أحد، قال: أيأتي أحدكم إلى كم أخيه أو منزله عند الضيقة فيستخرج كيسه ويأخذ ما يحتاج إليه فلا ينكر عليه؟ قال: لا، قال: فلستم على ما أحب من التواصل.
قال بعض السلف: لصانع المعروف إجلال القلوب، وثناء الألسن، وحسن الأحدوثة، وذخر العاقبة، وفخر الأعقاب.
شاعر:
ولم أر كالمعروف أما مذاقهفحلو وأما وجهه فجميل
آخر:؟ سقاني من كميت اللو - ن صرفاً غير ممزوج
فلما دارت الكاسعلى ناي وتصنيج
جعلنا القمص في اللبات أمثال الدواويج
كاتب: الحمد لله على عامر مهاجرتك، وسلامة بدأتك
ورجعتك، وعظم المنة بأوبتك، فشكر الله سعيك، وتقبل نسكك، وجعلك ممن انقلب مفلحاً منجحاً، قد ربحت صفقته، ولم تبر تجارته، ولا أعدمك تقبل عملك، وتوفيقاً يحوك دينك، وشكراً يرتبط نعمتك، وهناك الله تعالى ذلك، وطيبه لك في الدنيا مع الأهل وجمع الشمل، ولا أعدمك مزيداً منه.
قال أعرابي في ذم الدنيا: جمة المصائب، كدرة المشارب لا تمتعك بصاحب.
قال أعرابي: من علم أن رزقه طالبه أراح بدنه من الدؤوب ونفسه من الذنوب.
نظرت أعرابية إلى قوم يدفنون ميتاً فقالت: جافى الله عن ميتكم ثقل الثرى، وأعانه على طول البلى.
ومدح أعرابي رجلاً فقال: ذاك والله مضغة من ذاق لفظها، وإنه مع ذلك عذب في أفواه الأصدقاء.
وقال أعرابي في آخر: لم يزل ينهب الدهر ما له حتى مال له الدهر، فبخل الدهر عليه ولم يبخل على الدهر.
نظر أعرابي إلى فارس فقال: كأنه والله باز على مرقب، بيده رمح طويل يقصر به الآجال.
وقال أعرابي: هو والله إذا لوين أحلى من الجنى، وإذا خوشن أمر من الألاء.
وذكر أعرابي مودة رجل فقال: مودته مشوبة الفعال، وسماؤه قليلة البلال، وأرضه دائمة الإمحال، هو اليد الجذاء، والأزمة الحصداء، أبعد مقاله قريب، وأقرب فعاله بعيد، يقول ما لا يفعل، ويفعل ما لا يقول.
كاتب: من اتسع في الإفضال اتسعت فيه الأقوال، من شاكر مثن، ومادح مطر، ولسنا نصفك بما يعن لنا ويبدو على ألسنتنا، مما يتقرب به ذو الرغبة، ويفزع إليه ذو الرهبة، لاشتراك مرغوب، واستجلاب مطلوب، ولكنا ننطق عن سيرتك بإفصاح، ونبين عنها بإيضاح، يكف شغب الكائد، ويطيل غم الحاسد.
قال أعرابي: طالب الفلاح كالضارب بالقداح، سهم له وسهم عليه.
شاعر:
وعصبة لما توسطتهمضاقت علي الأرض كالخاتم
كأنهم من بعد أفهامهملم يخرجوا بعد إلى العالم
يضحك إبليس سروراً بهملأنهم عار على آدم
قيل لأعرابي: أتعرف ربك؟ قال: إن عرفناه أبلانا، وإن أنكرناه أصلانا.
قال مسلم: مازلت أستجفي عائشة في قولها: بمن الله لا بمنك، حتى سألت أبا زرعة الرازي فقال: ولت الحمد أهله.
حمل إلى حماد القرشي دنانير فردها فقال له أصحابه، وكانوا أضيافه على كسر قد بدع بها كبة غزل: ما وجب أن ترد، فقال: إني لم أختر الفقر للغنى، إنما اخترت الفقر للفقر.
كان العتابي واقفاً بباب المأمون، فوافى يحيى بن أكثم، فقال له العتابي: إن رأيت أن تعلم أمير المؤمنين مكاني فافعل، فقال: لست بحاجب، فقال: قد علمت، ولكنك ذو فضل، وذو الفضل معوان، قال: سلكت بي غير طريقي، قال: إن الله أتحفك منه بجاه ونعمة، وهو مقبل عليك بالزيادة
إن شكرت، وبالتغيير إن كفرت، وأنا لك اليوم خير منك لنفسك، لأني أدعوك إلى ما فيه ازدياد نعمتك وأنت تأبى علي، ولكل شيء زيادة وزكاة، وزكاة الجاه رفد المستعين؛ فدخل على المأمون فأخبره الخبر، فأمر للعتابي بثلاثين ألف درهم.
بلغ عمر بن عبد العزيز أن ابنه بالمدينة اشترى خاتماً قيمة فصه ألف درهم، فكتب عمر ﵁: عزمت عليك لما بعت خاتمك بألف درهم، وجعلتها في ألف بطن جائع فقير، واستعملت خاتماً من ورق وجعلت فصه منه ونقشت عليه: رحم الله امرءاً عرف قدره.
شاعر:
شعرات في الرأس بيض ودعجحل رأسي خيلان: روم وزنج
طار عن لمتي غراب شبابيوعلاني من بعده شاه مرج
أيها الشيب لم والعت برأسيإنما لي عشر وعشر وبنج
قال أعرابي في رجل: ذاك والله رضيع الجود والمفطوم به، عقيم من الخنا، معتصم بالتقوى، إذا خرست الألسن عن
الرأس حذف بالصواب كما تحذف الأرنب، فإن طالت الغاية، ولم يكن دونها نهاية تمهل أمام القوم سابقاً.
قال بعض الأطباء: إذا أخذ زبل العصافير وديف بلعاب الإنسان وطلي على الثؤلول قلعه.
قال الحجاج لعنبسة بن سعيد: يا عنبسة، بلغني أنك تشبه إبليس في قبح وجهك، قال: وما ينكر الأمير أن يكون سيد الإنس يشبه سيد الجن؟!
لما نزل قوله تعالى: " وأنذر عشيرتك الأقربين " الشعراء:، أتى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله قمة جبل فعلا أعلاها ونادى: يا آل عبد مناف، إني نذير، وإنما مثلي ومثلكم كمثل رجل يربأ أهله، فرأى العدو فخشي أن يسبقوه فجعل يهتف وينادي: يا صباحاه! الدبول: الجداول، سميت بذلك لأنها تدبل أي تصلح، قال
الكسائي: أرض مدبولة: إذا أصلحت بالسرجين، وكل شيء دبلته ودملته فقد أصلحته، ومنه يقال: داملت الصديق إذا استصلحته. ومدفن المدينة يسمى بقيع الغرقد، والغرقد: شجر الغضا وكل شجر له شوك، مثل الطالح والسلم والسدر والسمر.
قال أعرابي: إن الله تعالى أفرح بتوبة العبد من المضل الواجد، والظمآن الوارد، والعقيم الوالد.
قال أعرابي: رب حرب أنفع من سلم، وجهل خير من علم.
كاتب: قد سرني ردك لي عما التمسته منك ليكون ذلك عقوبة لي على سوء اختياري لك، وتأديباً على قصدي بأملي إياك.
قال أعرابي: رب صبابة غرست من لحظة، ورب حرب جنيت من لفظة.
قال أعرابي: رب وحدة خير من جليس، ووحشة أحسن من أنيس.
قال أعرابي: ربما أخطأ البصير قصده، وأصاب الغوي رشده، وشد الأشل زنده.
قيل لكثير: كيف تصنع إذا عز عليك قول الشعر؟ قال: أطوف في الرباع المحيلة، والرياض المعشبة، فيسهل علي أرصنه، ويسرع إلي أحسنه.
قال بعض السلف: ما استدعي شارد الشعر بمثل المكان الخالي، والمستشرف العالي، والماء الجاري، وله أوقات يسرع فيها أتيه، ويسمح فيها أبيه.
كاتب: كتبت عن عافية في البدن، وسقم في الحال، فأنا بين شكر وشكوى، وبلاء جميل وبلوى، أستحق بالشكر الزيادة، وبالسقم العيادة، أما استخبارك عن أمري فظاهر أمري بالسلامة يسرك، وأما باطن حالي فبالاختلال يسوءك.
كاتب: كتبت وأنا سالم في نفسي، فأما ما تتم به السلامة فقد أخطأني موقعه، لأني ببلد ليس فيه عمل يجدي، ولا حر يسدي، وأنا أحمد
الله حمداً يصونني عن العمل إلا لطاعته، ويغنيني عما سواه بكرمه وكفايته.
قال أعرابي: من تنعم بك بدنه، تعبد لك قلبه، ومن جهد ظاهره فيك، ثقل باطنه عليك.
قال أعرابي لآخر: اجعل لي وكيلاً من نفسك يقوم عندك بعذري، ويخاصمك إلى كرمك في أمري.
كاتب: أصبحوا في زهرة رياضك راتعين، وفي غمرة حياضك شارعين.
قال أعرابي: هذا مقام من لا يتكل عندك على المعذرة، بل يعتمد منك على المغفرة.
قال ابن الكلبي: لما أتي الحجاج بالأسرى من أصحاب ابن الأشعث، جعل يعرضهم على السيف حتى انتهى إلى شاب فيهم فقال: أصلح الله الأمير، إن لي حرمة، قال: وما هي؟ قال: ذكرت في عسكر ابن الأشعث بسوء فرددت عنك الشتائم وقلت للشاتم: والله لقد كذبت في مقالتك، وأفكت في نطقك، والله ما في الحجاج مغمز ولا مطعن في حسب ولا
نسب، ولا مفسد في بطن ولا ظهر، فإن شئت في غير ذلك فقل، فقال الحجاج: ومن يعلم ما تقول؟ فرمى الرجل بطرفة إلى رجل بالقرب منه فقال: هذا يعلم ما أقول، فقال الحجاج: ما تقول فيما قال؟ قال: صدق أيها الأمير، فقال: يخلى عن هذا لذبه عنا، ولهذا حرمه حفظ شهادته؛ فخلوا عنهما.
قال المدائني: قدم على أسد بن عبد الله بخراسان رجل، فانتظر قعوده للناس فكان يحجب عنه، فلما دخل إليه قال: أصلح الله الأمير، إن لي عندك يداً، قال: وما يدك؟ قال: أخذت بركابك يوم كذا، قال صدقت، قل حاجتك، قال: توليني أبيورد، قال: ولم؟ قال: لأكسب مائة ألف درهم، قال: فإنا قد أمرنا لك بها وأقررنا صاحبنا على عمله، قال: أصلح الله الأمير، لم تقض ذمامي، قال: ولم وقد أعطيتك ما أملت، وسرغتك ما أمرت لك به، وأعفيتك من المحاسبة أن صرفناك عنها، قال ولم تصرفني ولا يحب الصرف إلا لأمرين: إما لعجز أو لخيانة، فإن سلمت منهما لم أصرف، قال: فأنت أميرها ما دامت خراسان لنا، فلم يزل عليها حتى عزل أسد.
قال المدائني: جاء رجل إلى نصر بن سيار فذكر قرابة، قال: وما قرابتك؟ قال: ولدتني وإياك فلانة، قال: قرابة عورة، قال: إن القرابة
مثل الشن البالي يرقعه أهله فينتفعون به، قال: حاجتك؟ قال: مائة ناقة ومائة نعجة ربى - إي معها أولادها - قال: أما النعاج فخذها، وأما النوق فنأمر لك بأثمانها.
قال الشعبي: حضرت مجلس زياد وحضره رجل فقال: أصلح الله الأمير، إن لي حرمة أفاذكرها؟ قال: هاتها، قال: رأيتك بالطائف وأنت غليم ذو ذؤابة وقد أحاط بك جماعة من الغلمان وأنت تركض هذا مرة برجلك وتنطح هذا مرة برأسك وتكدم هذا مرة بأسنانك، وكانوا مرة ينثالو عليك وهذه حالتك وحالهم، ومرة يندون عنك وأنت تتبعهم حتى كاثروك واستقووا عليك، فجئت حتى أخرجتك من بينهم وأنت سليم وكلهم جريح، قال: صدقت أنت أنت ذاك الرجل؟ قال: أنا ذاك، قال: حاجتك؟ قال: حاجة مثلي الغنى عن الطلب، قال: يا غلام أعطه كل سفراء وبيضاء عندك، ونظر فإذا قيمه ما يملك في ذلك اليوم أربعة وخمسون ألف درهم، فأخذها وانصرف، فقيل له بعد ذلك: أنت رأيت زياداً وهو غلام بهذه الحال؟ قال: إي والله لقد رأيته وقد اكتنفه صبيان صغيران كأنهما من سخال المعز، فلولا أدركته لظننت أنهما يأتيان على نفسه.
وقف رجل على معاوية وهو في مجلس العامة فقال: يا أمير
المؤمنين، إن لي حرمة، قال: وما هي؟ قال: دنوت من ركابك يوم صفين وقد قربت ذابتك لتنهزم، ورأى أهل العراق الفتح والظفر، فقلت لك: والله لو كانت هند بنت عتبة مكانك ما هربت، واختارت أن تموت كريمة أو تعيش حميدة؛ أين تهرب وقد قلدتك العرب أزمة أمورها، وأعطوك قياد الأعنة؟ فقلت لي: اخفض صوتك لا أم لك، ثم ثبت وثابت حماتك إليك وتمثلت بقول عمرو بن الإطنابة:
وقولي كلما جشأت وجاشتمكانك تحمدي أو تستريحي
قال: صدقت، ولوددت أنك خفضت من صوتك، يا غلام أعطه خمسين ألف درهم، ولو أحسنت الأدب لأحسنا لك الزيادة.
رفع إلى أنو شروان أن العامة تؤنب الملك في تقديمه فلانا وليس له شرف أصيل ولا نسب، فوقع: اصطناعنا له نسب.
هذا الذي قاله لطيف حلو، له وجه عريض في التأويل، وعليه حجة قوية في الجدال، وقد كان بعض أصحابنا يقول: الاصطناع لا يشرف الجوهر الخسيس، والاطراح لا يضع الجوهر النفيس، وسبيل الملك أن يكون كالناقد
الذي ينفي الزائف ويقتني الجيد، فما انتكثت الدول وانتقضت الملل إلا بهذا التأويل الذي ينشئه هوى الملك في واحد بعد واحد، على أنا لا نجحد أن تكون النجابة في بعض الخاملين، والفسالة في بعض المشرفين، لأن الغرائز والنحائر مختلفات، وكل من شوطه على حد إن زاد مكرها في وقت نقص مختاراً في وقت، وأصل كل معروف نكرة، وآخر كل معروف نكرة، ولكن الأولى بالقياس على عادة الناس تقديم من له قديم، فليس طلاب الذهب من معدنه كطلب المعدن في الأرض، على أن هه القضية في زماننا مطوية، وهذا الشأن متروك.
رفع إلى كسرى أن النصارى الذين بحضرة باب الملك يقرفون بالتجسس، فوقع: من لم يظهر ذنبه لم تظهر من عقوبة له.
ورفع إليه أن بعض الناس ينكر إصغاء الملك إلى أصحاب الأخبار، فوقع: هؤلاء بمنزلة مداخل الضياء إلى البيت المظلم، وليس بقطع مواد النور مع الحاجة إليه وجه عند العقلاء.
قال بعض أصحابنا: أما الأصل في هذا التدبير فصحيح، لأن الملك محتاج إلى الأخبار، ولكن الأخبار تنقسم إلى ثلاثة أوجه: خبر يتصل بالدين، والواجب عليه أن يبالغ ويحتاط في حفظه وحراسته ونفي القذى عن طريقه
وساحته، وخبر يتصل بالدولة ورسومها، فينبغي أن يتقظ في ذلك خوفاً من كيد ينفذ وحيلة تتم؛ وخبر يدور بين الناس في متصرفهم وشأنهم وحالهم، حتى إذا زاحمتهم فيه اظطغنوا عليك وتمنوا زوال ملكك، وأرصدوا العداوة لك، وكانوا عليك مع عدوك. وإنما لحق الناس من هذا الخبر هذا العارض لأن في منع الملك إياحم عنه وتتبعه لهم كرباً على قلوبهم، ولهيباً في صدورهم، فلا بد لهم في الدهر الصالح، والزمان المعتدل، والخصب المتتابع، والسبيل الآمن، والخير المتصل، من فكاهة وطيب واسترسال وأشر وبطر، وكل ذلك من آثار النعمة الدارة، والقلوب القارة، فإن أغضى الملك بصره عل ىهذا القسم عاش محبوباً، وإن تنكر لهم فقد جعلهم أعداء، والسلام.
ورفع إلى أنوشروان أن عامل الأهواز قد جنى من المال ما يزيد على الواجب، وأن ذلك يجحف بالرعايا، فوقع: يرد هذا المال على هؤلاء الضعفاء، فإن تكثير الملك بظلم رعيته بمنزلة من يحصن سطوحه بما اقتلعه من قواعد بنيانه.
ورفع إليه أن الأمر كان خرج باختيار رجل للشرطة، وقد سمي لذلك فلان، فوقع: يحتاج لهذا العمل إلى رجل في طباعه البغضة للأشرار،
واستقصاء أصول الأموال، والغلظة على الظلمة، والرقة على الضعفاء، وهذا رجل يختار لغير هذا العمل.
قال أبو سعيد السيرافي: إن هذا لزيد، إذا كان المشار إليه هو زيد، وكسروا اللام ليزول اللبس، وأصلها الفتح، لأن الباب في الحروف المفردة أن تبنى على الفتح، فإذا وصلتها بالمكني عادت إلى أصلها من الفتح، وذلك قوله: إن هذا له، وإن هؤلاء لنا، لأنك تقول في مكني المرفوع: إن هذا لأنا، وإن هؤلاء لنحن، وإن هذا لهو، وأنشد:
وإني امرؤ من عصبة خندقيةأبت للأعادي أن تنيخ رقابها
قال يحيى بن غسان: عاتبت غسان بن عباد في اقتصاده في ملبسه فقال: من عظمت مؤونته على نفسه قل نفعه على غيره.
أنشد السيرافي:
فصددت عن أطلالهن بجسرةعيرانة كالقصر ذي البنيان
كسفينة الهندي طابق ظهرهابسقائف مكسوحة ودهان
فكأنما هي بعد غب كلالهاأو أسفع الخدين شاة إران
يعني ثوراًوحشياً، ويسمى الثور الوحشي شاة، والبقرة الوحشية شاةٍ، وإران: نشاط، إرن يأرن أرنا والاسم الإران، يقال: الإران: كناس الوحش، يقال: الإران: سرير الميت، ومنه قول طرفة: أمون كألواح الإران نسأتها فأما قوله: ها أناذا وها نحن أولاء، وها هو ذاك، وها أنت ذا، وها أنتم أولاء، وها أنتن أولاء، فها للتنبيه، والأسماء بعدها مبتدآت، والخبر أسماء الإشارة ذا وذلك، وإن شئت جعلت الضمير المقدم هو الخبر، والإشارة هي الاسم.
وأما ها فيجوز أن يكون مع ذا وفصل بينهما أنت، والمراد بها أن يكون ذا، والتقدير: أنا هذا، ويجوز أن يكون التنبيه للضمير أنهما يشتركان في الإبهام، فأما من قدر ها مع ذا وفصل بينهما فإنه يحتج بقول زهير:
تعلما ها لعمر الله ذا قسماًفاقصد بذرعك واننظر كيف تنسلك
وإنما هو: تعلما هذا لعمر الله قسماً، ويحتج أيضاً بقوله: فقلت لهم هذا لها وها وذا ليا
والتقدير: هذا لها وهذا لي، وإنما يقول القائل: هاأناذا، إذا طلب رجل لم يدر أحاضر أم غائب، يقال: هاأناذا، أي الحاضر أنا، وإنما يقع جواباً؛ تم كلام السيرافي.
قال أبو العيناء: لما عزل إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة شيعوه فقالوا: عففت عن أموالنا وعن دمائنا، فقال: وعن أبنائكم، يعرض بيحيى ابن أكثر في اللواط.
قال أبو السائب المخزومي: كان جدي في الجاهلية يكتني بأبي السائب وبه اكتنبت، وكان خليطاً لرسول الله صلى الله عليه في الجاهلية، فكان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله إذا ذكره في الإسلام قال: نعم الخليط كان أبو السائب، لا يشاري ولا يماري.
قال الزبير بن بكار: أدخل ابن جندب على المهدي في القراء، وفي القصاص، وفي الشعراء وفي الرماة، وفي المغنين، فأجازه فيهم كلهم.
لما حضرت الوليد بن عقبة الوفاة أتاه أهل الكوفة يدعون له ويثنون عليه فقال: يا أهل الكوفة، حبكم والله صلف، وبغضكم تلف؛ وإني لفي آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة، اللهم إن كان أهل
الكوفة صدقوا في شهادتهم فأصلني نار جهنم، وإن كانوا كذبوا علي فاجعل ذلك كفارة لما تعلم من ذنوبي.
سمعت القاضي أبا حامد يقول: دخل بلال بن أبي بردة مسجد دمشق ولزم سارية، وكان يحسن صلاته وتسبيحه حتى عرف بهديه، فرآه عمر ابن عبد العزيز فهم بأن يجعل إليه من أمور المسلمين شيئاً فقال له خادم: يا أمير المؤمنين، في الأناة خير كثير، وفي العجلة ندم، فأرسلني إليه واسألني عنه أعرض عليك ضميره، فإن كان على ما تحلى به في ظاهره كنت من تقديمه وتوليته على يقين، وإن كان بخلاف ذلك كفيت نفسك الاهتمام به، والمسلمين الفتنة، فقال له عمر: خذ فيما ألهمك الله، فجاء الخادم إلى بلال بن أبي بردة وصلى بجنبه، وسلم عليه وأنسه، وأخذ في شجون الحديث يستنزله، وألقى إليه في عرض الحديث ذكر الولاية، وعرفه ما فيها من العز في الدنيا وعرض الجاه ومعونة المسلمين، فقبل ذلك بلال وهش له، فقال الخادم: فما لي إن شرعت في ذلك؟ قال بلال: عشرة آلاف درهم، فوافقه وانصرف إلى عمر وعرفه الحال وحكى الصورة، فقال عمر: لحاه الله، أتانا بدينه يطلب دنيا لا تبقى له.
قرأت بخط ابن المعتز، قال التوزي: خرجت مع أبي عبيدة من المسجد فتوكأ علي ثم قال: أنت أولى من ألقينا عبالتنا عليه.
وقال أعرابي: اللهم إني أعوذ بك من خطرات الإثم ونظرات السوء.
قال إبراهيم النخعي: إن بني أمية أدمجوا بالحلم إدماجاً.
قال علي كرم الله وجهه في خطبته بصفين: قدموا الدارع، وأخروا الحاسر، وأميتوا الأصوات، والتووا في أطراف الأسنة، وادرعوا العجاج.
كان ابن سيرين إذا دعي إلى وليمة قال: يا جارية، هاتي قدحاً من سويق، قال: ألست قد دعيت؟ قال: أكره أن أجعل حدة جوعي على طعام النماس.
قال الحسن: الإنسان يهدم عمره مذ سقط من بطن أمه.
رئي بعض العلماء وهو يكتب من فتى حديثاً فقيل له: ما مثلك يكتب من هذا، فقال: أما إني أحفظ منه، لكني أردت أن أذيقه كأس الرياضة ليدعوه ذلك إلى الازدياد من العلم.
كتب أنو شروان إلى أصبهبذ خراسان: اعلم أن عدوك الأقرب الخرق، وجندك الأعظم الرفق.
قال ابن عباس: لم يمل إلى المغالبة إلا من أعياه سلطان الحجة.
كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول للرجل إذا استعمله: إن العمل كير، فانظر كيف تخرج منه.
أركان النعيم: الصحة والأمن والغنى والشباب.
لرجل من بني أسد:
فإن تغمضوا فالحرب كأس مريرةإذا صدرت عنها الأسنة ترعف
إذا ركبوا لم يركبوها وطيةهي الغول للأقوان حين تشوف
إذا التقت الأبطال كان سجالهاصفائح بصرى والقنا المتقصف
ويوردها الأقوام ممن يعلهارواء وقرح القوم لا يتقرف
تفرق ألافا وتعتام سادةوتعدي الصحيح فهو أجرب أكلف
قال ثعلب: يقال: ما له عبر وسهر، وما له بئي بطنه، مثل
بعي، أي شق بطنه، وما له عرن في أنفه أي طعن. ويقال: ما له مسحه الله برصاً واستخفه رقصاً.
قال: ويقال: أخافه الله وأهانه؛ ويقال: أرانيه الله أغر محجلاً، أي مقتول محلوق الرأس مقيداً؛ ويقال: أطفأ الله ناره، أي أعمى عينيه؛ ويقال: خلع الله نعليه، أي جعله مقعداً؛ ويقال: جذه الله جذ الصليان؛ قال، ويقال: وصف الله في حاجتك، أي لطف لك فيها؛ ويقال: سقاك الله دم جوفك؛ قال ابن صاعد: إذا هريق دم الإنسان هلك؛ وقال غيره: معناه دعا عليه بأن يقتل ابنه فيضطر إلى أخذ ديته فيشرب من ألبان الإبل.
وقال ابن مهدي: تأوبك الله بالعافية وقرة العين؛ نعوذ بالله من السيل الجارف والجيش الجائح؛ يقال: نعوذ بالله من أمواج البلاء وبرائق الفتن وخيبة الرجاء.
قال المبرد: قلت لمجنون يوماً: أجز لي هذا البيت:
أرى اليوم يوماً قد تكاثف غيمهوإبراقه فاليوم لاشك ماطر
فقال:
وقد حجبت فيه السحائب شمسهكما حجبت ورد الخدود المعاجر
لابن أبي فنن:
ألا رب مكروب أجيب دعاؤهوذي أود قومته فتقوما
ومستسلم للحادثات منعتهبحزمك أن يغتال أو يتهضما
أبي لك حزم الرأي إلا صرامةوبذلك للمعروف إلا تكرما
خلائق غر قد بسطت ببذلهالسان الذي يثني وإن كان أعجما
جمعت بها شمل المعالي فأصبحتلديك صفايا ما يحاذرن مقسما
مددنا بأيدينا إليك فراغبوذو همة يمسي له النجم توأما
وذو أدب لولا رجاؤك أصبحتبضاعته مردودة حيث يمما
قال المفجع: حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: سمعت أبا عثمان المازني يقول: تزوج رجل من بكر بن وائل امرأة من بني دارم، فأراد نقلها إلى أهله، وكان معها بكر فجعل البكر يحن، فقالت:
ألا أيها البكر اليماني إننيوإياك في بكر لمغتربان
نحن وأبكي إن ذا لبليةوإنا على البلوى لمصطحبان
وقال: " إلا أن تغمضوا فيه " البقرة: "؛ الإغماض: الاقتصار على ما دون الحق.
قال أبو حنيفة: حدثنا الرياشي عن محمد بن سلام قال: يقال: الخاطب أحلى شيء لساناً، وعلى لسان كل خاطب تمرة، وهو من الحلاوة.
قال أبو عثمان: سمعت أبا زيد يقول، الكلابيون يقولون: " وإن جنحوا للسلم فاجنح لها " الأنفال:. وسمعت أبا السمال
يقرأ: " وحبط ما صنعوا فيها " هود:، قال: وسمعته يقرأ: " فسوف يكون لزاماً " الفرقان "؛ وسمعته يقرأ: " إنكم لذائقوا العذاب الأليم " الصافات:؛ قال: وسمعته يقرأ: " قل الحق " الكهف: بفتح اللام -، ويقرأ: " فحاسوا خلال الديار " الإسراء: قال الرياشي: ما جاء من الجمع على فعيل: كلب وكليب، وعبد وعبيد، وطس وطسيس، ويد ويدي، وأنشد:
فلن أذكر النعمان إلا بصالحفإن له عندي يديا وأنعما
قال: والحرمد والثأط والحمأة والخلب: الطبن؛ ويقال بيت مخلوب أي مطين.
قال التوزي: البلذم: ما تدلى من الصدر؛ قال الأصمعي: وقيل بلدامة، وهو المضطرب.
يقال: قدر لزبة أي عظيمة، وغنم خليطة إذا كانت عظاماً.
وقال علي بن أبي طالب ﵁: لسان المرء سيف يخطر في جوانحه.
قال وهب: الدناير والدراهم خواتيم الله في أرضه، فمن ذهب بخاتم الله قضيت حاجته.
قال معاوية: كان أبو سفيان طويل الأناة بعيد القعر، نائم الهوى يقظان الرأي.
قال عمر: أدروا للمسلمين لقحتهم، أي العطاء.
قال ابن عباس: المطر بعل الأرض.
وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله: كل صلاة ليس فيها قراءة فهي خداج.
وقال ﵇: خير الناس رجل ممسك بعنان طرفه، كلما سمع هيعة طار إليها.
يقال: كرش الرجل: جماعته، وعيبته: موضع سره؛ قال
النبي صلى الله عليه وعلى آله: الأنصار كرشي وعيبتي.
وكان جرير بن حازم يتنقص صالح بن عبد القدوس، فقال صالح:
قل للذي لست أدري من تلونهأناصح أم على غش يداجيني
إني لأكثر مما سمتني عجباًيد تشج وأخرى منك تأسوني
تغتابني عند أقوام وتمدحنيفي آخرين وكل عنك يأتيني
هذان شيئان شتى بون بينهمافاكفف لسانك عن شتمي وتزييني
أرضى عن المرء ما أصفى خليقتهوليس شيء مع البغضاء يرضيني
قال: ثعلب: العرب تقول: أنا لومة وأخي عذلة، أي أنا اعذله وهو يلومني.
قال أبو العتاهية لابنه يوماً: يا بني، إنك لا تصلح لمشاهدة الملوك، قال: لم يا أبة؟ قال: لأنك بارد المشاهدة، حار النسيم، ثقيل الظل.
من أمثال العرب: رب كلمة تقول لصاحبها دعني.
قال أحمد بن حنبل: ما شبهت الشباب إلا بشيء كان في كمي فسقط.
قال ابن شوذب: قدم أبو مسلم فتلقاه ابن أبي ليلى فقبل يد أبي مسلم، فقيل له: تقبل يد أبي مسلم؟ فقال: قد تلقى أبو عبيدة بن الجراح عمر ابن الخطاب فقبل يده، فقيل له: أتشبه أبا مسلم بعمر بن الخطاب؟ فقال: أفتشبهونني بأبي عبيدة؟ قال ابن عباس: سمعت رسول الله ﷺ يخطب بمنىً، فقال للأنصار: ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله تعالى بي؟ ألم تكونوا خائفين فأمنكم الله تعالى بي؟ ألم تكونوا أذلاء فأعزكم الله تعالى بي؟ ثم قال: ما لي أراكم لا تجيبون؟ قالوا: ما نقول؟ قال: تقولون: ألم يطردك قومك فآويناك، وكذبوك فصدقناك؟ قال: فجثوا على الركب، قالوا: أنفسنا وأموالنا لك يا رسول الله، فأنزل الله تعالى: " قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى " الشورى:.
قال الضحاك: قال ابن عباس في قوله: " قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى " نسخت بقوله تعال: " ما سألتكم من أجر فهو لكم " سبأ:.
ذكر السعادة في مجلس بعض الأشراف فقال أحد القوم: كفاكم أن الصدق محمود إلا منهم، وأن أصدقهم أخبثهم.
لعيسى بن أرطأة في المهدي:
الآن قر الملك في مقرهوابتسم العباس عن مفتره
وسكنت هامة مقشعرةإلى بني العباس أهل سره
ومنهل طعنت في مغبرهوقد دجا الليل بمكفهره
بناعج ينفح ثني درهكأنه في فره وكره
قدح أدرته يدا مدرهإلى إمام عمنا ببره
للعقيلي أستاذ علي بن الجهم:
أرى ألفات قد كتبن على راسيبأقلام شيب في صحائف أنقاس
فإن تسأليني من يمل حروفهافكف الليالي تستمد بأنفاسي
جرى في جلود الغانيات لشيبتيقشعريرة من بعد لين وإيناس
وقد كنت أجري من هواهن مرةمجاري نعيم الماء من قضب الآس
دخل سفيان الثوري على المهدي وهو بمكة فقال له: حدثنا أبو
عمران أيمن بن نابل عن قدامة بن عبد الله بن عمار الكلابي قال: رأيت رسول الله ﷺ يرمي جمرة العقبة يوم النحر لا ضرب ولا طرد، ولا إليك إليك؛ وقد رأيت الناس يضربون بين يديك؛ وجاء عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه أنفق في حجة حجها ثماني عشر ديناراً وقال: ما أحسب هذا إلا سرفاً في أموال المسلمين، وما أراك تدري كم أنفقت؛ فقال المهدي: لو كان المنصور حياً ما احتمل هذا الكلام منك، فقال سفيان: لو كان المنصور حياً ثم أخبرك لما لقي ما ستقر بك مجلسك.
قال الفضل بن سهل: الناس بين نعمة ومصيبة، وفيهما الابتلاء والمحنة، ثم لا تلبث المصيبة إذا أخذ فيها بأدب الله تعالى أن تعود نعمة قد تصرمت أيام كرهها وبقي مأمول أجرها، ولن تلبث النعمة إذا ضيع ما يجب فيهما من الحق أن تعود مصيبة تنصرم أيام بشاشتها وتطول في العاقبة حيرة أهلها.
شاعر:
فلا تنكري فيض الدموع فإنهامعاذير عين فاتها ما تؤمل
قال الحسن: عربي مقتصد أحب إلي من مولى مجتهد.
حبوكرى وأم حبوكرى: داهية؛ قال: والحبوكرى: رملة يضل فيها سالكها ثم صارت داهية، هكذا قال ثعلب في أسماء الدواهي.
قال ثعلب: إنه لضب تلعة، ما يؤخذ مذنباً ولا يدرك حفيراً، أي لا يؤخذ بذنبه ولا يلحق لبعد خفرته.
قال ثعلب: يقال: كذب واختلق، وإنه لزلوق أي كذوب، ويقال: كذوب ممزج أي يمزج حقاً بباطل، وأنشد:
لاتقبلن قول عذوب ممزجأطلس وغد في دريسي منهج
قال ثعلب: يقال: لا أبقى الله لك سارحاً ولا جارحاً، أي لا أبقى الله له مالاً، والجارح: الحمار والفرس والشاء، وليست الإبل والرقيق من الجوارح، وإنما سميت الجوارح لجروح آثارها في الأرض، وليس للآخر جروح.
قال ابن عباس: لما بلغ النبي صلى الله عليه وعلى آله هجاء الأعشى علقمة بن علاثه نهى أحداً من أصحابه أن يروي هجاءه أو يهجوه أحد منهم، قالوا: يا رسول الله، ما السبب؟ قال: إن أبا سفيان شعث مني عند قيصر فرد عليه علقمة وكذب أبا سفيان.
قال ابن عباس: قام شاب من الأنصار إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال:
اذكر بلائي إذ فاجاك ذو سفهيوم السقيفة والصديق مشغول
قال: وكان الفتى قد رد عن عمر قول سيفه من موالي الأنصار كلاماً أغلظ فيه لعمر فقال عمر ﵁: أنا ذاكر لبلائك، ثم قال بأعلى صوته: أدن مني، فدنا منه الشاب فأخذ بيده حتى استشرف الناس وقال: ألا إن هذا رد عني سفيها من قومه يوم السقيفة، ثم حمله على نجيب وزاد في عطائه وولاه صدقة قومه، وقرأ عمر: " هل جزاء الإحسان إلا الإحسان " الرحمن:.
عرض رجل لسعيد بن العاص وهو أمير الكوفة فقال: أيد الله الأمير، يدي عندك بيضاء، قال: وما هي؟ قال كبت بك دابتك فيما بين الحيرة والكوفة، وقد تقدمت غلمانك، فهويت إليك فجذبت بضبعك، وهززتك مراراً، ثم سقيتك ماء، ثم دنوت من ركابك فأخذته حتى ركبت، قال: فأين كنت عني من ذاك؟ قال: حجبت عنك، قال: قد أمرنا لك بمائتي ألف درهم وما يملكه الحاجب تأديباً له إذ حجب مثلك وهذه وسيلتك؛ فإذا ما يملك الحاجب أضعاف ما أعطاه.
كاتب: عرضت عليك مودتي فأعرضت عني، وأعرض غيري عنك فتعرضت له، فالله المستعان على فوت ما أملته لديك، وبه التعزي عما أصبته منك.
قال الكسائي: سمعت أعرابية من بني أسد، وقد كانت عمرت، ونظرت إلى نساء في هوادج، ورجالهن يطردون بهن، وقد تركت
العجوز وهم يريدون نجعة، فقالت: من أمسى والله في مثل حالي فقد هلك، ومن كان مثل هؤلاء فقد ملك، فقال لها رجال الحي: ما ملكن؟ قالت: ملكن والله عرانين كريمة، من قبائل شريفة، تعني أزواجهن.
قال الأصمعي، قال عيسى بن عمر: كنت بالبادية فتضيفت امرأة فدخلت الخباء فجعلت ترقق زوجها عن قرى ويريغها، فسمعتها تقول: أنا ابنة الأقيل، المعم المخول، فإن كنت تجهلني فسل؛ وسمعت الزوج يقول: أنا ابن بلال، الكريم العم والخال. ثم أتتني بقرص مثل فرسن البكر البكر فأكلته.
كاتب: قد رأيتك لحقي غامطاً، وللسانك علي باسطاً وأنشد:
إذا أنكرت أحوال الصديقفلست من التحير في مضيق
طريقاً كنت تسلكه زماناًفأسبغ فاجتنبه إلى طريق
آخر:
من يحمد الصبر وأسبابهفلست بالحامد للصبر
فكم ساقني الصبر من جرعةأمر في الطعم من الصبر
أنشد أحمد بن الطيب لأبي الخطاب الطائي:
قالوا تعشقتها سمراء قلت لهملون الغوالي ولن المسك والعود
إني امرؤ ليس شأن البيض مرتفعاًعندي ولو خلت الدنيا من السود
آخر:
ألم تر أن المسك قدر حفينةبمال وأن الملح حمل بدرهم
قال أبو يوسف القاضي لابن نهيك: ما تقول في السواد؟ قال: النور في السواد، يعني: نور العين في سوادها.
نظر ابن أبي عتيق إلى جارية سوداء حالكة فقال: لو اقتسمتها الغواني خيلاناً لحظين بها.
شاعر يهجو فتى من بني هاشم:
أما أبو فهو من هاشموأمه ذات حر عبل
مقرفة حصنها منجبفضاع فيها كرم الفحل
أنشد أحمد بن الطيب:
وما الناس إلا خادع ومخدعوصاحب إسهاب وآخر كاذب
كان أبو بكر الأصم وهشام بن الحكم صاحب الإمامية والتشبيه
يقولان في المسخ بالقلب ويقولان: جائز أن يقلب الله خردلة في عظم جبل من غير أن يزيد فيها جسماً أو عرضاً، أو ينقص منها جسماً أو عرضاً، والأجسام هي الأشياء ذات الطول والعرض والعمق، والأعراض صفاتها التي لا توجد إلا فيها ولو فارقتها لم تقم بأنفسها.
قال أحمد بن الطيب: وأما أنا فأقول: إن الله يمتحن بما شاء من شاء، كيف شاء، ومتى شاء، أين شاء، وليس لنا أن نقترح في شيء من محنة الزمان ولا المكان، ولا الممتحن، ولا صورة الممتحن، لأنه العالم بمصالحنا، القادر على تصريف أحوالنا، الذي يرفع بعضنا فوق بعض ليتخذ بعضنا بعضاً سخرياً، فالممتحن بالعلم والتمكن غير الممتحن بالنقص والتوهين، وليس لأحد على الله حجة، تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
وقال أبو العيناء، قال الأصمعي: دخل ابن سعية اليهودي على معاوية فأنشده:
ولكنما دهري رواق تحفهثمانون ألفا من كمي ومعلم
يقودون قود الخيل أوتارها القناإذا استمطروا جادت سماؤك بالدم
سأطلب مجداً ما حييت وسؤدداًبماء شبابي أو يولون مأتمي
فقال معاوية: لمن هذا؟ قال لأبي، فقال: نحن أحق بهذا من أبيك.
قال أحمد بن الطيب: قال صاحب كتاب الأخلاق في الحيلة لتقبيح الغضب عند سريع الغضب: إن الغضبان خارج الصورة عن الاعتدال أما تراه جاحظ العينين، بادي العروق، دار الأوداج، مضطرب الأوصال، مشوه البنية، مختلف الحركة، مكدود النفس، حار المزاج، مضطرم الحرارة، مدخول الروية، عامر الفكرة، ظاهر العجز، جاهلاً بقدر الحق.
قال أحمد: وإن قال آخر في مقابلة القول في وصف المغضب وتحسين الغضب عنده: أما ترى هذه الحمية، أم ترى حسن الوفاء، أما ترى الليث العادي، كذا والله يحمي الذمار، ويأنف الأحرار، ولهذا قيل، النار ولا العار، هذه والله عين النائم إذا استيقظت الغطارفة الذادة، عين الساكن إذا تحركت القادة، هذا والله كما قال جرير: لا أبتدي ولكن أعتدي وكما قال ابن أم كلثوم:
ألا لا يجهلن أحد علينافنجهل فوق جهل الجاهلينا
وكما قال الجعدي:
ولا خير في حلم إذا مل تكن لهبوادر تحمي صفوة أن يكدرا
قال عبد الله بن صفوان: ما يسرني بملابسة الأمور حمر النعم، قيل له: ولم ذاك؟ قال: لأن الأمر إذا غشيك فشخصت له تركك، وإذا تطأطأت له تخطاك.
وقال قيصر لقس: ما أفضل الحكمة؟ قال: معرفة الإنسان بقدره، قال: فما أكمل العقل؟ قال: وقوف الإنسان عند حلمه، قال: فما أوفر الحلم؟ قال: حلم الإنسان عند استماع شتمه، قال: فما أصوت المروءة. قال: استبقاء الإنسان ماء وجهه، قال: فما أكل المال؟ قال: ما أعطي الحق منه، قال: فما أحسن السخاء؟ قال: البذل قبل المسألة، قال: فما أنفع الأشياء؟ قال: تقوى الله وإخلاص العمل له، قال: فأي الملوك خيراً؟ قال: أقربهم من الحلم عند المقدرة، وأبعدهم من الجهل عند الغضب، ومن يرى أنه لايضبط ملكه إلا بالعدل بين رعيته.
قال بعض الحكماء: أفضل الحكماء من وهب له علم بلا وعي فاختار الصمت على الكلام إلا في موضعه.
وروى أن قساً دخل على هرقل ملك الروم أيضاً فقال: له أخبرني عما بلوت من الزمان وتصرفه، واختبرت من أخلاق أهله؟ قال: قد صحبنا الزمان فوجدناه صاحباً خواناً، ووجدنا الأنساب ليس بالآباء والأمهات ولكنها الأخلاق المحمودة، وفي ذلك أقول:
لقد حلبت الزمان أشطرهثم شربت الصريح من حلبي
فلم أر الفضل والتشرف فيقول الفتى إنني من العرب
حتى ترى سامياً إلى خلقيزيد محموده على الحسب
ما ينفع المرء في فهاهتهمن عقل جد مضى وعقل أب
ما المرء إلا ابن نفسه فبهايعرف عند التحصيل في النسب
حتى إذا الدهر غال مهجتهالفيته تربة من الترب
قال أحمد: وقد قال قس هذا، وأنا لا أقول كما قال، بل أقول إذا كان الفتى في بيت شرف ولم يكن له في نفسه فضيلة، كان شرفه زائداً في نقصه، وإذا كان الفتى في بيت نقص وكانت له فضيلة في نفسه، كان نقص أبيه زائداً في شرفه، ولكن التام الكامل، والشريف الراجح، والأديب الشريف، كما قال الأول: وابن السري إذا سرى أسراهما ومذهب قس العامري الذي يقول:
إني وإن كنت ابن سيد عامروفارسها المتلاف في كل موكب
فما سودتني عامر عن وراثةأبى الله أن أسموا بأم ولا أب
ولكنني أحمي حماها وأتقيأذاها وأرمي من رماها بمقنب
وقال آخر:
وما الحسب الموروث لا در درهبمرتفع إلا بآخر مكتسب
إذا العود لم يثمر وإن كان شعبةمن المثمرات اعتده الناس في الحطب
وللمجد قوم ساوروه بأنفسكرام ولم يعلوا بأم ولا بأب
دعا أعرابي على آهر فقال: لا رشد قائده، ولا سعد رائده، ولا أورى قادحه، ولا أذكى رائحة، ولا أصاب غيثاً، ولا وافق إلا ليثاً.
بعض الكلام ينسب إلى علي ﵁، وهو بالمنسوب إليه أشبه.
قال أعرابي: جهل يكفي خير من أدب يحوج، ونقص يمثر خير من علم يخدع.
قال أعرابي: من غره السراب، تقطعت به الأسباب.
وقال أعرابي: لكل قضاء جالب، ولكل در حالب.
وقال أعرابي: عداوة ذي القرابة، كالنار في الغابة.
وقال أعرابي: لكل كلام وعاء، ولكل بذر مزرع.
وقال أعرابي: أي امرىء باشرته فلم ينتصح، وغلق سنيته فلم ينفتح.
وقال أعرابي: رب منع أكرم من عطاء، وشوك أمهد من وطاء.
وقال أعرابي: ليس كل طالب يصيب، ولا كل غائب يؤوب.
وقال أعرابي: إذا أوقدوا أشبوا، وإذا اصطنعوا أربوا.
وقال أعرابي: رحم الله فلاناً، كان يهتدي برأيه الصحب، ويستدل بناره الركب.
قال أحمد بن الطيب: وأنا أستحسن قول القائل: إن العزيز يزداد بالعفو عزاً، والذليل يزداد بالعفو ذلاً؛ وهذا شبيه بما يقوله جالينوس في طلاب الأدب وهو قوله: إن ابن الوضيع إذا كان أديباً كان نقص أبيه زائداً في فضله، وابن الشريف إذا كان غير أديب فشرف أبيه زائد في نقصه. والعلة في صحة هذا القول واضحة بينة، وذلك أن الشرف في الآباء دال على مكان
الأبناء، فإذا دل الشرف على ناقص في نفسه كان الشرف سبباً لوقوف الناس على عيوبه.
وفي الباب الآخر أن الناس فيما أتى من غير معدنه في غير منبته أشد كلفاً، ومنه أشد تعجباً، إذ كانت الأسباب دونه منقطعة، وحباله من الفضل منفصمة، فليس يخلص ابن الناقص إلى الزيادة والتقديم بنفسه إلا بنفس قوية، وهمه بعيدة، وعناية شريفة، فلذلك شهد الناس بالتقديم لشريف لو كان أديباً، لأن الممكن أهون مطلباً من المتعذر، والسهل أسهل مراماً من الوعر، فتكلف الصعب صعب، وتكلف الصعب في طلب الجميل أفضل أمراً ممن أتاه الفضل عفواً، إلا السعيد الفاضل والمقدم الكامل الشريف الأديب.
للنظام:
لن يدرك المجد أقوام وإن كرمواحتى يذلوا وإن عزوا لأقوام
ويشتموا فترى الألوان كاسفةلا ذل ضعف ولكن ذل أحلام
وإن دعا الجار لبوا عند دعوتهفي النائبات بإسراج وإلجام
مستلئمين لهم عند الوغى زجلكأن أسيافهم أغرين بالهام
قال أعرابي: لايزال الوجه كريماً ما بقي حياؤه، والغصن نضيراً ما بقي لحاؤه.
قال أعرابي: الوجه المصون بالحياء، كالجوهر المكنون في الوعاء.
قال أعرابي: رونق صفحة الوجه عند الحياء، كفرند صفحة السيف عند الجلاء.
قال أعربي: ما المتبختر في وشي ردائه، بأحسن من المتقارب في قيد حيائه.
قال أعرابي: اشحذ بالعدل على الطاعة قلوب الأوداء، كما ترهف السيف لمقارعة الأعداء.
أنشد أحمد بن الطيب:
ولا تعجل على أحد بظلمفإن الظلم مرتعه وخيم
ولا تفحش وإن ملئت غيظاًعلى أحد فإن الفحش لوم
ولا تقطع أخاك لأجل ذنبفإن الذنب يغفره الكريم
وما قتل السفاهة مثل حلميعود به على الجهل الحليم
إذا استودعت سراً فاكتمنهفخير زوامل السر الكتوم
قال أعرابي: فوت المعروف أيسر من مراس التسويف.
سمع أعرابي كلاماً فقال: هذا كلام لم يغتصب تعسفاً، ولم يقتضب تكلفاً.
قال أعرابي: الاستطالة عند النعمة طبع، وعند النكبة ضرع.
قال أعرابي: أنا أستغني بحفي لحظك عن جفي لفظك.
ذكر القدر في مجلس عمر بن عبد العزيز فقال من حضرة: فأعلمنا رأيك فيه، فقال: كما أن بوادي الخير من الله، فكذلك بوادي الشر منه، وقد سبق به علمه.
قدم البصرة أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد منهزماً من أبي فديك الحروري، فهاب وجوه أهلها تلقيه وقالوا: ما عسى أن نقول: الحمد لله الذي هزمك، أو الحمد لله الذي نجاك؟ ثم بلغهم أن خالد بن صفوان خرج يتلقاه، فخرجوا إليه ليشهدوا فضيحته، بزعمهم، وقالوا: ما تراه يقول له؟ فلما طلع قال له خالد: بارك الله لك أيها الأمير في مقدمك، والحمد لله الذي نظر لنا عليك، ولم ينظر لك علينا، فقد تعرضت للشهادة جهدك بخذلان من معك لك، فعلم الله فاقتنا إليك. فرجعوا وهم يقولون: لا يعييه كلام بعد هذا.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع