من «الكشكول» لبهاء الدين العاملي (ت ١٠٣١هـ)
طرق الترجمة
قال الصلاح الصفدي: وللتراجمة في النقل طريقان: أحدهما طريق يوحنا بن البطريق وابن الناعمة الحمصي وغيرهما، وهو أن ينظر إلى كل كلمة مفردة من الكلمات اليونانية، وما تدل عليه من المعاني، فيأتي بلفظة مفردة من الكلمات العربيت ترادفها في الدلالة على ذلك المعنى فيثبتا وينتقل إلى الأخرى كذلك حتى يأتي على جملة ما يريد تعريبه، وهذه الطريقة ردية بوجهين: أحدهما أنه لا يوجد في الكلمات العربية كلمات تقابل جميع الكلمات اليونانية، ولهذا وقع في خلال هذا التعريب كثير من الألفاظ اليونانية على حالها. الثاني أن خواص التركيب والنسب الإسنادية لا تطابق نظيرها من لغة أخرى دائماً، وأيضاً يقع الخلل من جهة استعمال المجازات وهي كثيرة في جميع اللغات.
الطريق الثاني في التعريب طريق حنين بن إسحاق والجوهري وغيرهما، وهو أن يأتي الجملة فيحصل معناها في ذهنه ويعبر عنها من اللغة الأخرى بجملة تطابقها، سواء ساوت ألفاظها أم خالفتها، وهذا الطريق أجود ولهذا لم تحتج كتب حنين بن إسحاق إلى تهذيب إلا في العلوم الرياضية لأنه لم يكن قيماً بها، بخلاف كتب الطب والمنطق والطبيعي والإلهي فإن الذي عربه منها لم يحتج إلى الإصلاح، فأما إقليدس فقد هذبه ثابت بن قرة الحراني وكذلك المجسطي والمتوسطات بينهما.
ذكر الخطيب في تاريخ بغداد أن يحيى بن أكثم ولي قضاء البصرة وسنه عشرون سنة فاستصغروه فقالوا كم سن القاضي؟ قال: أنا أكبر من عتاب بن أسيد الذي وجه به رسول الله ﷺ قاضياً على أهل مكة يوم الفتح، وأنا أكبر من معاذ بن جبل الذي وجه به رسول الله ﷺ قاضياً إلى أهل اليمن، وأنا أكبر من كعب بن سويد الذي وجه به عمر بن الخطاب قاضياً على البصرة فجعل جوابه احتجاجاً عليه.
لبعضهم شعر
قد قال قوم أعطه لقديمهجهلوا ولكن أعطني لتقدمي
للأمير أمين الدين علي بن السليماني، قال:
أضيف الدجى معنى إلى ليل شعرهفطال ولولا ذلك ما خص بالجر
وحاجبه نون الوقاية ما وفتعلى شرطها فعل الجفون من الكسر
آخر
إن الأمير هو الذي يضحى أميراً يوم عزلهإن زل سلطان الولاية لم يزل سلطان فضله
ما أحسن ما قال:
قالوا أحب حبيباً ما تأملهفكيف حل به للسقم تأثير؟
فقلت قد يعمل المعنى بقولهفي ظاهر اللفظ رفعاً وهو مستور
قال ابن حزم: جميع الحنفية مجمعون على أن مذهب أبي حنيفة أن ضعيف الحديث عنده أولى من الرأي والمراد بالرأي القياس.
قال الصفدي: قلت قول أبي حنيفة يشبه قول الخليل بن أحمد حيث قال: مثلي في النحو كمثل رجل دخل داراً قد صح عنده حكمة بناها فقال إنما كان الإيوان هنا لكذا والصفة هنا لكذا فإن وافق الباقي فيها وإلا فقد أتى بكلام تقبله العقل ولا يأباه.
والشافعي احتاط لمذهبه فقال: إن صح هذا الحديث فهو مذهبي، قال: إذا عجز الفقيه عن تعليل الحكم قال هذا تعبدكما يعلل المالكي غسل الإناء سبعاً من ولوغ الكلب لأنه قائل بطهارته فإذا ورد عليها الحديث وهو طهور إناء أحدكم إن ولغ الكلب فيه أن يغسله سبعاً، قال: هذا شيء تعبدنا الله به.
وإذا عجز النحوي عن تعليل الحكم أيضاً، قال العامل هنا معنوي وإذا عجز الحكيم عن التعليل بالشيء قال هذا بالخاصية كما إذا طلب منه تعليل جذب المغناطيس الحديد.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع