من «الكشكول» لبهاء الدين العاملي (ت ١٠٣١هـ)
أحكام حتى
مسألة: تقول أكلت السمك حتى رأسها برفع السين، ونصبها، وجرها أما الرفع فبأن تكون حتى للابتداء، وكأن الخبر محذوفاً بقرينة أكلت وهو مأكول. وأما النصب فبأن تكون حتى للعطف، وهو ظاهر، والثالث أظهر. وكان الفراء يقول أموت وفي قلبي من حتى لأنها ترفع وتنصب وتجر.
قال الشريف أبو الحسن العقيلي
نحن الذين غدت رحى أحسابهمولها على قطب الفخار مدار
قوم لعضن نداهم من رفدهمورق ومن معروفهم أثمار
من كل وضاح الجبين كأنهروض خلائقه لها أزهار
لأبي نواس في خزيمة
خزيمة خير بني حازموحازم خير بني دارم
ودارم خير تميم وماكمثلهم في بني آدم
قال الرضي ﵁ يخاطب الطايع
مهلاً أمير المؤمنين فإننافي دوحة العلياء لا نتفرق
ما بيننا يم الفخار تفاوتأبداً كلانا في التفاخر معرق
إلا الخلافة ميزتك فإننيأنا عاطل منها وأنت مطوق
قيل: إن الخليفة لما سمع ذلك قال على رغم أنف الرضي.
وقيل إنه كان يوماً عنده وهو يعبث بلحيته ويرفعها إلى أنفه، فقال له الطائع: أظن أنك تشم رائحة الخلافة فيا، فقال بل رائحة النبوة.
أقبل رجل على عمر بن الخطاب، فقال: ما اسمك؟ فقال: شهاب بن حرقة، قال: ممن؟ قال: من أهل حرة النار، قال: وأين مسكنك؟ قال: بذات لظى، فقال: فأدرك قومك فقد احترقوا.
سئل بعض العرب عن اسمه؟ فقال: بحر، قال: ابن من؟ قال: ابن فياض، فقال: ما كنيتك؟ فقال: أبو الندى، فقال: لا ينبغي لأحد لقائك إلا في زورق. قال ابن الرومي
كأن أباه حين سماه صاعداًرأى كيف يرقى للمعالي ويصعد
القاضي شهاب الدين
ومن قال إن القوم ذموك كاذباًوما منك إلا الفضل يوجد والجود
وما أحد إلا لفضلك حامداًوهل عيب لين الناس أو ذم محمود؟
لغيره في جوابه
علمت بأني لم أذم بمجلسوفيه كريم القول مثلك موجود
ولست أزكي النفس إذ ليس نافعيإذا ذم مني الفعل والاسم محمود
وما يكره الإنسان من أكل لحمهوقد آن أن يبلى ويأكله الدود
قد: وضع بعضهم كتاباً في المفاضلة بين الورد والنرجس، كما صنف الفضلاء مفاخرات السيف والقلم. ومفاخرات البخل والكرم، ومفاخرة مصر والشام، ومفاخرة الشرق والغرب، ومفاخرة العرب والعجم، ومفاخرة النثر والنظم. ومفاخرة الجواري والمردان، وكل ذلك يمكن الإتيان بالحجة من وجه. وأما المفاخرة المسك والزباد فما للعقل فيه مجال، وللجاحظ في ذلك رسالة بديعة.
لأبي تمام في المفاخرة
جرى حاتم في حلبة منه لو جرىبها القطر قال الناس أيهما القطر؟
فتى أذخر الدنيا أناساً ولم يزللها باذلاً فانظر لمن بقي الذخر
فمن شاء فليفخر بما شاء من ندىفليس لحي غيرنا ذلك الفخر
جمعنا العلى بالجود بعد افتراقهاإلينا كما الأيام يجمعها الشهر
وعند أكثر الناس أن أبا تمام، كان أبوه نصرانياً، يقال: له نندوس العطار، من حاسم جاسم قرية من قرى حوران بالشام فغير اسم أبيه.
قال صاحب الأغاني: إن رجلاً قال لجرير من أشعر الناس؟ قال: قم حتى أعرفك الجواب فأخذ بيده وجاء إلى أبيه عطية، وقد أخذ عنزاً له فاعتقلها وعل يمتص ضرعها فصاح به اخرج يا أبت، فخرج شيخ رميم ذميم رث الهيئة وقد سال لبن العنز على لحيته، فقال ترى هذا؟ قال: نعم، قال أو تعرفه؟ قال: لا قال: هذا أبي أفتدري لم كان يشرب من ضرع العنز؟ قال: لا، قال: مخافة من أن يسمع صوت الحلب فيطلب منه، ثم قال: أشعر الناس من فاخر بهذا الأب ثمانين شاعراً: وقارعهم فغلبهم جميعاً.
قال: أبو الدر مؤدب سيف الدولة أبياتاًك وزنها هذا شعر:
يا عاذلي كف الملام عن الذيأضناه طول سقامه وشفائه
إن كنت ناصحه فداو سقامهوأعنه ملتمساً لأمر شفائه
حتى يقال بأنك الخل الذييرجى لشدة دهره ورخائه
أولا فدعه فما به يكفيه منطول الملام فلست من نصحائه
نفسي الفداء لمن عصيت عواذلافي حبه لم أخش من رقبائه
فقال أبو الطيب أحمد بن الحسين المتنبي إجازة لهذه:
عذل العواذل حول قلبي التائهوهو الأحبة منه في سودائه
يشكو الملام إلى اللوائم حرةويصد حين يلمن عن برحائه
وبمهجتي يا عاذل الملك الذيأسخطت أعذل منك في إرضائه
إن كان قد ملك القلوب فإنهملك الزمان بأرضه وسمائه
الشمس من حساده والبدر من قرنائهوالنصر من رقبائه والسيف من أسمائه
أين الثلاثة من ثلاث خلالهمن حسنه وإبائه ومضائه
مضت الدهور وما أتين بمثلهولقد أتى فعجزن عن نظرائه
فاستزاده سيف الدولة فقال
القلب أعلم يا عذول بدائهوأحق منك بجفنه وبمائه
فومن أحب لأعصينك في الهوىقسماً به وبحسنه وبهائه
أأحبه وأحب فيه ملامةإن الملامة فيه من أعدائه
عجب الوشاة من اللحاة وقولهمدع ما نراك ضعفت من إخفائه
ما الخل إلا من أود بقلبهورأى بطرف لا يرى بسوائه
إن المعين على الصبابة بالأسىأولى برحمة ربه ورجائه
مهلاً فإن العذل من إسقامه ... وترفقاً فالسمع من أعضائه وهب الملامة كاللذاذة في الكرى ... مطرودة بسهاده وبكائه
لا تعذل المشتاق في أشواقهحتى تكون حشاك في أحشائه
إن المحب مضرجاً بدموعهمثل القتيل مضرجاً بدمائه
والعشق كالمعشوق يعذب قربهللمبتلى وينال من حوبائه
لو قلت للدنف الحزين فديتهمما به لأغرته بفدائه
وفي الأمير هوى العيون فإنهما لا يزول ببأسه وسخائه
يستأسر البطل الكمي بنظرةويحول بين فؤاده وعزائه
إني دعوتك للنوائب دعوةلم يدع سامعها إلى أكفائه
فأتيت من فوق الزمان وتحتهمتصلصلاً وأمامه وورائه
طبع الحديد فكان من أجناسهوعلي المطبوع من آبائه
من للسيوف بأن تكون سميهافي أصله وفرنده ووفائه
قال الله تعالى: " يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس " قال الصفدي: ذهب بعض من الناس إلى أن المراد بهذه الآية أهل البيت وبنو هاشم، وأنهم النحل وأن الشراب القرآن والحكمة، وذكر هذا بعضهم في مجلس المنصور أبي جعفر، فقال بعض الحاضرين: جعل الله طعامك وشرابك مما يخرج من بطون بني هاشم. فأضحك من في المجلس.
قوله تعالى: " فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشراً إن هذا إلاملك كريم " قال وهب: بلغني أن نساء مصر اللاتي فتن به في ذلك المجلس وقلن حاش لله ما هذا بشراً. قال محمد بن علي أردن. ما هذا أهل أن يدعى للمباشرة، بل مثله منزه
عن الشهوة. وقرأ ما هذا بشر بكسر الشين والباء: بمعنى مملوك. وأنكر الزجاج هذه القراءة لأنها تخالف رسم المصحف لأنه بالألف.
حسين بن إبراهيم مستوفي دمشق:
قالوا تخل عن النساء ومل إلىحب الشباب فذا بلطفك أجمل
فأجبتهم شاورت أيري قال ليهذي مضائق لست فيها أدخل
لبعضهم
أغار إذا أنست في الحي أنةحذاراً وخوفاً أن تكون لحبه
وقد ظرف من قال
لعمرك ما شربت الخمر جهلاًولكن بالأدلة والفتاوي
فإني قد مرضت بداء هميفأشربها حلالاً للتداوي
الحسين بن إبراهيم مستوفي دمشق في المجون:
قالوا تخل عن النساء ومل إلىحب الشباب فذا بلطفك أجمل
فأجبتهم شاورت أيري قال ليهذي مضايق لست فيها أدخل
قال أ [والدر المؤدب سيف الدولة أبياتا وزنها هذا:
يا عاذلي كف الملام عن الذيأضناه طول سقامه وشقائه
إن كنت ناصحه فداو سقامهوأعنه ملتمسا لأمر شفائه
حتى يقال بأنك الخل الذييرجى لشدة دهره ورخائه
أولا الفداء لمنت عصيت عواذلي.. في حبه لم أخش من رقيائه
قال أبو الطيب أحمد بن الحسين المتنبي إجازة لهذه الأبيات:
ؤ عذل العواذل حول قلبي التائهوهوى الأحبة منه في سودائه
يشكو الملام إلى اللوائم حرهويصد حيم يلمن عن برحائه
وبمهجتي يا عاذلي الملك الذيأسخطت أعذل منك في إرضائه
إن كان قد ملك القلوب فإنهملك الزمان بأرضه وسمائه
الشمس من حساده والنصر منقرنائه والسيف من أسمائه
أين الثلاثة من ثلاث خلالهمن حسنه وإبائه ومضاته
ؤمضت الدهور وما أتين بمثلهولقد أتى فعجزن عن نظرائه
فاستزاده سيف الدولة فقال:
القلب أعلم يا عذول بدائهوأحق منك بجفنه وبمائه
فومن أحب لأعصينك في الهوىقسما به وبحسنه من أعدائه
أأحبه وأحب فيه ملامةإن الملامة يفيه من أعدائه
عجب الوشاة من اللحاة وقولهمدع ما نراك ضعفت عن إخفائه
ما الخل إلا من أود بقلبهوأرى بطرف ولا يرى بسوائه
إن المعين على الصبابة بالأسىأولى برحمة وبها إخائه
مهلا فإن العذل من أسقامهوترفقا فالسمع من أعضائه
وهب الملامة في اللذاذة كالكرىمطرودة بسهاده وبكائه
إني دعوتك للنوائب دعوةلم يدع سامعها إلى أكفائه
فأتيت من فوق الزمان وتحتهمتصلصلا وأمامه وورائه
طبع الحديد فكان من أجناسهوعلى المطبوع من آبائه
من للسيوف بأن تكون سميهافي أصله وفرنده ووفائه
قيل: كان لبدر بن عمار، وهو ممدوح المتنبي في بعض أشعاره منشي أعور يعرف بابن كروس ويحسد أبا الطيب ويشنأه، لما كان يشاهد من سرعة خاطره، ومبادرة قوله، لأنه لم يجر في المجلس شيء بتة إلا ارتجل فيه شعراً، فقال لبدر بن عمار يوماً أظنه ما أظنه يعمل هذا قبل حضوره وبعد، ومثل هذا لا يجوز أن يكون، وأنا أمتحنه بشيء أحضره للوقت، فلما كمل المجلس ودارت الكؤوس أخرج لعبة قد استعدها ولها شعر في طولها تدور على لولب إحدى رجليها مرفوعة، وفي يدها طاقة ريحان تدار فإذا وقفت حذاء إنسان شرب، فوضعها من يده ونقرها فدارت فقال أبو الطيب:
وجارية شعرها شطرهامحكمة نافذ أمرها
تدور وفي يدها طاقةتضمنها مكرهاً شبرها
فإن أسكرتنا ففي جهلهابما فعلته بنا غدرها
فأدبرت فوقفت حذاء أبي الطيب فقال:
جارية ما لجسمها روحبالقلب من حبها تباريح
في يدها طاقة تشير بهالكل طيب من طيبها ريح
سأشرب الكأس من إشارتهاودمع عيني في الخد مسفوح
وأداراها بيده فوقفت حذاء بدر، فقال أبو الطيب عند ذلك شعراً:
يا ذا المعالي ومعدن الأدبسيدنا وابن سيد العرب
أنت عليم بكل معجزة مفخرةفلو سألنا سواك لم يجب
أهذه قابلتك راقصةأم رفعت رجلها من التعب
وقال في تلك الحال
إن الأمير أدام الله دولتهلفاخر كسيت فخراً به مضر
في الشرب جارية من تحتها خشبما كان والدها جن ولا بشر
قامت على فرد رجل من مهابتهوليس تعلم ما تأتي وما تذر
وأديرت فسقطت فقال له بديهاً:
ما نقلت في مشية عند مشيها قدماً ... إلا اشتكت من دوارها ألما لم أر شخصاً من قبل رؤيتها ... يفعل أفعالها وما عزما
فلا تلمها على تواقعهاأطر بها أن رأتك مبتسما
فمدحها بشعر كثير وهجاها بمثله، ولكنه لم يحفظ، فخجل ابن كروس الأعور وأمر بدر برفعها، فرفعها فرفعت، فقال أبو الطيب شعراً:
وذات غدائر لا عيب فيهاسوا أن ليس تصلح للعناق
إذا هجرت فعن غير اختياروإن زارت فعن غير اشتياق
ثم قال أبو الطيب: ما حملك على ما فعلت، فقال له بدر: أردت نفي
الظنون عن أدبك، فقال له أبو الطيب شعراً:
زعمت أنك تنفي الظن عن أدبيوأنت أعظم أهل العصر مقدارا
إني أنا الذهب المعروف مخبرهيزيد في السبك للدينار دينارا
فقال له بدر: بل والله للدينار قنطارا، فقال:
برجاء جودك يطرد الفقروبأن تعادى ينفد العمر
فخر الزجاج بأن شربت بهوزرت على من عافها الخمر
وسلمت منها وهي تسكرناحتى كأنك هابك السكر
ما يرتجى أحد لمكرمةإلا الإله وأنت يا بدر
لأبي الفرج البستي في الثعالبي
أخ لي زكي النفس والأصل والفرعيحل محل العين مني والسمع
تمسكت منه إذ بلوت إخاءهعلى حالتي وضع النوائب والرفع
بأوعظ من عقل وآنس من هوىوأرفع أرفق من طيع وأنفع من شرع
للشهاب
وكنا خمس عشرة في اليتامعلى رغم الحسود بغير آفة
فقد أصبحت تنويناً وأضحىحبيب لا تفارقه الإضافة
لبعضهم
ولما قضينا من منى كل حاجةومسح بالأركان من هو ماسح
وشدت على دهم المهاري رحالناولم ينظر الغادي الذي هو رائح
أخذنا بأطراف الأحاديث بينناوسالت بأعناق المطي الأباطح
ومولع بفخاخبصيدها وكراكي
قالت لي العين ماذاتصيد قلت كراكي
من كتاب المزار في الصبر، وروى البيهقي عن ذي النون المصري قال: كنت في الطواف وإذا أنا بجاريتين قد أقبلتا، وأنشأت إحداهما وهي تقول:
صبرت على ما لو تحمل بعضهجبال برضوي حنين لم تزل أصبحت تتصدع
ملكت دموع العين ثم رددتهاإلى ناظري فالعين في القلب تدمع
فقلت: فماذا يا جارية؟ فقالت: من مصيبة نلتها لم تصب أحداً قط، قلت: وما هي؟ قالت: كان لي شبلان يلعبان أمامي وكان أبوهما ضحى بكبشين فقال أحدهما لأخيه: يا أخي أريك كيف ضحى أبونا بكبشيه؟ فقام وأخذ الآخر شفرة فنحره فهرب القاتل، ودخل أبوهما فقلت له: إن ابنك قتل أخاه، وهرب فخرج في طلبه فوجده قد افترسه السبع، فرجع الأب فمات في الطريق ظمأً وجوعاً حزناً.
قال الصفدي في سبب ما يرى الأحول الواحد اثنين: أقول: زعموا أنه إذا حدث التاء الحدقة بسبب ارتخاء عضلها، أو تحويل الرطوبة الجليدية عن وضعها في إحدى الجهتين دون الأخرى، يبقى الجهة التي قد تحول وضها بتطبع الصورة المنتقلة من رطبوتها الجليدية لا في الفصل المشترك بل في موضع آخر بسبب الغمز الذي حدث منه التحويل، كما إذا أشرقت الشمس على ماء في البيت فإنه يشرق منه نور في السقف، فلو تغير وضع الماء تغير موضع انطباعه في السقف، كذلك تغير وضع الحدقة يوجب انتقال موضع انطباع ما في الجليدية، فتبقى الصورة الصورتين فيرى الواحد اثنين.
قال الشيخ الإمام العلامة شمس الدين محمد بن إبراهيم بن ساعد الأنصاري وله كتاب في المناظر والمرايا: قولهم إن الأحول يرى الشيء شيئين ليس على إطلاقه، بل إنما يرى الشيء شيئين، إذا كان حوله إنما هو باختلاف المقلتين يمنة ويسرة، أو بسبب الارتفاع والانخفاض، ودام وألف فلا.
ومما يؤيد ذلك ان الإنسان إذا غمز إحدى حدقتيه حتى يخالف الأخرى يمنة أو يسرة، فإنه يرى الشيء شيئين، ويوجد في الناس غير واحد ممن حوله بالارتفاع والانخفاض قد ألف تلك الحالة، فلا يرى الشيئين، والحق أن الذي يغمز إحدى عينيه حتى يرتفع أو ينخفض عن أختها، إنما يرى الشيء شيئين، لأنه يرى الشيء المرئي بإحدى العينين قبل الأخرى فيصل إلى التقاطع الصليبين شبح هو هذا الشبح، فيرى الواحد اثنين فقط، ولولا ذاك لرأى هذا الرائي الشيء الواحد متكثراً بغير نهاية على نسبة زوج الزوج البتة، كما في تضعيف الرقعة الشطرنج.
ذكر أن الحجاج خرج يوماً متنزهاً فلما فرغ من تنزهه، صرف عنه أصحابه وانفرد بنفسه،
فإذا هو بشيخ من عجل فقال له: من أين أيها الشيخ؟ قال: من هذه القرية، قال: كيف ترون عمالكم؟ قال: شر عمال يظلمون الناس ويستحلون أموالهم؛ قال: فكيف قولك في الحجاج؟ قال: ذلك ما ولي العراق أشر منه قبحه الله وقبح من استعمله، قال: أو تعرف من أنا؟ قال: لا، قال الحجاج، فقال: أتعرف من أنا؟ قال: لا، قال: أنا مجنون بني عجل، أصرع في كل يوم مرتين، فضحك وأمر له بصلة جليلة.
فائدة: الطعوم تسعة: وهي الحلو، والمر. والحامض، والمز. والمالح والحريف، والعفص، والدسم، والتفه، لأن الجسم إما أن يكون كثيفاً أو لطيفاً أو معتدلاً والفاعل فيه إما البرودة أو الحرارة أو المعتدل بينهما، فيفعل الحار في الكثيف مرارة، وفي اللطيف حرافة، وفي المعتدل ملوحة، والبرودة في الكثيف عفوصة، وفي اللطيف حموضة، وفي المعتدل قبضاً، والمعتدل في الكثيف حلاوة، وفي اللطيف دسومة وفي المعتدل تفاهة وقد يجتمع طعمان كالمرة والقبض في الخضض الحصص ويسمى البشاعة والمرارة والملوحة في السبخة ويسمى الزعوقة، وزعم بعضهم أن أصول الطعوم أربعة: الحلاوة والمرارة والملوحة والحموضة، وما عداها مركب منها. قد اختلف الحكماء في وجود المزاج المعتدل وعدمه، قال فخر الدين الرازي: ما ذكره الشيخ في الشفاء يدل على أن المركب المعتدل قد يكون موجوداً إلا أنه لا يستمر ولا يدوم، ثم قال بعد كلام طويل وأما المعتدل المزاج ما امتزج من العناصر على أكمل أحواله فقد قالوا لما كان الاعتدال الحقيقي ممتنعاً وجب أن يكون كلما قرب إليه أولى باسم الاعتدال.
قال الإمام العلامة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن ساعد الأنصاري احتجوا على تعلل وجود المعتدل بامتناع مكان يستحقه، لأن مكان المركب مكان ما يغلب عليه من البسايط، وهذه بسائط متعادلة، فيجب أن لا يستحق مكاناً فيمتنع وجوده. قال الصفدي: وفي هذه الحجة نظر، وذك أنا عنينا بالمعتدل ما تكافأت فيه الكيفيات، فهذا يجب أن يتكافى فيه الكميات، لأن الجزء اليسير من النار يقاوم بحرارته كثيراً من جوهري الماء والأرض، فعلى هذا يجوز وجود المعتدل باعتبار الكيفيات دون الكميات، ويكون مكانه الذي يستحقه هو مكان ما غلب عليه من العناصر بكميته لا بكيفيته لأن الاعتبار في المزاج
إنما هو بالكيفية فقط، والاعتبار في الحيز إنما هو بالكم والثقل والخفة، فالحجة المذكورة غير موجهة.
قال الشيخ بدر الدين محمد بن جمال الدين محمد بن مالك: الاسم الدال على أكثر من اثنين بشهادة التأمل، إما أن يكون موضوعاً للآحاد المجتمعة دالاً عليها دلالة تكرار الواحد بالعطف وإما أن يكون موضوعاً لمجموع الآاد، دالاً عليها دلالة المفرد على جملة أجزاء مسماه، وإما أن يكون موضوعاً للحقيقة ملغى فيه اعتبار الفردية، إلا أن الواحد ينتفي بنفيه، فالموضوع للآحاد المجتمعة: سواء كان له واحد من لفظه مستعمل كرجال وأسود، أو لم يكن كأبابيل، والموضوع لمجموع الآحاد، هو اسم الجمع، سواء كان له واحد من لفظه كركب وصحب، أو لم يكن كقوم ورهط والموضوع للحقيقة بالمعنى المذكور هو اسم الجنس، وهو غالباً فيما يفرق بينه وبين واحدة بالتاء كتمرة وتمر وعكسه كمأة وجبائة.
ولكن على ما أنزله من خزائنه فجعلته في خزائنك وحلت بيننا وبينه لله در قائله:
وما أحد من ألسن الناس سلماولو أنه ذاك النبي المطهر
فإن كان مقداماً يقولون أهوجوإن كان مفضالاً يقولون مبذر
وإن كان سكيتاً يقولون أبكموإن كان منطيقاً لون مهدر مهذر
وإن كان صواماً وبالليل قائماًيقولون زراق يرائي ويمكر
فلا تكترث بالناس في المدح والثناء ... ولا تخشى غير الله فالله أكبر دخل شريك بن الأعور على معاوية وكان دميماً، فقال له معاوية: إنك لدميم والجميل خير من الدميم، وإنك لشريك وما لله شريك، وإن أباك الأعور، والصحيح خير من الأعور، فكيف سدت قومك؟ فقال له: إنك لمعاوية: فما معاوية إلا كلبة عوت فاستعوت الكلاب، وإنك لابن صخر والسهل خير من الصخر، وإنك لابن حرب والسلم خير من الحرب، وإنك لابن أمية وما أمية إلا أمة فصغرت فكيف صرت علينا أمير المؤمنين؟ ثم خرج من عنده، وهو يقول شعراً:
أيشتمني معاوية بن حرب؟وسيفي صارم ومعي لساني
وحولي من بني عمي ليوثضراغمة تهش إلى الطعان
قيل: إنه لما سمع بعضهم قول أبي تمام:
لا تسقني ماء الملام لأننيصبٌّ قد استعذبت ماء بكائي
جهز له كوزاً، وقال: إبعث لي في هذا قليلاً من ماء الملام. فقال أبو تمام: لا أبعثه حتى تبعث لي بريشة من جناح الذل.
لمحيي الدين ابن قرناص
قد أتينا للرياض حين تجلتوتحلت بحلية الألوان
ورأينا خواتم الزهر لماسقطت من أنامل الأغصان
لله در قائله
مجرة جدول وسماء آسوأنجم نرجس وشموس ورد
ورعد مثالث وسحاب كأسوبرق مدامة وضباب ند
قال في كتاب المستطرف: ذكر نبذة من سرقات الشعراء وسقطاتهم. من ذلك قول قيس بن الحطيم، وهو شاعر الأوس وشجاعها:
وما المال والأخلاق إلا معارةفما اسطعت من معروفها فتزود
وكيف يخفى؟ ما أخذه من قصيدة طرفة بن العبد، وهي معلقة على الكعبة:
لعمرك ما الأيام إلا معارةفما اسطعت من معروفها فتزود
وقول عبدوة بن الطيب:
فما كان قيس هلكه هلك واحدولكنه بنيان قوم تهدما
أخذه من قول امرىء القيس:
فلو أنها نفس تموت شويةولكنها نفس تساقط أنفسا
وجرير على سعة تبحره وقدرته على الشعر قال:
فلو كان الخلود بفضل مالعلى قوم لكان لنا الخلود
أخذه من قول زهير وهو شعر مشهود يحفظه الصبيان، وترويه النسوان، وهو:
فلو كان حمد يخلد المرء لم يمتولكن حمد المرء غير مخلد
وقد قال السماخ الشماخ:
وأمر ترجي النفس ليس بنافعوآخر تخشى ضيره لا يضيرها
وهو مأخوذ من قول غيره:
ترجى النفوس الشيء لا تستطيعهوتخشى من الأشياء ما لا يضيرها
لمحي الدين ابن قرناص
خلقنا بأطراف القنا في ظهورهمعيوناً ولها وقع السيوف حواجب
لقوا نبلنا مرد العوارض وانثنوالأوجههم منا لحىً وشوارب
حكي أن بعضهم دخل بأمرد إلى بيته، وكان بينهما ما كان، فلما خرج الأمرد ادعى أنه الفاعل، فقيل له ذلك، فقال: فسدت الأمانات، وحرمت اللواطة إلا أن يكون بشاهدين قال بعض الشعراء:
إن المهذب في اللواطة ليس يعدله شريك
فإذا خلا بغلامهفالله يعلم من ينيك
قيل: إن معن بن زائدة دخل على المنصور، فقال له: يا معن تعطي مروان بن أبي حفصة مائة ألف على قوله:
معن بن زائدة الذي زادت بهشرفاً على شرف بنو شيبان
فقال: كلا إنما أعطيته على قوله:
ما زلت يوم الهاشمية معلناًبالسيف دون خليفة الرحمن
فمنعت حوزته وكنت وقى لهمن وقع كل مهند وسنان
فقال المنصور: أحسنت يا معن، وأمر له بالجوائز.
قال معاوية يوماً لرجل من أهل اليمن: ما كان أجهل من قومك حين ملكوا عليهم امرأة، فقال: أجهل من قومي قومك الذين قالوا: لما دعاهم رسول الله ﷺ " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم " ولم يقولوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه.
وفد ابن أبي محجن على معاوية فقال له: أنت الذي أوصاك أبوك بقوله:
إذا مت فادفني إلى جنب كرمةيروي عظامي الباليات في الممات عروقها
ولا تدفنني في الفلاة فإنني ... أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها فقال ابن أبي محجن: بل أنا الذي يقول أبي:
لا تسأل الناس ما مالي وكثرتهوسائل الناس ما جودي وما خلقي
أعطى الحسام غداة البين حصتهوعامل الرمح أرويه من العلق
وأطعن الطعنة النجلاء عن غرض عرضوأكتم السر فيه ضربة العنق
ويعلم الناس أني من سراتهمإذا أمس بضر عدة الفرق
قال معاوية له: أحسنت يا ابن أبي محجن، وأمر له بصلة.
لابن قلاقس
سرى وحنين الجو بالطل يرشحوثوب الغوادي بالبروق موشح
وفي طي أبراد النسيم جميلةبأعطافها نور المنى يتفتح
تضاحك في مسرى مثنى المعاطف عارضمدامعه في وجنة الروض تسفح
ويورى به كف الصبا زند بارقشرارته في فحمة الليل تقدح
يحكى أن بعض الأكابر مر بامرأة من بعض أحياء العرب، فقال لها: ممن المرأة قالت: من بني تميم، وهم يكسرون أول الفعل، فأراد العبث بها، فقال لها: أكتنون قالت: نعم نكتني، فقال لها: معاذ الله ولو فعلته لوجب علي الغسل، فأجابته على الفور، وقالت له: دع إذاً أتعرف العروض؟ قال: نعم، قالت: قطع قول الشاعر:
حولوا عنا كنيستكميا بني حمالت الحطب
لماذا أخذ بقطعه، قال: حولوا عن فاعلاتن ناكني فاعل، فقالت: من الفاعل فقال الله أكبر إن للباغي مصرعا
دخل شريك بن الأعور على معاوية وكان دميما فقال له معاوية: إنك لدميم والجميل خير من الدميم، وإنك لشريك وما لله شريك وإن أباك لأعور والصحيح خير من الأعور فكيف سدت القوم؟ فقال له: إنك لمعاوية، وما معاوية إلا كلبة عوت فاستعوت الكلاب وإنك لابن صخر، والسهل خير من الصخر وإنك لابن حرب، والسلم خير من الحرب، وإنك لابن أمية، وما أمية إلا أمة فصغرت، فكيف صرت علينا أمير المؤمنين، ثم خرج من عنده وهو يقول:
أيشتمني معاوية بن حربوسيفي صارم ومعي لسانء
وحولي من بني عمي ليوثضراغمة تهش إلى الطعان
قيل إنه لما سمع بعضهم قول أبي تمام:
لا تسقني ما الملام لأننيصب قد استعذبت ماء بكائي
هز له كوزا وقال له: ابعث لي في هذا قليلا من ماء الملام، فقال له أبو تمام: لا أبعثه حتى تبعث لي بريشة من جناح الذل، قال الصفدي وما ظلم من جهز إليه الكوز، فإنه استعار قبيحا، وأسوأ منه أن مثله بجناح الذل، واستعارة الخفض لجناح الذل في غاية الحسن
محي الدين بن قرناص الحموي:
قد أتينا الرياض حين تجلتوتحلت من الندى بجمان
وراينا خوانم الزهر لماسقطت من أنامل الأغصان
لله در من قال:
مجرة جدول وسماه آسوأنجم نرجس وشموس ورد
ورعد مثالث وسحاب كأسوبرق مدامة وضباب ند
قال في كتاب المستظرف: ذكر نبذة من سرقات الشعراء وسقطاتهم، فمن ذلك قول قيس بن الحطيم وهو شاعر الأوس وشجتعها
وما المال والاخلاف إلا معارةفما أسطعت من معروفها فتزود
وكيف يخفى ما أخذه من قصيدة طرفة بن العبد وهي معلقة على الكعبة يقول فيها:
لعمرك وما الأيام إلا معارةفما أسطعت من معروفها فتزود
ومن ذلك قول عبدة بن الطيب
فما كان قيس هلكة هلك واحدولكنه بنيان قوم تهدما
أخذه من قول امئ القيس:
فلو أنها نفس تموت شريتهاولكنها نفس تساقط أنفسا
وجرير على سعة تبحره وقدرته على غرر الشعر قال:
فلو كان الخلود بفضل مالعلى قوم لكان لنا الخلود
أخذه من قول زهير وهو شعر مشهور يحفظه الصبيان وترويه النسوان وهو:
فلو كان حمد يخلد لم يمتولكن حمد المرء غير مخلد
وقد قال الشماخ:
وأمر ترجى النفس ليس بنافعوأخر تحشى ضيره لا يضيرها
وهو مأخوذ من قول الآخر:
ترجى النفوس الشئ لا تستطيعهوتخشى من الأشياء ما لا يضرها
ومن سقطات الشعراء ما قيل: إن أبا العتاهية كان من نقده للشعر كثير السقط روي أنه لقي محمد بن مناذر، فمازحه وضاكه، ثم إنه دخل على الرشيد فقال: يا أمير المؤمنين هذا شاعر البصرة يقول: قصيدة في كل سنة، وأنا أقول في السنة مأتي قصيدة فأدخله الرشيد إليه فقال: ما هذا الذي يقول أبو العتاهية؟ فقال: محمد بن مناذر يا أمير المؤمنين لو كنت أقول كما يقول:
ألا يا عتبة الساعةأموت الساعة الساعة
كنت أقول كثيراً لكني أقول:
إن عبد الحميد يوم تولىهد ركناً ما كان بالمهدود
ما درى نعشه ولا حاملوهما على النعش من عفاف وجود
فأعدب الرشيد قوله، وأمر له بعشرة آلاف درهم، فكاد أبو العتاهية يموت غيظاً وأسفاً.
وكان بشار بن برد يسمونه إمام المحدثين، ويسلموا إليه في الفضلية، وبعض أهل اللغة يستشهدون بشعره، لزوال الطعن عليها فيها، فمع ذلك قال في شعره:
إنما عظم معلمي جستي حبنيقصب السكر لا عظم الحمل
وإذا أوتيت أدنيت منها بصلاًغلب المسك على ريح البصل
وأين هذا من قول الآخر؟ !
إذا قامت لمشيتها تثنتكأن عظامها من خيزران
قال أبو الطيب أحمد بن الحسين المتنبي، في قوم هربوا وتفرقوا عن قتل ممدوحه:
وضاقت الأرض حتى صار هاربهمإذا رأى غير شيء ظنه رجلا
ومما خرج عليه قوله:
فقلقت بالهم الذي قلق الحشاقلاقل عيس كلهن قلاقل
وأقبح من ذلك قوله:
ونهب نفوس أهل النهب أولىبأهل المجد من نهب القماش
أخذه من قول أبي تمام:
إن الأسود أسود الغاب همتهايوم الكريهة في المسلوب لا السلب
قال أبو عبد الله الزبيري: اجتمع راوية جرير، وراوية كثير، وراوية جميل وراوية الأحوص، وراوية نصيب. وافتخر كل منهم، وقال صاحبي أشعر فحكموا السيدة سكينة بنت الحسين ﵂ بينهم لعقلها وبصرها، فخرجوا حتى استأذنوا عليها وقد ذكروا لها أمرهم، فقالت لراوية جرير أليس صاحبك الذي يقول:
طرقتك صائدة القلوب وليس ذاوقت الزيارة فارجعي بسلام
وأي ساعة أحلى من الزيارة بالطروق، قبح الله صاحبك، وقبح شعره فهلا قال: فادخلي بسلام؟ ﴿ثم قالت لراوية كثير: أليس صاحبك يقول:
يقر بعيني ما تقر بعينها ... وأحسن شيء ما به العين قرت وليس شيء أقر لعينها من النكاح، أفيحب صاحبك أن ينكح قبح الله صاحبك، وقبح شعره، ثم قالت راوية جميل: أليس صاحبك الذي يقول:
فلو تركت عقلي معي ما طلبتهاوإن طلابيها لما فات من عقلي
فما أرادها، ولكن طلب عقله، قبح صاحبك، وقبح شعره، ثم قالت لراوية نصيب: أليس صاحبك الذي يقول:
أهيم بدعد ما حييت فإن أمتفواحزني من ذا يهيم بها بعدي
فما له همة إلا من يتعشقها بعده. قبحه الله، وقبح شعره هلا قال:
أهيم بدعد ما حييت وإن أمتفلا صلحت دعد لذي خلة بعدي
ثم قالت لراوية الأحوص: أليس صاحبك الذي يقول:
من عاشقين تواعدا وتراسلاليلاً إذا نجم الثريا حلقا
باتا بأنعم ليلة وألذهاحتى إذا وضح الصباح تفرقا
قبح الله صاحبك، وقبح شعره، هلا قال: تعانقا؟﴾ فلم تثن على واحد منهم. وأحجم رواتهم عن جوابها.
قيل: أمسك على النابغة الجعدي الشعر أربعين يوماً، فلم ينطق. ثم إن بني جعدة غزوا قوماً فظفروا، فلما سمع فرح وطرب فاستحثه الشعر، فذل له ما استصعب عليه، فقال له قومه: والله لنحن بإطلاق لسان شاعرنا أسر من الظفر بعدونا.
وقال الخليل ره: الشعراء أمراء الكلام يتصرفون فيه، أنى شآؤا، جايز لهم فيه ما لا يجوز لغيرهم: من إطلاق المعنى وتقييده، وتسهيل اللفظ وتعقيده.
وقال بعضهم: لم نر قط أعلم بالشعر والشعراء من خلف الأحمر، كان يعمل الشعر على ألسنة الفحول من القدماء، فلا يتميز عن مقولهم، ثم نسك وكان يختم القرآن كل يوم ويلية ختمة، وبذلك له بعض الملوك مالاً جزيلاً على أن يتكلم له في بيت شعر فأبى.
وكان الحسن بن علي ﵄ يعطي الشعراء، فقيل له في ذلك، فقال ﵁: خير مالك ما وقيت به عرضك.
وقال أبو الزياد الزناد: ما رأيت أروى للشعر من عروة، فقلت له: ما أرواك يا أبا عبد الله؟ وقال ما روايتي من رواية عايشة، ما كان ينزل بها شيء إلا أنشدت شعراً.
وكان النبي ﷺ يتمثل بهذا: " كفى الإسلام والشيب للمرء ناهياً ".
مما نقله من مقالات الصوفية.
خليلي إني كلما لاح بارقمن الأفق الغربي جدد حدد لي وجدا
وإن قابلتني نفحة بابليةوجدت لمسراها على كبدي بردا
وليس ارتياحي للرياح وإنما ارتياحي لقوم أعقبوا وصلهم صدا
ومنها
ولو قيل لي ماذا تريد من المنىلقلت منائي من أحبتي القرب
فكل بلائي في رضاهم غنيمةوكل عذاب في محبتهم عذب
ومنها
يا مظهر الشوق باللسانليس لدعواك من بيان
لو كان ما تدعيه حقاًلم تذق الغمض أو تراني
ومنها
ومن يك من بحر اللقا ذاقجرعة فإني من ليلي لها غير ذائق
وأعظم شيء نلته من وصالهاأماني لم تصدق كلمعة بارق
ومنها
آه من البارق الذي لمعاماذا بقلبي ومهجتي صنعا
ومنها
ليلي بوجهك مشرقوظلامه في الناس ساري
فالناس في سدف الظلام ونحن في ضوء النهار
ومنها
قلت للنفس إن أردت رجوعافارجعي قبل أن تسد الطريق
ومنها
وكان الصديق يزور الصديقلطيب الحديث وطيب التداني
فصار الصديق يزور الصديقلبث الهموم وشكوى الزمان
ومنها
إن العيون لتبدي في تقلبهاما في الضماير من ود ومن حنق
ومنها
تلوح في هذه الأيام دولتكمكأنها ملة الإسلام في الملل
لله در من قال
إذا المرء لم يرض ما أمكنهولم يأت من أمره أحسنه
فدعه وقد ساء تدبيرهسيضحك يوماً ويبكي سنه
غيره
وإن حياة المرء بعد عدوهوإن كان يوماً واحداً لكثير
وما أحسن ما قال المتنبي
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا ووضع الندى في موضع السيف بالعلا ... مضر كوضع السيف في موضع الندا
لما شكى أبو العيناء تأخر أرزاقه إلى عبيد الله بن سليمان قال: ألم تكن كتبنا لك إلى ابن المدبر؟ فما فعل في أمرك؟ قال: جرني على شوك المطل، وحرمني ثمرة الوعد؛ فقال: أنت اخترته، فقال وما علي واختار موسى سبعين رجلاً فما كان منهم رشيد فأخذتهم الرجفة واختار النبي ﷺ ابن أبي السرح كاتباً فلحق بالمشركين مرتداً واختار علي بن أبي طالب ﵁ أبا موسى الأشعري حاكماً حكماً فحكم عليه.
في وصف الغلمان
شادن يضحك عن الأقحوان، ويتنفس عن الريحان، كأن قده خوط بان سكران من خمر طرفه، وبغداد مشرقة من حسنة وظرفه، الشكل كله في حركاته، وجميع الحسن بعض صفاته، كأنما وسمه الجمال بنهايته، ولحظة الفلك بعنايته، فصاغه من ليله ونهار، حلاه جدوده بنجومه وأقماره، ونقشه ببديع آثاره، ورمقه بنواظر سعوده وجعله بالكمال أجد جدوده بروده له طرة كالغسق على غرة، جاء في غلالة تنم على ما يستره وتحفو مع رقتها ما يظهره، إن كانت عقرب صدغه تلسع، فترياق ريقته ينفع، إذا تكلم يكشف حجاب الزمرد والعقيق، عن سمطى الدر الأنيق، لعب ربيع الحسن في خده فأنبت البنفسج في ورده.
للأمير أبي الفتح الحاتمي
أما ترى الخمر مثل الشمس في قدحكالبدر فوق يد كالغيث إذ صابت
فالكأس كافورة لكنها انحجرتوالخمر ياقوتة لكنها ذابت
كتب علي بن صلاح الدين يوسف ملك الشام، إلى الإمام الناصر لدين الله، يشكو أخويه أبا بكر وعثمان، وقد خالفا وصية أبيهم له شعر:
مولاي إن أبا بكر وصاحبهعثمان قد غصبا بالسيف حق علي
وكان بالأمس قد الاه والدهفي عهده فأضاعا الأمر حين ولي
فانظر إلى حظ هذا الاسم كيف لقيمن الأواخر ما لاقى من الأول
إذ خالفاه وحلا عقد بيعتهوالأمر بينهما والنص فيه جلي
فوقع الخليفة الناصر على ظهر كتابته بهذه الأبيات:
وافي كتابك يا ابن يوسف منطقابالحق يخبر أن أصلك طاهر
منعوا علياً إرثه إذ لم يكنبعد النبي له بيثرب ناصر
فاصبر فإن غداً على حسابهموأبشر فناصرك الإمام الناصر
للصاحب إسماعيل بن عباد
أبا حسن لو كان حبك مدخليجحيماً فإن الفوز عندي جحيمها
فكيف يخاف النار من هو مؤمن؟ !بأن أمير المؤمنين قسيمها
قيل: إن البليغ من يحرك الكلام على حسب الأماني، ويخيط الألفاظ على قدر المعاني، والكلام البليغ كل ما كان لفظه فحلاً، ومعناه بكراً.
وقيل لأعرابي: من أبلغ الناس: قال: أقلهم لفظاً، وأحسنهم بديهة.
قال الإمام فخر الدين الرازي في حد البلاغة: إنها بلوغ الرجل بعبارته. كنه ما يقول في قلبه، مع الاحتراز عن الإيجاز المخل والتطويل الممل.
قال فيلسوف: كما أن الآنية تمتحن بأطنانها فيعرف صحيحها ومكسورها فكذلك الإنسان يعرف حاله بمنطقه.
مر رجل على أبي بكر ومعه ثوب فقال له أبو بكر: أتبيعه؟ فقال: لا يرحمك الله، فقال أبو بكر: لو تستقيمون لقومت ألسنتكم، هلا قلت لا ويرحمك الله؟ !.
قال كاتب الأحرف: إعتراض أبي بكر غير وارد على ذلك الرجل لاحتمال أن يكون قصده من قوله: لا يرحمك الله معنى غير محتاج إلى الواو فتأمل.
وحكي أن المأمون سأل يحيى بن أكثم عن شيء. فقال: لا وأيد الله أيد الأمير فقال المأمون: ما أظرف هذا الواو وما أحسنها في موضعها.
وكان الصاحب يقول هذا الواو أحسن من واوات الأصداغ. قالت الأشاعرة: شكر المنعم ليس بواجب أصلاً، ومثلوها بتمثيل، فقالوا: وما مثله إلا كمثل الفقير حضر مائدة ملك عظيم يملك البلاد شرقاً وغرباً يعم البلاد وهباً ونهباً فتصدق عليه بقلمة خبز، فطفق يذكره في المجامع، ويشكره عليها بتحريك أنملته دائماً لأجله، فإنه يعد استهزاء بالملك، فكذا هنا، بل اللقمة بالنسبة إلى الملك وما يملكه أكثر مما أنعم الله به على العبد بالنسبة إلى الله وشكر العبد في قلتها أقل قدراً في جنب الله من شكر الفقير بتحريك أصبعه. وأتت المعتزلة بتمثيل آخر أحسن منه، فقالوا التمثيل المناسب للحال أن يقال: إذا كان في زاوية الخمول وهاوية الذهول رجل أخرس اللسان، مشلول اليدين والرجلين، فاقد السمع والبصر، بل لجميع الحواس الظاهرة والمشاعر الباطنة، فأخرجه الملك من تلك الهاوية، وتلطف عليه بإطلاق لسانه وإزالة شلل أعضائه، ووهب له الحواس لجلب المنافع ودفع المضار ورفع رتبته وكرمه على كثير من أتباعه وخدمه، ثم إن ذلك الرجل بعد وصول تلك النعم الجليلة إليه، وفيضان تلك التكريمات عليه، طوى عن شكر ذلك الملك كشحاً وضرب عنه صفحاً ولم يظهر منه ما ينبىء عن الإشعار بشيء من تلك النعم أصلاً، بل كان حاله قبلها كحاله بعدها من غير فرق بين وجودها وعدمها فلا ريب أنه مذموم بكل لسان ومستحق للإهانة والخذلان.
وحكي أن بعضهم دخل على عدوه من النصارى فقال له: أطال الله بقائك، وأقر عينك، وجعل يومي قبل يومك، والله إنه يسرني ما يسرك، فأحسن إليه وأجازه على دعائه وأمر له بصلة ولم يعرف لحن كلامه، فإنه كان دعا عليه؛ لأن معنى أطال الله بقائك لوقوع المنفعة للمسلمين به لأداء الجزية، وأقر عينك: معناه سكن الله حركتها فإذا سكنت،
عن الحركة عميت، وجعل يومي قبل يومك فيه أي جعل يومي الذي أدخل الجنة: قبل يومك الذي تدخل فيه النار، وأما قوله: يسرني ما يسرك، فإن العافية تسره كما تسر الكافر.
وحكي أن رجلاً كان شاعراً وكان له عدو، فبينما هو سائر ذات يوم من الأيام، وإذا بعدوه إلى جانبه، فعلم الشاعر أن عدوه قاتله لا محالة، فقال له: يا هذا أنا أعلم أن المنية قد حضرت ولكن سألتك الله إذا أنت قتلتني امض إذاً إلى داري وقف بالباب وقل: إلا أيها البنتان إن أباكما وكانت للشاعر ابنتان، فلما سمعتا قول الرجل:
ألا أيها البنتان إن أباكما قالتاقتيل خذا بالثأر ممن أتاكما
ثم تعلقتا بالرجل. وحملتاه إلى الحاكم، ثم طلبتا أباهما، فاستقره فاقر فأمر بقتله وقتل بأبيهما.
وقال معاوية لجارية بن قدامة: ما كان أهونك على قومك، إذ سموك جارية؟ فقال: وما أهونك على قومك إذ سموك معاوية، وهي الأنثى من الكلاب قال: اسكت، لا أم لك، قال: أم ولدتني، أما والله إن القلوب التي أبغضناك بها لبين جوانحنا، والسيوف التي قاتلناك بها لفي أيدينا وإنك لا تملكنا قهراً ولا تهلكنا عنوة، ولكنك أعطيتنا عهداً وميثاقاً وأعطيناك سمعاً وطاعة، فإن وفيت لنا وفينا لك، وإن فرغت إلى غير ذلك فإنا قد تركنا ورائنا لك رجالاً شداداً وأسنة حداداً فقال معاوية: لا كثر الله مثلك في الناس يا جارية، قال: قل معروفاً فإن شر الدعاء محيط بأهله.
ومن حكايات الفصحاء ما حكي أن عبد الملك بن مروان جلس يوماً وعنده جماعة من خواصه وأهل مسامرته فقال: أيكم يأتيني بحروف المعجم في بدنه؟ وله علي ما يتمناه، فقام إليه سويد بن غفلة فقال: أنا لها يا أمير المؤمنين، قال هات، قال: أولها: أنف، بطن، ترقوة، ثغر، جمجمة، حلق، خد، دماغ، ذكر، رقبة، زند، ساق، شفة، صدر، ضلع، طحال، ظهر، عين، غبغبة، فم، قفا، كف، لسان، منخر، نغنوغ وجه، هامة، يد وهذه آخر حروف المعجم والسلام على أمير المؤمنين.
فقال: بعض أصحاب عبد الملك وقال يا أمير المؤمنين أنا أقول في جسد الإنسان مرتين فضحك عبد الملك وقال لسويد: أما سمعت ما قال، قال: نعم أنا أقولها ثلاثاً: فقال له: لك ما تتمنى، فقال: أنف أسنان أذن، بطن بصر بز، ترقوة تمرة تينة، ثغر ثنايا ثدي، جمجمة جنب جبهة، حلق حنك حاجب، خد خنصر خاصرة، دبر دماغ دردر، ذكر ذقن ذراع، رقبة رأس ركبة، زند زردمة زب، فضحك عبد الملك من قوله. ثم قال سويد: ساق سرة سبابة، شفة شعر شارب، صدر صدغ صلعة، ضلع ضفير ضرس، طحال طرة طرف، ظهر ظفر ظنبوب، عين عنق عاتق، غبغب غلصمة غنة، فم فك فؤاد، قلب قدم قفا، كف كتف كعب، لسان لحية لوح، مرفق منكب منخر، نغنوغ ناب نن، هامة هيف هيئة، وجه وجنة ورك، يمين يسار يافوخ.
ثم نهض مسرعاً وقبل الأرض بين يدي عبد الملك، فقالوا: والله ما نزيد عليها أعطوه ما تمناه ثم أجازه وأنعم عليه وبالغ بالإحسان إليه.
قال رجل لصاحب منزل: أصلح خشب هذا السقف فإنه يقرقع، قال: لا تخف فإنه يسبح قال: أخاف أن تدركه رقة قلب فيسجد.
قالت عجوز لزوجها: أما تستحي أن تزني؟ وعندك حلال طيب، قال: أما حلال فنعم وأما طيف فلا.
وقال ملك لوزيره: ما خير ما يرزق الله العبد، قال: عقل يعيش به، قال: فإن عدمه، قال مال يستره، قال: فإن عدمه، قال: فصاعقة تحرقه وتريح منه العباد والبلاد.
وحكي عن الشريف المرتضى ﵁ أنه كان جالساً في علية له تشرف على الطريق فمر به ابن المطرز الشاعر يجر نعلاً له بالية، وهي تثير الغبار، فأمر بإحضاره وقال: له أنشد أبياتك التي تقول فيها:
إذا لم تبلغني إليكم ركائبيفلا وردت ماء ولا رعت العشبا
فأنشده إياها، فلما انتهى إلى هذا البيت أشار الشريف إلى نعله البالية، وقال: أهذه كانت من ركائبك؟ فأطرق ابن المطرز ساعة، ثم قال: لما عادت هبات سيدنا الشريف إلى مثل قوله:
وخذ النوم من جفوني فإنيقد خلعت الكرى على العشاق
عادت ركائبي إلى مثل ما ترى، لأنك خلعت ما لا تملكه على من لا يقبل، فاستحى الشريف منه، وأمر له بجائزة، فأعطوه.
ورد على أبي الطيب كتاب جدته لأمه من الكوفة، تستجفيه وتشكو إليه شوقها وطول غيبته عنها، فتوجه نحو العراق ولم يمكنه دخول الكوفة على تلك الحالة، فانحدر إلى بغداد، وقد كانت جدته يئست منه، فكتب إليها كتاباً يسألها المسير إليه، فقبلت كتابه وحمت لوقتها سروراً به، وغلب الفرح على قلبها فقتلها، فقال يرثيها شعراً:
ألا لا أرى الأحداث حمداً ولا ذمافما بطها جهلاً ولا كفها حلما
إلى مثل ما كان الفتى يرجع الفتىيعود كما أبدى ويكري كما أرى
أحن إلى الكأس التي شربت بهاوأهوى لمثواها التراب وما ضما
بكيت عليها خيفة في حياتهاوذاق كلانا ثكل صاحبه قدما
ولو قتل الهجر المحبين كلهممضى بلد باق أجدت له صرما
منافعها ما ضر في نفع غيرهاتغذي وتروي إن تجوع وإن تظما
عرفت الليالي قبل ما صنعت بنافلما دهتني لم تزدني بها علما
أتاها كتابي بعد يأس وترحة نزحةفماتت سروراً بي فمت بها هما
حرام على قلبي السرور فإننيأعد الذي ماتت به بعدها سما
تعجب من خطي ولفظي كأنهاترى بحروف السطر أغربة عصما
وتلثمه حتى أصار مدادهمحاجر عينيها وأنيابها سحما
رقى دمعها الجاري وجفت جفونهاوفارق حبي قلبها بعدما أدمى
ولم يسلها إلا المنايا وإنماأشد من السقم الذي أذهب السقما
طلبت لها حظاً ففاتت وفاتنيوقد رضيت بي لو رضيت لها قسما
فأصبحت أستسقي الغمام لقبرهاوقد كنت أستسقي الوغا والقنا الصما
وكنت قبيل الموت أستعظم النوىفقد صارت الصغرى التي كانت العظما
هبيني أخذت الثار فيك من العدىفكيف بأخذ الثأر فيك من الحمى
وما انسدت الدنيا علي لضيقهاولكن طرفاً لا أراك به أعمى
فيا أسفي أن لا أكب مقبلاًلرأسك والصدر الذي ملئا حزما
وأن لا ألاقي روحك الطيب الذي ... كأن ذكي المسك كان له جسما ولو لم تكوني بنت أكرم والد ... لكان أباك الضخم كونك لي أما
لئن لذ يوم الشامتين بيومهافقد ولدت مني لآنافهم رغما
تغرب لا مستعظماً غير نفسهولا قابلاً إلا لخالقه حكما
ولا سالكاً إلا فؤاد عجاجةولا واجداً إلا لمكرمة طعما
يقولون لي ما أنت في كل بلدةما تبتغي ما أبتغي جل أن يسمى
كان بينهم عالمون بأننيجلوب إليهم من معادنه اليتما
وما الجمع بين الماء والنار في يديبأصعب من أن أجمع الجد والفهما
ولكنني مستنصر بذبابهومرتكب في كل حال به القشما
وعاجلة جاعلة يوم اللقاء تحيتيوإلا فلست السيد البطل القرما
وإني من قوم كأن نفوسهمبها أنف أن تسكن اللحم والعظما
كذا أنا يا دنيا إذا شئت فاذهبيويا نفس زيدي في كرائمها قدما
فلا عبرت بي ساعة لا تعزنيولا صحبتني مهجة تقبل الظلما
قال أبو القاسم أسعد بن إبراهيم:
تتنفس الصهباء في لهواتهكتنفس الريحان في الآصال
وكأنما الخيلان في وجناتهساعات هجر في زمان وصال
ركن الدين ابن أبي أصبع
وساق إذا ما ضاحك الكأس قابلتفواقعها من ثغره اللؤلؤ الرطبا
وخشيت وقد أمسى نديمي على الدجىفأسدلت دون الصبح من شعره الحجبا
وقسمت شمس لطاس بالكأس أنجماًويا طول ليل قسمت شمسه شهبا
لأبي الطيب
أرق على أرق ومثلي يأرقوجوى يزيد وعبرة تترقرق
جهد الصبابة أن يكون كما أرىعين مسهدة وقلب يخفق
ما لاح برق أو ترنم طائرإلا انثنيت ولي فؤاد شيق
جربت من نار الهوى ما تنطفينار الغضا وتكل عما تحرق
وعذلت أهل العشق حتى ذقتهفعجبت كيف يموت من لا يعشق؟ !
وعذرتهم وعرفت ذنبي أننيعيرتهم فلقيت فيه ما لقوا
ابني أبينا نحن أهل منازلأبداً غراب البين فينا ينعق
نبكي على الدنيا فما من معشرجمعتهم الدنيا فلم يتفرقوا
أين الأكاسرة الجبابرة الأولىكنزوا الكنوز فما بقين ولا بقوا
من كل من ضاق الفضاء بجيشهحتى ثوى فحواه للحد ضيق
خرس إذا نودوا كأن لم يعلمواأن الكلام لهم حلال مطلق
فالموت آت والنفوس نفائسوالمستغر بما لديه الأحمق
والمرء يأمل والحياة شهيةوالشيب أوقر والشبيبة أنزق
ولقد بكيت على الشباب ولمتيمسودة ولماء وجهي رونق
حذاراً عليه قبل يوم فراقهحتى لكدت بماء جفني أشرق
أما بنو أوس بن معن بن الرضافأعز من تهدي إليه الأينق
كبرت حول ديارهم لما بدتمنها النفوس وليس فيها المشرق
وعجبت من أرض سحاب أكفهممن فوقها وصخورها لا تورق
ويفوح من طيب الثناء روايحلهم بكل مكانه تستنشق
مسكية النفحات إلا أنهاوحشية بسواهم لا تعبق
أمريد مثل محمد في عصرنا؟لا تبلنا بطلاب ما لا يخلق
لم يخلق الرحمن مثل محمدأحداً وظني أنه لا يخلق
يا ذا الذي يهب الكثير وعندهأني عليه بأخذه أتصدق
أمطر علي سحاب جودك ثروة ثرةوأنظر إلي برحمة لا أغرق
كذب ابن فاعلة يقول بجهله ... مات الكرام وأنت حي ترزق قال الصفدي: قد تحذف الفاء مع المعطوف بها إذا أمن اللبس، وكذلك اتلواو فمن حذف الفاء قوله تعالى: " فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم " التقدير فإن امتثله فتاب عليكم، وقوله تعالى: " فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر " معناه فأفطر فعليه عدة، وهذا الفاء العاطفة على الجواب المحذوف وتسميها أرباب المعاني الفاء الفصيحة.
يقال: إن أبا أيوب المرزباني وزير المنصور، كان إذا دعاه المنصور يصفر ويرعد فإذا خرج من عنده يرجع له لونه، فقيل له: إنا نراك مع كثرة دخولك على أمير المؤمنين وأنسه بك تتغير إذا دخلت عليه، فقال: مثلي ومثلكم مثل بازي وديك تناظرا، فقال البازي للديك: ما أعرف أقل وفاء منك لأصحابك، قال: وكيف؟ قال: تؤخذ بيضة فيحضنك أهلك وتخرج على أيديهم، فيطعمونك بأيديهم حتى إذا كبرت صرت لا يدنو منك أحد إلا طرت من هنا إلى هنا وصحت، وإن علوت على حائط دار كنت فيها سنين طرت منها وصرت إلى غيرها، وأما أنا فأوخذ من الجبال وقد كبر سني فتخاط عيني، وأطعم الشيء اليسير، وأساهر فأمنع من النوم وأنسى اليوم واليومين، ثم أطلق على الصيد وحدي فأطير إليه وآخذه وأجيء به إلى صاحبي، فقال له الديك: ذهبت عنك الحجة أما لو رأيت بازيين في سفود على النار ما عدت إليهم، وأنا في كل وقت أرى السفافيد مملوء ديوكاً، فلا تك حليماً عند غضب غيرك، وأنتم لو عرفتم من المنصور ما أعرفه لكنتم أسوء حالاً مني عند طلبه لكم.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع