من «الكشكول» لبهاء الدين العاملي (ت ١٠٣١هـ)
القيامة قيامتان
ملخص من كتاب الصبر والشكر من الإحياء: القيامة قيامتان: القيامة الكبرى، وهو يوم الحشر ويوم الجزاء، والقيامة الصغرى وهي حالة الموت، وإليها الإشارة بقول صاحب الشرع من مات فقد قامت قيامته، وفي هذه القيامة يكون الإنسان وحده، وعندها يقال له لقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وأما في القيامة الكبرى الجامعة لأصناف الخلايق، فلا يكون وحده، وأهوال القيامة الصغرى تحاكي وتماثل أهوال القيامة الكبرى إلا أن أهوال الصغرى تخصك وحدك، وأهوال الكبرى تعم الخلق أجمعين.
وقد تعلم أنك أرض مخلوق من التراب، وحظك الخالص من التراب بدنك خاصة، وأما بدن غيرك فليس حظك، والذي يخصك من زلزلة الأرض زلزلة بدنك فقط الذي هو أرضك، فإذا هدمت بالموت أركان بدنك، فقد زلزت الأرض زلزالها، ولما كانت عظامك جبال أرضك، ورأسك سماء أرضك، وقلبك شمس أرضك، وسمعك وبصرك، وسائر حواسك نجوم سمائك، ومفيض العرق من بدنك بحر أرضك، فإذا رمت العظام فقد نسفت الجبال نسفاً، وإذا أظلم قلبك عند الموت فقد كورت الشمس تكويراً فإذا بطل سمعك وبصرك وساير حواسك فقد انكدرت النجوم انكداراً فإذا انشق دماغك فقد انشقت السماء انشقاقاً، فإذا انفجرت من هول الموت عرق جبينك فقد فجرت البحار تفجيراً، فإذا التفت أحد ساقيك بالأخرى وهما مطيتاك فقد عطلت العشار تعطيلاً. فإذا فارق الروح والجسد فقد ألقت الأرض ما فيها وتخلت.
واعلم أن أهوال القيامة الكبرى أعظم بكثير من أهوال هذه الصغرى، وهذه أمثلة لأهوال تلك، فإذا قامت عليك هذه بموتك، فقد جرى عليك ما كان جرى على كل الخلق فهي انموذج للقيامة الكبرى، فإن حواسك إذا عطلت فكأنما الكواكب قد انتثرت
إذ الأعمى يستوي عنده الليل والنهار، ومن انشق رأسه فقد انشقت السماء في حقه إذ من لا رأس له لا سماء له.
ونسبة القيامة الصغرى إلى القيامة الكبرى كنسبة الولادة الصغرى. وهي الخروج من الصلب والترائب إلى فضاء الرحم؛ إلى الولادة الكبرى وهي الخروج من الرحم إلى فضاء الدنيا، ونسبة سعة عالم الآخرة الذي يقدم عليه العبد بالموت إلى فضاء الدنيا كنسبة فضاء الدنيا إلى الرحم بل أوسع وأعظم لا يحصى.
علي بن الجهم يمدح المتوكل:
عيون المها بين الرصافة والجسرجلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
أعدن لي الشوق القديم ولم أكنسلوت ولكن زدن جمراً على جمر
سلمن وأسلمن القلوب كأنماتشك بأطراف المثقفة السمر
خليلي ما أحلى الهوى وأمرهوأعرفني بالحلو منه وبالمر
كفى بالهوى شغلاً وبالشيب زاجراًلو أن الهوى مما ينهنه بالزجر
بما بيننا من حرمة هل علمتماأرق من الشكوى وأقسى من الهجر
وأفضح من عين المحب لسرهولا سيما إن أطلقت عبرة تجري
وما أنس بالأشياء لا أنس قولهالجارتها ما أولع الحب بالحر
فقالت لها الأخرى فما لصديقنامعنى وهل في قتله لك من عذر؟
فقالت أذود الناس عنه وقلمايطيب الهوى إلا لمنهتك الستر
وأيقنتا أني سمعت فقالتامن الطارق المصغي إلينا وما تدري
فقلت فتى إن شئتما كنتم الهوىوإلا فخلاع الأعنة والعذر
على أنه يشكو ظلوماً وبخلهاعليه بتسليم البشاشة والبشر
فقالت هجيئاً قلت قد كان بعض ماذكرت لعل الشر يدفع بالشر
فقالت كأني بالقوافي سوائراًيردن بنا مصراً ويصدرن عن مصر
فقلت أسأت الظن بي لست شاعراًوإن كان أحياناً يجيش به صدري
صلي واسألي من شئت يخبرك أننيعلى كل حال نعم مستودع السر
وما أنا ممن سار بالشعر ذكرهولكن أشعاري يسير بها ذكري
وللشعر أتباع كثير ولم أكنله تابعاً في حال عسر ولا يسر
ولكن إحسان الخليفة جعفردعاني إلى ما قلت فيه من الشعر
فسار أمير الشمس في كل بلدةوهب هبوب الريح في البر والبحر
ولو جل عن شكر الصنيعة منعملجل أمير المؤمنين عن الشكر
ومن قال إن البحر والقطر أشبهانداه فقد أثنى على البحر والقطر
لو وجد الجزء للزم صحة كون قطر الفلك الأعلى ثلاثة أجزاء لأنا نفرض قطراً وعن جنبيه وتران ملاصقان له ثم قطع الثالثة بقطر مار من طرف أحد الوترين إلى طرف الآخر فهو مركب من ثلاثة أجزاء، لعدم إمكان التقاطع على أكثر من جزء. اعترض بعض الأعلام بالاستغناء عن أحد الوترين، ربما يخبر من يغلب عليه الماليخوليا والسوداء، واستحكم جنونه عن أمور غيبيه فيكون كما أخبر، وسبب ذلك أن المرة السوداء إذا استولت على الدماغ أذهبت التخيل وحللت الروح المنصب في وسط الدماغ الذي هو آالته بسبب كثرة الحركة الفكرية اللازمة لها. وإذا وهن التخيل سكن عن التصرف، فتتفرع النفس عنه، فإنها لا تزال مشغولة بالتفكر فيما يرد علها من الحواس باستخدام التخيل، وذلك، غيب، فاطباع ذلك فيها كانطباع الصور من مرآة في مرآة أخرى تقابلها عند ارتفاع الحجاب بينهما. انتهى.
كل حيوان يتنفس باستنشاق الهواء فهو إنما يتنفس من أنفه فقط، إلا الإنسان فإنه يتنفس من أنفه وفيه معا، وسبب ذلك أن الإنسان يحتاج إلى الكلام بتقطيع حروف مخرج بعضها الأنف فيحتاج إلأى نفوذ الهواء فيه، وقد فتح بيطار فم فرس بآلة سدت كمخريه فمات على المكان والإنسان أضعف شما من سائر الحيوان فهون يحتال على إدراك الرائحة بالتسخين تارة، وبالحك وتصغير الأجزاء أخرى، وعند أعلى الأنف منفذان دقيقان جدا ينفذان إلى داخل العينين بحدذاء الموق، وفيهما تنفذ الروائح الحادة إلى داخل العينين برائحة الصنان، وتدمع من شم البصل ونحوه. ومن هذين المنفذين تنفذ الفصول الغليظة التي في داخل العينين وهي التي تجهد عند الاندفاع بالدموع، وإذا حدث لهذين المنفذين انسداد كما يفي الغرب كثرت الفضول، فكثرت أمراض العين لذلك. انتهى.
الخلاف مشهور في أن رؤية الوجه مثلا في الصقيل هل هو بالانعكاس عنه أو بالانطباع فيه. والأدلة من الجانبين لا تكاد تسلم من خدش ولجامع الكتاب دليل على أنه بالانطباع لا بالانعكاس، وهو أن التجربة شاهدة برؤية المستوى في المرآة معكوسا والمعكوس مستويا، مثلا الكتابة ترى في المرآة معكوسة، ونقش الخاتم يرى مستويا، وهذا يعطي الانطباع كما ترسم الكتابة من ورقة على أخرى، فترى معكوسة، ويختم بالخاتم فيرى الختم مستويا، ولو كان بالانعكاس لرئي على ما هو عليه إذ المرئي على القول بالانعكاس هو ذلك الشئ بعينه، إلا أن الرائي يتوهم أنه لا يراه مقابلا كما هو المعتاد تأمل. انتهى.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع