من «الكشكول» لبهاء الدين العاملي (ت ١٠٣١هـ)
الاستنكار من الألفاظ الغريبة
صاحب المثل السائر بعد أن شدد النكير وبالغ في التشنيع على الذين يستكثرون في كلامهم من الألفاظ الغريبة، المحتاجة إلى التفتيش والتنقير في كتب اللغة أورد أبيات السموئل المشهورة التي أولها:
إذا المرء لم يدنس من اللوم عرضهفكل رداء يرتديه جميل
أوردتها في المجلد الرابع. ثم قال إذا نظرنا إلى ما تضمنه من الجزالة خلناها زبراً من الحديد وهي مع ذلك سهلة مستعذبة غير فظة ولا غليظة ثم قال: وكذلك ورد للعرب في جانب الرقة ما كاد يذوب لرقته وأورد الأبيات المشهورة لعروة بن الأدية التي أولها:
إن التي زعمت فؤادك ملهاخلقت هواك كما خلقت هوى لها
ثم قال ومما يرقص الأسماع ويزف على صفحات القلوب قول يزيد بن الطثرية:
بنفسي من لو مر برد بنانهعلى كبدي كانت شفاء أنامله
ومن هابني في كل شيء وهبتهفلا هو يعطيني ولا أنا سائله
ثم قال: إذا كان ذا قول ساكن في الفلاة لا يرى إلا شيحة أو قيصومة، ولا يأكل إلا ضباً أو يربوعاً فما بال قوم سكنوا الحضر يتعاطون وحشي الألفاظ وشظف العبارات. ثم قال ولا يخلد إلى ذلك إلا جاهل بأسرار الفصاحة أو عاجز عن سلوك طريقها، فإن كل أحد يمكنه أن يأتي بالوحشي من الكلام وذلك بأن يلتقطه من كتب اللغة، أو يتلقفه من أربابها ثم قال: هذا العباس بن الأحنف قد كان من أوائل الشعراء في الإسلام وشعره كمر النسيم على عذبات أغصان أو كلؤلؤ آت طل على طرر ريحان، وليس فيه لفظة واحدة غريبة يحتاج إلى استخراجها من كتب اللغة فمن ذلك قوله:
وإني ليرضيني قليل نوالكموإن كنت لا أرضى لكم بقليل
بحرمة ما قد كان بيني وبينكممن الود إلا عدتم بجميل
وهكذا ورد قوله في فوز التي كان يشبب بها في شعره:
يا فوزيا منية عباسقلبي يفدي قلبك القاسي
أسأت إذا أحسنت ظني بكموالحزم سوء الظن بالناس
يقلقني الشوق فآتيكموالقلب مملو من اليأس
وهل أعذب من هذه الألفاظ وأرشق من هذه الأبيات وأعلق في الخاطر، وأسرى في السمع؟ ولمثلها تخف رواجع الأوزان وعلى مثلها يسهر راقد الأجفان، وعن مثلها يتأخر السوابق عند الرهان ولم اجرها بلساني يوماً من الأيام إلا تذكرت، قول أبي الطيب المتنبي:
إذا شاء أن يلهو بلحية أحمقأراه غباري ثم قال له الحق
ومن ذا الذي يستطيع أن يسلك هذا الطريق التي هي سهلة وعروة قريبة بعيدة، وهذا أبو العتاهية كان في غرة الدولة العباسية، وشعراء العرب إذ ذاك كثيرون، وإذا تأملت شعره وجدته كالماء الجاري في رقة ألفاظه ولطافة سبك، وكذلك أبو نؤاس، ثم قال: ومن أشعار أبي العتاهية الرقيقة قوله في قصيدة يمدح بها المهدي ويشبب بجاريته عتب وكان أبو العتاهية يهواها:
ألا ما لسيدتي مالهاتدل فأحمل إدلالها
لقد أتعب الله قلبي بهاوأتعب في اللوم عذالها
كأن بعيني في حيثماسلكت من الأرض تمثالها
ومنها في المديح قوله
أتته الخلافة منقادةإليه تجرر أذيالها
فلم تك تصلح إلا لهولم يك يصلح إلا لها
ولو رامها أحد غيرهلزلزلت الأرض زلزالها
ويحكى أن بشار كان حاضراً عند إنشاد أبي العتاهية هذه الأبيات، فقال: انظروا إلى أمير المؤمنين هل طار عن كرسيه؟ ولعمري أن الأمر كما قال بشار. واعلم أن هذه الأبيات من رقيق الشعر غزلاً ومديحاً، وقد أذعن لها شعراء ذلك العصر، وناهيك بهم ومع هذا تراها من السلامة واللطافة في أقصى الغايات، وهذا هو الكلام الذي يسمى السهل الممتنع فتراه يطيعك وإذا أردت مماثلاً له راغ عنك كما يروغ الثعلب، وهكذا ينبغي أن يكون الكلام، فإن خير الكلام ما دخل في الأذن بغير إذن، وأما البذائة والتوعر في الألفاظ فتلك أمة قد خلت ومع ذلك فقد عيب على مستعمليها في ذلك الوقت أيضاً.
قال ابن عباس لرجل في يده درهم: ليس لك حتى يخرج من يدك
ومن هذا أخذ الشاعر قوله:
أنت للمال إذا أمسكتهفإذا أنفقته فالمال لك
وقد حام حول هذا المعنى الحريري حيث يقول:
وشر ما فيه من الخلائقأن ليس يغني في المضايق
إلا إذا فر فرار الآبق
قال بعض الأعراب: مالك إن لم يكن لك كنت له.
قال بشار: ما من شعر تقوله امرأة إلا وفيه سمة الأنوثة. قيل له فما تقول في الخنساء؟ قال: لا، تلم لها أربع خصى,
وللخنساء في أخيها صخر:
فما بلغت كف امرئ متناولمن المجد إلا حيث ما نلت أطول
ولا بلغ المهدون في القول مدحةوإن أكثروا إلا وما فيك أفضل
في المثل: جاءوا على بكرة أبيهم. هذا مثل يضرب للجماعة إذا جاءوا كلهم ولم يتخلف منهم أحد. والبكرة: الفتية من الإبل. وأصل هذا المثل أنه كان لرجل من العرب عشرة بنين، فخرجوا إلأى الصيد، فوقعوا في أرض العدو، فقتلوهم ووضعوا رؤسهم في مخلاة، وعلقوا المخلاة في رقبة بكرة كانت لأبي المقتولين، فجاءت البكرة بعد هدأة من الليل، فخرج أبوهم وظن الرؤوس بيض النعام وقال قد اثطادوا وأرسلوا البيض فلما انكشف الأمر قال الناس: جاء بنو فلان على بكرة أبيهم.
من مليح العرب العرباء، غزا أعرابي مع النبي ﷺ فقيل له، ما نلت في غزوتك هذه: فقال: وضع عنا نصف الصلاة ونرجو إن غزونا أخرى أن يوض عنا النصف الآخر.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع