من «الصبح المنبي عن حيثية المتنبي» ليوسف البديعي (ت ١٠٧٣هـ)
خاتمة
هذا، ونوادر أبي الطيب المتنبي غزيرة، وأخباره كثيرة، وقد اخترنا منها ما يستظرف إيراده، ويُطربُ الألبابَ إنشاده، ومذْ تم ما جمع، وسُميّ بالصبح المتنبي عن حيثية المتنبي، تواردت التقريظات من العلماء الأعلام، وسميت بنسمة الصبح، وجرت منها مجرى الختام.
وأول ما ورد ما كتبه مخدومنا شخص الفضل وصورته، وحلى الأدب وزينته، سيد سادات من في الشهباء من آل النبي، أحمد أفندي الشهير نسبة الكريم بابن النقيب الحسني، وهو:
أيُوسْف إنْ أظهرتَ رَوضاً مَدَبَّجاًيَرَاعُكَ لا فصلُ الربيع رَبيعُه
وَجَدَّدتَ للكِنْديّ ذاكرا بِجامِعٍلأخبارِهِ، قَدْ قلَّ مَن يستطيعُهُ
وتوَّجْتَهُ باسمِ الهُمام الذي لَهمن الفضْلِ ما بَينَ الأنامِ جَميعُهُ
سَليل حُسامِ الدين ذِي المجْد مَن غَداحُسَاما بَهامِ الظالمين وُقَوعُهُ
وصَدْر مَوالي الرّومِ مَنْ نُور عَدْلِهتلألأَ مِثلَ الصُّبحْ زاد سُطُوعُهُ
وَمَنْ لَمْ يَزل للشرع بالزهدِ حافظاوقد كانت الأطماعُ قبلُ تُضِيعُهُ
ومَنْ شرَّف الشَّهباءَ مُذ حَلَّ رّبْعَهَماوأحْيَا بني الآداب فيها صَنيعُهُ
فَمَنْ يتلَقبْ بالبديع فإنمايكون بديعاً كلُّ شيء بَديعُهُ
وإن كنتَ قَدْ حَسَّرَّتَ فيه مَدَائِحاًيسير بها من كل ركب سَريعُهُ
فَما هُوَ إلاّ الصاحِبُ النَّدْب سؤدداًوفضلا وإقبالا، وأنت بديعُهُ
ثم ورد ما تفضل به شيخُنا، الذي بزغتْ في الشهباء فضائله. وعمت فضلاء الأدباء فواضله. وأزري سنا سؤددُه بالدراري، شمس المجد، بدر الفضل، نجم الدين أفندي الأنصاري، وهو قوله، مدَّ الله ظله، ورفع مَحلَّه:
رسالةُ مَولانا البديعيّ رَوْضةُتَنَزَّه فيها السَّمْعُ والطَّرْفُ والفكرُ
أبانتْ مزايا ابن الحسين التي بهاعلى شعراء الدّهر قَدَّمَهُ الشعْرُ
وأسْكَرَتِ الألبابَ حتى كأنماأحاديثها المستحسناتُ بها خَسْر
ولا بِدْعَ أنْ أبدَي البديعيّ دُرَّهُإذ البحرُ منهُ دائماً يحرُجُ الدُّرُّ
فكيف ومَن صِيغَتْ لَهُ العَلَمُ الذيعلى ما به الدهرُ الضنينُ سَخا الدَّهْرُ
أتاها ولَيْلُ الظلمُ مُلْق رواقَهُفلما رأتْهُ مُقبلا سَطَعَ الفجْرُ
إمامُ كَسَا الشهباءَ ساطعُ عدلهبَهَاءً علَى مَرَ الزَّمان له الذكْرُ
بماذا يُجادُ القولُ في مَدْح عالمبكل فم في كُلّ أرض لَهْ شُكْرُ
جَوادُ إذا ضَنّ الجَواد بما لِهِولو لم يجُدْ أغناكَ عن بَذْلهِ البشْرُ
إذا ما تصدَّى للعلوم مُبَاحِثاعلمتَ لماذَا يشبهُ العالِمَ البحْر
فيا واحدَ الدُّنيا الذي جُمِعَت له الْمعالي كما الأيامُ يجمعُها الشهْرُ
ويابن الحُسامِ والَّذي بهبشَهْبائنا مُذ حَلَّها حَصَل الفخْر
رَأيناك أوْلَى الناس بالمَدْحِ منْ ذَويالفضائل إذ أنتَ الذي عَبدُه حُرُّ
فَدُمْ ما تغنت في الرياض بلابلُوأحْدَقَ في فصل الربيع بها الزَّهْرُ
ثم ورد ما قاله عالم الشهباء وابن عالمها، ومشيد بالفضائل دعائم معالمها صاحب النهج المرضى وهو الشيخ أبو الوفا العرضي، متع الله ببقائه الأنام:
يا جَوْهَراً قام الكمال بذاتِهوأضاء مَجداً مِن صَفاءِ صِفاتِهِ
والفاضل الفطِن الَّذي دلْ عَلَىإحسانِه آثارُ تَنْميقاتِهِ
ربَّ المعاني والبديعيَّ الذيزان البيانَ بديع تحسِناتِهِ
عاشتْ بك الآدابُ وهْي رَميِمةُوبَعثتَ للكندي رُوحَ حَياتِهِ
ونسخْتَ من ذكرى حبيب كلَّ مانسخْته أيدي الدهر من كلماته
ونبذْتَ من عَبث الوليد مانطقتْ به الأيامُ من أبياتِه
وأبَنْتَ بالبرهان مُعْجِزَ أحمدوكشفْتَ سَجْفَ الطَّعْن عن حسناته
وأقمت مِيزانَ العدالَةِ مُقْسِطاًلم تَتْرُكِ المثقال مِنْ ذرّاته
لله درّكَ من أديب مِصْدَعأبداً حَلاَلُ السحرِ من كلماته
في ضِمْن تأليف تحررّ باسم مَنْزان الزمانَ بِدُرّ تحقيقاتِهِ
السالكِ السَّنَنَ الأغرَّ نباهةًمَشْوَي العدالة من جميع جهاته
قل للذين قدموا وتأخروانور الهدى اقتَبسُوه من مِشْكاتِهِ
وتعلَّموا الأحكامَ كيف قضاؤهامَهْمَا تَوارَي الحقُّ في شُبُهاتِهِ
وتأملُوا فيه العفافَ طبيعةًكغوامض التحقيق من مَلَكاته
هو من سيوف الله وابنُ حُسامِهِمَنْ رِيعَ قلبُ الزُّور من عَزَماتِهِ
وأنارت الشهباءُ لما جاءَهاوقد استنار الكسْفُ في مِرْآته
فإنجاب عنها كلُّ ظلمة ظالمفيها وعمّ العدلُ من بَرَكاته
لا زالتِ الفضلاءُ تخدمُ بابَهُوالنصرُ لا ينفكَ عن حَرَكاته
ثم ورد ما نمقه كشاجم عصره، وفاضل مصره، بل واحد دهره، السيد الأوحد في الخلائق فضلا، ربيع الفضل، يحي الصادق:
لله ما نمَّقْتَ من مُرْقصيُغني أخا اللبّ عن المُطربِ
أثْبَتَّ من ِحْرك في طيهِإعجازَ آياتِ أبي الطيب
وهكذا الفاضلُ من شأْنِهِنَصرةُ ذي الفضل على الأجْنَبي
هذا وقد قيل على أنهكناقلِ التمرِ إلى يثرب
أو ساكبِ القَطْرِ على البَحْر أومُهدِي رَذاذِ الطَّلِ للصيِّبِ
أو حامل الدُّر إلى يَمهِأو مُرسلِِ النُّورِ إلى الكَواكَبِ
لأنه عنونه باسْم مَنْلولا خِتامُ الرُّسْلِ قُلْنا نبي
فقلت مَهْلاً هذهِ عادَةُلا يُنكِرُ العادةَ إلا غَبي
انظرْ إلى الطاهي وتقديمهالطَّعام للمَوْلَى ولا تَعْجَبِ
وقَيَمُ البُسْتان قد يُتحِفُالمالك بالفاخِرِ والأطْيَبِ
والشاكري يحمل أستاذَهعلى ذُرا الأصْهَبِ والأشْهَبِ
وهكذا ربُّ البديع الَّذِييُدْعى البديعِي ليس بالمُعْتَب
لأنه أهَدى لأستاذهِباكورة الفضل ولَمْ يُسْهِبِ
مَعْ أن ما يعلمُه فوق ذالكنُه قد جاءَ بالأعذبِ
يَعْرِضُه بين يَدَيْ واحد الدنيا وأم الشرق والمغرب
حامِي حِمَي الشرع القويمَ الذيقَدْ شَرَّفَ الشهباءَ بالمَنْصب
سيفُ من الرحمنَ قد سلَّهُوابنُ حُسام الدين إنْ يُنْب
وكل من يَطْمَعُ في مِثْلِهِمِنْ دَهْره لُقبَ بالأشْعَبي
ثم ورد ما قاله نسيج وحده، ووارث الفصاحة عن نزاره ومعده، ومالك رق المعاني، الحسيب النسيب السيد موسى الحمداني، وهو:
غَنِينا عن الياقوت واللؤلؤ الرطْبِبعقِد جُمان عُدَّ مِنْ جُمْلة الكتبِ
تضمن أخباراً يَلذُّ استماعُهاكما لَذّاتِ الشكوَى من الحِب للحِبّ
ولاحتْ به لابن الحسين قلائدُتُخِّبرُ عَنْهُ أنَّهُ أشعرُ العُرْب
وكيفَ ومُنشِيه الَّذي قد أطاعتهنظاماً ونَشْراً كُلُّ مبتكَر صَعْبِ
وحِيدُ بلاد الشامِ بالفضل يوسفالبَديعيُّ مَنْ عَنْهُ مؤلَّفهُ يُنْبي
بِرَسْمِ وحِيدِ الدهْرِ مَنْ عَمَّ عدلهوسَارتْ به الرُّكْبَانُ في الشرق والغرب
سَلِيل الحسامِ اللوذعي الذي غَدَتْله عَزْمَة أمْضَى من الصارم والعَضْب
أجَل مَوَالي الروم مَنْ جود جُودِهِعلى أمَدِ الأيام أجْدَى من السحُّب
ومَنْ شُرفَتْ شَهباؤُنا بقدومِهِوتاهَتْ به عُجْباً على السبْعَة الشهُب
ومَنْ فرَّجَتْ أيامُهُ كُلَّ كُرْبَةٍفصار اسمها في الناس فَراجَة الكَرْب
فلا زالَ مَخْدومَ الأفاضلِ مَوْرِدالفضائلِ مقصودا على البُعْد والقْربِ
ثم ورد ما قاله صاحب النسب النبوي، الأمجد السيد محمد التَّقَوى، وهو:
أسحْر بابلَ أمْ ذي نَسْمة السَّحَرِسَرَتْ عن الشحُرِ أم عِقْد من الدُّرر
أمْ غرةُ في جبينِ الدَّهْرِ شادِخةُأمْ غادَةُ فَتَنَتْ بالدَّلُ والحَوَرِ
أم البَديعيّ أبدَى بِنْتَ فِكْرَتِهِبكل مَعنًى رفيق اللفظِ مُبْتَكَرِ
راقت صَفاءً ورَقَّتْ كُلُّ حاشيةٍمِنْها وَدقَتْ مَعَانيها على الفِكَرِ
كأنَّهَا مِنْ عَصَا مُوسى قد اكتسبتفلَمْ تدَعْ للسوي صُنْعاً ولمْ تَدَرِ
تَضَمَّنَتْ نظم أخْبار قد انتثرتْلابن الحسين بليغِ البدو والحَضَرِ
ودُونَتْ باسْمِ مَوْلانا بزغَتْيُوحُ العَدَالة في أيامِه الغُرَرِ
نجل الحُسام الذي ماضِي عزيمتهفي المشكلاتِ يُرى أمْضَى مِنَ القَدرِ
مَوْلًى كريم السجايا من خلائقهتخلَّقتْ نسماتُ الروض في السَّحَرِ
لو كان للزُّهْرِ من الألاء سُؤدُدِهجُزْءُ لما احتجبتْ يوماً عن النَّظَرِ
طالتْ مدائحُه من كل ذي أدبوهل تطولُ يدُ للأنجم الزُّهُرِ
وإن يُقصّرْ مَدِخي عن عُلاهُ فكَمْقد انثنى مادحُ بالعيّ والحَصَرِ
أضمرتُ ذكرَ اسمِه في طِيّ مِدْحتِهِإذ كان أشهرَ في الدنيا من القَمَر
يا من فضائلهُ من كل ذي بَصرفي الشرق والغرب مِلء السمع والبصَرِ
أبقيْتَ ذكرا بما أسديتَ في حَلَبٍكالذكر نَتْلُوهُ في الآصال والبْكَرِ
ثم ورد ما قاله حمادي الرواية وثعالبي الدراية، صاحبنا الشيخ عبد القادر الحموي وهو:
يتألف مولانا البديعي يُوسفِتجدّد ما لابن الحسين من الفضلِ
تحلَّى به جيدُ الزمانِ وأصبحتْله نَضْرَةُ كالروض غُودِي بالطَّلِ
وقد زيدَ حُسناً أنه صيغَ باسم مَنله قلمُ ما زالَ أمضى من النصلِ
يذكرنا ياقوتَ أدنى حروفهِوكل مثال منه جَلَّ عن المثلِ
سما ربُّه كنز الهداية والحجاسماءَ العُلا والمجد والفضل والبَذْلِ
حليفُ التقَى نجلُ الحسام الذي زهْتبه حلبُ الشهباءُ والأبُ كالنَّجْل
وزحزح عنا ظلمة الظلم وانتضىعلى عاتق العُدْوان سيفا من العَدْل
وأبدى بها بدر الفضائل بازغاومِنْ قَبله قد كان في سُدَف الجَهل
ومِن قبله والله لم نَرَ قاضياله سطوةُ الضِرّغام في ورع الشِبْلِي
هذا ما اخترناه من التقريضات، ولولا خوف الإطالة لذكرناها جميعاً، فإنه لم يبق فاضل ولا شاعر من أبناء الشهباء، ولا من غيرها المقيمين بها إلا وقد كتب تقريضاً، ومدح به جناب المولى أيده الله تعالى، مساعداً لنا في مدحه، لقصورنا عن شكر ما أسداه لنا، وما يسديه، فلا زالت الأفاضل تحت ظلال جوده قائلة، وألسنة الأقلام على أمد الليالي بالإفصاح من محامده قائلة، ولا برحت قلوب أعاديه من هبته خافقة، ورايات عدله المنصورة بالشرائع خافقة. وهذا دعاء يشمل كل إنسان، فيجب أن ينطق به كل إنسان.
وقد تم ووقع من نسخه، من نسخة أصله على يد الفقير الراجي عفو ربه الكريم المنان حسين ابن الحاج عثمان الحلبيّ، غفر الله زلله، وختم بالصالحات عمله، وذلك في اليوم السابع من شهر رجب الفرد، من شهور سنة أربعة وخمسونوألف، أحسن الله ختامه. والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
ترجمة المصنف
يوسف المعروف بالبديعي، الدمشقي الأديب، الذي زين الطروس برشحات أقلامه، فلو أدركه البديع، لاعتزل صنعة الإنشاء والقريض، عند استماعه نثره ونظامَه.
خرج من دمشق في صباه، فحل في حلب، فلم يزل حتى بلغ الشهرة الطنانة في الفضل والأدب. وألف المؤلفات الفائقة، منها كتابة الموسوم) بالصبح المنبي، عن حيثية المتنبي (، وهو كتاب جم الفائدة، وله كتاب) الحدائق (في الأدب. ولما رأى كتاب) الريحانة (، عمل كتاب) ذكرى حبيب، فأحسن وأبدع، وأطال وأطاب، وأعرب عن لطافة تعبيره، وحلاوة ترصيعه، وتمكنه من الاطلاع، إلا أنه لم يساعده الحظ في شهرته، فلا أعلم له نسخة إلا في الروم، كانت عند أستاذي المرحوم شيخ العزتي، ونسخة عندي، وكان ألف كتابه) الصبح (باسم شيخ الإسلام، عبد الرحمن بن الحسام، إذ كان قاضياً بحلب، وكان يميل إلى البديعي ويقربه. ولما ولي قضاء الشام، كان في خدمته أيضاً، وله في مدائح كثيرة، وشعر كثير، أوردت له منه في كتابي) النفحة (ما فيه مقنع. وأخبرني والدي أن البديعي، كتم قد ولي قضاء الموصل في آخر عمره، ووصل بعدها إلى قسطنطينية، فتوفي بها في ثلاث وسبعين وألف.
نقلت من آخر تاريخ الأمين الدمشقي.
جاء في الصفة التالية لصفحة الترجمة السابقة بخط دقيق جميل:) هذا الكتاب عندي بطريق العارية، للأكمل الشيخ محي الدين التافيّ، وذلك في غرة جاء سنة (.
النص من طبعة المطبعة العامرة الشرفية بالقاهرة (١٣٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع