من «الصبح المنبي عن حيثية المتنبي» ليوسف البديعي (ت ١٠٧٣هـ)
أخبار المتنبي (٨)
وقال:
مِسكيَّة النَّفحَات إلا أنهاوحشية بسواهُمُ لا تَعْبَق
ذكر ما ينعى علي بن أبي الطيب من معايب شعره ومقابحه.
ومن ذا الذي تُرضى سجاياه كلهاكفى المرءَ نُبلا أن تُعَدَّ معايبه
ثم نقفي على آثارها بذكر محاسنه، وسياق بدائعه وفرائده.
فحسن دراريّ الكواكب أن ترىطوالعَ في داج من الليل غيهب
فمنها قبح المطالع، وحقها الحسنُ والعذوبة لفظاً، والبراعة والجودة معنى، لأنها أول ما يقرع الأذن ويصافح الذهن، فإذا كانت حاله على الضد، مجه السمع، وزجه القلب، ونبت عنه النفس،
وجرى أمره على ما تقول العامة: أول الدَّن دردي.
ولأبي الطيب ابتداءات ليست لعمري من أحرار الكلام وغرره، بل هي كما نعاها عليه العائبون مستشنعة مستبشعة، لا يرفع السمع لها حجابه، ولا يفتح القلب لها بابه، كقوله:
هذي برزْتِ لنا فهجت رَسيِسَاثم انصرفتِ وما شَفَيْتِ نَسيِسَا
فإنه لم يرض بحذف علامة النداء من هذي، وهو غير جائز عند النحويين حتى ذكر الرسيس. والنسيس، فأخذ بطرفي الثقل والبرد، كقوله:) أوه بديلُ من قولتي واها (وهو برقية العقرب أشبه منه بافتتاح كلام في مخاطبة ملك، وكقوله وهو مما تكلف له للفظ
المتعقد، والترتيب المتعسف لغير معنى بديع، لا يفي شرفه وغرابته بالتعب في استخراجه، ولا تقوم فائدة الانتفاع به بإزاء التأذى باستماعه:
وفاؤكما كالربع أشجاه طاسُمهبأن تُسعدا والدمعُ أشفاه ساجِمُهْ
وكقوله في استفتاح قصيدة في مدح ملك يريد أن يلقاه بها أول لقيه:
كفى بك داءً أن ترى الموت شافياوحسبُ المنايا أن يكن أمانيا
وفي الابتداء بذكر الداء والموت والمنايا ما فيه من الطيرة التي تنفر منها السوقة فضلا عن الملوك.
حكى الصاحب قال: ذكر الأستاذ الرئيس يوما الشعر فقال: إن أول ما يحتاج فيه إليه حسن المطلع، فإن ابن
أبي الثياب أنشدني في يوم نوروز قصيدة ابتداؤها:
أقبر وَمَا طَلَّتْ ثراكَ يدُ الطَّلّ
فتطيرت من افتتاحه بالقبر، وتنغصت باليوم والشعر، فقلت له: كذاك كانت حال أبي مقاتل الضرير، لما أنشد مخدومه الداعي إلى الحق العلوي الثائر بطبرستان، وهو الحسن بن زيد بن محمد، من أولاد زيد بن علي، واستولى على طبرستان وما يليها، في خلافة المستعين، ويسمى بالداعي
الأكبر، وقد ولى الأمر بعده الأمر بعده أخوه محمد بن زيد، إلى أن قتل بجرجان
موعد أحبابك بالفرقة غد
أغضبه التفاؤل بهذا الافتتاح، وقال له: بل موعد أحبابك يا أعمى ولك المثل السوء.
ودخل أيضاً على الداعي يوم المهرجان، وأنشده:
لا تَقلْ بشرى ولكن بُشريانغُرَّةُ الداعي ويومُ المِهْرجانْ
فإنه نفر من قوله:) لا تقل بشرى (أشد نفار، وتطير،، وقال: أعمى ويبتدئ بهذا في يوم مهرجان، وأمر بضربه خمسين سوطا، وقال: إصلاح أدبه أبلغ من ثوابه، ولما أنشد أبو نواس الفضل بن يحيى البرمكي قصيدته التي مدحه بها، وأولها:
أرَبْعَ البِلى إن الخشوعَ لباديعليك، وإني لم أخنك ودادي
تطير الفضل من هذا الابتداء، فلما انتهى إلى قوله:
سلام على الدنيا إذا ما فُقِدتُمبنى بَرْمك من رائحين وغادي
استحكم تطيره، ولم يمض أسبوع حتى نزلت بهم النازلة.
ولما فرغ المعتصم من بناء قصره بالميدان. جلس فيه، وجمع
أهله وأصحابه وأمرهم أن يخرجوا في زينتهم، فما رأى الناس أحسن من ذلك اليوم، فاستأذنه إسحاق بن إبراهيم الموصلي في الإنشاد فأذن له، فانشده شعراً حسناً، إلا أنه استفتحه بذكر الديار وعفائها، وقال:
يا دارُ غّيرك البِلى ومَحاكِياليتَ شِعري ما الذي أبكاك؟
فتطير المعتصم من ذلك، وتغامز الناس على إسحاق بن إبراهيم، كيف ذهب إلى مثل ذلك، مع معرفته وعلمه، وطول خدمته للملوك، ثم أقاموا يومهم، وانصرفوا، فما عاد منهم اثنان إلى ذلك المجلس، وخرج المعتصم إلى) سر من رأى (وخرب القصر.
وينبغي للشاعر إذا أراد ذكر دار في مديحه، فليذكر كما
ذكر أشجع السلمي حيث قال:
قصرُ عليه تحيةُ ويلامُخلعت عليه جمالها الأيامُ
وما أجدر هذا البيت بمفتتح شعر إسحاق بن إبراهيم الذي أنشده للمعتصم. وقصيدة أبي نواس التي أولها:
يا دارُ ما فعلت بك الأياملم يبق فيك لذاذةُ تُستامُ
من أشرف شعره، وأعلاه منزلة،
وهي مستنكرة الابتداء، لأنها في مدح الخليفة الأمين، هلا قال كما قال العماني:
على منبر العَلْياء جَدُّك يخطبُوللبلدة العَذْراء سيفك يخْطبِ
وافتتاح المديح بمثل ذكر الديار ودثورها يتطير منه ولا سيما في مشافهة الخلفاء والملوك والوزراء، وللاحتراز عن التطير، تأبى أهل الظرف إهداء
السفرجل إلى الأحباب، لاشتمال اسمه على) سفرجل (، فكيف لا يلومون مهيارا الديلمي على قوله:
وإنكْ مدْخور لإخياء دولةِإذا هي ماتت كان في يديك النشر
وهل خلع هارون على كاتبه إذا سأله عن شيء، فقال: لا وأيد الله أمير المؤمنين، إلا لأنه لم يسمع ما عليه الأغبياء فيما بينهم من ترك الواو في
مثل هذا الجواب.
قال الصاحب بن عباد: هذه الواو أحسن من واوات الأصداغ في خدود المرد الملاح. وسأل هارون المأمون عن جمع المسواك فقال: ضد محاسنك يا أمير المؤمنين؛ فأعجب به غاية الإعجاب. وسأل بعض الملوك كاتبه عن شجرة تراءت له، فقال: شجرة الوفاق، تفاديا من شجرة الخلاف،
ولما دخل ذو الرمة علي عبد الملك، وأنشده قصيدته التي أولها: ما بال عينيك منها الماء ينسكب وكانت عين عبد الملك تدمع، فتوهم أنه خاطبه، فقال له: ما سؤالك عن هذا يا بن الفاعلة؟ ومقته، وأمر بإخراجه، وكذلك قول البحتري وقد أنشد يوسف بن محمد قصيدته التي أولها:
لك الويل من ليل تقاصر آخره فقال له: لك الويل والّحَرب وكقوله أيضاً:
فؤاد ملاه الحزن حتى تصدعا
فإن ابتداء المديح بمثل هذا طيرة ينبو عنها السمع، ولو كانت في المرائي لحسن موقعها، وكذلك قول أبي تمام: تجَّرعْ أسىً قد أقفر الجَرَعُ الفْردُ
والذي ألقاه في هذه الورطة، التجنيس بين تجرع والجرع، ولما أنشد الأخطل عبد الملك بن مروان قصيدته التي أولها:
خفَّ القطينُ فراحوا منك أو بكروا
قال له عبد الملك: لا، بل منك، وتطير من قوله. ولما دخل أبو النجم علي هشام بن عبد الملك، وأنشده أرجوزة؛ منها في وصف
الشمس: كأنها في الأفق عين الأحوال.
وكان هشام أحول فأمر بإخراجه.
واعلم أن شروط الابتداء ألا يكون يتطير منه كما مر، ولا يمجه السمع، كقول أبي تمام:
قَدْك اتئِبْ أسرفتَ في الغُلواءِكم تعذُلون وأنتمُ سُجَرَائي
وكقوله:
تَقيِ جَمَحاتي لستُ طوعَ مُؤَنّبيوليس جنيبي إن عذلْتِ بِمصحبيِ
وكقول المتنبي:
أقَلُّ فَعالي بَلْهَ أكثُره مجدُوذا الجِدُّ فيه نلتُ أو لم أنل جَد
أيْ أقلُّ فعالي جِد، دعْ أكثره، وهذا الجدّ في المجد جَد، نلت أو لم أنلْ.
وكقوله:
كُفّى أرانِي وَيْنكِ لومَك ألْومَاهَمْ أقام على فؤاد أنْجَما
ومعنى هذا البيت هو ما قاله ابن جني لا غير. يقول للعاذلة كفى واتركي عذلي، فقد أراني هذا الهم لومك إياي أحق بأن يلام مني.
قال الصاحب: ومن عنوان قصائده التي تحير الأفهام، وتفوت الأوهام، وتجمع من الحساب مالا يدرك بالأرتماطيقي، وبالأعداد الموضوعة للموسيقا.
أحُادُ أم سُداسُ في أحادلُييْلُتنا المنَوُطَةُ بالتنادِ
وهذا كلام الحكل ورطانة الزط، وما ظنك بممدوح قد تشمر للسماع من مادحه، فصك سمعه بهذه الألفاظ الملفوظة، والمعاني المنبوذة، فأي هزة تبقى هناك؟ وأي أريحية تثبت هنا؟ وهذا البيت مدخول من وجوه: الأول: أن هذا البناء
لا يتجاوز رباع إلا نادرات. الثاني: أن أحاد لا تستعمل في موضع الواحد، وكذلك سداس، الثالث: حذف الهمزة من أحاد. قال الواحدي: وأكثروا في معنى هذا البيت، ثم لم يأتوا ببيان مفيد موافق للفظ وإن حكيت ما قالوا فيه طال الكلام، ولكني أذكر ما وافق اللفظ من المعنى، وهو أنه أراد: واحدة أو ست في واحدة،
إذا جعلتها فيها كالشيء في الظرف، ولم يرد الضرب الحسابي بسبع وخص هذا العدد، لأنه أراد ليالي الأسبوع، وجعله اسما لليالي الدهر كلها لأن كل أسبوع بعده أسبوع آخر، إلى آخر الدهر. يقول هذه الليلة واحدة، أم ليالي الدهر كلها. جمعت في هذه الواحدة، حتى طالت وامتدت إلى يوم القيامة؟ وهو قوله ليلتنا المنوطة بالتناد. هذا كلام فيه ما فيه لمن تأمله.
ومن ابتداءاته البشعة التي
تنكرها بديهة السماع قوله:
مُلِثَّ القطرِ أعطِشْها رُبوعَاوإلا فاسقِها السمَّ النقيعا
وقوله:
ثْلِثْ فإنا أيُها الطَّلَلُنبكي وتُرْزِمُ تحتنا الإبلُ
وقوله:
بقائي شاء ليس همُ ارتحالاوحسنَ الصبر زَموا لا الجمالا
قال الصاحب: ومن افتتاحاته
العجيبة قوله لسيف الدولة في التسلية عن المصيبة:
لا يحزُنِ اللهُ الأميرَ فإننيلآخذُ من حالاته بنصيب
قال الصاحب: لا أدري لم لا يحزن سيف الدولة إذا أخذ المتنبي بنصيب من حالاته؟ قلت: بلغ بغض الصاحب أبا الطيب إلى أن حرف بيته، واعترض،
وإلا فالصاحب أجل من أن يشتبه عليه مثل هذا، والمعنى لا أحزنه الله، فإنه إذا حزن حزنت ولقد أبدع في التلويح بالحزن، والنون في لا يحزن مكسورة، وهو دعاء، ومن هذه القصيدة البيت الذي أفسده حشوه وهو:
ولا فضلَ فيها للشجاعةِ والندىوصبر الفتى لولا لقاء شَعوبُ
وأجاب عنه بعض الشراح
جواباً غير مرضى.
ومنها إتباع الفقرة الغراء بالكلمة العوراء، والإفصاح بذلك في شعره عن كثرة التفاوت، وقلة التناسب، وتنافر الأطراف، وتخالف الأبيات، وما أكثر ما يحوم حول هذه الطريقة، ويعود لهذه العادة السيئة، ويجمع بين البديع النادر. والضعيف الساقط؛ فبينا هو يصوغ
حلى، وينظم أحسن عقد، وينسج أنفس وشي، ويختال في حديقة ورد، إذا به قد رمى بالبيت والبيتين في أبعاد الاستعارة، وتعويض اللفظ، وتعقيد المعنى إلى المبالغة في التكلف، والزيادة في التعمق، والخروج إلى الإفراط والإحالة، أو السفسفة والركاكة، أو التبرد والتوحش، باستعمال
الكلمات الشاذة، فمحا تلك المحاسن، وكدر صفوها، وأعقب حلاوتها مرارة لا مساغ لها، واستهدف لسهام العائبين، وتحك بأسنة الطاعنين، فمن متمثل بقول الشاعر:
أنت العروسُ لها جمالُ رائعلكنها في كل يوم تُصرع
ومن مشبه إياه بمن يقدم مائدة
تشتمل على غرائب المأكولات، وبدائع الطيبات، ثم يتبعها بطعام وضر، وشراب عكر، أو من يتبخر بالند المعشب، المثلث المركب من العود الهندي، والمسك الأصهب، والعنبر الأشهب، ثم يرنقه بإرسال الريح الخبيثة، ويفسده بالرائحة الردية، أو بالواحد من عقلاء المجانين، ينطق بنوادر الكلم،
وطرائف الحكم، ثم تعتريه سكرة الجنون فيكون أصلح أحواله، وأمثل أقواله أن يقول: اعذروني فان العذرة متعذرة. فمما نشر أبو الطيب من هذا النمط قوله:
أتراها لكثرة العُشَّاقتحسبَ الدمعَ خِلقَةً في المآقي؟
وهذا ابتداء ما سمع بمثله، ومعنى تفرد بابتداعه، لولا ما كدر
صفوه، وقبح حسنه وشفعه بما لا يبالي العاقل أن يسقطه من شعره، وهو قوله:
كيف تَرثى التي ترى كل جَفنراءها غيرَ جفنها غيرَ راقي
فبينما الذوق يستلذ حلاوة البيت الأول، إذ شرق بمرارة البيت الثاني، وقوله:
لياليّ بعد الظاعنين شُكولُطِوال وليلُ العاشقين طويلُ
يُبنَّ لي البدرَ الذي لا أريدهويخفين بدراً ما إليه سبيل
وما عشت من بعد الأحبة سَلوةًولكنني للنائبات حَمول
وما شرقي بالماء إلا تذكرالماءٍ به أهلُ الحبيب نُزُول
إلى أن قال:
يُحرَّمه لمعُ الأسنَّة فوقهفليس لظمآن إليه سبيلُ
من قصيدة اخترع أكثر معانيها، وتسهل في ألفاظها،
فجاءت مطبوعة مصنوعة، ثم اعترضته تلك العادة المذمومة فقال:
أغركمُ طول الجيوش وعرضُهاعلى شَروب للجيوش ولم يمنعك أنك فيل
ثم أتى بما هو أطم منه، فقال - وذكر الصاحب أنه من أوابده التي لا يسمع طول الأبد بمثلها:
إذا كان بعض الناس سيفاً لدولةففي الناس بُوقاتُ لها وطُبولُ
فإن تكن الدَّولات قسما فإنهالمن ورد الموتَ الزؤامَ تَدولُ
قال الصاحب قوله: الدولات وتدول من الألفاظ التي لو رزق فضل السكوت عنها لجاز. وقال من قصيدة جمع فيها بين الشذرة والبعرة والدرة والآجرة:
لك يا منازلُ في القلوب منازلُاقفرت أنتِ وهن منك أو أهلُ
وهذا ابتداء حسن، ومعنى لطيف، ثم قال:
وأنا الذي اجتلب المنية طرفُهفَمَن المُطالبُ والقتيلُ القاتلُ
وهو وإن كان مأخوذاً من قول دعبل:
لا تطلبا بظلامتي أحداًطرفي وقلبي في دمي اشتركا
فإنه أخذ بأطراف الرشاقة والملاحة. ثم استمر في القصيدة فجاء بالتوسط المقارب، والبديع النادر، والرديء النافر، حيث قال:
ولذا اسم أغطيةِ العيون جفونهاُمن أنها عَمَل السيوفِ عواملُ
وهو معنى في نهاية الحسن واللطف لو ساعده اللفظ.
كم وقفة سجرتك شوقا بعدماغِرى الرقيبُ بنا ولجَّ العاذلُ
فلم يحسن موقع سجرتك، أي ملأتك، هكذا الرواية بالجيم ولو كانت بالحاء من السحر، لم يكن بأس، ثم قال وملح:
دون التعانق ناحلَيْن كشكَلْتَيْنصب أدقهما وضمَّ الشاكلُ
أي قريب بعضنا من بعض، ولم نتعانق خوف الرقيب، ثم قال وأحسن غاية الإحسان:
للهو آونةُ تمرّ كأنهاقُبَلُ يُزَودها حبيبُ راحل
جمع الزمانُ فما لذيذُ خالصمما يشوب ولا سرورُ كامل
حتى أبو الفضل بن عبد الله رؤيته المنى وهو المقام الهائل
قال ابن جني: وهذا خروج غريب ظريف حسن، ما أعرفه لغيره، يقول: إن المنى رؤيته إلا أن هيبته تهول، ثم قال فجمع أوصافا في بيت واحد:
للشمس فيه وللرياح وللسحا
.. ب وللبحار وللأسود شمائلُ
ثم قال وتحذلق وتبرد:
ولديه مِلْعقيان والأدب المُفادِ وملْحياةِ وملْممات مناهلُ
وإنما ألمّ في صدر هذا البيت بقول أبي تمام:
نأخذ من ماله ومن أدبه
ثم قال:
علامة العلماء واللجُّ الذيلا ينتهي ولكل لُج ساحلُ
ثم قال فأحال:
لو طاب مولد كل حي مثلَهوَلَدَ النساءُ وما لهن قوابل
قال القاضي أبو الحسن: إن طيب المولد لا يستغني به عن المقابلة، وإن استغني عنها كان ماذا؟ وأي فخر فيه؟ وأي شرف ينال به؟ ثم توسط وقارب، فقال:
ليَزدْ بنو الحسن الشَّرافُ تواضعاهيهات تكتم في الظلام مَشَاعِلُ
ستروا الندى ستر الغراب سِفادَهفبدا وهل يَخفَى الرَّباب الهاطل
ثم قال، وتوحش، وتبغض ما شاء الحاسد:
جَفَخت وهم لا يجخفون بها بهمشيِمُ على الحسب الأغرَ دلائلُ
ولفظة الجفخ مرة الطعم إذا مرت على السمع اقشعر منها، ويا لله العجب أليس أنها بمعنى فخرت، وهي لفظة حسنة رائقة،
ولو وضعت في هذا البيت موضع جخفت لما اختل شيء من وزنه، فأبو الطيب ملوم من وجهين: أحدهما أنه استعمل القبيح، والآخر أنه كانت له مندوحة عن استعماله فلم يعدل عنه، ومثل بيت أبي الطيب ما ورد في الحماسة لتأبط شراً حيث قال:
يَظل بمَوْمَاة ويُمسيَ بغيرهاجَحِيشاً وَيعْروري ظهورَ المهالك
فلفظ جحيش من الألفاظ المنكرة، وهي بمعنى فريد، فعليه من اللوم ما على أبي الطيب، وكذلك ورد قول أبي تمام:
قد قلت لما اطلخم الأمرُ وانبعثتعشواءُ تاليةً غُبْساً دهاريسا
فلفظة اطلخم من الألفاظ
المنكرة، وهي مع غرابتها غليظة في السمع كريهة على الذوق، وكذلك لفظة دهاريس، ثم قال:
يا افخرْ فإن الناسَ فيك ثلاثةمستعظمُ أو حاسدُ أو جاهلُ
أي يا هذا افخر، فحذف المنادي، وتباغض، وتبادي ثم قال:
لا تَجسُرُ الفصحاءُ تُنشد هاهنابيتاً ولكني الهزبْرُ الباسلُ
ما نال أهلُ الجاهلية كلهمشعري ولا سمعتْ بسحريَ بابلُ
ثم قال، وأرسله مثلا سائراً، وأحسن جدا:
وإذا أتتك مّذَمَّتي من ناقصفهي الشهادةُ لي بأني فاضل
ثم قال، وتعسف في اللفظ:
وأمَا وحقِك وهْو غايةُ مُقسمٍلَلْحقُّ أنتَ وما سواكَ الباطلُ
الطيب أنتَ إذا أصابك طيبُةوالماءُ أنَتَ إذا اغتسلتَ الغاسل
وتقدير الكلام: الطيب أنت طيبه إذا أصابك، والماء أنت غاسله إذا اغتسلت به، وإنما ألم
فيه بقول القائل:
وتزيدين طيب الطيب طيباًإن تمسّيه أين مثلك أينا؟
تذكرت بقول المتنبي: وإذا أتتك الخ. ما يحكى أن أبا العلاء المعري: كان في بعض الأيام حاضراً في مجلس الشريف المرتضى، فجرى ذكر المتنبي، فهضم المرتضى من جانبه، فقال المعري: لو لم يكن له من الشعر إلا قوله:
لك يا منازلُ في القلوب منازل
لكفاه، فغضب المرتضى، وأمر بإخراجه، وقال أتدرون ما عنى؟ فقالوا: لا. قال: عني به قول المتنبي: وإذا أتتك البيت.
ومن التلميح بهذا البيت ما حكاه صاحب الحدائق أن الفتح بن خاقان ذكر ابن الصائغ العقيان، فقال فيه: رمد عين الدين، وكمد نفوس المهتدين،
لا يتطهر من جناية، ولا يظهر مخايل إنابة. فبلغ ذلك ابن الصائغ، فمر يوماً على الفتح بن خاقان، وهو جالس في جماعة، فسلم على القوم، وضرب على كتف الفتح، وقال له: إنها شهادة يا فتح، ومضى. فلم يدر أحد ما قال إلا الفتح، فتغير لونه، فقيل له ما قال لك؟ فقال: إني وصفته كما تعلمون في قلائد العقيان، فما بلغت
بذلك عشر ما بلغ هو مني بهذه الكلمة، فإنه أشار بها إلى قول المتنبي: وإذا أتتك الخ. ومن التلميح ما قيل: إنه دخل على سيف الدولة بعض الشعراء فقال أيها الأمير: بماذا تفضل علي ابن عيدان السقا؟ قال لحسن شعره، فقال أيها الأمير. اختر أي قصيدة له حتى أعارضها، بأحسن منها، فقال
سيف الدولة: عليك بقصيدته التي أولها:
لعينيكِ ما يلقى الفؤادُ وما لقىوللحب ما لم يبق مني وما بَقى
فلم يرها من مختاراته، فأمعن النظر، فرأى في أثنائها:
بلغتُ بسيف الدولة النور رتبةًأنَرتُ بها ما بين غرب ومشرق
إذا شاء أن يلهو بلحية أحمقأراه غُباري ثم قال له: الحق
فامتنع عن معارضتها، وعلم قصد سيف الدولة.
قال ابن بسام في الذخيرة، إن أبا عبد الله بن شرف قال يوماً للمأمون ابن ذي النون أيام خدمته إياه، واستشفافه صبابة عمره في ذراه وقد أجروا ذكر أبي الطيب، فذهبوا في وصفه كل مذهب: إن رأى المأمون) لا فارق العزة والعلاء (أن يشير إلى أي قصيدة شاء من شعر أبي الطيب حتى أعارضه بقصيدة تنسى اسمه، وتعفى رسمه، فتثاقل ابن ذي النون عن جوابه علما بضيق جنابه، وإشفاقاً من فضيحته وانتشابه، وألح أبو عبد الله حتى أحرج ابن ذي النون، وأغراه، فقال له: دونك قوله:
لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقى
فخلا بها ابن شرف أياماً فوجد مركبها وعراً ومريرتها شزرا، ولكنه أبلى عذراً، وأرهق نفسه من أمرها عسراً؛ فما قام ولا قعد، ولا حل ولا عقد. وسئل ابن ذي النون بعد. أي شيء أقصده إلى تلك القصيدة؟ فقال: لأن أبا الطيب، يقول فيها: بلغت بسيف الدولة النور رتبة، وأنشد البيتين. قال ابن بسام وقد حدثت أيضاً أن أبا علي بن شيق ناجي نفسه بمعارضة أبي الطيب في بعض أشعاره، وراطن شيطانه بالدخول في مضماره، فأطال الفكرة، وأعمل النظرة بعد النظرة، فاختار من شعره ما لم يطر ذكره، ولا انحط قدره، فأداه جهده، وذهب به نقده، إلى معارضة قوله:
أمن ازديارك في الدجى الرقباء
فبث عيونه، واستمد شياطينه، فلم يدع ثنية إلا طلعها، ولا دوية إلا اتسع لها، فوسعها، ثم صنع قصيدة رأى أنها مادة طبعه، ومنتهى طاقة فنه ووسعه، ثم حكم نقده، ورضى ما عنده، فرأى أن قد قصرت يداه، وقصر مداه، وعلم أن الإحسان كنز لا يوجد بالطلب.
ومن التلميح ما كتبه العلامة عماد الفضائل والآداب سمى من ألف برسمه هذا الكتاب إلى مضاهيه ومثليه، ورسيله في الفضل وزميله، شيخنا النجم الذي بنوره تشرق الدجنة، وأرسله من دمشق إلى حلب مع هدية، من جملتها أديب عليه سيمياء
أهل الجنة:
أنجم الدين مَنْ مَلك القلوبافقلبي في حِماه لن يثوبا
أخي فكأنَّ أمّضا أرضعتنامعا في الشام أو حَلَب الحليبا
ومَنْ لي بعادي عنه همُعسى ألقى له فرجا قريبا
لقد أهديتُ قاضينَا إليكملينشدكم من الشعر الغريبا
ولطُفك ليس يُنكر في الهداياعلى من زاركم فيها أديبا
فلا زالتْ ديارُك مشرقاتولا دانيتَ يا نجم الغروبا
والتلميح إلى الأديب الذي ذكره أبو الطيب المتنبي في قصيدته التي يمدح بها علي بن سيار بن مكرم التميمي، وأولها:
ضروب الناس عشاق ضروبافأعذرهم أشفهمُ حبيبا
ومنها:
اعزمي طال هذا الليلُ فانظُرْأمنكَ الصبحُ يَفْرَقُ أن يئوبا
كأنَ الفجرَ حِبُ مُستزارُيُراعي من دُجُنته رقيبا
كأن نجومه حَلْىُ عليهوقد حُذيِتْ قوائمه الجَبُوبا
كأن الجوَّ قاسى ما أقاسيفصار سوادهُ فيه شُحوبا
كأن دُجاه يجذبها سُهاديفليس تَغيبُ إلا أن يَغيبا
الضمير في: ليس تغيب يعود إلى دجاه، وهي جمع دجية، وفي: إلا
أن يغيبا يعود إلى سهادي. ومنها:
أقَلبُ فيه أجفاني كأنيأعُدَّ به على الدهر الذُّنوبا
وما ليلُ بأطول من نهاريظلُ بلحظ حُسادي مَشوبا
مأخوذ من قول امرئ القيس:
فقلت له لما تَمطىَّ بصُلْبهوأردف أعجازاً وثاء بكلكل
إلا أيها الليل الطويل ألا انجلىبصبح، وما إلا صباح منك بأمثل
ولو لم يكن لأبي الطيب إلا هذه الأبيات، لاستحق أن يتقدم بها على كل من تكلم بقافية، ومنها:
أيا من عاد روحُ المجدِ فيهوعاد زمانهُ البالي قشيبا
تَيَمَّمَني وكيلكُ مادحاً ليوأنشدني من الشعر الغريبا
قال أبو الحسن علي بن أحمد: سمعت الشيخ أبا المجد كريم بن الفضل قال: سمعت والدي أبا
بشر قاضي القضاة قال: أنشدني أبو الحسن الشامي الملقب بالمشوف المعلم قال: كنت عند المتنبي فجاء هذا الوكيل، فأنشده هذه الأبيات وهي:
فؤدي قد انصدعوضِرسي قد انقلع
وعَقْلِلي لِلَيْلَتيقد انهوى وما رجع
يا حبَّ ظبي غَنجٍكالبدر لما أن طلع
رأيته في بيتهمن كُوَّة قد اطّلعْ
فقلت تِهْ تِهْ وتِهفقال لي مُرّ يا لُكعَ
هات قِطَعْ ثم قِطعِثم قِطَعْ ثم قِطعْ
وضع بكفيّ ففيّحتى أدعكك يضع فَضَعْ
فهذا الذي عناه بقوله، وأنشدني من الشعر الغريبا،
ثم قال المتنبي:
فآجرك الإلهُ على عليلٍبعثتَ إلى المسيح به طبيبا
ولستُ بمنكر منك الهداياولكن زدتَني فيها أديبا
فلا زالت ديارك مشرقاتولا دانيت يا شمس الغروبا
ومما يندرج في هذا الباب، ما ذكر في بعض كتب الآداب، وملخصه أن بعض الشعراء
ألجأته الضرورة، فقصد نادي بعض الوزراء، وحملته دقة حاله على أن تقاضاه في الطلب، واشتكى في زمانه كساد سوق العلم والأدب، وأنشده لأبي تمام:
أكابَرنا عطفا علينا فإننابنا ظمأ بَْحُ وأنتمْ مناهلُ
فأعرض عنه، ولم تجده الوسائل، ثم قال له من القائل؟
الحبُّ ما منع الكلامَ الألسناوألذُّ شكوى عاشق ما أعلنا
فقال: هو للذي يقول:
بِنَّا فلو حَلَّيتْنَا لم تَدْرِ ماألواننا مما امتُقعِن تلوّنا
والبيت الذي أنشده الوزير مطلع لأبي الطيب المتنبي، ومراده التلميح إلى قوله في أثناء هذه القصيدة:
وانْهَ المشير عليك فَّي بِضَلَّةفالُحرُّ ممتحَنُ بأولاد الزَّنا
فلما علم ما قصده الوزير ذلك الشاعر أجابه بالبيت الثالث من القصيدة، ومراده التلميح إلى بيت ثالث من مقصده، وهو:
ومكايدُ السفهاءِ واقعةُ بهموعداوةُ الشعراء بئس المُقْتَنَى
وكان الوزير مغرما بابنة السلطان، وقد بدا من شأنهما
ما نقلته الركبان، فتوسل ذلك الشاعر إلى أن أوقف أباها على جلية الخبر واستفهم عنه، فإذا هو أظهر من القمر، وكأن أجل ذلك الوزير قد دنا، فقتل،
النص من طبعة المطبعة العامرة الشرفية بالقاهرة (١٣٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع