من «الصبح المنبي عن حيثية المتنبي» ليوسف البديعي (ت ١٠٧٣هـ)
أخبار المتنبي (٢)
ولو برز الزمانُ إلىّ شخصاً
.. لَخضَّب شعر مَفْرقة حُسامي
وما بلغت مَشيَّتها اللياليولا سارتْ وفي يدها زِمامي
إذا امتلأت عيونُ الخيل منيفويلُ في التيقظ والمنَام
فقلت: ذكرت أنك مرسل إلى هذه الأمة أفيوحي إليك؟ قال: نعم. قلت: فاتل على شيئاً مما أوحى إليك، فأتاني بكلام ما مر بسمعي أحسن منه، فقلت: وكم أوحى إليك من هذا؟ فقال: مائة عبرة وأربع عشرة عبرة قلت: وكم العبرة؟ فأتى بمقدار أكبر الآي من كتاب الله تعالى. قلت: في كم مدة أوحى إليك؟ قال: جملة واحدة. قلت أسمع في هذه العبرات أن لك طاعة في السماء، فما هي؟ قال: أحبس المدرار لقطع أرزاق العصاة والفجار، قلت: أتحبس في السماء مطرها؟ قال: إي والذي فطرها! أما هي معجزة؟ قلت: بلى والله! قال فإن حبست المطر عن مكان تنظر إليه ولا تشك فيه،
هل تؤمن بي وتصدقني على ما أوتيت من ربي؟ قلت: إي والله قال سأفعل، ولا تسألني عن شيء بعدها حتى آتيك بهذه المعجزة، ولا تظهر شيئاً من هذا الأمر حتى يظهر، وانتظر ما وعدته من غير أن تسأله. ثم قال لي بعد أيام أتحب أن تنظر المعجزة التي جرى ذكرها قلت: إي والله، فقال لي: إذا أرسلت إليك هذا العبد فاركب معه، ولا تتأخر، ولا تخرج معك أحداً، قلت: نعم. فلما كان بعد أيام تغيمت السماء في يوم من أيام الشتاء، وإذا عبده قد أقبل، فقال: يقول لك مولاي اركب للموعد. فبادرت إلى الركوب معه، وقلت أين ركب مولاك؟ قال إلى الصحراء، واشتد وقع المطر، فقال: بادر بنا حتى نستتر من هذا المطر مع مولاي، فإنه ينتظرنا بأعلى تل لا يصيبه
فيه المطر. قلت وكيف عمل؟ قال أقبل إلى السماء أول ما بدا السحاب الأسود، وهو يتكلم بما لا أفهم ثم أخذ السوط، فأدار به في موضع ستنظر إليه، وإذا هو على تل بعيد عن البلد نصف فرسخ، فأتيته فإذا هو على التل، ولم يصبه من ذلك المطر شيء، وقد خضت في الماء إلى ركبة الفرس، والمطر في أشد ما يكون، ونظرت إلى نحو مائتي ذراع في مثلها من ذلك التل ما فيه قطرة مطر، فسلمت عليه، فرد على السلام. فقلت: أبسط يديك أشهد أنك رسول الله... فبسط يده فبايعته بيعة الإقرار بنبوته ثم قال:
أيَّ محل ارتقى؟أيّ عظم أتقى؟
وكلُّ ما قد خلق اللهـ وما لم يخلق
مُحتقرُ في همتي
.. كشعرة في مَفْرق!
وأخذت بيعته لأهلي، ثم صح بعد ذلك أن البيعة عمت كل مدينة في الشام، وذلك بأصغر حيلة تعلمها من بعض العرب وهي صدحة المطر يصرفه بها عن أي مكان أحب بعد أن يحوي بعصاً، وينفث في الصدحة التي لهم.
قال أبو عبد الله: وقد رأيت كثيراً منهم بالسكون وحضرموت والسكاسك من اليمن يفعلون هذا، ولا يتعاظمونه، حتى إن أحدهم يصدح عن غنمه وإبله. وعن القرية فلا يصيبها شيء من المطر، وهو ضرب من السحر. وسألت المتنبي بعد ذلك هل دخلت السكون؟ قال: نعم أما سمعت قولي من قصيدتي التي أولها
مُلثَّ القَطر أعْطشْها ربُوعاوإلاّ فأسْقها السمَّ النقيعا
أمُنْسيَّ السَّكونَ وحَضْرموتاًووالدتي وكِندةَ والسَّبيعا
فقلت: من ثم استفاد ما جوزه على طغام أهل الشام.
ومن كلامه الذي كان يزعم أنه قرآن أنزل عليه:) والنجم السيار، والفلك الدوار، والليل والنهار، إن الكافر لفي أخطار امض على سننك، واقف أثر من كان قبلك من المرسلين؛ فإن الله قامع بك زيغ من ألحد في الدين، وضل عن السبيل (. ومما كان يمخرق به على أهل البادية أنه كان مشاء قوياً على السير، يسير سيراً لا غاية بعده، وكان عارفاً بالفلوات، ومواقع المياه، ومحال العرب بها. وكان يسير من حلة إلى حلة بالبادية، وبينهما مسيرة أربعة أيام، فيأتي ماء، فيغسل وجهه ويديه ورجليه، ثم يأتي أهل هذه الحلة فيخبرهم عما حدث في تلك الحلة التي فارقها ويوهم
أن الأرض تطوى له.
وسئل في تلك الأيام عن النبي ﷺ فقال: أخبر بنبوتي حيث قال: أنا لا نبي بعدي وأنا اسمي في السماء " لا ".
وعلى ذكر قرآن المتنبي نذكر ما قيل من أن أبا العلاء المعري عارض القرآن بكتاب وعنونه) بالفصول والغايات في مجاراة السور والآيات (فقيل له: ما هذا إلا جيد إلا أنه ليس عليه طلاوة القرآن. فقال: حتى تصقله الألسن في المحاريب أربعمائة سنة. وعند ذلك انظروا كيف يكون.
قال الباخرزي في الدمية: أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري التنوخي ضرير ماله في أنواع الأدب ضريب، ومكفوف في قميص الفضل ملفوف، ومحجوب خصمه الألد محجوج، وقد طال في ظلال الإسلام آناؤه، لكن ربما يترشح بالإلحاد إناؤه؛ وعندنا خبر بصره،
والله أعلم ببصيرته، والمطلع على سريرته، وإنما تحدثت الألسن بإساءته لكتابه الذي زعموا أنه عارض به القرآن وعنونه بالفصول والغايات، ومجاراة السور والآيات، وأظهر من نفسه تلك الخيانة وجذ تلك الهوسات كما تجذ العير الصليانة حتى قال القاضي أبو جعفر:
كلبُ عوى بمعرة النعمانلما خلا عن ربِقْة الإيمان
أمعرةَ النعمان ما أنجبتِ إذأخرجتِ منك مَعَرة العُمْيان
ومما ظهر من قرآن أبي العلاء: أقسم بخالق الخيل، والريح الهابة بليل بين الشرط ومطالع سهيل، إن الكافر لطويل الويل، وإن العمر لمكفوف الذيل، اتق مدارج السيل، وطالع التوبة من قبيل تنج وما إخالك بناج.
قال ابن سنان: وهذا الكتاب
إذا تأمله العاقل علم أنه بعيد عن المعارضة، وهو بمعزل عن التشبيه بنظم القرآن العزيز والمناقضة، وقد وضعه على حروف المعجم، ففي كل حرف فصول وغايات، فالغاية مثل قوله بناج، والفصل ما يتقدم الغاية، فيذكر فصلا يتضمن التمجيد والمواعظ، ويختمه بالغاية على حروف المعجم مثل تاج وراج وحاج، كالمخمسات والموشحات، وهذه فصول منه، وقد انتقدت عليه.
لبك نبيك الصادق، فأنظر ما يخبرنك ولا تخالفنه، وعليك سجية المؤمن، وشاكه فنه، ما أثق بخبر ينفيه اللب. غير الكلم بغض وحب. اتبع معقولك فإنه يهديك، ولا تكن شر تبيع. كيف أسفك على الغصون الناضرة هزها نسيم لطف فذبلن. لو صدقنا المخبر لوقع الجد، ولكن بان كذبه لمن يعقل، فما أطاق الناس الكلف، وبالله الواحد أتعوذ من شر الألسنة وما أجلن: من زعم أنه قد هدى فذلك هو المرء المتحير. ما لعماك لحاه الله مانت الصمد أخباره: أخبرك زعيم عن ربك فخطت بالكذب أخباره؛ من ربح من سوق الكذب فذلك المعروف خساره: قد غبر قليل العمر، وذهب في الباطل ساره أجعل معقولك دليلك. وأبرد بالنسك غليلك، وأحذر أن تهضم دليلك. رب حديث يستمع والعقل يخبرك ضده. عز مصور الأمم لم يثبت الفكر نده. العقل نبئ، والخاطر خبئ والنظر ربئ، ونور الله لهذه الثلاثة معين. القوة بك إله الجبارين. أخبر عنك فسمعت الخبر، وكيف يظهر سرك إلى المخلوقين، ومنحتني حسا يشهد أن أخبارهم أباطيل، فإذا صدقتها ألغيت ما منتحتنيه وإن كذبتها أفمعاقبي أنت برد ما دفعه المعقول؟ كيف أصدق ما نقله أبن دأب. نستغفرك وأنت الواحد، ما لعظمتك جاحد. أخبر بعض الناس عنك فكذب؛ وأنت أهل العظمة ما أوجه الكذبة وضاء. ما نقدر على ما يرضيك. لأنا لا نعرف غرضك، لكن العقل يخبر أن فعل الخير لوجهك. إن كتب كاتب على فليحفظ عن لساني وشفتي، أني أقر بالله فلا أجحده، وأستغفره وأوحده، وأشهد على أن كان ذنبي بخطأ وتفريط لا أحسم أملي من عفو الله العظيم، وأزدري نفسي من دون الأنفس، وقل ما أنظر إلى البشر بازدراء، ما أنطق وما أقول، في شأن الصمد ضلت العقول، ما يئست من كرمك ولا أبلست، ألست عبدك ألست؟ بلى، ولكني مسيء، فلا إله إلا أنت استغنيت بمعرفتك عن كل السفراء؛ الحمد لك إذ لم تنشر لي حديثاً في البشر كحديث العبري إذ فعل مع الكنة فعل غير سري. تلتمس. من ربك، وليس في الأنوار المشرقة شيء أعظم إنارة من حجاك.
ولما اشتهر أمره وشاع ذكره، وخرج بأرض سلمية من عمل حمص في بني عدي قبض عليه أبن على الهاشمي في قرية يقال لها كوتكين، وأمر النجار بأن يجعل في رجليه وعنقه قرمتين من خشب الصفصاف، فقال المتنبي:
زعم المقيم بكوتكين بأنهمن آل هاشم بن عبد مناف
فأجبتُه
مذ صرتَ من أبنائهمصارت قيودُهم من الصَّفصاف
ولما صار معتقلاً في الحبس كتب إلى الوالي:
بيدي أيها الأمير الأريبُلا لشيء إلا لأني غريبُ
أو لأمّ لها إذا ذكرتنيدم قُلب بدمعِ عينٍ يذوب
إن أكن قبل أن رأيتك أخطأت فإني على يديك أتوب
عائبُ عابني لديك ومنهخُلقتْ في ذوي العيوب العيوبُ
قيل: كان للوالي الذي حبس المتنبي ولد صغير فسمع به، فدخل لينظره، فرآه منزعجاً من القيود مضطرباً، فقال له: اصبر كما صبر أولو العزم من الرسل: وهذه موضوعة، لأنها نقلت عن أحد أبناء الخلفاء العباسية، وكتب إليه من السجن قصيدة يستعطفه بها أولها:
أيا خَدّد الله وردَ الخدودِوقدّ قدودَ الحسانِ القُدودِ
يقول في أثنائها في استعطاف ذلك الأمير والتنصل إليه مما اتُّهم به:
لقد حال بالسيف دون الوعيدِوحالت عطاياه دون الوعودِ
فأنجم أموالهِ في النحوسِوأنجم سُؤّاله في السعود
ولو لم أخفْ غيرَ أعدائهِعليه لَبشرتُه بالخلود
قيل: ولما وصل الوالي إلى هذا البيت وهو:
وبيض مسافرة لا يقمن لا في الرّقاب ولا في الغُمودِ
قال: لقد تصبب عرقا، وتقلب أرقاً حتى استنبط هذا المغني من قول أبي بكر النحوي المعروف ببرمة وهو:
وبيض تسافر ما إن تقيملا في الرقاب ولا في القُرُبْ
بطيء رضاهن لكنهاغداة اللقاء سِراعُ الغضبْ
إلى أن قال:
أمالك رقيّ وَمنْ شأنُههبات اللُّجَيْن وعتقُ العبيدِ
دعوتُك عند انقطاع الرجاء والموت مني كحبل الوريد
دعوتك لما براني البلىوأوهن رجليّ ثِقْلُ الحديد
وقد كان مشيهُما في النعالُفقد صار مشيهُما في القيود
وكنت من الناس في مَحْفلفها أنا في محفل من قرود
تعجل فيّ وجوبَ الحدودوحِدّي قبل وجوب السجودِ
أي إنما تجب الحدود على البالغ، وأنا صبي لم تجب علىّ الصلاة بعد ويجوز أن يكون صغر أمر نفسه
عند الوالي، لأن من كان ضبياً لم يظن به اجتماع الناس إليه للشقاق والخلاف. ومنها:
وقيل عدوتَ على العالمين بين ولادي وبين القُعودِ
فمالكَ تقبلُ زورَ الكلاموقدرُ الشهادة قدرُ الشهود
فلا تسمعنّ من الكاذبينولا تعبأنّ بِمحك اليهود
وكن فارقاً بين دعوى أردتودعوى فعلت بشأو بعيد
وفي جود كفيك ما جُدتَ ليبنفسي ولو كنتُ أشقى ثمودِ
وكتبت إلي أبي دلف سجان الوالي الممدوح بالقصيدة السابقة وقد بره في السجن:
أهونِ بطول الثَّواء والتَّلفِوالسجنِ والقيد يا أبا دلفِ
غيرَ اختيار قبلتُ بِرَّك ليوالجوعُ يُرضي الأسودَ بالجيِف
كن أيَّها السجن شئتَ فقدوطنتُ للموت نفسَ مُعتَرف
لو كان سكناي فيكَ منقصةًلم يكن الدُّر ساكنَ الصَّدفِ
والبيت الثاني مأخوذ من قول أبي على البصير:
ولكنّ البلاد إذا اقشعرتوصوَّحَ نَبتُها رُعِىَ الهشيمُ
ومنه أخذ المهلبي قوله:
وما كنتَ إلا كلحم مَيْتٍدعا إلى أكله اضطرارُ
والبيت الرابع يشابه قول أبي نصر الخبزأرزي:
حصلتُ منكم على ما ليس يُقنعنيوكيف يُقنعُ سوءُ الكيل والحشَفُ
وليس سُكنايَ نقصاناً لمنزلتيفيكم كما الدُّر لا يُزرى به الصدفُ
وأحسن ما قاله مسجون قولُ علي بن الجهم لما حبسه المتوكل:
قالتحُبستَ فقلتُ ليس بضائريحبسي وأيُّ مهند لا يُغمَد
أوما رأيت الليثَ بألف غِيلَهُكِبْراً وأوباشُ السباع تَرَدَّدُ
والنار في أحجارها مخبوءةُلا تُصطْلي إن لم تُثرها الأزنُدُ
والغيث يَحْظُره فما يُرىإلا وَرَيّقةُ يُراحُ ويَرْعُدُ
والبدر يدركه الظلام فتنجليأيامه فكأنه متجدد
والزاعِبية لا يقيم كعوبهاإلا الثقافُ وجذوة تتوقد
غِيَرُ الليالي بادياتُ عُوَّدوالمال عارية يفادُ فَيَنفذ
لا يُؤسنَّك من تَفَرُّج كرْبةٍخطب أتاك به الزمانُ الأنكد
فلكلّ حال مُعقِبُ ولربماأجلى لك المكروهُ عما يُحْمدُ
كم من عليل قد تخطاه الردىفنجا ومات طبيبةُ والعُوّدْ
صبراً فإن اليوم يُعقبه غَدُويدُ الخلافة لا تطاولها يدُ
والحبسُ ما لم تغشهُ لدنيةشنعاءَ نعم المنزل المُتَردَّد
لو لم يكن في الحبس إلا أنهلا تستذلك بالحجاب الأعبدُ
بيت يُجدّد للكريم كرامةوتُزار فيه ولا تزور وتُقْصد
ومنها:
أمن السَّويَّة يا بنَ عمّ محمدٍخصمُ تُقربُه وآخرُ تُبعدُ
إن الذين سعوا إليك بباطلأعداء نعمتك التي لا تُجْحدُ
شهدوا وغبْنا عنهم وتحكموافينا وليس كغائب مَنْ يشهدُ
لو يجمع الخُصْمانعندك مجلسُيوماً لبان لك الطريقُ الأقصدُ
والشمس لولا أنها محجوبةعن ناظريك لما أضاء الفرقد
وقال عاصم بن محمد الكاتب لما حبسه أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف:
قالوا حُبستَ فقلت خطب أنكدُأنحى عليّ به الزمانُ المُرْصدُ
لو كنتُ حرَّا كان سربي مطلقاًما كنت أحْبَس عَنوة وأقيد
لو كنتُ كالسيف المهند لم يكنوقتَ الكريهة والشدائد يُغمدُ
لو كنتُ كالليث الهصور لما رعتْفيّ الذئابُ وجذوتي تتوقد
من قال إن الحبس بيت كرامةفمكابرُ في قوله مُتجلد
ما الحبسُ إلا بيتُ كل مهانةومذلة ومكارة لا تَنفذَ
إن زارني فيه العدوُّ فشامتُيُبدي التوجع تارة وُيفنّد
أو زارني فيه الصديق فموجَعُيُذري الدموع بزفرة تَتردّد
يكفيك أن الحبس بيتُ لا ترىأحداً عليه من الخلائق يُحسد
تمضي الليالي لا أذوق لرقدةطَعما وكيف حياة من لا يَرْقد؟
في مُطْبق فيه النهار مُشاكلُللّيلِ والظلمات فيه سَرْمَد
قال أبو علي: قيل للمتنبي على من
تنبأت؟ قال على الشعراء. فقيل: لكل نبي معجزة فما معجزتك؟ قال: هذا البيت:
ومِن نكد الدنيا على الحرّ أن يَرىعَدُوّاً له ما من صداقته بُدُّ
وحكى أبو الفتح عثمان بن جني قال: سمعت أبا الطيب يقول: إنما لقبتُ بالمتنبي لقولي:
أنا تِرْبُ النَّدى ورَبُّ القوافيوسمام العدَا وغَيظُ الحسودِ
أنا في أمَّة تداركها اللهُ غريبُ كصالح في ثَمودِ
ما مُقامي بأرضِ نَحْلَةَ إلاكمقام المسيح بين اليَهودِ
قال أبو العلاء المعري في رسالة الغفران: وحدثت أن المتنبي كان إذا سئل عن حقيقة هذا اللقب، قال: هو من النبوة أي المرتفع من الأرض، وكان قد طمع في شيء قد طمع فيه من هو دونه؛ ثم قال: وقد دلت أشياء في ديوانه أنه كان متألهاً ومثل غيره من الناس متدلهاً. فمن ذلك قوله:
ولا قابلاً إلا لخالقه حُكْما
وقوله:
ما أقدر اللهَ أن يُخْزي بَريَّتهولا يُصَدَّقُ قولاً في الذي زعموا
ثم قال: وإذا رجع إلى الحقائق فنطق اللسان لا ينبي عن اعتقاد الإنسان، لأن العالم مجبول على الكذب والنفاق، ويحتمل أن يظهر الرجل بالقول تديناً، وإنما يجعل ذلك تزيناً.
ثم قال: وحدثت أن المتنبي كان يصلي بموضع بمعرة النعمان يقال له كنيسة الأعراب، وأنه صلى ركعتين، وذلك في وقت العصر. ويجوز أنه كان على سفر، وأن القصر له جائز.
ثم قال: وحدثت عنه حديثاً معناه أنه لما حصل في بني عدي، وحاول أن يخرج فيهم، قالوا له وقد تبينوا دعواه: هاهنا ناقة صعبة فإن قدرت على ركوبها أقررنا أنك مرسل، وأنه مضى إلى تلك الناقة وهي رائحة في الإبل، فتحيل حتى وثب على ظهرها، فنفرت ساعة، وتنكرت برهة، ثم سكن نفارها، ومشت مشى الممسحة وأنه ورد بها الحلة، وهو راكب عليها، فعجبوا له كل العجب، وصار ذلك من دلائله عندهم.
وحدثت أيضاً أنه كان في ديوان اللاذقية؛ وأن بعض الكتاب انقلبت على يده سكين الأقلام، فجرحته جرحاً مفرطاً، وأن أبا الطيب تفل عليها من ريقه وشدها، غير منتظر لوقته، وقال للمجروح: لا تحلها في يومك، وعد له أياماً وليالي، وأن ذلك الكاتب قبل منه، فبرئ الجرح فصاروا يعتقدون في آبي الطيب أعظم اعتقاد، ويقولون: هو كمحي الأموات.
وحدث رجل كان أبو الطيب قد استخفى عنده في اللاذقية أو في غيرها من السواحل، وأراد الانتقال من موضع إلى موضع، فخرج بالليل ومعه ذلك الرجل، ولقيهما كلب ألح في النباح ثم انصرف، فقال أبو الطيب لذلك الرجل وهو عائد: إنك ستجد الكلب قد مات. فلما عاد الرجل ألفي الأمر على ما ذكر.
ولا يمتنع أن يكون أعد له شيئاً من المطاعم مسموماً وألقاه وهو يخفي عن صاحبه ما فعل.
وقال له بعض الأكابر وهو في مدينة السلام: أخبرني من أثق به أنك قلت: أنا نبي، فقال: الذي قلته: أنا أحمد النبي.
قال أبو عبد الله ياقوت الرومي: ولم يزل المتنبي بعد خروجه من الاعتقال في خمول
وضعف حال في بلاد الشام، حتى اتصل بأبي العشائر ومدحه بعدة قصائد أولها:
أتُراها لكثرة العُشَّاقتحسَب الدمعَ خلْقَةً في المآقي
كيفَ تَرْثى التَّي تَرَى كُلَّ جفنراءها غيرَ جَفْنها غيرَ راقي
أنتِ منا فتنتِ نفسكِ لكنّك عُوفيتِ من ضَنى واشتياقِ
حُلتِ دون المزارِ فاليومَ لو زُرْت لحالِ النحولُ دون العِناقِ
ومنها في المديح::
وتكاد الظُّبي لما عَوَّدوهاتَنْتَضي نفسها إلى الأعناقْ
وإذا أشفق الفوارسُ من وَقْعِ القَنا أشفقوا من الإشفاقِ
ومنها القصيدة التي أولها:
لا تَحْسبوا رَبْعكُمْ ولا طَلَلَهأولَ حَيَّ فِراقُكم قَتَلةْ
قد تَلفَتْ قبلَهُ النفوسُ بِكمُوأكثَرتْ في هواكمُ العَذَلهْ
ومنها في المديح:
مسْتَحييَّا من أبي العشائر أنْأسْحَبَ في غير أرضه حُلَله
أسحَبُهَا عندَه لدى مَلكثيابُهُ مِنْ جَليسه خجلَهْ
وأراد أبو العشائر سفراً فقال عند وداعه ارتجالا قصيدة أولها:
الناسُ ما لم يروكَ أشباهُوالدهرُ لفظ وأنتَ معناهُ
والجودُ عينُ وفيك ناظرهوالناسُ باعُ وفيك يُمناهُ
ومنها:
تُنْشِد أثْوابنا مدائِحَهبألسن ما لهنَّ أفواه
إذا مرَرْنا عَلَى الأصَمّ بهاأغنتهُ عن مسْمعه عَيْنَاهُ
وأصل هذا المعنى لنُصْيب حيث قال:
فَعادوا وأثْنوْا بالَّذي أنت أهلُهُولو سَكَتُوا أثنتْ عليكَ الحقائبُ
وتبعه مُعَوَّج الرَّقي في قوله: قد أتتني من أبي العبَّ - اس يومَ المِهْرجانِ
خلِعُ تُثْنى عليهِ الدهْ - رَ مِنْ غيرِ لِسانِ وإذا تأمَّل المتأمل عَرَف الفرقَ بينهما وبين أبي الطيب.
ومنها:
سُبحانَ مَنْ خَارَ للَكواكب بالبُعد ولو نُلْنَ كن جَدْواه
لو كان ضوء الشموسِ في يدهلصاغَهُ جودُه وأفناه
يا راحلاً كل مَنْ يُودعهُمُوَدَّعُ دينهَ ودنياهُ
إن كان فيما تَراهُ من كرمفيكَ مزيدُ فزادكَ اللهُ
فأكرمه أبو العشائر، وعرف منزلته، وكان أبو العشائر والى إنطاكية من قبل سيف الدولة.
ولما قدم سيف الدولة إلى إنطاكية قدم المتنبي إليه، وأثنى عنده عليه، وعرفه منزلته من الشعر والأدب واشترط المتنبي علي سيف
الدولة أول اتصاله به أنه إذا أنشده مديحه لا ينشده إلا وهو قاعد؛ وأنه لا يكلف تقبيل الأرض بين يديه، فنسب إلى الجنون، ودخل سيف الدولة تحت هذه الشروط، وتطلع إلى ما يرد منه؛ وذلك في سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، ولما أنشده قصيدته التي أولها:
وفاؤكما كالربع أشجَاهُ طاسِمُهْبأن تُسْعدا والدمْعُ أشفاهُ ساجمةْ
وما أنا إلا عاشِقُ كُل عاشقٍأعقُّ خليليْه الصفيين لائمِهْ
وقد يتزيّا بالهوى غيرُ أهِلهويَستصْحِبُ الإنسانُ مَنْ لا يلائِمه
بَليِت بِليَ الأطلالِ إنْ لم أقفُ بهاوقوف شحيح ضاعَ في التْرب خاتمة
قيل: كان أبو العلاء المعري إذا ذكر الشعراء يقول: قال أبو نواس كذا، قال البحتري كذا، قال أبو
تمام كذا، فإذا أراد المتنبي قال: قال الشاعر كذا، تعظيما له. فقيل له يوماً: لقد أسرفت في وصفك المتنبي، قال: أليس هو القائل:
بَليِت بِليَ الأطلال إنْ لم أقفْ بهاوٌقوفَ شحيح ضَاع في التُرْبِ خاتمهُ
فقيل له: كم قدر ما يقف الشحيح على الخاتم؟ قال: أربعين يوماً فقيل له: ومِن أين علمت ذلك؟ قال: سليمان بن داود ﵉ وقف على طلب الخاتم أربعين يوماً. فقيل له: ومن أين علمت أنه بخيل؟ قال: من قوله تعالى:) وَهَب لي مُلكاً لا ينبغي لأحد من بعدي (وما كان عليه أن يهَب الله لعباده أضعاف مُلْكه! ومنها:
كئيباً تَوَقَّاني العواذُل في الهَوَىكما يَتَوقَّى رَيَّض الخيلِ حازمُهْ
قفيِ تَغْرَمِ الأولَى من اللَّحظ مُهجتيبثانية والمتلفُ الشيء غارمُهْ
وهذا من قول الخبزأرزي:
إلى كم أذلّ وأستعطفُوأنت تجورُ ولا تُنْصفُ
أيا يوسَف الحسنِ صِلْ مُدْنفاًمدامِعُهُ لم تَزَلْ تَذْرِفُ
أعيذكَ مِنْ ظالم غاشمسِوى الخلفِ في الوِعد لا يعرفُ
ولي مهجةُ أنت أتلفتهاَعليكَ غرامةُ ما تُتْلفُ
وبيت المتنبي فيه زيادة أكسبته حسناً.
ومنها:
سَقَاكِ وحيَّانا بِكِ اللهُ إنماعلى العيسِ نَوْرُ والخدُور كُماْمُه
وما حاجةُ الأظعانِ حولك في الدُّجىإلى قَمَرِ ما واجدُ لك عادمُه
وقال البُحْتُريّ في هذا المعنى:
أضَرَّتْ بضوءِ البدرِ والبدرُ طالعُوقامتْ مقامَ البدرِ لما تَغَيَّبا
وقال الخبزأرزي في هذا المعنى:
وما حاجة الرَّكبْ السُّراة إذا بَدَالهم وجهُهُ ليلا إلى طَلْعة البدر
وأنشد في مجلس المعتمد بن عباد اللخمي صاحب إشبيلية أعادها الله كما كانت قوله منها:
إذا ظفرتْ منكِ العيونُ بنظرةأثابَ بها مُعْي المَطيّ ورَازمه
فجعل المعتمد يردده استحساناً له، وكان في مجلسه أبو محمد عبد الجليل ابن وهبون الأندلسي فأنشد ارتجالاً:
لئن حاد شعر ابن الحسين فإنماتجيد العطايا
تنبأ عُجباً بالقريض ولو دَرَىبأنك تَرْوي شعرَه لتألَّها
ومنها في المديح:
له عسكراً خيل وطير إذا رَمىبها عسكراً لم تَبق إلا جَمَاجِمُهْ
أجلتها من كل طاغ ثيابهُومَوْطئهاُ من كل باغ ملاغِمُهْ
فقد ملَّ ضوءُ الصبح مما تُغيرُهوملَّ سوادُ الليل مما تزاحمه
ومل القنا مما تَدقّ صدورَهُوملَّ حديدُ الهند مما تلاطِمُهُ
سَحابُ مِن العِقْبانِ يِزحف تحتهاسحابُ إذا استسقت سقتها صوارمُه
واعترض على هذا البيت. أو سعيد العميدي، حيث قال: " لم يسمع بأن السحابة تسقى ما فوقها " وجوابه ظاهر. وهذا معنى حوى طرفي الإعجاب والإغراب وقد تجاذبته أفكار الشعراء، فمما جاء منه قول النابغة:
إذا ما غَزَا بالجيش حَلّق فوقهمعَصَائب طير تهتدي بعصائبِ
جوانحَ قد أيقنّ أنّ قبيلَهُإذا ما التقى الجمعان أولُ غَالبِ
وقال أبو نواس:
يتوخى الطير غَدْوَتَهثِقة باللَّحْمِ مِن جَزَرةْ
وقال مسلم بن الوليد:
قد عَوَّد الطير عادات وثقْن بهفهنَّ يَتْبَعْنهُ في كل مُرْتحل
وقد كرَّره أبو تمام في شعره؛ فمما جاء له منه:
وقد ظُلَّلتْ عِقْبانُ أعلامِهِ ضُحىبعقبان طير في الدماء نواهلِ
أقامتْ مع الرَّاياتِ حتى كأنهامن الجيشِ إلا أنها لم تقاتلِ
وقال
إذا ذمت الأعداءُ سوءَ صباحِهافليس يؤدّي شكرَها الذئب والنسر
وقد ذكر هذا المعنى قديماً وحديثاً وأورده بضروب من العبارات غير هؤلاء إلا أنهم جاءوا بشيء واحد لا تفاضل بينهم فيه إلا من جهة حسن السَّبك أو من جهة الإيجاز في اللفظ، ولم أر أحداً أغرب في هذا الطريق مع اختلاف مقصده إليها إلا مسلم بن الوليد، فقال:
أشْرَبْتَ أرواحَ العِدَا وقلوبهاخوفاً فأنُفسُها إليكَ تطيرُ
لو حاكمتْك فطالبتكَ بذحْلهاشهدتَ عليك ثعالبُ ونُسُور
وكذلك فعل أبو الطيب، فإنه لما انتهى الأمر إليه سلك هذه الطريقة التي سلكها من تقدمه، إلا أنه خرج فيها إلى غير المقصد الذي قصدوه، فأغرب وأبدع، وحاز الإحسان بجملته، فصار كأنه المبتدع لهذا المعنى دون غيره. فمما قال فيه:
يَفَدىّ أتمُّ الطير عمراً سلاحَهُنسوُر الملا أحداثُها والقشاعِمُ
وما ضَرها خَلقْ بغير مَخالبوقَدْ خُلِقَتْ أسيافهُ والقوائمُ
وقال في موضع آخر:
وذي لَجَب لا ذو الجناح أمامهبناج ولا الوحشُ المثارُ بسالم
تمر عليه الشمسُ وهي ضعيفةتطالعُهُ من بين ريش القشاعمِ
إذا ضَوْءها لاقى مِنَ الطير فُرْجةًتَدَوَّر فوق البَيْض مثلَ الدراهمِ
وهذه من أعاجيب أبي الطيب المشهودة، ولو لم يكن له من الإحسان في شعره غيرها لا ستحق بها فضيلة التقديم.
وقد تصرف في هذا المعنى أبو عامر بن أبي بن شهيد الأندلسي، فقال:
وتدري سِباعُ الطَّير إن كُماتَهُإذا لَقْيت صِيدَ الكماةَ سِباعُ
تَطيُر جِياعاً فوقه وتُردُّهاظُبَاه إلى الأوكار وهْي شَباعُ
وكذلك أخذه أبو بكر العطار. فغربه بعد الابتذال، فقال:
تظل سباعُ الطير عاكفة بهمْعلى جُثَث قد سَلَّ أنفسها الذُعْرُ
وقد عَوَّضتهم مِنْ قبور حواصلاًفيا من رأى ميتا يطير به قَبْرُ
وآخرُ القصيدة:
تُحاربُه الأعداءُ وهي عبادهوتُدَّ خر الأموالُ وهْي غنائمهْ
ويستكبرون الدهرَ والدهرُ دونهُويستعظمون الموتَ والموت خادمهْ
وإن الذي سمَّى عليَّا لمنصِفُوإن الذي سَمَّاه سيفاً لظالمه
وما كُلّ سيف يقطع حدُّهوتقطع لَزْبات الزّمان مكارمُه
حسن موقعه عنده وقربه وأجازه الجوائز السنية، ومالت نفسه إليه، وأحبه، فسلمه إلى الرواض، فعلموه الفروسية
والطراد، والمثاقفة.
وصحبسيف الدولة في عدة غزوات إلى بلاد الروم، ومنها غزوة الفنا التي لم ينج منها إلا سيف الدولة بنفسه، وستة أنفار أحدهم المتنبي، وأخذت الطرق عليهم الروم، فجرد سيف الدولة سيفه، وحمل على العسكر، وخرق الصفوف، وبدد الألوف. وحكى الرقي عن سيف الدولة قال: كان المتنبي يسوق فرسه، فاعتقلت بعمامته. طاقة من الشجر المعروف بأم غيلان فكان كلما جرى الفرس انتشرت العمامة، وتخيل المتنبي أن الروم قد ظفرت به، فكان يصيح الأمان يا علج قال سيف الدولة: فهتفت به وقلت: أيما علج؟ هذه شجرة علقت بعمامتك فود أن الأرض غيبته، فقال له ابن خالويه: أيها الأمير أليس
أن ثبت معك حتى بقيت في ستة أنفار تكفيه هذه الفضيلة؟ وحكى أن السري الرفاء حين قصد سيف الدولة أنشده بديهاً:
إني رأيتُكَ جالساً في مجلسقعد الملوكُ به لدَيْك وقامُوا
فكأنَّك الدهرُ المخيطُ عليهمُوكأنهم من حولك الأيامُ
ثم أنشده بعد ذلك ما كان قاله فيه من الشعر، وبعد ثلاثة أيام أنشده المتنبي قصيدة قافية، فأمر له بفرس وجارية، وأول القصيدة:
أيدري الربعُ أيَّ دم أراقاوأيَّ قلوب هذا الركب شاقاَ
لنا ولأهْله أبداً قلوبُتَلاقَى في جسوم ما تَلاَقى
وما عَفتِ الرياحُ له محلاّعفاهُ مَنْ حدا بهمُ وسَاقَا
فليتَ هوى الأحبة كان عَدْلافحمَّل كلَّ قلب ما أطاقَا
نظرتُ إليهمُ شَكْريفصارت كلها للدمع ماقا
وقد أخذ التمامَ البدْرُ فيهمْوأعطاني من السَّقَم المحاقا
وبين الفَرْع والقدمين نُورُيقود بلا أزمَّتها النَّيَاقاَ
وطَرْفُ إنْ سَقى العُشَّاق كأساًبها نَقْصُ سَقَانيِها دِهاقَا
قال فلما قال:
وخَصْرُ تثبتُ الأبصارُ فيهكأنَّ عليه منْ حَدَقٍ نِطَاقا
فقال السرى هذا والله معنى ما قدر عليه المتقدمون. وما يقال من أنه حم في الحال حسداً، وتحامل إلى منزله، ومات بعد ثلاث أيام، فلا صحة له، لأن السري مات بعد المتنبي وسيف الدولة. على أن السري قد استعمل هذا المعنى بقوله:
أحاطتْ عُيون العاشقين بخَصْرِهفهنَّ له دون النطاقِ نِطَاقُ
وحكى صاحب المفاوضة قال: كان سيف الدولة يميل إلى أبي العباس النامي الشاعر ميلاً شديداً إلى أن جاءه المتنبي، فمال عنه إليه، فغاظ ذلك أبا العباس، فلما كان ذات يوم خلا به وعاتبه وقال: أيها الأمير، لم تفضل على ابن عيدان السقا؟ فأمسك سيف الدولة عن جوابه، فلج وألح، وطالبه بالجواب فقال: لأنك لا تحسن أن تقول كقوله:
يعودُ من كل فتح غيرَ مفتخرٍوقد أغذَّ إليه غير محتفلٍ
فنهض من بين يديه مُغْضَباً، واعتقد ألا يمدحه أبداً. وأبو العباس هذا هو القائل: كان قد بقي في الشعر زاوية دخلها المتنبي، وكنت أشتهي أن أكون سبقته إلى معنيين قالهما ما سبق إليهما. أما أحدهما فقوله:
رَمَاني الدَّهُر بالأرزاءِ حتَّىفُؤادي في غشاء من نبال
فصرت إذا أصابتني سهامتكسرتِ النصالُ على النّصالِ
والآخر قوله:
في جحفلستر العيون غُبارهُفكأنما يُبْصرنَ بالآذانِ
واستنشد سيف الدولة أبا الطيب يوما قصيدته التي مدحه بها، وقد سار لبناء الحدث، وذكر إيقاعه بالدُّمُستق عليها وكشفه له، وقتله خلقاً من أصحابه وأسره صهره وابن بنته، وإقامته على الحدث إلى أن بناها، وذلك في يوم الثلاثاء لتسع خلون من رجب سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة، وأولها:
على قدر أهل العزم تأتي العزائمُوتأتي على قدر الكرامِ المكارمُ
وتعظُمُ في عينِ الصغير صِغارُهاوتصغر في عين العظيم العظائمُ
ومنها:
هل الحَدَث الحمراء تعرفُ لونَهاوتعلمُ أيُّ الساقِيَينْ الغمائم
سقَتْها الغَمامُ الغُرُّ قبل نزولهِفلما دَنَا منها سقتها الجماجمُ
بناها فأعْلىوالقنا يقرعُ القَنَاوموجُ المنايا حولها متلاطمُ
وكان بها مثلُ الجنون فأصبحتْومن جُثَث القتلى عليها تمائم
طَريدةُ دهرٍ ساقها فَرددْتهاعلى الدين بالخَطّى والدهر راغِم
تُفيتُ اللَّيالي كلَّ شيء أخَذْتَهوهن لما يأخذنَ منك غوارم
إذا كان ما تنويه فعلا مضارعاًمضى قبل أن تُلْقَى عليه الجوازم
وكيف ترجَّى الرومُ والروسُ هدمَهاوذا الطعنُ لها ودعائمُ
وقد حاكموها والمنايا حواكمُفما مات مظلومُ ولا عاش ظالمُ
أتَوْك يَجُرُّون الحديدَ كأنماسَرَوْا بجياد ما لهن قوائمُ
إذا بَرَقوا لم تُعْرف البيضُ منهمُثيابُهُمُ من مثلها والعمائمُ
خَميِسُ بشرق الأرض والغرب زحفهُوفي أذنُ الجوزاء منه زَمازمُ
تجمَّع فيه كلُّ لِسْن وأمَّةفما يُفْهمُ الحُدَّاثَ إلاّ التَّراجمُ
فلله وقتُ ذَوَّبَ الغشَّ نارُهُفلم يَبْق إلا صَارمُ أو ضُبَارمُ
تقطع ما لا يَقْطَعُ الدرْعَ والقناوفرَّ من الفُرْسان من لا يُصادم
وهذه الأبيات الأخيرة من أحسن ما قيل في الجيوش الكثيرة، وكذلك ورد قول أبي تمام من قصيدة يمدح بها المأمون:
فنهضتَ تسحبُ ذيلَ جيش ساقهُحُسنُ اليقين وقادهُ الإقدامُ
فنهضتَ تسحبُ ذيلَ جيش ساقَهُولهم بمُنْخَرق الفضاء زحامُ
ملأ المَلاَ عُصَباً فكاد بأن يُرَىلا خَلْفَ فيه ولا لَه قُدَّامُ
يقال: اثعنجرت العين دمعاً، واثعنجر دمعها، وهو انصباب الدمع وتتابعه، ولجب كثير الأصوات، والسلاف: المتقدمون، والملا مقصوراً: ما اتسع من الأرض.
وقال النابغة في عظم الجيش:
بَحْر يظل له الفضاء مُعَضَّلايَذَر الإكَام كأنهنَّ صحاريِ
ومعضل: من قولهم عضلت المرأة عند الولادة: إذا عسر خروج الولد.
وقال مالك المازني:
بجيش لُهَام يشغلُ الأرضَ جمعُهُعلى الطيَّر حتى ما يَجدن منازلاَ
وقال البحتري:
بجمع تَرَى فيه النهارَ قَبيلةًإذا سار فيه والظلامَ قبائلاً
وقال سَلم الخاسر:
وكتائب تغشى العُيون إذا جَرَىمَاءُ الحديدُ عليهمُ الرَّجْرَاجُ
وتفرقت زُرْقُ الأسنة فيهمُتسقى الحنايا ما لهنَّ مِزَاجُ
نزلتْ نجومُ الليل فوق رءوسهمولكل رأس كوكبُ وَهَّاجُ
وقال مُسلم:
في عسكر تشرَق الأرضُ الفضاءُ بهكالليل أنجُمُه القُضْبان والأسَلُ
ولما بلغ المتنبي إلى قوله:
وقفتَ وما في الموت شكُ لواقفكأنك في جَفْن الرَّدى وهْوَ نائمُ
تمرّ بكَ الأبطال كَلَمى هَزيمةًووجهُك وضَّاحُ وثغرُكَ باسِمُ
قال سيف الدولة: قد انتقدتهما عليك كما انتقد على امرئ القيس قوله:
كأنَي لم أركبْ جَواداً للذَّةولم أتبطَّنْ كاعباً ذات خَلْخال
ولم أسْبأ الزَّقَّ الرَّوي ولمَ أقُلْلخيلي كَرُى كَرَّةً بعد إجفالِ
ينبغي له أن يقول:
كأني لم أركَبْ جواداً ولم أقُلْلخيليَ كُرَّى كَرة بعد إجفالِ
ولَمْ أسْبأ الزقَّ الرَّويَّ للذَّةولم أتَبَطَّنْ كاعباً ذَاتَ خَلْخال
وكذلك كان ينبغي أن تقول:
وقفتَ وما في الموت شَكُ لواقفووجْهك وضَّاحُ وثَغْرك باسمُ
تمر بك الأبطالَ كَلْمَي هزيمةًكأنك في جَفْن الرَّدى وهْوَ نائِمُ
فقال المتنبي: إن صح أن الذي استدرك على امرئ القيس هذا هو أعلم بالشعر منه فقد أخطأ امرؤ القيس وأخطأت أنا، ومولانا يعلم أن الثوب لا يعلمه البزاز كما يعلمه الحائك لأن البزاز يعلم
جملته، والحائك يعلم تفاصيله، وإنما قرن امرؤ القيس لذة النساء بلذة الركوب للصيد، والشجاعة في منازلة الأعداء بالسماحة في شراء الخمر للأضياف للتضايف بين كل من الفريقين، وكذلك لما ذكرت الموت في صدر البيت الأول أتبعته بذكر الردى في آخره ليكون أحسن تلاؤماً، ولما كان وجه الجريح المنهزم عبوساً، وعينه باكية قلت: " ووجهك وضاح وثغرك باسم "، لأجمع بين الأضداد في المعنى. فأعجب سيف الدولة كلامُه.
قال ابن جنتي: حدثني أبو علي الحسين بن أحمد الفسوي قال: خرجت بحلب أريد دار سيف الدولة، فلما برزت من السور إذا أنا بفارس متلثم قد أهوى نحوي برمح طويل، وسدده إلى صدري، فكدت أطرح نفسي عن الدابة، فحسر لثامه، فإذا المتنبي وأنشد:
نثرتُ رءُوساً بالأحَيْدب منهمُكما نُثرتْ فوق العَروس الدراهم
ثم قال: كيف هذا القول؟ أحسن هو؟ فقلت: ويحك: قد قتلتني يا رجل. قال ابن جني: فحكيت هذه الحكاية لأبي الطيب بمدينة السلام، فعرفها، وضحك منها.
قال ابن بابك: حضر المتنبي مجلس أب أحمد بن نصر البازيار، وزير سيف الدولة، وهناك أبو عبد الله بن خالويه النحوي، فتماريا في أشجع السلمي وأبي نواس البصري؛ فقال ابن خالويه: أشجع أشعر، إذا قال في هارون الرشيد:
وعلى عَدَّوك يابنَ عمّ محمدرَصَدان: ضَوْءُ الصبح والإظلامُ
فإذا تَنَبَّه رُعْتَهُ وإذا غفاءسَلَّتْ عليه سُيُوفَكَ الأحلامُ
فقال المتنبي: لأبي نواس ما هو أحسن في بني برمك:
لم يَظْلمِ الدهرُ إذ توالتْفيهمْ مُصيباتُهُ درِاكَا
كانوا يُجيرون مَنْ يُعاديِمِنهُ فعاداهُمْ لِذاكَا
قال عبد المحسن علي ابن كوجك: إن أباه حدثه قال: كنتُ بحضرة سيف الدولة وأبو الطيب اللغوي، وأبو الطيب المتنبي، وأبو عبد الله بن خالويه النحوي، وقد جرت مسألة في اللغة تكلم فيها ابن خالويه مع أبي الطيب اللغوي، والمتنبي ساكت، فقال له سيف الدولة: ألا تتكلم يا أبا الطيب، فتكلم فيها بما قوى حجة أبي الطيب اللغوي، وضعف قول ابن خالويه.
فأخرج من كمه مفتاحاً حديداً
ليلكم به المتنبي، فقال له المتنبي: اسكت ويحك، فإنك أعجمي، وأصلك خوزي، فما لك وللعربية؟ فضرب وجه المتنبي بذلك المفتاح فأسأل دمه على وجهه وثيابه، فغضب المتنبي من ذلك، إذ لم ينتصر له سيف الدولة لا قولا ولا فعلا، فكان ذلك أحد أسباب فراقه سيف الدولة.
قال ابن الدهان في المآخذ الكندية من المعاني الطائية: إنه قال أبو فراس لسيف الدولة: إن هذا المتمشدق كثير الإدلال عليك، وأنت تعطيه كل سنة ثلاث آلاف دينار، عن ثلاث قصائد، ويمكن أن تفرق مائتي دينار على عشرين شاعراً يأتون بما هو خير من شعره، فتأثر سيف الدولة من هذا الكلام، وعمل فيه، وكان المتنبي غائباً، وبلغته القصة فدخل على
سيف الدولة، وأنشد:
ألا ما لسيفِ الدولةِ عاتبافَداه الورى أمضَى السيوف مَضارباَ
ومالي إذا ما اشتقتُ أبصرتُ دونَهتنائفَ لا أشتاقُهَا وسباسِبا
وقد كان يُدْني مَجْلسي من سمائهأحادِثُ فيها بدرَها والكواكبا
حنانَيْك مسئولا ولبّيك داعياًوحسبيَ موهوباً وحسبُكَ واهباً
أهذا جزاءُ الصدقِ إن كنتُ صادقاًأهذا جزاء الكذْب إنْ كنتُ كاذبا
وإن كان ذنبي كلَّ ذنب فإنهمحا الذَّنب كُلَّ المحو من جاء تائباَ
فأطرق سيف الدولة ولم ينظر إليه كعادته، فخرج المتنبي من عنده متغيراً، وحضر أبو فراس وجماعة من الشعراء فبالغوا في الوقيعة في حق المتنبي، وانقطع يعمل القصيدة التي أولها:
وأحر قلباهُ مّمن قلبه شَبِمُومَنْ بجسمي وحاليِ عنده سَقَمُ
وجاء وأنشدها، وجعل يتظلم فيها من التقصير في حقه كقوله:
مالي أكتَّمُ حُبَّا قدْ برى جَسدَيوتدَّعى حبّ سيف الدّولة الأممِ
إن كان يجمعنا حُبُ لغُرَّتهفليت أنَّا بقدر الحبّ نَقتسمُ
قد زرتُهُ وسيوفُ الهندِ مُغْمَدَةُوقد نظرتُ إليه والسيوف دَمُ
فهم جماعة بقتله في حضرة سيف الدولة؛ لشدة إدلاله وإعراض سيف الدولة عنه، فلما وصل في إنشاده إلى قوله:
يا أعدلَ الناسِ إلاّ في معاملتيفيكَ الخَصامُ وأنتَ الخَصْم والحَكمُ
فقال أبو فراس: مسخت قول دعبل واعيته وهو:
ولست أرجو انتصافاً منك ما ذَرَفَتْعيني دموعاً وأنتَ الخصمُ والحكمُ
فقال المتنبي:
أعيذُها نظراتٍ منكَ صادقةًأن تحَسَب الشحمَ فيمنْ شحمُه وَرَمُ
فعلم أبو فراس أنه يعنيه؛ فقال: ومن أنت يا دعي كندة حتى تأخذ أعراض أهل الأمير في مجلسه؟ فأستمر المتنبي في إنشاده ولم يرد إلى أن قال:
سيعلُم الجمعُ ممن ضمَّ مجلسُنابأنني خيرُ من تسعى به قَدَمُ
أنَا الذي نظر الأعمى إلى أدبيوأسمعتْ كلماتي مَن به صمَمُ
فزاد ذلك غيظاً في أبي فراس، وقال: سرقت هذا من عمرو بن عروة بن العبد في قوله:
أوضحتُ من طُرُق الآداب ما اشتكلتْدهراً وأظهرتُ إغرابا وإبداعاَ
حتى فتحتُ بإعجاز خُصِصْتُ بهللعُمْي والصَّمّ أبْصاراً وأسْماعاَ
ولما وصل إلى قوله:
والخيلُ والليلُ والبيْداء تعرفنيوالحرب والضرب والقرطاسُ والقلمُ
قال أبو فراس: وما أبقيت للأمير، إذا وصفت نفسك بالشجاعة والفصاحة، والرياسة والسماحة، تمدح نفسك بما سرقته من كلام غيرك وتأخذ جوائز الأمير؟ أما سرقت هذا من قول الهيثم بن الأسود النَّخَعي الكُوفّي المعروف بابن العريان العثماني، وهو:
أعاذلتني كم مَهمة قد قطعتُهُأليفَ وُحوش ساكناً غيرَ هائبِ
أنا ابن الفلا والطعنِ والضرب والسُّرَيوجُرْد المذاكي والقَنا والقواضَبِ
حليمُ وَقورُ في البوادي وهيبتيلها في قلب الناس بطشُ الكتائبِ
فقال المتنبي:
وما انتفاعُ أخيِ الدُّنيا بناظرهإذا استوتْ عندَه الأنوارُ والظُّلَمُ
قال أبو فراس: وسرقت هذا من مَعْقل العِجْلي، وهو:
إذا لم أُميَّز بين نورٍ وظُلْمةبعينيَّ فالعيَنان زُورُ وباطِلُ
ولمحمدبن أحمد بن أبي مرة المكي مثله، وهو:
إذا المرءُ لم يدركْ بعينيه ما يُرَىفما الفرق بين العُمْى والبُصَرَاء
وغضبَ سيف الدولة من كثرة مناقشته في هذه القصيدة، وكثرة دعاويه فيها، وضربه بالدواة التي بين يديه، فقال المتنبي في الحال:
إن كان سَركُمُ ما قال حاسدُنافما لجرْحٍ إذا أرضاكُمُ ألَمُ
فقال أبو فراس: أخذت هذا من قول بشار:
إذا رضيتُمْ بأن نُجْفَي وسَرَّكُمُقَولُ الوُشاةِ فلا شَكْوَى ولا ضَجَر
ومثله لابن الرومي وهو:
إذا ما الفجائُع أكسبنيرضاك فما الدهرُ بالفاجع
فلم يلتفت سيف الدولة إلى ما قاله أبو فراس، وأعجبه بيت المتنبي، ورضي، عنه في الحال، وأدناه إليه، وقَبَّل رأسه، وأجازه بألف دينار، ثم أردفهُ بألف أخرى، فقال المتنبي:
جاءْت دنانيرُك مختومةًعاجلةً ألفاً على ألْفِ
أشْبَهها فعلُكَ في فَيْلَققلبتَهُ صفاًّ على صَفَّ
وفي آخر هذه القصيدة يقول:
شر البلاد مكانُ لا صديق بهِوشرُّ ما يكسبُ الإنسانُ ما يَصِمُ
وشَرُّ ما قنصتْهُ راحتي قَنَصُشُهْبُ البُزَاة سواءُ فيه والرَّخَمُ
البيت الثاني مأخوذ من أبيات لصاحب العلوي الداعي بطبرستان:
أنا من جناب سواك في مَرْعَّى نَدِوأقيمُ عندكَ في جنابٍ مُجْدِبِ
إن كنتَ ذا بصر فميّزْ فضلَ مابين الفَراء وبين صيدِ الأرنبِ
النص من طبعة المطبعة العامرة الشرفية بالقاهرة (١٣٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع