من «الصبح المنبي عن حيثية المتنبي» ليوسف البديعي (ت ١٠٧٣هـ)
أخبار المتنبي (٦)
الضرب التاسع: أن يأخذ المعنى فيكسيه عبارة أحسن من الأولى، وهذا هو المحمود الذي يخرجه حسنه عن باب السرقة، وعليه قول أبي نواس:
يَدَل على ما في الضمير من الهوىتقلب عينيه إلى شخص من يهوى
أخذه المتنبي فأجاد حيث قال:
وإذا خامر الهوى قلبَ صبّفغليه لكل عين دليلُ
الضرب العاشر: أن يأخذ المعنى؛ ويسبكه سبكا موجزا، وذلك من أحسن السرقات، فمن ذلك قول بعض المتقدمين:
أمن خوف فقر تعجلتَهوأخرت إنفاق ما تجمع
فصرتَ الفقير وأنت الغنّىوما كنت تعدو الذي تصنع
أخذه المتنبي فقال:
ومن ينفق الساعاتِ في جمع مالهمخافةَ فقر فالذي فعل الفقر
وكذلك ورد قول أبي تمام:
كانت مساءلة الركبان تُخبرنيعن أحمد بن سعيد أطيب الخبر
حتى التقينا فلا والله ما سمعتأذني مما قد رأى بصري
فأخذه أبو الطيب فقال:
وأستكبر الأخبار قبل لقائهفلما التقينا صغرّ الخبرَ الخُبَر
وقال أبو تمام:
كم صارم عضْب أناف على فتىمنهم لأعباء الوغى حمال
سبق المشيبَ إليه حتى ابتزهوطن النهى من مفرق وقذال
أخذه المتنبي فقال وأحسن:
يسابق القتلُ فيهم كلّ حادثةفما يصيبهمُ موت ولا هرم
الضرب الحادي عشر: أن يكون المعنى عاما، فيجعله خاصاً، أو بالعكس، وهذا من السرقات التي يسامحفيها صاحبها، ومنه قول الأخطل:
لا تنه عن خلق وتأتي مثلهعارُ عليك إذا فعلت عظيم
أخذه أبو تمام فقال:
ألوم من بخلت يداه وأغتدىللبخل تِربا؟ ساء ذاك صنيعا
وكذلك قول أبي تمام:
ولو حاردتْ شَوْلُ عذرتُ لِقاحَهاولكن منعتَ الدرَّ والضَّرعُ حافلُ
أخذه المتنبي فقال:
وما يؤلم الحرمانُ من كف حارمكما يؤلم الحرمانُ من كفّ رازق
الضرب الثاني عشر: أن يزيد المعنى بياناً مع المساواة في أصله؛ ومنه قول أبي تمام:
هو الصنُّع إن يعجلْ فنفهُ وان يَرِثْ
.. فَلَرَّيثُ في بعض المواطن أنفعُ
أخذه المتنبي فأوضحه بمثال فقال:
ومن الخير بطء سيبك عنيأسرع السحب في المسير الجَهامُ
الضرب الثالث عشر: وهو اتحاد الطريق، واختلاف المقصد، فمن ذلك قول بعضهم:
كأنه غنّى لشمس الضحىفنقطته طربا بالنجوم
أخذه مولانا الشاهيني أدام الله سودده، فقال وأحسن غاية الإحسان:
وقائلة والشمسَ أعني وقد رأتقروحاً على خدَّ يفوق على الورد
أما تغتدي تُهدي لِحبك عُوذَةًفقلت وهل تُغني الرقي من أخي الوجد
فجاءته وَلْهَى بالنجوم تمائمافأدهشتها حتى نُثِرنْ على الخَدّ
وعلماء الأدب يسمون هذا الضرب سلخاً.
الضرب الرابع عشر: قلب الصورة الحسنة إلى صورة قبيحة، وهذا الضرب يسمى مسخاً. فمما ورد منه قول ديك الجن:
نحن نُعزيك ومنك الهدىمستخرجُ والصبر مستقبل
نقول بالعقل وأنت الذينأوي إليه وبه نعقل
إذا عفا عنك وأودى بنا الدَّهْرُ فذاك المحسنُ المُجمِلُ
أخذه المتنبي فقال:
إن يكن صبر ذي الرزية فضلاًتكن الأفضلَ الأعزَّ الأجلاّ
أنت يا فوقَ أن تعزى عن الأحباب فوق الذي يعزيك عقلا
وبألفاظك اهتدى فإذا عَزّاك قال الذي له قلت قبلا
الضرب الخامس عشر: قلب الصورة القبيحة إلى صورة حسنة، ولا يسمى هذا الضرب
مسخاً وإن سموه، لأنه محمود، والمسخ مذموم، فمن ذلك قول المتنبي:
إني على شغفي بما في خُمْرِهَالأعِفُ عما في سراويلاتها
أخذه الشريف الرضي فقال:
أُحِنُّ ما تَضمن الخُمْر والحِليَوأصدِفُ عما في ضَمان المآزرِ
وهاهنا ضرب آخر: وهو أن ينقل المعنى من غير اللغة العربية إليها، وهذا يجري مجرى الابتداع كقول المرحوم البوريني:
يقولون في الصبح الدعاءُ مؤثَّرُفقلتُ نعم لو كان ليلى له صبحُ
وكذلك قوله:
وأنظر إلى وَرَق الغصونِ فإنهامشحونةُ بأدلةِ التوحيد
فإنه نقلها من اللغة الفارسية وإذا كانت المقدمة الأولى على ذكر منك، ولم تذهب ضروب الثانية عنك، فيجب أن نورد عليك ما قاله العميدي وأبانه، وما شنع على المتنبي في الإبانة ومن أنصف بعد الوقوف عليهما، ورد ما أورده إليهما، علم أن العميدي دعاه الحسد إلى أن جعل محاسن أبي الطيب عيوباً، وحسناته ذنوباً قال العميدي: قال ديك الجن:
دِعْصُ يُقلّ قضيب بانْ فوقهشمسُ النهار تُقل ليلا مظلما
قال المتنبي:
غصنُ على نَقَوَيْ فلاةٍ نابتُشمس النهار تقل ليلا مظلما
قال العميدي مثل هذا البيت تسميه أصحابه التوارد، وأخصامه النسخ، وأنا أعرف أنه تعب في نظم هذا البيت فله فضيلة التعب، قلتُ كل من البيتين ليس فيه معنى مخصوص حتى يحكم بالسرقة، وتشبيه القد بالقضيب وما تحويه المآزر بالكثيب، والوجه بالشمس، والشعر بالظلام، مما
تتوارد عليه الأفهام، وبيت المتنبي وإن كان هو الأخير فإنه سالم من التكرير، وقد قال أهل الفضل إنه من الوجوه المنقصة لقول العرب القتل أنفى للقتل، فتنبه لأمثاله، ولا تحفل بمقالة. قال العميدي.
قال العلوي الكوفي المعروف بالحِمّاني في برية.
تيهاء لا يتخطاها الدليل بهاإلا وناظره بالنجم معقود
قال المتنبي:
عقدتُ بالنجم طرفي في مفاوزهوحُرَّ وجهي بحر الشمس إذ أفَلا
قلت: بيت المتنبي أحسن لما فيه من التجنيس والزيادة
في المعنى.
قال العميدي: ذكر ابن قتيبة في كتاب عيون الأخبار لبعض الأعراب:
لي همة فوق السماء وباب رزقي الدهرَ مُغْلقْ
هل ينفع الحِرصُ الكثيرُ لصاحبِ الرزق المُضَيَّق
إن امرأُ أمن الزمان لمستغِرّ العقل أحْمَق
قال المتنبي:
فالموت آت والنفوسُ نفائسوالمستقّر بما لديه الأحمق
قلت: الفرق بينهما كما بين السراب والشراب لمن يهتدي مناهج الصواب. قال العميدي: قال ابن الرومي:
شكواي لو أنا أشكوها إلى جَبَلٍأصَمَّ ممتنعِ الأركان لا نفلقا
قال المتنبي:
ولو حُمَّلتْ صُمُّ الجبالِ الذي بناغداةَ افترقنا أو شكتْ تَتَصَدّعُ
قلت: لو لم يكن في بيت المتنبي إلا ما تراه من الرقة والانسجام لكفاه العدول عن الانفلاق إلى التصدع في هذا المقام.
قال العميدي: قال أبو تمام.
له منظر في العين أبيضُ ناصعُولكنه في القلب أسْودُ أسْفَعُ
وقال العَطّوِيّ:
أَبعدك الله من بياضبَيَّضتَ مِنْ عينيَ السوادا
قال المتنبي:
اِبعَدْ بَعِدتَ بياضاً لا بياض لهلأنتَ أسودُ في عيني من الظلم
قال العميدي: قوله أسود في النحو ركيك لم يسمع إلا في أبيات شواذ نوادر. قلت لنا مندوحه عن الوجه الذي يرد عليه الاعتراض بأن يكون من للتبعيض قال العميدي: قال نصر الخبزأرزي:
وأسقمني حتى كأني جفونُهوأثقلني حتى كأني روادفُهْ
وقال محمد بن أبي زُرعة الدمشقي:
أسقمني طرفُه وحَمَّلنيهواه ثِقلا كأنني كَفَلُه
قال المتنبي:
أعارني سقم جفنيه وحملنيمن الهوى ثقل ما تحوى مآزره
قلت: لو سمع هذا أبو الطيب لأنشد قول البحتري:
إذا محاسني اللاتي أتيتُ بهاكانت ذنوبي فقل لي كف أعتذر
قال العميدي: قال البحتري:
جلّ عن مذهب المديح فقد كاد يكون المديحُ فيه هجاء
وقال نصر الخبز أرزي:
ومن قِلّة ما أُثنيعليه صرت كالهاجي
قال المتنبي
وعُظْمُ قدرِك في الآفاق أوهمنيأني بقلة ما أثنيت أهجوكا
قلت حسن بيت المتنبي لا يخفي على ذي مسكة. قال العميدي: قال ابن الرومي:
أقسمتُ بالله ما استيقظتمُ لِخَناًولا وُجدتْم عن العليا بُنوّام
وقال بشار بن برد:
سهرتُم في المكرمات وكسبهاسَهراً بغير هوى وغيرِ سَقام
قال المتنبي:
كثيرُ سُهادِ العين من غيرِ علةيُؤرّقه فيما يُشرّفه الذكرُ
قلت: بيت المتنبي أشرف لشرف الذكر.
قال العميدي: قال ابن الرومي:
وقد سار شعري الأرض شرقاً ومغرباوغنى به الحَضْرُ المقيمون والسفْرُ
قال المتنبي:
هم الناس إلا أنهم من مكارميُغنّي بهم حضْرّ ويحدو بهم سَفْر
قلت: أصاب شاكلة الصواب بقوله: ويحدو.
قال العميدي:
أنشد ابن قتيبة لبعض الأعراب:
بصيرُ بأعقاب الأمور برأيهكأن له في اليوم عيناً على غدِ
قال المتنبي:
ماضي الجَنان يُريه الحزمُ قبل غدبقلبه ما ترى عيناه بعد غد
قال المقبول الجزري:
يجود مالاً على العافي سحابهمُوتمطر الدمَ أسيافُ لهم قُضُبُ
وقال أبو الحسن النحاس:
إذا أروت الأرضَ أسيافُهممن الدم خلت سحابا همع
وقال ابن الرومي:
سماءُ أظلت كل شيء وأعملتسحائب شتى صوبها المال والدم
قال المتنبي:
قومُ إذا أمطرت موتا سيوفهُمُحسبتهاَ يحباً جادت على بلد
قال ابن الرومي:
يغدو فتكثر باللحاظ جِراحنافي وجنتيه وفي القلوب جراحه
قال المتنبي:
ما بالهُ لاحظتُه فتضرّجتْوجناته وفؤاديَ المجروح
قال أبو القوافي:
ردت صنائعه عليه حياتهفكأنه من نشرها منشور
وقال مؤنس بن عمران البصري:
طوته المنايا والثناء كفيلهبرد حياة ليس يُخلقها الدهر
قال المتنبي:
كفل الثناء له برد حياتهلما انطوى فكأنه منشور
قال بشار بن برد:
وإذا أقلّ ليَ البخيلُ عذرتهإن القليل من البخيل كثير
وقال بعض المتقدمين:
قليلُ منك يكفيني ولكنقليلك لا يقال له قليل
قال المتنبي:
وقنعت باللقيا وأولِ نظرةإن القليل من الحبيب كثير
قال ابن الرومي:
وأعوام كأن العام يوموأيام كأن اليوم عام
وقال أبو تمام:
أعوام وصل كاد ينسى طولهاذكرُ النوى فكأنها أيام
ثم انبرت أيامُ هجر أعقبتبِجَوىً أسى فكأنها أعوام
ثم انقضت تلك السنون وأهلهافكأنها وكأنهم أحلام
قال المتنبي:
إن أيامنا دهورُ إذا غبت وساعاتنا القصار دهور
قال أبو تمام:
فما تترك الأيام من أنت آخذولا تأخذ الأيام من أنت تارك
وقال معوج الرقي:
ما يفسد الدهر شيئاً أنت تصلحهوليس شيئاً أنت تفسده
قال المتنبي:
ولا تفتق الأيام ما أنت راتقولا ترتق الأيام ما أنت فاتق
قال أبو العتاهية:
قد كنت صنت دموعي قبل فرقتهفاليوم كل مصون فيه مبتذل
وقال معوج الرقي:
هان من بَعد بُعدك الدمع والصبرُ وكانا أعزّ خلق مصون
قال المتنبي:
قد كنت أشفق من دمعي على بصريفاليوم كل عزيز بعد كم هانا
قال معقل العجلي:
ما في الملابس مفخرُ لذوي النهىإن لم يزنها الجود والإحسان
ليس اللئيم تزينه أثوابهكالميت ليس تزينه الأكفان
قال المتنبي:
لا يُعجينّ مَضيماً حسنُ بِزتهوهل يَروق دفينا جودة الكفن
قال جابر السنبسي:
خيل شوازب أمثال الصقور لهافوارس لا يخافون الردى بسل
كأنهم خلقوا والخيل تحتهم أسود وفي أنيابها الأجل
قال المتنبي:
وكأنها نتُجت قياما تحتهموكأنهم خلقوا على صهواتها
وقال السيد الحميري:
قوم نبالهمُ ليست بطائشةوفيهمُ لفساد الدين إصلاح
ويفصحون عن المعنى بألسنةكأنما هي أسياف وأرماح
وقال البحتري:
وإذا تألق في الندىّ كلامه المصقول خلت لسانه من عَضْبه
قال المتنبي:
كأن ألسنهم في النطق جعلتعلى رماحُهم في الطعنُ خرْصانا
قال امرؤ القيس:
ألم ترياني كلما جئت طارقاًوجدتُ بها طيباً وإن لم تَطّيبِ
وقال الخليع الأول:
وزائرة ما ضمُختْ قطُّ ثوبَهَابمسك ومن أثوابها المسكُ يسطع
ينمّ عليها ريقُها وحُليتّهاوغرتُها في الليل والليل أدرع
وقال بشار بن برد:
وزائرة ما مسها الطيبُ برهةمن الدهر لكنْ طيبُها الدهر فائح
قال المتنبي:
أتت زائرا ما خامر الطيبُ ثوبَهاوكالمسك من أردانها يتضوع
قال ابن الرومي:
لو أبي الراغبون يوماً نداهلدعاهم إليه بالترغيب
قال المتنبي:
وعطاءُ مال لو عداه طالبأنفقته في أن تلاقي طالبا
قال التنوخي الكاتب:
أنت في الدهر كالطري من الورد وفي الشعر كالبديع الغريب
فيك بشر يُدني النجاح من الراجي ويقضي بالنيل للمطلوب
قال المتنبي:
ذكر الأنام لنا فكان قصيدةكنت البديع الفرد من أبياتها
قال العوني:
مضى الربيع وجاء الصيف يقدمهجيش من الحرّ يرمي الأرض بالشرر
كأن بالجو ما بي من جوى وهوىومن شحوب فلا يخلو من الكدر
قال المتنبي:
كأن الجو قاسى ما أقاسيفصار سواده فيه شحوبا
قال بعض المتقدين وهو جميل بن معمر:
ونغص دهرُ الشيب عيشي ولم يكنيُنغصه إذ كنت والرأس أسود
نخص زمان الشيب بالذم وحدهوأي زمان يا بثينةُ يُحمد
قال المتنبي:
من خص بالذم الفراق فإننيمن لا يرى في الدهر شيئاً يحمد
قال محمد بن كناسة الأسدي:
ترى خيلهم مربوطة بقبابهموفي كل قلب من سنابكها وقُع
قال المتنبي:
قيامُ بأبواب القباب جيادُهْموأشخاصها في قلب خائفهم تعدو
قال ديك الجن:
أخا الرأي والتدبير لا تركب الهوىفإن الهوىُ يُريدك من حيث لا تدري
ولا تثقن بالغانيات وإن وفتْوفاء الغواني بالعهود من الغدر
قال المتنبي:
إذا غدرت حسناء أوفت بعهدهاومن عهدها ألاَّ يدوم لها عهد
قال علي بن يحيى المنجم من أبيات يغني بها:
وجهُ كأن البدر ليلةِ تمهمنه استعار النور والإشراقا
وأرى عليه حديقة أضحى لهاحدَقي وأحداقُ الأنام نطاقا
قال المتنبي:
وخصرُ ثبت الأبصار فيهكان عليه من حَدَق نطاقا
قال بشار بن برد:
إذا ابتسمت جادت دموعي بوابلمن الغيث أجْرته بروقُ المباسِم
وقال الخبز أرزي:
فواعجبا حتام يمطر ناظريإذا هو أبدى من ثناياه لي برقا
قال المتنبي:
تَبُلُّ خدي كلما ابتسمتمن مطر برقُه ثناياها
قال عبد الصمد بن المعذل
يعطيك فوق المنى من فضل نائلهوليس يعطيك إلاَّ وهو يعتذر قال المتنبي:
يعطيك مبتدئا فإن أعجلتهأعطاك معتذراً كمن قد أجرما
قال صالح بن حيان الطائي:
صبرت ومن يصبر يجد غِبَّ صبرهألذَّ وأحلى من جني النحل في الفمِ
قال المتنبي:
فثب واثقا بالله وثبة ماجدترى الموت في الهيجا جني النحل في الفم
قال أبو تمام:
لو حار مرتاد المنية لم يجدإلا الفراق على النفوس دليلا
قال المتنبي:
لولا مفارقة الأحباب ما وجدتلها المنايا إلى أرواحنا سبلا
قال أبو مسلم محمد بن صبيح:
فعيش ذي الهم في هم وفي نكدوذو الجهالة في خصب وفي فرح
وقال أبو الفتح الإسكندري:
اخترْ من الكسب دونافإن دهرك دونُ
زجّ الزمان بحمقإن الزمان زَبون
لا تُكذبنّ بعقلما العقل إلا جنون
ولمحمد البجلي الكوفي:
هذا زمان مثومكما تراه غشوم
الجهل فيه جميلوالعقل عيب ولوم
والمال طيف ولكنعلى اللئام يحوم
قال المتنبي:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقلهوأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
وقال محمد البيدق الشيباني:
إني لأُنصف في إخائك دائماًحاشاك من ظلم فَلِمْ لا تنصف
الظلم طبعك والعفاف تكلفوالطبع أقوى والتكلف أضعف
قال المتنبي:
والظلم من خُلقُ النفوس فإن تجدذا عفة فلعلة لا يظلم
قال أبو الحسن علي بن مهدي الكسروي:
لم أنس يوم تعانقنا وعللنيمن ريقي صافيا ما شابهكدرُ
أبصرتُه فرأيت الشمس طالعةتغشى العيون فيعشى دونها البصر
هذا على أن حول الشمس من شعرليل يقال له الأصداغ والطُّرزُ
أنا القتيل وطرفي قاتلي ودميما بين قلبي ومن عُلَقته هدر
وقال دعبل:
لا تأخذوا بظلامتي أحداًطرفي وقلبي في دمي اشتركا
قال المتنبي:
وأنا الذي اجتلب المنية طرفُهفمن المطالبُ والقتيل القاتل
قال العتكي:
هدانا الله بالقتلى نراهامُصلّبة بأفواه الشعاب
قال المتنبي:
إذا سلك السماوةَ غيرُ عادٍفقتلاهمْ لِعينيه مَنارُ
قال أبو تمام:
ولطالما أمسى فؤادُك منزلاوَمِحلَّة لضباء ذاكَ المنزل
وقال أيضا:
وقفت وأحشائي منازل للأسىبها وهي قفر قد تعفت منازلة
وقال معوج الرقي:
كم وقفنا على الطلول وجُدنابسحاب من الدموع يَهلُّ
يا محل الآرام والعين أهلالك في القلب منزل ومحل
قال المتنبي:
لك يا منازل في القلوب منازلأقفرت أنتِ وهن منك أواهل
قال أبو تمام:
ورحب صدر لوَ أن الأرض واسعةكوسعه لم يضق عن أهله بلد
قال المتنبي:
تضيق عن جيشه الدنيا ولو رحبتكصدره لم يضق فيها عساكره
قال الناشي:
لما عطفن رءوسهنَّإلى الظعائن في الكِلَلْ
قدرتهن لعشقهنطلبن منهن القبل
قال المتنبي:
ويغيرني جذبُ الزمام لقلبهافمهما إليك كطالب تقبيلا
قال البحتري:
تلقاه يقطر سيفُه وسنانُهوبنانُ راحته ندى ونجيعا
قال المتنبي:
ملك سِنان قناته وبنانُهيتباريان دماً وعُرفاً ساكبا
قال أبو العتاهية:
وإذا الجبان رأى الأسنة شُرَّعاًعاف الثباتَ فإن تفرد أقدما
قال المتنبي:
وإذا ما خلا الجبانُ بأرضطلب الطعن وحده والنزالا
قال مسلم بن عياش العامري:
وخيل مؤدبة لا تزالقوائمها عالكاتِ اللجمْ
تحن إلى الحرب من غير أنتقادَ وما أقلقتها الحُزُمْ
وقد ستر النقعُ أعرفَنهافآذانها كرءوس القلمْ
قال المتنبي:
قاد الجياد إلى الطعان ولم يَقُدْإلا إلى العادات والأوطان
إن خُلَّيتُ ربطت بآداب الوغىفدعاؤها يغني عن الأرسان
في جحفل ستر العَيون غبارُهفكأنما يبصرن بالآذان
قال محمد بن مسلم المعروف بابن المولى:
ما زَلت تقرعهم في كل مُعتركضرباً يحل الشيب باللمم
ترى الجماجم منه غير آمنةِوسائَر الجسم منها صار في حرَم
قال المتنبي:
خص الجماجم والوجوه كأنماجاءت إليك جسومهم بأمان
قال علي بن هارون المنجم:
كريم نهته النفس عن شهواتهاووافته أقساطَ المعالي بلا بخس
إذا لم تكن نفس ابن آدم حرةتحن إلى العليا فلا خبر في النفس
قال المتنبي:
تلك النفوس الغالبات على العلاوالمجدُ يغلبها على شهواتها
قال أبو تمام:
فإن لم يَفْد يوما إليهن طالبُوفدن إلى كل امرئ غيرِ وافد
وقال أيضاً:
وفدتْ إلى الآفاق من نفحاتهنِعَمُ تُسائل عن ذوي الإقتار
قال المتنبي:
وأنفسهم مبذولةُ لوفودهموأموالهم في دار من لم يفد وفْدُ
قال أبو عمران الضريرُ الكوفي:
لست أدري كيف ابتليتُ بقوملا يخافون ربهم حسادي
حسدوني على الحياة ومن ليبحياة أنال فيها مرادي
قال المتنبي:
ولكني حُسِدتُ على حياتيوما خير الحياة بلا سرور
قال أبو أحمد الخراساني:
وكم مهمة قد جبتُه بعد مهمةوكم مسلك وعْر وكم منهل قفر
يلين بعزمي كلُّ صعب أرومهُوهل خطب دهر لا يهوّنه صبري
قال المتنبي:
قد هون الصبرُ عندي كلَّ نازلةوليَّن العزم حدَّ المركب الخِشن
قال بشر بن هدية الفزاري:
أرى الحرب في عينَّي مثل عقيلةفَيؤنسني غِشيانُها وعناقُها
ومن لؤم طبع الجاهلين اجتنابُهمورودَ المنايا وهي أرىُ مذاقها
قال المتنبي:
يرى الجبناء حبَّ الموت جهلاوتلك خديعة الطبع اللئيم
قال معوج الرقي:
يُفنى المواهب كي تبقى محامُدهويخُلص الجودَ من مَنٍ ومن كدر
تلقاه إن وهب الدنيا بجملتهالسائل خَجِلا في زيّ معنذر
قال المتنبي:
إذا الجود لم يرزق خلاصاً من الأذىفلا الحمدُ مكسوبا ولا المال باقيا
قال الناشي:
ومن علت في اكتساب المجد همتُهولم يساعْده جَدُّ بات في تعب
قال المتنبي:
وأتعب خلق الله من زاد هُّمهوقصّر عما تشتهي النفسُ وُجْدهُ
قال البحتري:
وقد هذبتك الحادثاتُ وإنماصفا الذهب الإبريزُ قبلك بالسبك
قال المتنبي:
لعل عتبك محمودُ عواقبهُوربما صحت الأجسامُ بالعلل
قال عبد الله بن طاهر:
إذا كرمتْ الفتى عفَّ قلبهُوساعده عيناه واليد والفُم
وغير جميل أن يُرى المرء مطرقاًوفي قلبه نار من الشوق تُضرمُ
قال المتنبي:
وإطراق طرفِ العين ليس بنافعإذا كان طرفُ القلب ليس بمطرق
قال أبو العتاهية:
بدني ناحل وصبري بديُنواعتزاميَ ماض وجسمي حسير
ومن الموت قد سلمتُ ولكنبعد هذا إلى الممات أصير
يا خليليّ كيف يخدعني الدهر وإني بهِ بصير خبير
أسقياني من قبل أن يتقضىأملُ أرتجى وعمر قصير
قال المتنبي:
فإن أمرض فما مرض اصطباريوإن أُحمم فما حُمّ اعتزامي
وإن أسلم فما أبقى ولكنسلمت من الحمام إلى الحِمام
تمتع من سهاد أو رقادولا تأمل كَرًى تحت الرِجام
فإن لثالث الحالين معنىسوى معنى انتباهك والمنام
وقال زريق البصري:
فلا تحسِبوا الإقتارِ عاراً عليكمُوأعداؤكم مُشُرون بين المحافلِ
كذا عادةُ الدهر الخئون ولم يزليُخلط في الأحكام حقاَّ بباطِل
رأيت الغنى عند الأراذل محنةًعلى الناس مثلَ الفقر عند الأفاضلِ
قال المتنبي:
والغنى في يد اللئيم قبيحمثلُ قبح الكريم في الإملاق
قال الناشي:
يا أكرمَ الناس أخلاقاً وأوفَرهمعقلا وأسبقهم فيه إلى الأمَدِ
أصبحتَ أفضلَ من يمشي على قدمبالرأي والعقل لا بالبطش والجَلَد
لئن ضَعُفْتَ وأظناك السقام فلميضعف قوى عقلك الصافي ولمَ يمدِ
لو كان أفضلُ ما في الخلق بطشهمُدون العقول لكان الفضل للأسَد
وإنما العقل شيء لا يجود بهللناس غيرُ الجواد الواحد الصمدِ
قال المتنبي:
لولا العقولُ لكان أدنى ضيغمأدنى إلى شرف من الإنسان
قال إدريس الأعور يرثى عبد
الله بن طاهر:
أجيل طرفي فما ألقى سوى جدثوارى محاسن ذاك المنظر البهج
وتربة ما رأتها عينُ غانيةإلا سخت بدم بالدمع ممتزج
وسودتها بِنِقْسٍ بعد غاليةٍوبدلت حمرة التفاح بالسبج
قال المتنبي:
وأبرزت الخدورُ مخبآتٍيضعن النقس أمكنة الغوالي
قال أبو تمام:
تعود بسط الكف حتى لو انهأراد انقباضاً لم تطعه أنامله
وقال ابن الرومي:
تعوَّدَت المواهبَ والعطاياأناملُ فيضُ راحتِها انسجامُ
فليس لها عن الحمد انفراجوليس لها على المال انضمام
قال المتنبي:
عجباً له حَفِظَ العِنانَ بأنملما حفظُها الأشياءَ من عاداتها
قال العكوك:
عجبتُ لَحراقة ابن الحُسَيْنكيف تعوم ولا تَغْرَقُ
وبحران من تحتها واحدُوآخرُ من فوقها مُطْبِقُ
وأعجب منَ ذاك عيدانُهاوَقْد مَسَّها كيف لا تُورقُ
وقال أبو البيداء:
هو المشترى الحمدَ الكثيرَ بمالهوفي يده للسائلين سَحاب
ولو مطرت كفاه أرضاً لأخصبتوأورق صفوانُ عليه تُرابُ
قال المتنبي:
وعجبت من أرضٍ سحابُ أكُفَّهممن فوقها وصخُورها لا تُورِقُ
قال أبو تمام:
ومن خدم الأقوام يرجو نوالَهمفإنيَ لم أخدمك إلا لأخدما
قال المتنبي:
وما رغبتي في عسجد أستفيدهولكنها في مفخر أستجدُّه
قال ابن المعتز:
وأرى الثريا في السماء كأنهاقدمُ تبدتْ في ثياب حداد
وقال معوج الرقي:
كأن بناتِ نعش حين لاحتنوائحُ واقفاتُ في حداد
قال المتنبي:
كأن بنات نعش في دجاهاخرائدُ سافراتُ في حداد
قال بشار:
وظن وهو مُجدُّ في هزيمتهما لاح قدامه شخصاً يسابقه
قال أبو نواس:
فكل كف رآها ظنها قدحاًوكل شيء رآه ظنه الساقي
قال المتنبي:
وضاقت الأرض حتى كاد هاربُهمإذا رأى غير شيء ظنه رجلا
قال أبو المتورد:
حلّ المسيب بمفرقيفكأنه سيف صقيل
أقبحْ بضيف قال ليلما أتى قُرب الرحيل
وقال البحتري:
وددت بياض السيف يوم لقينيمكانَ بياض الشبب حل بمفرقي
قال المتنبي:
ضيف ألم برأسي غير مُحتشموالسيف أحسن فعلا منه باللمم
قال الخليع الأكبر:
وخير بلاد الله عنديَ بلدةُأنال بها عزاً وأحوى بها حمدا
وقال البحتري:
وأحب أقطار البلاد إلى الفتىأرضُ ينال بها كريم المطلب
قال المتنبي:
وكل امرئ يولي الجميل محببوكل مكان ينبت العز طيب
قال النابغة:
وتنكر يوم الروع ألوان خيلنامن الطعن حتى تحسب لجون أشقرا
وقال أبو المهاجر البجلي:
وخاضت عتاقُ الخيل في حومة الوغىدماء فصارت شُهبُ ألوانها دُهما
قال المتنبي:
جفتني كأني لست أنطقَ قومِهاوأطعنَهم والشهبُ في صورة الدُّهْمِ
قال قدامة بن موسى الجمحي:
شجاع يرى الإحجام كفراً فيتقيوسمح يرى الإفضال فرضاً فيُفضِل
وما يتناهى القول في وصف مدحهولكنني أبغي اختصاراً فأجمل
قال المتنبي:
هو الشجاع يعدّ البخل من جُبُنوهْو الجواد بعد الجبن من بَخَل
قال إبراهيم البندَ نيجي الكاتب:
أحاول أمرا والقضاء يعوقهفبيني وبين الدهر فيه طِراد
ولولا الذي حاولت صعبا مرامهلساعدني فيه عليه شداد
قال المتنبي:
أهمّ بشيء والليالي كأنهاتطاردني عن كونه وأطارد
وحيد من الخُلان في كل بلدةإذا عظم المطلوب قل المساعد
قال الناشي:
إليكم بنى العباس عني فإننيإلى الله من ميل إليكم لَتائب
تركتم طريق الرشد بعد اتضاحهوأقصتكم عنه ظنونُ كواذب
سيظفر أهل الحق بالحق عاجلاوتبعد كم سُمرُ القنا والقواضب
أترضون أن تطوى صحائف عصبةكرام لهم في السابقين مراتب
ألم تعلموا أن التراث تراثهموهم أظهروا الإسلام والكفرُ غالب
فلا تذكروا منهم مثالبَ إنمامثالب قوم عند قوم مناقب
قال المتنبي:
بذا قضت الأيام ما بين أهلهامصائبُ قوم عند قوم فوائد
قال أبو راسب البجلي:
ولولا انتقاد الدهر لم يَكْسُ قاسماجَلاَلا ولم يِسْلُب سواه المعاليا
قال المتنبي:
ولما رأيت الناس دون مَحَلهتيقنت أن الدهر للناس ناقد
وقال أبو راسب أيضاً:
ولو كنت تحوي عمر من قد نهبتهبسيفك في الدنيا لكنتُ مخلداَّ
قال المتنبي:
نهبت من الأعمار ما لو حويتهلهنئت الدنيا بأنك خالد
قال أبو العتاهية:
شيم فتحت من المجد ما قدكان مستغلقاً على المُداحِ
قال المتنبي:
وعلموا الناس منك المجد واقتدرواعلى دقيق المعاني من معانيكا
قال أبو العالية:
أنارت بك الأوقات حتى تبسمتورقت حواشيها وطاب نسيمها
فخذ ما صفا منها وعش في سعادةفليس بباق لهوها ونعيمها
قال المتنبي:
انعمْ ولَذَّ فللأمور أواخرأبداً إذا كانت لهن أوائل
قال السيد الحميري:
تخفَى على أغبياء الناس منزلتيإني النهارُ وهم فيه الخَفافيشُ
قال المتنبي:
وإذا خفيِتُ على الغبيّ فعاذرُألاَّ تراني مقلةُ عمياءُ
قال العوني:
يا صاحبيَّ بعدتما فتركتماقلبي رهينَ صبابة وتصابي
أبكي وفاء كما وعهد كما كماأبكي المحبَّ معاهد الأحباب
قال المتنبي:
وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمهبأن تُسعدا والدمعُ أشفاه ساجمهُ
قال العوني:
أحب ابن بنت المصطفى وأزورهزيارة مهجور يَحنّ إلى الوصل
وما قدمي في سعيه نحو قبرهبأفضل منه رتبةً مركزُ العقل
قال المتنبي:
خير أعضائنا الرؤوس ولكنفَضَلَتْها بقصدك الأقدامُ
قال البحتري:
اغتنم فرصة من الدهر واطربليس شيء من الجديدين باقي
وزمان السرور يمضي سريعاًمثلَ طيبِ العِناق عند الفراق
قال المتنبي:
للهو آونة تمر كأنهاقُبَلُ يُزوَّدُها حبيبُ راحلُ
قال منصور النَّمَري:
رضيت بأيام المشيب وإن مضىشبابي حميداً والكريم ألوف
قال المتنبي:
خلقت ألوفا لو رجعت إلى الصّبالفارقتُ شيبي موجَعَ القلب باكيا
قال البحتري:
تعنو له وزراءُ الملك خاضعةًوعادةُ السيف أن يَستخدم القلما
وقال ابن الرومي:
كذا قضى الله للأقلام مذ خُلقتْأن السيوف لها مذ أرهفت خدم
قال المتنبي:
حتى رجعت وأقلامي قوائلُ ليالمجد للسيف ليس المجد للقلم
اكتبْ بنا أبداً بعد الكِتاب بهفإنما نحن للأسياف كالخدم
قال البحتري:
أضرتْ بضوء البدر والبدرُ طالعُوقامت مقام البدر لما تغيبا
وقال نصر الخبرأرزي:
وما حاجة الركب السُّراة إذا بدالهم وجهه ليلا إلى طلعة البدرِ
قال المتنبي:
وما حاجةُ الأظعان حولكِ في الدجىإلى قمر ما واجدُ لكِ عادمه
قال علي بن جبلة:
قمرُ نمّ عليه نورهُكيف يُخْفي الليلُ بدراً طلَعاَ
وقال الشعباني:
فإذا جِزعت من الرقيب فلا تزرْفالبدر يفضح كلَّ ليل مظلم
قال المتنبي:
أمنِ ازديارَكِ في الدّجا الرقباءُإذ حيث كنتِ من الظلام ضياء
قال أبو تمام:
مقيم الظن عندك والأمانيوإن قلقت ركابي في البلاد
قال المتنبي:
وإني عنك بعد غد لغادوقلبي عن فنائك غيرُ غاد
قال أبو تمام:
وما سافرت في الآفاق إلاومن جدواك راحلتي وزادي
قال المتنبي:
محبك حيث ما اتجهتْ ركابيوضيفك حيث كنتُ من البلاد
قال البحتري:
ولم أر في رنْق الصَّرَي ليَ مَوْرِداًفحاولتُ وردِ النيل عند احتفاله
وقال الكسروي:
وما أنا تارك بحراً نميراًوأطمع في الجداول والسواقي
إذاً لَجحدتُ ما أوليتنهمن النعمى ومِتّ من النفاق
وقال العطوي:
أأمتاج من بئر قليل معينهاوأقعد عن بحر زُلال مشاربه
قال المتنبي:
قواصدَ كافور تواركَ غيرهومن قصد البحرَ استقلَ السواقيا
قال إبراهيم بن عيسى في معرض العتاب:
يا وارث المجد التليد وبانيَ الكرم الأصيل
مالي أراك قبلت أقوال الوشاة بلا دليل
قد كنت أحسب أننيأحظى بنائلك الجزيل
حتى رأيت وسائليخَلُقَتْ وضاعت في السبيل
فعلمت أني قد غلطتُ وتهت في خطب طويل
ولقد أتيتك آنفاًأرجوك في أمر قليل
أنصف فإنك منصفإلا لخادمك الذليل
إما إزاحة علةفيها الشفاء من الغليل
إما فقوتُ ما أعيش يصون وجهي عن بخيل
إما فإذنُ استقلُ به على وجه جميل
من لم يعنك على المقام فقد أعان على الرحيل
قال العميدي لمح المتنبي جميع هذه الأبيات وسلخ البيت الأخير في قوله:
إذا ترحلت عن قوم وقد قدرواألاَّ تفارقهم فالراحلون همُ
قال أبو هفان المهزمي:
جلستَ فقام الدهر فيما تريدهونمتَ عن الأشغال والجَدُّ ساهر
وأنت لأرباب المكارم كلهمإمام وإن غابوا فإنك حاضر
قال المتنبي:
ودانت له الدنيا فأصبح جالساوأيامه فيما يريد قيام
وكل أناسٍ يتبعون إمامهموأنت لأهل المكرمات إمام
قال العميدي: أترى يخفي على النساء دون الرجال هذا وما يجري مجراه أنه سرقة؟ قال عبد
الله بن محمد الرقي المكنى بابن عمران:
صينت ظهورُ مطايانا لغيبتهفليس يركبها من أحد
من يصحب الدهر لم يأمن تقلبهيعيش حيرانَ ينفذ الأبدُ
قال المتنبي:
نزلنا عن الأكوار نمشي كرامةلمن بان عنا أن نلُمّ به ركباَ
ومن صحب الدنيا طويلا تقلبتعلى عينه حتى يرى صدقها كِذبْا
قال إسماعيل بن محمد الراداني يمدح الحسن بن وهب:
كأنما الناس مخلوق من ظُلَموأنتَ وحَدك مخلوقُ من النورِ
تهتز كالغصن عند الجودِ من طربوتستعين بقلب غير مذعور
قال المتنبي:
فلو خلق الناس من دهرهملكانوا الظلام وكنت النهارا
أشدُّهم في الندى هِزةًوأبعدهم في عدوّ مُغارا
قال الهرمزيّ:
سَقيم المجد مذ سقمت، ويبراحسين تبرا، وبالأعادي السَّقامُ
وإذا ما سلمت فالناس طراَّسلموا مثلما سلمت وقاموا
قال المتنبي:
المجد عُوفي مذ عوفيت والكرموزال عنك إلى أعدائك الألم
قال سعيد الخطيب:
وما كنت أدري أن في كفك الغنىوأنت قد أصبحتَ للمجد عنصرا
وقد كنتُ في ليل من لشك مظلمإلى أن بدا صبح اليقين فاسفرا
تبرعت بالأموال من غير كلفةوحزتَ بها عني الثناء المحبرا
قال المتنبي:
وعادي محبيه بقوله عُداتهوأصبح في ليل من الشك مظلم
قال المستهل بن الكميت:
وإني وإن أُلْبستُ ثوب خصاصةفلستُ لَعمري للبخيل بمادح
ومن رام مدح الباخلين فإنهضعيفُ أساسِ العقل بادي القبائح
نصحتك: لا تكرم عدوّاً ولا تُهنصديقا لك الخيرات فاقبل نصائحي
وما أربي في العيش لولا محبتيلنفع مُحب أو مَضرةّ كاشح
قال المتنبي:
لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بهاسرور محب أو إساءة مُجرم
قال البحتري:
إذا ما الجرح رُمَّ على فسادتبين فيه تفريط الطبيب
قال المتنبي:
فإن الجرح ينغر بعد حينإذا كان البناء على فساد
قال أبو العتاهية:
يا جامعَ المال والآمال تخدعهخوفا من الفقر والعَدَمُ
أسأت ظنك بالله الذي خضعتله الرقاب فشابت قلبَك الظُّلم
قال ابن الرومي:
ومن راح ذا فقر وبخل فإنهفقير أتاه البخل من كل جانب
قال المتنبي:
ومن ينفق الساعات في جمع مالهمخافة فقر فالذي فعل الفقر
قال أحمد بن مهران الكاتب:
أتاني كتاب منك فيه بلاغةُيعظمها عُجباً به كل كاتب
معان كأخلاق الكرام حميدةُصحاحُ بألفاظ كزُهر الكواكب
قال المتنبي:
كأن المعاني في فصاحة لفظهانجومُ الثريا أو خلائقُك الزُّهرُ
قال أبو أحمد الخراساني:
وليس يضرني ضعفُ وفقرإذا أنفقت مالي في المعالي
رأيت العار في بخل وكبرولست أراه في فقر الرجال
قال المتنبي:
غَثاثةُ عيشي أن تَغِثَّ كرامتيوليس بغث أن تغث المآكل
قال العميدي لقد صار هذا غثا لاجتماع الغثاثات فيه.
قال ابن وهب الفزاري وهو جاهلي:
أرى الموت في الحرب مثل الحياةلتبليغيَ النفس فيها الأملْ
وأعلم أني امرؤ لا أذوق طعم الممات بغير الأجل
قال المتنبي:
فموتي في الوغى عيشي لأنيرأيت الموت في إربِ النفوس
قال تميم بن خزيمة:
وليس يَضرُّني قومي إذا ماغزاهم في ديارهمُ كلابُ
زنادي غيرُ مُصلدة وسيفيعليه من دمائهمُ قِرابُ
فلا تستحقروني لانفراديفإن التبر معدنُه الترابُ
قال المتنبي:
وما أنا منهمُ بالعيش فيهمولكن معدن الذهب الرَّغامُ
قال بشار بن برد:
إذا اعتذر الجاني إلىّ عذرتهولا سيما إن لم يكن قد تعمدا
فمن عاتب الجهالَ أتعب نفسَهومن لام من لا يعرفُ اللومَ أفسدا
قال المتنبي:
وما كلُّ بمعذور ببُخلولا كلُّ على بخل يُلام
قال العميدي متهكماً: هذه الألفاظ إذا سمعها الصوفية تواجدوا عليها لمجانستها كلامهم قال أبو سعيد المخزومي:
لم يترك الجودُ فيه غيرَ عادتولم يشِن وعدَه كِذْبُ ولا حَلفِ
فلا يلام على إتلافه كرماأموالَه والذي لم يعْطه تَلَف
حفظ المروءة يؤذي قلب صاحبهاوالحب مغزيً به المستهَتْرُ الكَلف
قال المتنبي:
تلذَ له المروءةُ وهي تُؤذْيومن يعَشقْ يلَذُّ له الغرامُ
قلت بيت المتنبي أشرف من بيت أبي سعيد المخزومي لمن تَأملَهما إلا أن لفظه تؤذي آذت بيت المتنبي لضعف تركيبها فيه.
وبيان ذاك: أن هذه اللفظة
إذا أوردت في كلام، فينبغي أن تكون مندرجة مع ما يأتي بعدها ليحسن موقعها، كما وردت في قوله تعالى:) إن ذلكم كان يؤذي النبيّ فيستحيي منكم (، وجاءت في بيت المتنبي منقطعة، وقد جاءت هذه اللفظة بعينها في الحديث النبوي، وأضيف لها كاف الخطاب، فأزال ما بها من الضعف والركة، وذاك أنه اشتكى النبي ﷺ فجاء جبريل ﵇ فقال:) باسم الله أرقيك من كل داء يؤذيك (، فإنه لما زيد فيها أصلحها وحسنها؛ ولهذا تزاد
الهاء في بعض المواضع كقوله تعالى:) ما أغنى عني مالَيهْ هلك عني سلطانَيهْ (، وهذا الموضع غامض يحتاج إلى إمعان نظر، وربما ينكر هذا من لم يذق طعم الفصاحة، ولا عرف أسرار الألفاظ في تركيبها وانفرادها فكم من لفظة واحدة وردت في موضعين زانت أحدهما، وشانت الآخر، وذلك من خاصة التركيب، كما ورد القرآن الكريم:) إن هذا أخي له تسعُ وتسعون نعجةً ولي نعجةُ واحدةُ (فلفظه لي مثل تؤذي، وقد جاءت في الآية
مندرجة متعلقة بما بعدها، وإذا جاءت منقطة لا تجيء لائقة، كقول أبي الطيب المتنبي:
تُمسي الأمانيّ صرعى دون مبلغهِفما يقول لشيء ليت ذلك لي
فهذه اللفظة وقعت في الآية في غاية الحسن، بخلاف وقوعها في البيت، ونظير ذلك أنك ترى لفظتين يدلان على معنى واحد إلا أنه لا يحسن استعمال هذه في موضع تستعمل فيه هذه، بل يفرق بينهما، وهذا لا يدركه إلا من دق فهمه، فمن ذلك قول تعالى:) ما جعل الله لرجل من قلبين
في جوفه (، وقوله تعالى:) رب إني نذرت لك ما في بطني محرراً (، فاستعمل الجوف في الأولى، والبطن في الثانية، ولم يستعمل إحداهما مكان الأخرى، وكذلك قوله تعالى:) ما كذب الفؤاد ما رأى (، وقوله:) إن في ذلك لذكرى لمن كاف له قلب (، والقلب والفؤاد سواء، ولم يستعمل أحدهما في مكان الآخر، وعلى هذا ورد قول الحماسي:
نحن بنو الموتِ إذا الموتُ نزلْلا عارَ بالموتِ إذا حُمّ الأجَلْ
والموت أحلى عندنا من العسلْ وقال أبو الطيب:
إذا شئتُ حفَّتْ بي على كل سابحرجالُ كأن الموتَ في فمها شهدُ
فلفظة الشهد في بيت أبي الطيب أحلى من العسل، وقد وردت لفظة العسل في القرآن الكريم دون لفظة الشهد فوقعت أحسن من الشهد، وكثيرا ما تجد ذلك في أقوال الشعراء المفلقين، وبلغاء الكتاب، ومصاقع الخطباء، وتحته دقائق ورموز.
رجع إلى ما قاله العميدي، قال: قال ضمضم الكلابي:
ومُعْترك ضَنْك المجال شهدتهولم أخش أسباب المنايا هنالكا
شفيتُ جَوَى صدري وصُنتُ عشيرتيوغادرتُ وجهَ المجد أبيض ضاحكا
فمن شاء أن يبقىَ له العزُّ خالداًنفى الضيمَ واستسقى السيوفَ البواتكا
إذا لم يكن عن قبضة الموتِ مَخلصُفعجزُ وجبنُ أن تخافَ المهالكا
قال المتنبي:
وإذا لم يكن من الموت بُدّفمن العجز أن تكون جبانا
قال أبو العتاهية:
إني أكاشر أعدائي مغالطةوفي الحشا لهبُ من غيظهم ضَرِمُ
ولج في العذل أقوام مقتهمُوكان في أذني عن عذلهم صَمَمُ
قال المتنبي:
كأن رقبياً منك سدّ مسامعيعن العذل حتى ليس يدخلُها عَذْل
قال بشار بن بُرد:
كأن جُفوني كانت العيِسُ فوقهافسارتْ وسالتْ بعدهن المدامعُ
قال المتنبي:
كأن العيِسَ كانت فوق جفنيمُناخات فلما ثُرْن سالا
قال هرون بن علي بن يحيى
بن أبي منصور المنجم
أرى الصبح فيها منذ فارقتَ مظلمافإن أبْتَ صار الليل أبيض ناصعا
قال المتنبي:
فالليل حين قدمتَ فيها أبيضُوالصبح منذُ رحلتَ عنه أسودُ
قال العوني:
إن دهراً سخا بمثلك سَمْحُولقد كان قبل هذا بخيلا
قال المتنبي:
أعدى الزمانَ سخاؤه فسخا بهولقد يكون به الزمانُ بخيلا
قال الخطيب في تلخيص المفتاح، وإن كان الثاني دون الأول فالثاني مذموم كقول أبي تمام:
هيهات لا يأتي الزمانُ بمثلهإن الزمان بمثله لبخيل
وقول أبي الطيب: ولقد يكون به الزمان بخيلا.
وميز الشارح بيت أبي تمام بعدة وجوه:
منها أن قول المتنبي:) ولقد يكون (لم يصب محزة، إذ المعنى على المضي، ومنها أن المضارع إذا كان على معناه أي يكون الزمان بهلاكه بخيلا، لعلمه بأنه سبب لصلاح الدنيا، ونظام العالم، فيرد: أنه إذا سخا به فقد بذله، فلم يبق له في تصرفه حتى يسمح بهلاكه أو يبخل، ومنها أنه على تقدير
تصحيح ذلك الوجه يكون فيه مضاف، ولا قرينة تدل عليه.
ونقل عن أبي على الفارسي أن في بيت أبي تمام تقصيراً، لأن الغرض في هذا النحو نفي المثل، وأن يقال: إنه يعز وإنه لا يكون، فإذا جعل سبب فقد مثله بخل الزمان به، فقد أخل بالغرض، وجوز وجود المثل، ولم يمنعه من حيث هو، بل من حيث بخل الزمان بأن يجود بمثله. قال أبو الشمقمق:
المرء ليس بمدركمن دهره ما يبتغيه
يسقى العليل من الدواء خلاف ما هو يشتهيه
قال المتنبي:
ما كل ما يتمنى المرءُ يُدركهتجري الرياح بما لا تشتهي السفن
قال محمود بن الحسن الوراق:
لا تَلْحَ شيبي وما شاهدتَ من كبرىما دمتُ أغدو صحيح العقل والبصر
قالوا:
أبوك تميمي وهمتهشمُّ القُتار وأكل الشحم بالوضَر
وما تميم إذا عدت أولىِ كرمٍفقلت في النار معنى ليس في الحجر
قال المتنبي:
فإن تكن تغلب الغلباءُ عنصَرهافإن في الخمر معنى ليس في العنب
قال العميدي هذا لفظ غث عامي، وذاك منطقي.
قلت بلغ منه تعصبه أنه ذم كلاماً أجمع أهل الأدب على حسنه قال مروان بن سعيد البصري:
أغنيتنيٍ عن سؤال الباخلين فلاأحتاج ما أنت تبقى لي إلى رجل
وصنتَ عرضي عمن كنتُ أقصدهُ
.. فلم أنل منه غير المنع والبخلَ
مالي وما لِثَمادِ المال أقربهُفي لجة البحر ما يُغني عن الوَشَل
أنت الذي فيك مجد الناس كلهملولاك أصبحت الدنيا بلا رجل
قال المتنبي:
خذ ما تراه ودع شيئاً سمعتَ بهفي طلعة البدر ما يُغنيك عن زُحلَ
قال كعب بن معدان الأشقري:
كأن الرماح السمهريات بينهمهمومُ فما يطرُقن غير الحشا طَرقاْ
حُماةُ كُماةُ لم يُزَنُّوا بريبةولا غدَروا يوما ولا ضيّعوا حقا
قال المتنبي:
وقد صُغتَ الأسنةَ من همومفما يخطُرن إلا في فؤاد
قال محمد بن العباس:
أما ترى الزعفرانَ الغضَّ تحسبهُوقت الصباح إذا أبصرتَه عَنَما
مسكُ ووردُ وَلدُّ طِيبَ رائحةفي حالة وكذلك المسك كان دما
قال المتنبي:
وإن تفق الأنام وأنت منهمفإن المسك بعض دم الغزال
قال علي بن الجهم:
فدارى ومالي والضياع وكلُّ ماتمتلكهُ من بعض ما هو باذله
قال المتنبي:
أسيرُ إلى إقطاعه في ثيابهعلى طِرفهِ من داره بحسامه
قال البحتري:
ملوك يَعدون الرماح مَخَاصراإذا زعزعوها والدروع غلائلا
قال المتنبي:
متعوداً لُبس الدروع يخالهافي البرد خزاًّ والهواجر لاذا
قال الخبزأرزي:
وشادن زرتُه فرحب بيترحيب جان على مواليه
جنيتُ ورداً من خدّه بفمي
.. فعشتُ لا عاش من يعاديه
تُحيي رفاتَ العظامقُبلتُهلأن ماء الحياة من فيه
قال المتنبي:
فذُقتُ ماء حياة من مقبَّلِهالو صاب تُرياً لأحيا سالفَ الأمم
النص من طبعة المطبعة العامرة الشرفية بالقاهرة (١٣٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع