من «الصبح المنبي عن حيثية المتنبي» ليوسف البديعي (ت ١٠٧٣هـ)
أخبار المتنبي (٤)
مقبل على تكبره ملتفت إلى الجماعة الذين بين يديه وكل واحد منهم يومي إليه، ويوحي بطرفه، ويشير إلى مكاني، ويوقظه من ستة جهله ويأبى إلا ازوراراً ونفاراً جرياً على شاكلة خلقه، ثم توجه إلي فوالله ما زادني على قوله: أي شيء خبرك؟ فقلت ما جنيته على نفسي من قصدك وكلفت قدمي من السعي إلى مثلك، ثم انحدرت عليه انحدار السيل وقلت أبن لي عافاك الله ما الذي يوجب ما أنت عليه من العظمة والكبرياء؟ هل هنا نسب يورثك الفخر، أو شرف
توجت به دون أبناء الدهر، أو علم، أصبت فيه علماً يقع الإيماء إليه، أو مورد تقف الهمم عليه؟ وهل أنت إلا وتد بقاع في أشر البقاع؟ وإني لأسمع جعجعة ولا طحن فامتقع لونه، وجعل يعتذر عن جنايته، وأقول له يا هذا إذا أتاك شريف في نسبه تجاهلت عليه، أو عظيم في أدبه صغرت قدره، أو مقدم عند سلطانه لم تعرف موضعه، هل العز تراث لك دون غيرك؟ كلا والله، ولكنك مددت الكبر سترا، رواقا دون جهلك، فعاد إلى الاعتذار وأخذت الجماعة في تليين جانبي، والرغبة
في قبول عذره وإعمال مياسرته ومسامحته، ويحلف بالله أنه لم يعرفني فأقول: يا هذا ألم يستأذن عليك باسمي ونسبي؟ أما كان في هؤلاء الجماعة من يعرفك بي إن كنت جهلتني؟ وهب كان ذلك ألم ترتحتي بغلة رائعة يعلوها مركب ثقيل، وبين يدي عدة غلمان؟ أما شاهدت لباسي أما شممت نشري أما راعك شيء من أمري أتميز به عن غيري؟ وهو خافض جناح الذل، وقد زال عنه ما كان فيه وأقبل على، وأقبلت عليه.
ثم قلت له يا هذا يختلج في نفسي أشياء من شعرك أريد أن أسألك
عنها، وأراجعك فيها. قال وما هي؟ قلت أخبرني عن قولك:
إذا كان بعضُ الناس سيفاً لدولةٍففي الناسِ بُوقاتُ لها وطُبول
أهكذا تمدح الملوك؟ وعن قولك:
خف الله واستر ذا الجمالَ ببرقعفإن لُحتَ حاضتْ في الخدور العواتقً
أهكذا يتشبب بالمحبوب؟ وعن قولك:
ولا مَن في جَنازتها تِجارُيكون وداعُها نفضَ النّعالِ
أهكذا رثاء أحت الملك؟ والله لو قلت هذا في أدنى عبيدها لكان قبيحا، وعن قولك:
سلام الله خالقنا حَنوطاعلى الوجه المكفن بالجمال
أما استحييت من سيف الدولة؟ عن قولك في هجاء ابن كيغلغ:
وإذا أشار مُحّدثاً فكأنهقردُ يُقهقهُ أو عجوزُ تلطمُ
أما كان في أفانين الهجاء التي تصرفت فيها الشعراء مندوحة عن هذا الكلام الذي تنفر عنه الأسماع، ويمجه كل طبع. وأخبرني أيضاً عن قولك في صفة الكلب:
فصار ما في جلده في المرجلولم يَضرناْ معه فقدُ الأجدل
أي شيء أعجبك من هذا الوصف؟
أعذوبة عبارته أم لطف معناه؟ أما قرأت رجز الحسن بن هانئ وطردية ابن المعتز أما كان في المعاني التي ابتدعها هذان الشاعران ما تتشاغل به عن بنيات فكرك من اللفظ اللئيم؟ وعن قولك:
أرقُ على أرقٍ ومثليَ يَأرقوجَوىً يزيدُ وعبرةُ تترقرقُ
أهكذا تكون الافتتاحات؟ وعن قولك:
أحبُّك أو يقولوا جرّ نملُثَبيِراً وابن رِيعا
أهكذا تكون المخالص؟ وعن قولك:
فقلقلْت بالهمّ الذي قلقل الحشاقلاقلَ عيِسى كلهن قلاقلُ
قال أبو علي الحاتمي فأقبل على وقال أين أنت من قولي؟
كأن الهامِ في الهيجا عيونُوقد طُبِعتْ سيوفُك من رُقاد
وقد صُغتَ الأسَنة من هُمومفما يَخْطُرْنَ إلاَّ في فؤاد
وأين أنت من قولي في وصف جيش:
في فيلق من حديد لو قذفت بهصَرْفَ الزمان لما دارتْ دوائرُهُ
وأين أنت من قولي؟:
لو تَعقِل الشجرُ التَّي قابلتهاَمدّتُْ مَحييِةً إليكَ الأغْصُنا
ومن قولي أيضاً:
أينفع في الخيمة العُذَّلُوتشملُ مَنْ دَهَره يَشمَلُ
وما اعتمدَ اللهُ تَقْويضَهاولكن أشارَ بما تَفْعَلُ
وقولي فيها أيضاً:
وملمومةُ زَرَدُ ثوبُهاولكنه بالقنا مُخْملُ
وأين أنت من قولي؟
الناسُ ما لم يَرَوْك أشباهُوالدهرُ لفظُ وأنت معناه
وأين أنت من قولي؟
وما شَرقي بالماء إلاّ تذكراًلماء به أهلُ الحبيب نزولُ
يُحرمه لمعُ الأسنةِ فوقهفليس لظمآن إليه سبيلُ
أما يكفيك إحساني في هذه وتغفر إساءتي في تلك؟ قلت: ما أعرف لك إحساناً في جميع ما ذكرت، وإنما أنت سارق متبع، وآخذ مقصر وفيما تقدم عن المعاني مندوحة عن التشاغل بها.
فأما قولك:
كأن الهام في الهيجا عيونُوقد طبعت سيوفك من رقاد
وقد صُغتَ الأسنة من همومفما يخطرن إلا في فؤاد
فمنقول من منصور النمري:
فكأنما وَقْعُ الحُسامِ بهامهخَدَرُ الأسنة أو نُعاسُ الهاجع
وأما قولك:
في فيلق من حديد لو قذفت بهصرفَ الزمان لما دارت دوائره
فإنما نقلته نقلاً لم تحسن فيه، وهو قول الناجم:
ولي في أحمد أملُ بعيدُومدحُ قد مدحتُ به طريفُ
مديحُ لو مدحتُ به اللياليلما دارتْ علىّ لها صروفُ
والناجم نقله من قول أرسطو وهو: قد تكلّمت بكلام لو مدحت به الدهر لما دارت علىّ صروفه.
وأما قولك:
لو تعقل الشجر التي قابلتهامدّتْ مُحَيَّيةً إليكَ الأغصنا
فهذا معنى مبذول قد تجاذبته الشعراء، وأول من نطق به الفرزدق بقوله:
يكاد يُمسكه عِرفانَ راحتهِركنُ الحطيم إذا ما جاءَ يَستلمُ
ثم تكرر على ألسنة الشعراء، إلى أن قال أبو تمام:
لو سعتْ بقعةُ لإعظام أخرىلَسَعى نحوَها المكانُ الجديبُ
وأخذ هذا المعنى البحتري، فقال:
ولَوَ إن مشتاقاً تكلف فوق مافي وُسْعه لَسعى إليك المنِيرُ
وأما قولك:
وما اعتمد الله تقويضهاولكن أشار بما تفعل
فهذا مأخوذ من قول رحل مدح بعض أمراء الموصل، وقد عزم على المسير، فاندق لواؤه فقال:
ما كان مُندقُّ اللواءِ لريبةِتُخشى ولا أمر يكون مرتلا
إلاَّ لأن العودَ صغرّ متنهَصِغَرُ الولاية فاستقل الموصلا
وأما قولك:
الناس ما لم يَرَك أشباهوالدهر لفظُ وأنت معناه
فمنقول من قول منصور بن بسام
قد استوى الناسُ وماتَ الكمالْوصاحَ صرفُ الدهرِ أين الرجالْ
هذا أبو العباسِ في نَعْشهِقوموا انظروا كيف تسير الجبالْ
وأما قولك:
وملمومة زردُ ثوبهاُولكنه بالقنا مُخمَلُ
فمنقول من قول أبي نواس:
أمامَ خَميِس أُرجُوان كأنُهقميصُ مَحوكُ من قَناً وجياد
وقال بعض الحاضرين ما أحسن قوله: قوموا انظروا كيف تسير الجبال! فقال أبو الطيب اسكت ما فيه من حسن إنما سرقة من قول النابغة وهو:
يقولون حِصنُ ثم تأبى نفوسُهموكيف بحصن والجبال جُنوح
قال الحاتمي وأما قولك: " والدهر لفظُ وأنتَ معناه " فمنقولُ من الأخطل وهو:
وإن أمير المؤمنين وفعلهلك الدهر لا عارُ بما فعل الدهرُ
ثم قلتُ له: أتراه أخذه من أحد؟ فأطرق هنية ثم قال: ما تصنع بهذا؟ قلت ليستدل به على موضعك وموضع أمثالك من سرقة الشعر. فقال الله أكبر، سأفهمك، ثم قال: ألا قلت بل أخذه من قول النابغة
الذبياني: وهو أول من ابتكره، فقال:
وعيرتْني بنو ذُبيانَ خشيتَهوهل علىَّ بأنْ أخشاه منْ عارِ
أخذه أبو تمام فقال وأجاد:
خَشَعوا لصولتك التي هي فيهمُكالموت يأتي ليس فيه عارُ
وأما قولك:
وما شَرَقي بالماء إلا تذكرالماء به أهل الحبيب نزول
يحرمه لمع الأسنة فوقهفليس لظمآن إليه وصولُ
فهو من قول عبد الله بن دارة.
ألم تعلمي يا أحسنَ الناس أننَّيوإن طال هجري في لقائكِ جاهدُ
فلا تعذُلينا في التنائي فإنناوإياكِ كالظمآن والماءُ بارد
يراه قريباً دانيا غير أنهتحول المنايا دونَه والمرَاصِدُ
فقال أبو الطيب: ألست القائل:
ذي المعالي فليعلونْ من تعالىهكذا هكذا وإلاّ فلا لا
شرفُ ينطح النجومَ بِرَوقَيْ - هـ وعز يُقلْقل الأجبالا قلت بل أخذت البيت الأول من بكر بن النطاح:
يتلقى الندى بوجه حَييَّوصدورَ القنا بوجه وَقاح
هكذا هكذا تكون المعاليطُرُق الجِدّ غيرُ طُرْقِ المُزاح
وأخذت الثاني من بيت أبي تمام وأفسدته.
همةُ تنطَحُ النجومَ وحَظُآلفُ للحضيض فهو حَضيِضُ
قال: فأي شيء أفسدته؟ قلت: جعلت لشرف الرجل قرنا. قال هي استعارة. قلت: استعارة خبيثة. قال: أقسمت بالله إني لم أقرأ شعراً قط لأبي تمامكم. فقلت: هذه سوءة لو سترتها كان أولى. قال: السوءة قراءة شعر مثله، أليس هو القائل؟:
خَشُنْتِ عليه أختَ بني الخُشينِوأنجحَ فيكِ قولُ العاذِلَيْنِ
وهو الذي يقول:
تسعون ألفاً كآساد الشَّرَى نَضِجتْجُلُودها قبل نُضجِ التين والعنب
وهو الذي يقول:
أقول لقُرحانٍ من البَينِ لم يُصِبْرَسيسَ الهوى بين الحَشاَ والترائب
ما قرحان البين؟ أخرس الله لسانه! فقلت له: يا هذا، قد كذبت نفسك، هذا من أدل الدليل على أنك قد قرأت شعر الرجل، بتتبعك مساويه، ثم قلت: يتسم أبو تمام بميسم النقيصة وهو الذي يقول:
نوالكُ ردّ حُسادي فُلولا
.. وأصلح بين حُسادي وبيني
هلا اعتبرت البيت بهذا البيت الذي لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله؟ وأما قوله تسعون ألفا... البيت، فله خبر لو عرفته وتقصيته، لما قلت ما قلتثم قصصت عليه سبب إيراده. ثم قلت له وفي هذه القصيدة ما لا يستطيع أحد من متقدمي الشعراء، وأمراء الكلام وأرباب الصناعة أن يأتي بمثله. قال وما هو؟ قلت لو قال قائل لم يبدأ أحد بأوجه ولا أحسن ولا أخصر من قوله:
السيف أصدقُ أنباءً من الكُتُبِفي حَدِه الحدُّ بين الجدِّ واللعبِ
لما عُنّف في ذلك، وفيها يقول:
رمى بك الله بُرجَيْها فهدّمهاولو رمى بك غيرُ الله لم يُصبِ
وفيها:
لما رأى الحربَ رأىَ العينِ تَوْفَلسُوالحربُ مشتقةُ المعنى من الحَرَب
ومنها:
فتح تَفَتّحُ أبوابُ السماء لهوتبرزُ الأرض في أثوابها القُشُبِ
غادرتَ فيهمْ بَهيِم الليلِ وهوْ ضُحىيَشُلُّه وسْطَها صبحُ من اللهَبِ
حتى كأن جلابيب الدجى رغبتْعن لونها وكأن الشمس لم تَغبَ
أجبتَهُ معلنا بالسيفِ منصلتاولو أجبتَ بغير السيف لم تُجِبِ
وأما قوله. أقول لقرحان من البين... البيت فإنه يريد رجلا لم يقطعه أحبابه ولم ينأوا عنه وفي هذه القصيدة من المعاني
الرائعة، والتشبيهات العجيبة، والاستعارات البارعة، ما يغتفر معه هذا البيت وأمثاله، فمن ذلك قوله.
إذا العيِسُ لا قتْ بي أباُ دلَفٍ فقدتقطَّعَ ما بيني وبين النوائب
يرى أقبحَ الأشياءِ أوْبةَ آملكستْه يدُ المأمولِ حلةَ خائب
وأحسنُ من نَوْر تُفتحه الصَّبابياضُ العطايا في سواد المَطالب
وقد علم الأفشيِنُ وهْو الذي بهيُصانُ رداءُ الملكِ من كل جاذبِ
بأرشق إذ سالتْ عليهم غمامةُجرتْ بالعوالي والعتاق الشوازبِ
بأنك لما استحنَّكَ الأمرُ واكتسىَأهابيَّ تَسْفي في وجوه التجارِبِ
وفيها يقول:
ولو كان يَفني الشعرُ أفناه ما قَرَتْحياضُك منه في العصور الذواهب
ولكنه فيضُ العقول إذا انجلتْسحائب منه أعْقِبَتْ بسحائب
فبهره ما أوردتهُ عليه، وأمسك عنان عبارته، وحبس بنيات صدره، وعقل عن الإجابة لسانه، وكاد أن يشغب، لولا ما خاف من عاقبة شغبه ومعرفته بمكاني في تلك الأيام، وأن ذلك لا يتم له، فما زاد على أن قال: أكثرت من أبي تمام فلا قدس الله روح أبي تمام! فقلت: لا قدس الله روح السارق
منه، الواقع فيه! ثم قلت: ما الفرق في لغة العرب بين التقديس والقداس والقادس؟ قال: وأي شيء غرضك في هذه المذاكرة؟ بل المهاترة؟ ثم قال: التقديس: التطهير، ولذلك سمي القدس قدساً، لأنه يشتمل على الذي يكون به الطهور. وكل هذه الأحرف تئول إليه، فقلت له: ما أحسبك أمعنت النظر في كتب اللغة، وعلوم العرب، ولو تقدم منك مطالعة لها، ما جمعت بين معاني هذه الكلمات، مع تباينها؛ لأن القداس بتشديد الدال: حجر يلقى في البئر لعلم غزارة ما فيه
من قلته. حكى ذلك ابن الأعرابي. والقداس يشبه الجمان يعمل من الفضة حكى ذلك الخليل، واستشهد بقوله " كنظم قداس سلكه متقطع ".
والقادس: السفينة فلما علوته بالكلام قال: يا هذا، اللغة مسلمة لك، فقلت: كيف تسلمها وأنت أبو عذرتها وأولى الناس بها، وأعرفهم باشتقاقاتها والكلام على أفانينها، وما أحد أولى بأن يسأل عن غربيها منك، وشرع الجماعة يسألونني العفو عنه، وقبول عذره، وكنت بلغت شيئاً كان في صدري، وعلمت أن الزيادة على
الحد الذي انتهيت إليه ضربُ من الأشر والبغي، ولا أراه في مذهبي، ورأيت له حق التقدم في صناعته فطأطأت له كنفي، واستأنفت جميلا من وصفه، ونهضت، فنهض لي مشيعا إلى باب الدار، حتى ركبت وأقسمت عليه أن يعود إلى مكانه، وتشاغلت بقية يومي بشغل عن لي عن حضرة الوزير المهلبي، وانتهى إليه الخبر.
وأتت رسله ليلا، فسرت إليه، وقصصت عليه القصة بتمامها، فحصل له من السرور والابتهاج بما جرى ما بعثه على مباكرة معز الدولة، وإخباره بكل ما أخبرته.
وأخبرني الرئيس أبو القاسم محمد بن العباس أنه بمجرد دخوله على معز الدولة قال: أعلمت ما كان من أبي علي الخاتمي والمتنبي؟ فإنه شفي منه صدراً. قال أبو علي الحاتمي: وشاهدت من فضيلته، وصفاء ذهنه، وجودة حذقه، ما حداني على عمل الحاتمية، وتأكدت بيني وبينه الصحبة، وصرت أتردد إليه أحياناً.
قال الخالديان: كان أبو الطيب المتنبي كثير الرواية جيد النقد. ولقد حكي بعض من كان يحسده أنه كان يضع من الشعراء المحدثين؛ ويغض من البلغاء
الملفقين، وربما قال أنشدوني لأبي تمامكم شيئاً حتى أعرف منزلته من الشعر، فتذاكرنا ليلة في مجلس سيف الدولة بميافارقين وهو معنا، فأنشد أحدنا لمولانا أيده الله شعراً له قد ألم فيه بمعنى لأبي تمام استحسنه مولانا أدام الله تأييده فاستجاده واستعاده.
فقال أبو الطيب هذا يشبه قول أبي تمام، وأتى بالبيت المأخوذ منه المعنى، فقلنا قد سررنا لأبي تمام إذ عرفت شعره، فقال: أو يجوز للأديب ألا يعرف شعر أبي تمام، وهو أستاذ كل من قال الشعر بعده
فقلنا قد قيل إنك تقول كيت وكيت، فأنكر ذلك، وما زال بعد ذلك إذا التقينا ينشدنا بدائع أبي تمام، وكان يروي جميع شعره.
وكان من المكثرين من نقل اللغة والمطلعين علي غريبها، ولا يسأل عن شيء إلا استشهد بكلام العرب من النظم والنثر، حتى قيل إن الشيخ أبا علي الفارسي قال له يوماً: كم لنا من الجموع على وزن فعلى؟ فقال له في الحال حجلي وظربي.
قال الشيخ أبو علي الفارسي: فطالعت كتب اللغة ثلاث ليال على أن أجد لها ثالثاً فلم أجد. وحسبك من يقول
مثل أبي على في حقه ذلك. ولما استقر بدار السلام، وترفع عن مدح الوزير المهلبي ذاهباً بنفسه عن مدح غير الملوك شق ذلك على المهلبي، فأغرى به شعراء العراق، حتى نالوا من عرضه، وتباروا في هجائه، فلم يجبهم، ولم يفكر فيهم، فقيل له في ذلك فقال: إني فرغت من إجابتهم بقولي لمن هو أرفع طبقة في الشعر منهم:
أرى المتشاعرين غَرُوا بذميومَنْ ذا يحمَدُ الداء العُضالا
ومن يك ذا فمٍ مّرٍ مريضٍيجدْ مُرّاً به الماءَ الزُّلالا
وقوله:
أفي كِلّ يوم تحت ضبِنْي شويعرُضعيفُ يقاويني قصيرُ يُطاولُ
لساني بِنطق صامتُ عنه عادلُوقلبي بصمتي ضاحك منه هازل
وأتعب من ناداكَ من لا تُجيبهوأغيظُ من عاداك من لا تُشاكل
وما التيهُ طبعي فيهمُ غيرَ أننيبغيضُ إلىّ الجاهلُ المتغافل
وقولي:
وإذا أتتك مِذَمّتي من ناقصفهي الشهادةُ لي بأني فاضل
ولما بلغ الحسن بن لنكك بالبصرة
ما جرى على المتنبي من وقيعة شعراء العراق فيه واستخفافهم به كقولهم فيه: أيُّ فضلٍ لشاعر يطلبُ الفض - لَ من الناس بُكرةً وعَشيِاّ عاش حيناً يبيع بالكوفة الما - ءَ وحيناً يبيع ماء المحّيا وكان ابن لنكك حاسداً له، طاعناً عليه، هاجياً إياه، زاعماً أن أباه كان يسقي الماء بالكوفة، فشمت به، وقال:
قواد لأهل زمان لا خلاق لهمضلوا عن الرشدِ من جهل بهم وَعُموا
أعطيتمو المتنبي فوق مُنْيتهفزوّجوه برغمٍ أمهاتِكمُ
لكن بغدادَ جاد الغيثُ ساكنهاَنِعالُهم في قَفا السقاءِ تزدحمُ
ومن قوله فيه: متنبيكمُ ابنُ سقاءَ كوفا - نِيَّ ويُوحَي من الكنيف إليهِ
كان مِنْ فِيه يَسلحُ الشعرَ حتىسلحتْ فقحة الزمانِ عليهِ
ومن قوله فيه:
ما أوقحَ المتنبيفيما حكى وادعاهُ
أبيح مالاً عظيماًلما أباح قفاه
يا سائلي عن غِناهمن ذاك كان عَناه
إنْ كان ذاك نبيافالجاثَليقُ إلهُ
ثم إن أبا الطيب اتخذ الليل جملا، وفارق بغداد متوجها إلى حضرة أبي الفضل ابن العميد. قيل إن الصاحب بن عباد طمع في زيارة المتنبي إياه بأصفهان وإجرائه مجرى مقصوديه من رؤساء الزمان، وهو إذ ذاك شاب، والحال حويلة، والبحر دُجيلة، ولم يكن استوزر بعد، فكتب يلاطفه في استدعائه، ويضمن له مشاطرته جميع ماله، فلم يقم له المتنبي وزناً، ولم يجبه عن كتابه، وقيل إن المتنبي قال لأصحابه: إن غليما معطاء بالري
يريد أن أزوره وأمدحه، ولا سبيل إلى ذلك. فصيره الصاحب غرضاً يرشقه بسهام الوقيعة، يتتبع عليه سقطاته في شعره وهفواته، وينعى عليه سيئاته، وهو أعرف الناس بحسناته وأحفظهم وأكثرهم استعمالا لها، وتمثلا بها في محاضراته ومكاتباته، وكان أبو الفضل محمد بن الحسين بن العميد يسمع بأخبار أبي الطيب، وكيف اشتهاره في الأقطار، وترفعه عن مدح الوزراء.
وسمع أنه خرج من مدينة السلام متوجهاً إلى بلاد فارس وكان يخاف ألا يمدحه، ويعامله معاملة المهلبي، فيتكره من ذكره، ويعرض
عن سماع شعره. قال الربعي: قال لي بعض أصحاب ابن العميد: قال دخلت عليه يوماً قبل دخول المتنبي فوجدته واجماً، وكانت قد ماتت أخته عن قريب، فظننته واجداً لأجلها، فقلت لا يحزن الله الوزير. فما الخبر؟ قال: إنه ليغيظني أمر هذا المتنبي، واجتهادي في أن أخمد ذكره، وقد ورد على نيف وستون كتاباً في التعزية ما منها إلا وقد صدر بقوله:
طوى الجزيرةَ حتى جاءني خبرُفَزعتُ فيه بآمالي إلى الكذب
حتى إذا لم يدع لي صدُقه أملاًشَرِقتُ بالدمع حتى كادَ يَشرَقُ بي
فكيف السبيلُ إلى إخماد ذكره؟ فقلت: القدر لا يغالب، والرجل ذو حظ من إشاعة الذكر، واشتهار الاسم، فالأولى ألا تشغل فكرك بهذا الأمر، وهذان البيتان من قصيدة لأبي الطيب يرثى بها أخت سيف الدولة، وأنفذها إليه من بغداد سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة، وأول القصيدة:
يا أخت خير أخ يا بنتَ خيرِ أبكنايةً بهما عن أشرف النسبٍ
وفي الشطر الثاني من هذا البيت نقد للمتأمل.
وفي صفر سنة أربع وخمسين ورد على أبي
الفضل بن العميد وهو بأرجان فحسن موقعه منه، وأنشده:
بادٍ هواكَ صبرتَ أو لم تصبراَوبُكاكَ إن لم يجر دمعكُ أو جرى
قيل: سئل أبو الطيب عن نصب تصبرا، فقال: سلوا الشارح، يعني ابن جني.
كم غَرْ صبرُك وابتسامُك صاحبالما رآه وفي الحشا ما لا يُرى
قال أبو عبد الله: كان ابن العميد كثير الانتقاد علي أبي الطيب، فإنه لما أنشده هذا البيت قال: يا أبا الطيب، تقول باد هواك ثم تقول بعده كم غر صبرك؟ ما أسرع ما نقضتَ ما ابتدأت به! فقال تلك حال
وهذه حال:
أمرَ الفؤادُ لسانهَ وجفونهَفكتمْنَه وكَفَى بجسمكُ مخبرا
تَعِس المهِاري غيرَ مَهْرِيَّ غَدابمصَّور لَبسَ الحريرَ مُصَّورا
نافستُ فيه صورةً في خِدرهلو كنتُها لخفِيتُ حتى يَظهر
لا تَتْربِ الأيدي المقيمةُ فوقهكِسرى مُقامَ الحاجَبيْن وقيصرا
يَقِيانِ في أحد الهوادِج مقلةًرَحَلتْ وكان لها فؤاديَ محْجرا
وقدَ استعمل أبو الطيب هذه الطريقة حيث قال في وصف الخَيمة وهو:
وأحسنُ من ماء الشيبةِ كلهحيَا بارق في فازة أنا شائمه
عليها رياضُ لم تَحُكُها سحابةُوأغصانُ دَوْح لم تُغَنَ حمائمهُ
وفوق حواشي كلّ ثوب مُوَجَّهٍمن الدّرِ سِمْطُ لم يُثقَّبه ناظمُه
ترى حيوانَ البرّ مصطلحا بهاًيحارب ضَدّ ضدَّه ويسالمهُ
إذا ضربتْه الريُح ماجَ كأنهتجول مذاكيه وتَدْ أي ضراغمه
وفي صورة الروميّ ذي التاج ذلةُلأبلجَ لا تيجانَ إلاَّ عمائمه
وكذلك أوردها أبو عبادة البحتري في قصيدته التي أولها:
صنت نفسي عما يدنس نفسيوترفعت عن ندى كل جبس
إلى أن قال في وصف إيوان كسرى:
وهويُنبيكَ عن عجائبِ قومٍلا يُشابِ البيانُ فيهم بَلْبس
فإذا ما رأيتَ صورةَ إنطا - كية ارتعتَ بين روم وفُرس
والمنايا مواثلُ وأنوشِرْوأن يُزجي الصفوفَ تحت الدَّرَفس
في اخضرار من اللباسِ علىأصفرَ يختالُ في صَبيغة وَرْس
وعِراكُ الرِجال بين يديهفي خُفوتٍ منهم وإغماض جَرْس
من مُشيحٍ يَهوى بعامل رمحومُليح من السنانِ بِتُرْس
تصفُ العينُ أنهم جدُّ أحيا - ءٍ لهم بينهم إشارةُ خَرُس
يَغْتلي فيهمُ ارتيابيَ حتىتتقراهمُ يدايَ بِلَمْس
والسابق إليها أبو نواس في قوله:
قرراتُها كسرى وفي جَنَباتهِامَهاً تدّريها بالقِسِيّ الفوارسُ
ومن قصيدة المتنبي:
أرَجَان أيتها الجياد فإنهعزمي الذي يَذر الوشيح مُكسر
لو كنتُ أفعل ما اشتهيتِ فَعالهَما شق كوكبكُ العجاجَ الأكدرا
أمَّي أبا الفضل المبَّر أليِتيَّلأيممنّ أجلَّ بحر جوهرا
أفتى برؤيته الأنامُ وحاشَ ليمن أن أكون مُقصَّراً أو مُقْصراَ
صغتُ السَّوار لأي كف بشرتْبابنِ العميد وأيّ عَبد كَبَرا
ومنها:
يتكسَّبُ القصبُ الضعيفُ بخطهشرفاً على صُمّ الرماحِ ومَفخَراَ
وَيبينُ فما مسّ منه بنانهُتِيهُ المُدلّ فلو مشَى لَتبخَترَا
يا مَنْ إذا وردَ البلاد كتِابُهقبلِ الجيوش ثنى الجيوشَ تَحَيُّرا
أنتَ الوحيدُ إذا رَكبت طريقةً
.. ومَن الرَّديفُ وقد ركبتَ غَضنفرا
قَطَفَ الرجالُ القولَ قَبْل نَباتهِوقَطَفْتَ أنتَ القولَ لما نَوَّرا
فَهُوَ المُتَبَّع بالمسامع إن مَضَىوهُوَ المضاعَف حُسّنُهُ إنْ كُرَّرَا
وإذا سَكَتَّ فإن أبلغَ خاطبقَلَمُ لكَ اتَّخذَ الأناملَ مِنبراَ
ورسائلُ قطع العُداةُ سِحَاءَهافَرَأوْا قَناً وأسنَّةً وسَنَوَّرَا
فدعاكَ حُسَّدُكَ الرئيسَ وأمسَكواودعاكَ خالقكَ الرئيسَ الأكْبَرا
خَلَفَتْ صِفاتُكَ في العيون كَلامَهُكالخطَّ يَملأُ مسْمَعَيْ مَنْ أبصَرا
أرَأيتَ هِمةَ اناقتي في ناقةٍنَقَلَتْ يدَّ اسُرُحاً وخُفّاً مُجْمراَ
تَرَكَتْ دُخان الرَّمْث في أوطانهطلبا لقوم يُوقِدُون العَنْبراَ
وتَكَرَّمَتْ رُكَباتُها عن مَبْرَكٍتَقَعانِ فيه وليس مِسْكا أذْفَرَا
لا يخفي ما في هذا البيت.
ومنها:
مَنْ مُبلغُ الأعرابِ أنَّىَ بَعْدهاَجالَسْتُ رَسْطَاليس وَالإسْكَنْدَرا
ومَلِلْتُ نَحْرَ عِشارها فأضافَنيمنْ يَنحَرُ البِدَر النضَار لمن قَرَى
وسَمِعْتُ بَطليموس دارس كُتْبهمُتَمَلكاً مُتَبَدياً مُتَحَضرا
ولَقيِتُ كلَّ الفاضلينَ كأنماَرَدَّ الإلهَ نُفُوسَهْم والأعْصُرَا
نُسِقوا لنا نَسَق الحِسابِ مُقَدَّماوأتى فذلك إذْ أتيْتَ مُؤخَّراً
ورأيت في نسخة قديمة) وأتت فذلك (.
ومن تأمل هذه الأبيات علم أن أبا الطيب قد ملك رقاب الكلام، واستعبد كرائمها، واستولد عقائمها، وفي ذلك فليتنافس، وعن مقامه فليتقاعس.
ومنها:
يَا ليتَ باكيةً شجاني دَمْعُهانظرتْ إليكَ كما نظرتُ فتَعْذرَا
فَتَرى الفَضيلةَ لا تردُّ فَضيلةًالشَّمس تَشْرقُ والسَّحاب كَنَهْورا
وتنازع ندماء ابن العميد في البيت الأخير، فقال: أثبتوه
حتى أتأمله، فأثبت البيت، ووضع بين يديه، فأطرق مليا يفكر فيه، ثم قال هذا يعطلنا عن المهم، وما كان الرجل يدري ما يقول.
وقد أشار المتنبي إلى أن ابن العميد ينتقد شعره بقوله: هل لعُذْرِي إلى الهُمام أبي الفض - ل قَبولُ سَوادُ عيني مدادُهْ
أنا من شِدةِ الحياء عليلُمَكرماتُ المُعِلَّةِ عُوَّادهْ
ما كفاني تقصيرُ ما قلتُ فِيِهعن عُلاَه حتَّى ثناه انتقادُهْ
إنّني أصْيَدُ البُزاةِ ولكنْ - نَ أجَلَّ النجومِ لا أصطادُهْ
رُبَّ مالا يُعَبّر عَنهُوالذي يُضْمرِ الفؤادُ اعتقادهُ
ما تعوَّدتُ أن أرىَ كأبي الفضْ - ل وهذا الذي أتاهُ اعتيادهُ
إنّ في الموج للغريق لَعُذْراًواضحاً أن يفوتَهُ تَعدادهْ
وهذه الأبيات من قصيدته التي يمدح بها ابن العميد، ويهنئه بالنوروز وأولها:
جاء نيروزنُا وأنتَ مرادهُوَرَرَتْ بالذي أراد زِنادُهْ
هذه النظرةُ التي نالها من - كَ إلى مثلها من الحول زادُهْ
ينثني عنك آخرَ اليوم منهناظرُ أنتَ طرْفُه ورُقادُهْ
نحن في أرض فارس في سرورذا الصباحُ الذي نرى ميلادُهْ
عظّمته ممالكُ الفرس حتىكلُّ أيامِ عامهِ حُسّادُهْ
ما لبسنا فيه الأكاليلَ حتىلَبِسْتها تلاعُه ووهادُهْ
وكان من عادة الفرس في ذلك اليوم حمل الهدايا إلى ملوكهم، فقال في آخرها: كثُر الفكُر كيف نُهدي كما أه - دت إلى رّبها الرئيسِ عبادُه والذي عندنا من المال والخي - ل فمنه هباتُه وقيادُه
فبعثنا بأربعين مِهارٍكلُّ مُهر ميدانهُ إنشادهُ
عددُ عِشتهَ يَرى الجسمُ فيهأرَبا لا يراه فيما يُزادُه
فارتبطْها فإن قلباً نماهامربطُ تسبِقُ الجيادَ جيادُه
وهذا من إحسان أبي الطيب. واحتج عن تخصيص أبياته بالأربعين دون غيرها من العدد بحجة غريبة، وهي أنه جعلها كعدد السنين التي يرى الإنسان فيها من القوة والشباب وقضاء الأوطار ما لا يراه في الزيادة عليها، فاعتذر بألطف اعتذار في أنه لم يزد القصيدة على هذه العدة، ونسخت القصيدتان، وأنفذتا من أرجان إلى أبي الفتح بن أبي الفضل بن العميد بالري، فعاد الجواب يذكر شوقه إلى أبي الطيب، وسروره به، وأنفذ أبياتاً نظمها طعن فيها على
المتعرضين لقول الشعر، فقال أبو الطيب والكتاب بيده ارتجالاً:
بكُتْبِ الأنام كتابُ وردفدتْ يَدَ كاتبه كلُّ يدْ
يُعبرّ عَمَّالنا عندهويذكر من شوقه ما نجد
فأخرقَ رائَيه ما رأىوأبرق ناقَده ما انتقد
إذا سمع الناس ألفاظَهخلقنَ له في القلوب الحسد
فقلت وقد فَرَس الناطقينكذا يفعل الأسد ابنُ الأسد
وأبو الفضل بن العميد هذا هو الذي ورد عليه أبو نصر عبد العزيز بن نبانة السعدي
وامتدحه بالقصيدة التي أولها:
بَرْحُ اشتياقي وادّكاريولهيبُ أنفاس حرِارِ
ومدامعُ عبراتُهاترفضّ عن نوم مُطَار
لله قلبي ما يُجنْ - نُ من الهموم وما يُواري لقدِ انقضى سكرُ الشبا - ب وما انقضى وصبُ الخُمارِ
وكَبِرتُ عن وصل الصَّغاروما سلوت عن الكبار
سَقياً لتغليسي إلىباب الرُّصافة وابتكاري
أيامَ أخطِرُ في الصِّبانشوانَ مسحوب الإزار
حجّي إلى حَجَر الصّرا - ة وفي حدَائقها اعتماري ومواطنُ اللذاتِ أو - طاني ودارُ اللهو دارِي
لم يبق لي عيشُ يلذّمسوى مُعاقرة العُقار
حَثَّي بألحان ترا - ءتْ بين ألحان القَمارِي وإذا استهل ابن العمي - د تضاحكتْ دِيمُ القِطار
خِرْقُ صفت أخلاقهصفو السّبيكِ من النُّضار
فكأنما رُدِفتْ موا - هبه بأمواج البِحار
وكأنّ نشر حديثهنشرُ الخُزامَي والعَرار
وكأننا مما تُفرّمقُ راحتاه في نِثار
كلفُ بحفظ السر يُحْ - سَبُ صدرهُ ليل السرار إن الكبار من الأمو - رِ تُنال بالهمم الكبار وإلى أبي الفضل انبعثْ - ن هواجسُ الشعر السَّواري فتأخرت صلته عنه، فشفع هذه القصيدة بأخرى، وأتبعها برقعة، فلم يزده ابن العميد على الإهمال،
مع رقة حاله التي ورد عليها إلى بابه، فتوسل إلى أن دخل عليه يوم المجلس، وهو حافل بأعيان الدولة، ومقدمي أرباب الديوان، فوقف بين يديه، وأشار بيد إليه، وقال: أيها الرئيس إني قد لزمتك لزوم الظل، وذللت لك ذل النعل، وأكلت النوى المحرق، انتظاراً لصلتك فوالله ما بي شيء من الحرمان إلا شماتة قوم نصحوني فأغششتهم، وصدقوني فاتهمتهم، فبأي وجه ألقاهم؟ وبأي حجة أقاومهم؟ ولم أحصل من مديح بعد مديح، ومن نثر بعد نظم إلا على ندم مؤلم ويأس مسقم، فإن كان
للنجح علامة فأين هي؟ وما هي؟ إن الذين تحسدهم على ما مدحوا به كانوا من طينتك، وإن الذين هجوا كانوا مثلك فزاحم بمنكبك أعظمهم سناماً، وأنورهم شعاعاً، وأشرفهم يفاعاً، فحار ابن العميد، ولم بدر ما يقول، فأطرق ساعة ثم رفع رأسه وقال: هذا وقت يضيق عن الإطالة مني في المعذرة، وإذا تواهبنا ما دُفْعنا إليه استأنفنا ما نتحامد عليه. فقال ابن نباتة: أيها الرئيس هذه نفثة صدر قد دوى منذ زمان، وفضلة لسان قد خرس منذ دهر، والغنى إذا
مطل يستلأم، فاستشاط ابن العميد وقال: قد والله ما استوجبت هذا العتب من أحد من خلق الله، ولقد نافرت العميد من دون هذا حتى دفعنا إلى شغب عاتم، ولجاج قاتم، ولست ولي نعمتي فأحتملك، ولا صنيعتي فأغضى عنك، وإن بعض ما أوقرته في مسامعي، ينقض مرة الحلم، ويبدد شمل الصبر، هذا، ولا استقدمتك بكتاب، ولا استدعيتك برسول
ولا سألتك مديحي، ولا كلفتك تقريضي، فقال ابن نباتة: صدقت أيها الرئيس ما استقدمتني بكتاب، ولا استدعيتني برسول ولا سألتني مدحك، ولا كلفتني تقريضك، ولكنك جلست في صدر إيوانك بأبهتك، وقلت لا يخاطبْني أحد إلاّ بالرياسة، ولا ينازعني خلق في أحكام السياسة، فأني وزير ركن الدولة، وزعيم أولياء الحضرة، والقيم بمصالح المملكة، فكأنك دعوتني بلسان الحال، وإن لم تدعني بلسان المقال، فثار ابن العميد مغضباً، وأسرع في صحن داره إلى أن دخل حجرته، وتقوض المجلس، وماج الناس، وسمع ابن نباته وهو مار في صحن الدار يقول: والله إن سف التراب، والمشي
على الجمر، أهون لنا من هذا، فلعن الله الأدب إذا كان بائعه مهيناً له، ومشتريه مماكساً فيه. فلما سكن غيظ ابن العميد، وثاب إليه حلمه، التمسه من الغد ليعتذر إليه، ويزيل أثر ما كان منه، فكأنما غاض في سمع الأرض وبصرها، فكانت حسرة في قلب ابن العميد إلى أن مات.
وسار أبو الطيب من بعد ما ودع ابن العميد ومدحه بالقصيدة التي أولها:
نسيتُ وما أنسى عتابا على الصدّولا خَفراً زادتْ به حمرةُ الخدِّ
قاصداً أبا شجاع عضد الدولة
وهو بشيراز، وأنشده القصيدة التي أولها:
أوْه بديلً من قَوْلتي واهاَلمن نأتْ والبديلُ ذكراها
وقد رأيتُ الملوك قاطبةًوسرتُ حتى رأيتُ مولاها
قيل لما سمع سيفُ الدولة هذا البيت قال أتراه أدخلنا في هذه الجملة؟ ومنها:
ومَن مناياهم براحتهبأمرها فيهم وينهاها
أبا شجاع بفارس عضد الدَّولة فَناَّ خُسرُو شَهَنْشاها
أسامياً لم تزدْه معرفةًوإنما لذةً ذكرناها
تذكرتُ بهذا البيت ما نقله بعض أئمة الأدب: أن رجلاً من مدينة السلام كان يكره أبا الطيب المتنبي، فآلى على نفسه ألا يسكن مدينة يذكر بها أبو الطيب، وينشد كلامه، فهاجر من مدينة السلام، وكان كلما وصل بلداً يسمع بها ذكره يرحل عنها، حتى وصل إلى أقصى بلاد الترك، فسألا أهلها عن أبي الطيب فلم يعرفوه، فتوطنها، فلما كان يوم الجمعة ذهب إلى صلاتها بالجامع، فسمع الخطيب ينشد بعد ما ذكر أسماء الله الحسنى.
أسامياً لم تزَده معرفةًوإنما لذةً ذكرناها
فعاد إلى دار السلام. ومن القصيدة:
لو فطنتْ خيلةُ لنائلهلم يُرضَها أن تراه يرضاها
هذا البيت له معنيان: أحدهما أن خيله لو علمت مقدار عطاياه لما رضيت له أن تكون من جملتها لأنها أنفس منها. والثاني لم ترض لأنه إذا ملكها وهبها.
ومنها:
تُشرقُ تيجانهُ بغرّتِهإشراق ألفاظهِ بمعناها
دان له شرقُها ومغربُهاونفسهُ تستقل دُنياها
تجمعتْ في فؤاده هممُمِلءُ فؤاد الزمان إحداها
وحكى عبد العزيز بن يوسف الجرجاني وكان كاتب الإنشاء
عند عضد الدولة عظيم المنزلة منه قال: لما دخل أبو الطيب المتنبي مجلس عضد الدولة، وانصرف عنه، أتبعه بعض جلسائه، وقال له: سله كيف شاهد مجلسنا؟ وأين الأمراء الذين لقيهم منا؟ فامتثلت أمره، وجاريت المتنبي في هذا الميدان، وأطلت معه عنان القول، فكان جوابه عن جميع ما سمعه مني أن قال: ما خدمت عيناي قلبي كاليوم، ولقد اختصر اللفظ وأطال المعنى وأجاد فيه، وكان ذلك منه أوكد الأسباب التي حظي بها عند الدولة، وكان أبو علي الفارسي
إذ ذاك بشيراز وكان ممر المتنبي إلى دار عضد الدولة على دار أبي علي الفارسي، وكان إذا مر به أبو الطيب يستثقله على قبح زيه، وما يأخذ به نفسه من الكبرياء، وكان لابن جنى هوى في أبي الطيب، كثير الإعجاب بشعره، لا يبالي بأحد يذمه أو يحيط منه. وكان يسوء إطناب أبي علي قي ذمه، واتفق أن قال أبو علي يوماً اذكروا لنا بيتاً من الشعر نبحث فيه، فبدأ ابن جني وأنشد:
حُلْتِ دون المزار لوزرتِ لحال النحولُ دون العِناق
فاستحسنه أبو علي، واستعاده، وقال
لمن هذا البيت؟ فإنه غريب المعنى، فقال ابن جنى: للذي يقول:
أزورهم وسوادُ الليل يشفعُ ليوانثنى وبياضُ الصبح يُغرى بي
فقال والله هذا حسن بديع جداً، فلمن هما؟ قال للذي يقول:
أمضى إرادتهِ فسوف له قدُواستقرب الأقصى فثَم له هُنا
فكثر إعداب أبي علي، واستغرب معناه، وقال لمن هذا؟ فقال ابن جني: للذي يقول:
ووضع الندى في موضع السيف بالعلامضرُّ كوضع السيف في موضع الندى
فقال وهذا والله، وقد أطلت يا أبا الفتح، فأخبرنا من القائل؟ قال هو الذي لا يزال الشيخ يستثقله، ويستقبح زيه وفعله، وما علينا من القشور إذا استقام اللب؟ قال أبو علي: أظنك تعني المتنبي؟ قلت نعم.
قال والله لقد حببته إلي، ونهض، ودخل على عضد الدولة، فأطال في الثناء على أبي الطيب، ولما اجتاز به استنزله، واستنشده، وكتب عنه أبياتاً من الشعر.
قال الربعي: كنت يوماً عند المتنبي بشيراز، فقيل له أبو علي الفارسي بالباب، وكانت
تأكدت بينهما المودة، فقال بادروا إليه فأنزلوه، فدخل أبو علي وأنا جالس عنده، فقال يا أبا الحسن خذ هذا الجزء، وأعطاني جزءاً من كتاب التذكرة، وقال: اكتب عن الشيخ البيتين اللذين ذكرتك بهما وهما:
سأطلبُ حقي بالقنا ومشايخكأنهمُ من طُول ما التثموا مُردُ
ثقال إذا لاقوا خِفافٍ إذا دُعواكثير إذا شَدُّوا قليل إذا عُدُّوا
ومن مدائح أبي الطيب في عضد الدولة القصيدة التي يذكر فيها شعب بوان وأولها:
مغاني الشّعبِ طيباً في المغاني
.. بمنزلة الربيع من الزمانِ
ولكنَّ الفتى العربيَّ فيهاغريبُ الوجه واليدِ واللسانِ
ملاعبُ جنَّة لو سار فيهاسليمانُ لسار بِترْجُمانَ
فلما وصل إلى قوله:
فسرتُ وقد حجبن الشمس عنيوجئن من الضياء بما كفاني
وألقى الشرقُ منها في ثيابيدنانيرً تفرُ من البنان
فقال عضد الدولة والله لأقرنها وفعل:
لها ثمر تشيرُ إليك منهبأشربه وقفن بلا أوان
وأمواهُ يَصلُّ بها حصاهاصليل الحليْ في أيدي الغواني
ومنها:
تَحِلُّ به على قلبٍ شجاعٍوترحلُ منه عن قلبٍ جبانِ
ومَنْ بالشّعب أحوجُ من حَمامٍإذا غنى وناح إلى البيان
وقد يتقاربُ الوصفان جداًوموصوفاهما متباعدان
يقولُ بشعبِ بوان حصانيأعن هذا يُسار إلى الطّعان؟
أبوكمْ آدمُ سنَّ المعاصيوعلّمكم مُفارقة الجِنان
إلى أن قال:
فلو طُرحتْ قلوبُ العشق فيهالما خافتْ من الحدقِ الحسانِ
ولم أر قبله شِبليْ هِزبْرٍكشبلية ولا مُهريْ رِهان
أشدَّ تنازعاً لكريم أصلٍوأشبه منظراً بأبٍ هِجانِ
وأكثر في مجالسه استماعاًفلانُ دقّ رُمحاً في فلانَ
وأول رَأيةٍ رأيا المعاليفقد علقا بها قبل الأوان
وأول لفظة فهما وقالاإغاثة صارخ أو فكُ عانى
وكنتَ الشمس تبهر كلَّ عينفكيف وقد بدتْ معها اثنتان
فعاشا عيشة القمرينُ يحيابضوئهما ولا يتحاسدان
ولا مَلَكَا سوى مُلكِ الأعاديولا ورِثا سوى مَن يقتلان
وكان ابنا عدو كاثراهله ياءي حروفِ أنيسيان
أي زيادة أولاد عدوك كزيادة التصغير، فإنه زيادة نقص، وقد ابتدع هذا المعنى
دعاءُ كالثناء بلا رِياءيؤديه الجَنان إلى الجَنان
ومن قصائده في عضد الدولة القصيدة التي أولها:
أثلث فإنا أيها الطللُنَبكي وتُرزِم تحتنا الإبلُ
ومنها:
قالت ألا تصحو فقلت لهاأعلْمَتِني أن الهوى ثملِ
ومنها:
قد رُوا عَفَوْا وعدوا وفَوْا اسئُلواأغنوا عَلَوْا ولُوا عدلوا
فوق السماك وفوق ما طلبوافإذا أرادوا غاية نزلوا
أخذه من قوله ابن الرومي وهو قوله:
نزلتم علي هام المعالي إذا ارتقىإليها أناسُ غيرُكم بالسلالم
وذاك بعض المعنى الذي تضمنه قول ابن الرومي، لأنه قال: إنكم نزلتم علي هام المعالي، وأن غيركم يرقى إليها رقُياً، وأما المتنبي فإنه قال إنكم إذا أردتم غاية نزلتم، وأما قوله فوق السماك فإنه يغني عنه قول ابن الرومي نزلتم علي هام المعالي إذ المعالي فوق كل شيء
لأنها مختصة بالعلو مطلقاً، وقال يعزي عضد الدولة بعمته، وقد توفيت ببغداد، وورد عليه الكتاب بشيراز بالقصيدة التي أولها:
آخرُ ما المَلْكُ مُعّزي بههذا الذي أثر في قلبهَ
لا جَزعا بل أنفاً شابَهُأن يَقْدر الدهُر على غَضْبهِ
لو درت الدنيا بما عندهلاستحيتِ الأيامُ من عَتبهِ
لعلها تحسبِ أن الذيليس لديه ليس من حزبهِ
نحن بنو الموتى فما بالنانعافُ ما لابُدَّ من شربهِ
لو فكرّ العاشقُ في منتهىحُسن الذي يسبيهِ
يموت راعي الضأن في جهلهموتة جالينوس في طِبِه
استغفر الله لشخص مضىكان نداه منتهى ذنبه
يحسبِه دافنهُ وحدهومجدهُ في القبر من صحبهِ
ما كان عندي أنّ بدر الدجىيُوحشُه المفقودُ من شُهبهِ
وقال يودعه وهي آخر شعره، وفي أثنائها كلام جرى على لسانه كأنه ينعى فيه نفسه وهي من محاسن ما يؤتي به في المعنى الوداع وأولها:
فِدىً لك مَنْ يُقصّرِ عن مداكافلا مَلِكُ إذنْ إلاَّ فَداكا
إلى أن قال:
أروحُ وقد ختمتَ علي فؤاديبحبّك أن يحُلَّ به سواكا
وقد حمّلْتني شكراً طويلاثقيلا لا أطيق به حَراكا
أحاذر أن يَشُقَّ على المطايافلا تمشي بنا إلا سِواكا
لعل الله يجعله رحيلايُعينُ على الإقامة في ذَراكا
لما أنجحت سفرته، وربحت تجارته بحضرة عضد الدولة، ووصل إليه من صلاته أكثر من مائتي ألف درهم استأذنه في
المسير عنها، ليقضي حوائج في نفسه، ثم يعود إليها، فأذن له، وأمر بأن يُخلع عليه الخلع الخاصة، وتعاد صلتهُ بالمال الكثير، فامتثل ذلك، وأنشده هذه القصيدة، وفي أثنائها كلام ينعى فيه نفيه وإن لم يقصده كما قدمنا، فمنه قوله:
فلو أنى استطعت خفت خفضتُ طرَْفيفلن ابصر به حتى أراكا
وهذه لفظة يتطير منها:
أرى أسفي وما سِرنْا شديداًفكيف إذا غدا السيرُ ابتراكا
وهذا الشوقُ قَبل البين سيفُوهأنا ما ضُربتُ وقد أحاكا
إذا التوديع أعرض قال قلبيعليك الصمتَ لا صاحبتَ فاكا
وهذا أيضاً من ذاك، ومنه:
ولولا أن أكثر ما تمنىمعاودةُ لقلتُ ولا منكاكا
أي لولا أن أكثر ما تمنى قلبي أن يعاودك لقلت له ولا بلغت مناك، ومنه:
قد استشفيتَ من داء بداءوأقتلُ ما أعّلك ما شفاكا
أي قد أضمرت يا قلب شوقاً إلى أهلك، فكان ذلك داء لك،
فاستشفيت منه بأن فارقت عضد الدولة، ومفارقته داء لك أيضاً أعظم من داء شوقك إلى أهلك، فكأنك تداويت من فراقه بما هو أقتل لك من مكابدة الشوق إلى أهلك، وهذا شبيه قول النبي ﷺ: " كَفى بالسلامة داء ". ومنها:
فأسترُ منك نجوانا وأخفىهموماً قد أطلتُ لها العراكا
إذا عاصيتهاُ كانتْ شِداداًوإن طاوعتهاُ كانت رِكاكا
ومنه:
زكم دون الثّوية من حزينٍيقول له قدومي ذا بذاكا
الثوية من الكوفة. يقول له قدومي ذا بذاكا: أي هذا القدوم
بتلك الغيبة ولك هذا السرور بذلك الحزن. ومنه:
ومن عَذْبِ الرُّضاب إذا أنخنايُقبل رحل تُرْوَك والورِاكا
تروك: اسم ناقة لم ير مثلها لعضد الدولة أمر له بها، والوراك شيء يتخذه الراكب كالمخدة تحت وركه.
يُحرّمُ أن يِمسّ الطيب بعديوقد عَلِق العبيرُ به وصاكا
النص من طبعة المطبعة العامرة الشرفية بالقاهرة (١٣٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع