من «الصبح المنبي عن حيثية المتنبي» ليوسف البديعي (ت ١٠٧٣هـ)
عداوة الشعراء بئس المقتنى
ومن التلميحات الخفية ما يحكى عن رجل من المناقذة أصحاب حصن شيرز، وهو أولهم الذي استنقذهم،
وكان قبل ملكه إياه في خدمة محمود بنصالح صاحب حلب، وكان إذ ذاك يلقب سديد الملك، فبينا هو في مكانه إذ حدثت له حادثة أوجبت أن هرب، ومضى إلى مدينة طرابلس في زمن بني عماد أصحاب البلد، فأرسل إليه ابن صالح، واستعطفه ليعود إليه، فخافه، ولم يعد، فأحضر ابن صالح رجلاً من أهل البلد
صديقاً لابن منقذ وبينهما لحمة مودة أكيدة، فأجلسه بين يديه، وأمره أن يكتب إليه كتاباً عن نفسه يوثقه من جهة ابن صالح، ليعود، فما وسعه إلا أن يكتب، وهو يعلم أن باطن الأمر خلاف ظاهره، وأنه متى عاد ابن منقذ إلى حلب، هلك، فأفكر وهو يكتب الكتاب في إشارة عمياء لا تفهم، ليضعها فيه، يحذر بها ابن منقذ،
فأدار فكره إلى أن كتب في آخر الكتاب عند انتهائه، إن شاء الله تعالي، وشدد إن وكسرها، وضبطها، ليعلم منه الفطن الذكي أنه ليس عن سهو، ثم سلم الكتاب إلى ابن صالح، فوقف عليه، وأرسله إلى ابن منقذ، فلما صار في يده، وعلم ما فيه، قال: هذا كتاب صديقي، وما فيه، قال: هذا كتاب صديقي، وما يغشني، ولولا أنه علم صفاء قلب ابن صالح ما كتب
إلى، ولا غرني، ثم عزم على العود، وكان عنده ولده، فأخذ الكتاب، وكرر نظره فيه، ثم قال: مكانك، فإن صديقك قد حذرك، وقال: لا تعد، فقال: وكيف ذاك؟ قال: إنه كتب إن شاء الله تعالى في آخر الكتاب، وشدد إن، وكسرها وضبطها ضبطاً صحيحاً لا يصدر مثله عن سهو، ومعنى ذلك أنه يقول: إن الملأ يأتمرون بك
ليقتلوك، وإن شككت في ذلك فأرسل إلى صديقك فاسأله، فأرسل إليه، وسأله، فقال: هو ما قال ولدك، فأقام، ولم يعد إلى حلب. وهذه الحكاية ينسبها من لا اطلاع له على الأخبار إلى أبي الطيب المتنبي، ويقول: إنه أرسل إلى صاحب حلب كتاباً يقول فيه: إنه يعود إليه، وكتب في آخره إن شاء الله تعالى، وشدد إن وزاد نونها ألفاً
صغيرة، فلما ورد الكتاب، وسمع به صديقه، توهم أنه ما فهم إشارته، فساءه ذلك، ثم تأمل الكتاب، فرأى في آخره إنا شاء الله تعالى بزيادة ألف في نونها، فعلم أنه فهم، وأنه يقول: إنا لن ندخلها، وهذه موضوعة.
ومما اشتهر بين الطَّغام الذين هم كالأنعام أن أبا الطيب يمم المغرب بجماعة كثيرة، وآلات خطيرة، ونصبت خيامه
على باب مدينة حاكمها، فارتجت له دعائم معالمها، واستكشف خبره، فإذا هو شاعر أتاه، وعلم أنه يعجز عن رضاه، فقال شاعره وهو ابن هاني الأندلسي: على رده قبل أن تراه، ثم تزيا بزي غث، وتجلبب بجلباب رث، وعمد إلى شيء من الحنطة والشعير، ووضعهما على أحد الحمير، ثم مر المتنبي، وهو
ينظر إلى الماء وتجعيده بيد الهواء وهو يكرر هذا الشطر:
نسج الريح على الماء زرد
فقال ابن هانئ:
ياله درع منيع او جمد
فسأله أبو الطيب عن خبره، فأخبره أنه شاعر تلك البقاع، فاستنشده، فأنشده من مدائحه مخدومه ما تسكر منه الأسماع.
ضحك الزمانُ وكان قدْما عابسالما فتحتَ بسيف عزمك قابسا
أنكحتها بكراً وما أمهرتهاإلا دقناً وقواضباً وفوارسا
من كانت البيضُ الصوارمُ مهرَةجُلبتْ له بيضُ الحصون عرائسا
الله أكبر ما اجتنبت ثمارهاإلاّ وكان أبوك قبلك غارساً
فقال: ما حباك على هذه القوافي الجليلة؟ فأشار إلى
ما على حماره، وقال هذه الجائزة الجزيلة، فقوض عن المغرب خيامه، وجعل المشرق أمامه، وبعد برهة من الزمان قصد ابن هانئ سيف الدولة بن حمدان، والمتنبي إذ ذاك شاعره، ونديمه، وصاحبه، وحميمه، وكان اطلع على تلك المكيدة، وصمم على أن يكيده، فتلقاه تلقى كثير لعزة، وأحله داره وأعزه،
واستطلع رأيه في مدح سيف الدولة، وسأله عن أسلوبه. ليتبع قوله، فأرشده، فنظم على ذلك الأسلوب ما تسجد له جباه الأفهام، ولما مثل لينشده، رآه مبانيا لذلك المقام:
سارتْ مُشرقةً وسرت مغرباشتان بين مُشرق ومُغرب
ولما أنشده ما أبدعه فلم يطرب، علم أن واحدة بواحدة جزاء،
فعدل عن ذلك الأسلوب، وأعمل قريحته، وشحذ فكرته، ونظم قصيدته التي أولها:
فتقت لكم ريح الجلاد بعنبر
وأنشدها على ريق لم يبلعه، ونفس لم يقطعه، فأعجب به سيف الدولة إعجاب ابن المعتصم بحبيب، وحظي في ذلك الوقت من الجوائز بأوفر
نصيب، فحسدته الشعراء، وغبطته الأدباء، فقال المتنبي: لا يحسد الميت على النزاع، ولا يغبط من عدم بحياته الانتفاع، وسئل عن معنى ذلك فقال: رأيته قد صوح تحت أقدامه أخضر النبات، وحم ذلك المسكين لوقته، ثم مات. وهذه الحكاية الموضوعة والغربية المصنوعة، تروي على وجوه
مختلفة، وأنحاء غير مؤتلفة، وهي مأخوذة من خبرين لأبي تمام: أحدهما أنه قصد البصرة، وبها عبد الصمد بن المعذل الشاعر، فلما سمع بوصوله، خاف أن يميل الناس إليه، ويعرضوا عنه، فكتب إليه قبل وصوله البلد:
أنت بين اثنتين تبرز للناس وتلقاهُمُ بوجه مُذال
لست تنفسك راجيا لوصالمن حبيب أو راغباً في نَوال
أي ماء يبقى لوجهك هذابين ذل الهوى وذل السؤال
فلما وقف على الأبيات أضرب عن مقصده، ورجع، وقال: قد شغل هذا ما يليه، فلا حاجة لنا فيه، والثانية ما قيل إن أبا تمام امتدح أحمد بن المعتصم بقصيدته التي أولها:
ما في وقوفك ساعةً من باسنَقضي ذمام الأربُع الأدارس
فلعلّ عينيكَ أن تُعين بمائهاوالدمُع منه خاذلُ ومواسي
لا يُسعدُ المشتاقَ وسنانُ الهوىيَبَسُ المدامع باردُ الأنفاس
إن المنازلَ ساورتها فُرقةُأخلتْ من الآرام كل كنَاس
من كل ضاحكة الشمائل أرهفتْإرهاف خُوط البانة الميَّاس
بدر أطاعتْ فيك بادرةَ النوىوَلَعاً وشمس أولعت بشمِاس
وإذا مشتْ تركتْ بقلبك ضِعف مابحُليها من كثرة الوسواس
قالت وقد حُمَّ الفراقُ فكأسهقد خولط الساقي بها والحاسي
لا تنسيَنْ تلك العهودَ فإنماسُمَّيتَ إنسانا لأنك ناسي
إن الذي خلق الخلائق قاتهاأقواتها لتصرُف الأحراس
فالأرضُ معروف السماء قرى لهاوبنو الرجاء لهم بنو العباس
والحمد بُرْدُ جمال اختالت بهغُررُ الفَعال وليس بُردَ لباس
نَورْ العَرَاة نورهُ ونسيمهنشر الخُزامي اخضرار الآس
فلما انتهى إلى قوله:
إقدام عمرو في سماحة حاتمفي حلم أحنف في ذكاء إياس
قال الكندي يعقوب الفيلسوف وكان حاضراً: الأمير فوق من وصفت، فأطرق قليلا، ثم رفع رأسه وأنشد:
لا تنكروا ضربي له مَنْ دونهمثلا شَرُوداً في الندى والباس
فالله قد ضرب الأقلَّ لنورهمثلا من المشكاة والنبراس
فعجبوا من سرعته وفطنته.
وما ذكر من أنه أنشد القصيدة للخليفة وأن الوزير قال: أي
شيء طلبه فأعطه، فإنه لا يعيش أكثر من أربعين يوماً، لأنه قد ظهر في عينيه الدم من شدة الفكرة، وصاحب هذا لا يعيش إلا هذا المقدار، فقال له الخليفة: ما تشتهي؟ فقال: أريد الموصل، فولاه إياها، وتوجه إليها، وبقي هذه المدة، ومات، فشيء لا صحة له أصلا. والصحيح ما نقله ابن بسام في الذخيرة، قال: وقد قيل إن الكندي لما خرج، قال هذا الفتى يموت شابا، لأن ذكاءه ينحت عمره كما يأكل السيف الصقيل غمده، فكان كذلك، فإن الحسن ابن وهب أعتني به، وولاه بريد الموصل،
فأقام بها أقل من سنتين، وتوفي، وتمام القصيدة:
إن تحو فضل السبق في أنف الصبايا بن الخليفة يا أبا العباس
فلرب نار منكم قد أنتْجتْبالليل من قبس من الأقباس
غلب السرور على همومي بالذيأظهرتَ من برى ومن إيناسي
أثر المطالب في الفؤاد وإنماأثر السنسنَ ووَسُهما في الراس
فالآن حين غرستُ في كرم الثرىتلك المنى وبنيت فوق أساس
وهذه قصيدة أبي القاسم محمد بن هانئ الأندلسي، المزعوم، أنها سيف لدولة بن حمدان، وهي في أبي الفرج الشيباني:
فُتقتْ لكم ريحُ الجلاد بعنبروأمدّكمْ فَلَقُ الصباح المُسفرِ
وجنيتُم ثمرَ الوقائع يانعابالنصر من وَرَق الحديد الأخضر
وضربتمُ هام الكُمادة ورُعْتُمُبيضَ الخدور بكل ليث مُخْدرِ
أبني العوالي السَّمهريَّة والسيوف المَشْرفَّية والعديد الأكثرِ
مَنْ منكمُ الملكُ المطاعُ كأنهتحت السوابغِ تُبَّعُ في حمْيَرِ
القائُد الخيلِ العتاق شوازباًخُزْراً إلى لحظِ السنان الأخزر
شعثَ النواصي حَشْرةً آذانُهاقُبّ الأباطل ظامياتِ الأنْسُر
تَنبُو سنابكُهُنَّ عن عَفَر الثَّرىفيطأْنَ في خدّ العزيز الأصعر
جيش تَقَدَّمهُ الليوثُ وفوقُهاكالغيل من قصب الوشيج الأسمر
فكأنما سَلب القشاعِمَ ريشَهامما يَشُقُّ من العَجاج الأكدر
وكأنما اشتملت قَناه ببارقمُتَلّق أو عارض مُثْعَنْجر
تمتد ألسنة الصواعق فوقهعن ظُلَّتَيْ مُزْنٍ عليه كَنَهْورَ
ويقودُه الليثُ الغضنفرُ مُعْلماًفي كل شثْن اللبدتين غضنفَر
نحسَر القبولَ من الدَّبور وسار فيجمع الهرَقْل وعزمةِ الإسكندر
في فتية صَدَأُ الدروع عَبيرهُموخَلوقُهُم عَلَقُ النجيع الأحمر
لا يأكلُ السَّرحانُ شلْوَ طعينهممما عليه من القنا المتكسر
أنسوا بهجران الأنيس كأنهمفي عبقريّ البيد جَّنةُ عَبْقَر
يغشون بالبيد القفار وإنماتَلِد السَّبَنْتي في اليباب المُقْفرِ
فرواية الصّنديد تُخبر عنهموأسامةُ الصدَّيقُ أصدق مَخبر
قد جاوروا أجَمَ الضَّوارِي حولهمفإذا هُم زأروا بها لم تزأر
ومشَوْا على قطع النفوس كأنماتمشي سنابك خيلهم في مَرْمر
قوم يبيت على الحشايا غيرُهمومَبيِتُهم فوقَ الجيادِ الضُّمَّر
وتظلُّ تسبحُ في الدماء قِبابهمُفكأنهن سفائنُ في أبحر
فحياضهم من كل مهجة خالعوخيامُهم من كل لبِدةِ قَسْور
من كل أهرتَ كالح ذي لِبدةأو كل أبيض واضَح ذي مِغْفَر
حيُّ من الأعراب إلا أنهميَرِدُون ماءَ الأمن غيرَ مُكَدّر
راحوا إلى أم الرئال عشيةًوغدوا إلى ظبي الكثيب الأعفر
طردوا الأوابدَ في الفَدافدِ طّردهمللأعْوجَّيِة في مجال العِثْيَر
ركبوا إليها يوم لهو قنيصهمفي زيهم يوم الخميس المُصْحرِ
إنا لتجمعنا وهذا الحيَّ منبكر أذمَّةُ سالف لم تُخْفَر
أحْلافُنا فكأننا من نسبةولداتنا فكأننا من عنصر
اللابسين من الجلاد انْهبَوا ماأغناهمُ عن لأمة وسَنَور
لي منهمُ سيف إذا جردتُهيوما ضربتُ به رقَاب الأعْصُر
وفتكتُ بالزمن المدجج فتكة البراض يوم هجائن ابن المنذر
صعب إذا نوب الزمان اسُتصعبتمُتَنمر للحادث المتنمر
فإذا عفا لم تلقَ غير مُمَّلكوإذا سطا لم تلق غير مُعَفَّرِ
وكفاه من حب السماحة أنهامنه بموضع مُقلة من محْجرِ
فغمامهُ من رحمة وعراصهُمن جنة ويمينه من كوثر
وحكى عن بعض علماء القاهرة المعزية قال: كنت في حرم البيت
الشريف، فدعاني إلى بعض الأماكن الشريف بن الشريف وسمع بتلك الدعوة أحد بني عمه الكرام، فسارع إلينا مسارعة القطر من الغمام، واتفق أن سقط من يده الكريمة حاتم به حَجَرُ ثمين القيمة، فقال له ابن الشريف: لم لم تقف على طلب ذلك الخاتم الثمين؟ فقال له ألست من أبناء أمير المؤمنين... ومراد ابن الشريف قول أبي الطيب:
بليت بلى الأطلال إن لم أقف بهاوقوف شحيح ضاع في الترب خاتَمُهْ
ومراد ابن عمه قول المتنبي:
كذا الفاطميون الندى في بنانهمأعزُّ امَّحاءً من خُطوطِ الرواجِب
وهذا البيت من قصيدة كثيرة العيون، يمدح بها طاهر بن الحسين العلوي؛ حدث أبو عمرو عبد العزيز بن الحسين السلمي قال: سألت محمد بن القاسم المعروف
بابن الصوفي: كيف كان سبب امتداح أبي الطيب لأبي القاسم طاهر بن الحسين العلوي؟ فحدثني أن الأمير أبا محمد لم يزل يسأل أبا الطيب في كل ليلة من شهر رمضان، إذا اجتمعنا عند الإفطار أن يخص أبا القاسم طاهرا بقصيدة من شعره، يمدحه بها، وذكر أنه اشتهى ذلك، ولم يزل أبو الطيب
يمتنع ويقول: ما قصدت غير الأمير: وما أمتدح أحداً سواه، فقال له أبو محمد: قد كنت عزمت أن أسألك قصيدة أخرى في فاجعلها في أبي القاسم، وضمن له عنه مائة دينار فأجابه إلى ذلك.
قال محمد بن القاسم الصوفي: فمضيت أنا والمطلبي برسالة طاهر لوعد أبي الطيب، فركب معنا أبو الطيب،
حتى دخلنا عليه، وعنده جماعة من أهل بيته أشراف وكتاب، فلما أقبل أبو الطيب نزل أبو القاسم طاهر عن سريره، وتلقاه بعيداً من مكانه فسلم عليه، ثم أخذ بيده فأجلسه في المرتبة كان فيها قاعداً، وجلس بين يديه، فتحدث معه طويلا، ثم أنشده: قال عبد العزيز: وحدثني أبو علي بن القاسم الكاتب، قال: كنت
حاضراً لهذا المجلس، وهو كمحدثك به أبو بكر الصوفي، ثم قال لي: اعلم أني ما رأيت ولا سمعت في خبر شاعر جلس الممدوح بين يديه مستمعاً لمدحه غير أبي الطيب، فإني رأيت طاهراً تلقاه، ثم أجلسه مجلسه، وجلس بين يديه، وأنشده:
أعيدوا صباحي فهْو عند الكواعبورُدُّوا رُقادي فهو لحظُ الحبائب
فإن نهاري ليلةُ مدلهمةعلى مقلة من فَقْدكم في غياهب
بعيدةُ ما بين الجفون كأنماعقدتم أعالي كلّ هُدب بحاجب
هذا كقول بشار:
جفت عيني عن التغميض حتىكأن جفونَها عنها قصار
ومنها:
وأحسب أني لو هَويت فراقكملفارقتهُ والدهر أخبثُ صاحب
هذا كقول العباس بن الأحنف:
سأطلب بعد الدار عنكم لتقربواوتسكبُ عيناي الدموعَ لتجمدا
وفيه نقد من جهة المعنى: وقد أخذه الباخوزي، فسلم منه، وأجاد حيث قال:
ولطالما اخترتُ الفِراق مُغالطاواحتلتُ في استثمار غرسِ وِدادي
وطمعِتُ منها بالوصال لأنهاتبنى الأمور على خلاف مرادي
ومنها:
فياليتَ ما بيني وبين أحبتيمن البُعد ما بيني وبين المصائب
أراكِ ظننت السلك جسمي فَعُقِتهعليك بِدُرَّ عن لقاء الترائب
ولو قُلم ألقيتُ في شِق رأسهِمن السقم ما غيرتُ من خط كاتب
ومنها في المديح:
كأن رحيلي كان من كَفّ طاهرفأثبتُّ كُوري في ظهور المواهب
فلم يبق خلقُ لم يَردِن فِناءهوهُنَّ له شِربُ وُرودَ المشارب
ومنها:
وأبهرُ آياتِ التِهّامِيّ أنهأبوك وإحدى ما لكم من مناقب
وإحدى تروي بالحاء والجم. وروى ابن فورجة وأكبر آيات التهامي آية
ومنها:
وما قرُبت أشباهُ قوم أباعدِولا بَعُدتْ أشباه قوم أقارب
ومنها:
يرى أن ما مابان منك لِضارببأقَتل مما بان منكَ لِعائب
ألا أيها المالُ الذي قد أبادهتَعَزَّ فهذا فعلهُ في الكتائب
حملتُ إليه من لساني حديقةًسقاها الحِجي سَقى الرياضَ السحائبِ
فَحُييتَ خير ابنٍ لخير أب بهالأشرف بيت في لُؤَيّ بن غالب
حدث أبو عمرو عبد العزيز بن الحسن السلمي، قال: حدثني محمد ابن القاسم المعروف بالصوفي، قال: أرسلني الأمير أبو محمد إلى أبي الطيب، فصعدت إليه في دار يسكنها، فسلمت عليه، وعرفته رسالة الأمير أبي محمد، وأنه منتظر له، فامتنع علي وقال:
أعلم أنه يطلب شعراً، وما قلت شيئاً، فقلت له: ليس نفترق فقال لي: اقعد إذن، ثم دخل إلى بيت في الحجرة، ورد الباب عليه فلبث فيه مقدار كتب القصيدة، ثم خرج إلى، وهي لم تجف، فقلت: أنشدنيها، فامتنع، وقال الساعة تسمعها، ثم ركب، وسرنا، فدخل على الأمير، وعين الأمير ممدودة إلى الباب، منتظراً
لورودنا، فسأل عن سبب الإبطاء، فأخبرته الخبر، فسلم عليه، ورفعه أرفع مجلس، وأنشده القصيدة التي أولها:
أنا لائمي إن كنتُ وقتَ اللوائمعلمتُ بما بي بسين تلك المعالم
حدث بعض المغاربة، قال: كنا عند ملك المغرب، فورد عليه مكتوب من بعض ثغوره
يتضمن أن أعداء المسلمين خرجوا من البحر وفتكوا بعساكر ذلك الثغر، حتى لم يبق منهم من ينقل السلاح، وصارت القتلى كالآكام على تلك البطاح، وكان ببادية ذلك الثغر أمير تهابه الحتوف، وتفرق من ملاقاته الألوف، فسار إليه أعداء الدين بجمع لا يبلغ عشر من قتلوا، وأرسل بأمرهم أن
يذهبوا من حيث أتوا، فما قبلوا فتلقاهم بالبيض المشرفية والسمر الخطية، فانهزمت أرواحهم إلى النار، وثبتت أجسامهم كالأحجار، وعمد إلى سفنهم، فأغرقها، وإلى أشلائهم فأحرقها، فلما تمت قراءة الكتاب: قال: رحم الله أبا الطيب المتنبي، ومراده قوله فليس يأكل إلا الميت الضبع وهذا الشطر من قصيدة لأبي
الطيب، يمدح بها سيف الدولة، وقد مر في غزاة السنبوس بسمندو وعبر آلس، وهو نهر عظيم ونزل، على صارخة وخرشنة، فأحرق ربضهما وكنائسهما، وقفل غانماً، فلما صار على آلس راجعاً وافاه الدمستق، فصافه الحرب، فهزمه، وأسر من بطارقته، وقتل، ثم سار فواقعه في موضع آخر، فهزمه أيضا، ثم واقعه على
نهر آخر، وقد مل أصحابه السفر، وكلوا من القتال، واجتاز أبو الطيب ليلا بقطعة من الجيش نيام بين قتلى الروم، فقال يذكر الحال وما جرى في الدرب من الخيانة وهي:
غيري بأكثرِ هذا الناس ينخدَعإن قاتلوا جَنُبوا أو حدّثوا شَجُعوا
أهلُ الحفيظة إلا أن تجربهموفي التجارب بعد الغي ما يزع
وما الحياةُ ونفسي بعد ما علمتأن الحياة كما لا تُشتهي طَبَع
ليس الجمالُ لوجه صح مازُنهأنفُ العزيز بِقَطع العزُ يجتْدع
أأطرح المجدَ عن كتفي وأطلبهُوأترك الغيث في غمدي وأنتجع؟
والمشرفية ما زالت مُشَرفةدواء كلّ كريم أو هي الوَجَع
وفارسُ الخيل من خفَّتْ فوقرهافي الدرب والدم في أعطافها دُفَعُ
يريد بفارس الخيل سيف الدولة، ومنها:
وَأوْحَدتْه وما في قلبه قلقُوأغضَبتْه وما في لفظه قَذَع
بالجيش تمتنعُ الساداتُ كلهموالجيش بابن أبي الهيجاء يمتنع
قاد المقانب أقصى شُربِها نَهَلُعلى الشكيم وأدنى سيرها سَرَعِ
لا يعتقي بلدُ مسراهُ عن بلدكالموت ليس له رِيُ ولا شِبِعَ
حتى أقام على أرباض خَرْشَنةٍتشقى به الرومُ والصُّلبان والبيِعَ
خرشنة: معروفة في بلاد الروم، والأرباض: ما حول المدينة. ومنها:
للسَّبْي ما نكحوا والقتلِ ما ولدواوالنهبِ ما جمعوا والنارِ ما زرعوا
مُخْلىً له المرجُ منصوبا بصارخةٍله المنابرُ مشهوداً بها الجمُع
صارخة: مدينة بالروم. ومنها:
يُطمّع الطيرَ فيهم طولُ أكلهمحتى تكادَ على أحيائهم تقع
ولو رآه حواريوُهُم لَبَنَوْاعلى محبته الشَّرع الذي شرعوا
ذمَّ الدمستقُ عينيه وقد طلعتسودُ الغمام فظنوا أنها قَزَعُ
القزع: قطع السحاب المتفرقة الواحدة قزعة، ومنها:
فيها الكماة التي مفطومهاُ رجلُعلى الجياد التي حَوْلُّيها جَذَع
فيها: أي في سود الغمائم. والجذع: التي أتى عليها حولان. ومنها:
تُذري اللقانُ غبارا في مناخرهاوفي حناجرها من آلسٍ جُرَع
كأنها تتلقاهمْ لتسلكَهمْفالطعن يفتح في الأجواف ما تسع
ومنها:
وما نجا من شِفارِ البيض مُنْفلتُنجا ومنهن في أحشائه فزع
يباشر الأمنَ دهراً وهو مُخْتَبَلويشربُ الخمر حولا وهو مُمْتَقَع
كم من حُشاشِة بِطْريق تضمَّنهاللباترات أمينُ مالَهُ وَرَع
يقاتل الخطو عنه حين يطلبهويطرد النومَ عنه حين يضطجع
يقاتل الخطوَ عنه حين يطلبهويطرد النومَ عنه حين عودي فتندفع
قُل للِدمستق إن المُسلَمين لكمخانوا الأمير فجازاهم بما صنعوا
وجدتَموهمْ نياماً في دمائكمُكأن قتلاكُم إياهمُ فجعوا
ضَعْفى تَعِفُّ الأعادي عن مثالهمُمن الأعادي وإن هُّموا بهم نزعوا
لا تحسبوا من أسرتم كان ذا رمقفليس تأكل إلا الميتة الضبع
ومنها:
وإنما عرّض الله الجنودَ بكملكي يكونوا بلا فَسْل إذا رجعوا
فكل غزو إليكم بعد ذا فَلةَوكلُّ لسيف الدولة التَّبعُ
يمشي الكرَامُ على آثار غيرهموأنت تخلُّق ما تأتي وتبتدعُ
وهل يَشينك وقتُ كنت فارسَهوكان غيرَك فيه العاجز الضَّرَع
من كان فوقَ محلّ الشمس موضعهُفليس يرفعهُ شيءُ ولا يضع
لم يُسلم الكرُّ في الأعقاب مهجتَهإن كان أسلمها الأصحابُ والشيع
ومنها:
الدهر معتذرُ والسيفُ منتظرُوأرضُهم لك مُصطافُ ومرتبع
وما الجبالُ لِنصْران بحاميهولو تنصر فيها الأعصمُ الصَّدعُ
الأعصم: الوعل. والصدع: ما بين السمين والمهزول. ثم قال:
وما حَمدتكَ في هول ثبتَّ لهحتى بلوتُك والأبطال تَمتَصع
فقد يُظَنُّ شجاعا من به خَرَقُوقد يُظن جبانا من به زَمَع
إن السلاح جميعُ الناس تحملهُوليس كلُّ ذوات المِخلب السبعُ
وقيل: إن رجلا جلس على جسر بغداد، فأقبلت امرأةُ بارعة الجمال من ناحية الرصافة إلى الجانب الغربي، فاستقبلها شاب،
وقال لها: رحم الله علي ابن الجهم، فقالت المرأة: رحم الله أبا العلاء المعري، وما وقفا، بل سارا مَشْرقا ومغربات، قال الرجل: فتبعت المرأة، وقلت: لئن لم تخبرني بما أراد بابن الجهم، وأردت بأبي العلاء لأفعلن بك، فضحكت، وقالت: أراد بعلي بن الجهم قوله في أول قصيدته:
عيون المهابَينْ الرُّصافة والجسرجَلَبْنَ الهوى من حيث أدرى ولا أدرى
وأردت بأبي العلاء قوله:
فيا دارَها بالخَيْف إن مزارهاقريبُ ولكن دون ذلك أهوال
ومن قصيدة لأبي الطيب جمع فيها بين الغث والسمين، وهي التي أولها:
قد علَّم البينُ منا البينَ أجفاناتَدمَى وألف في ذا القلب أحزانا
أمّلتُ ساعة واكشف معصمهاليِلبث الحيُّ دون السير حَيْرانا
ولو بَدت لأتاهَتْهم فَحجَّبهاصونُ عقولَهم من لحظها صانا
بالواخدات وحاديها وبي قمرُيَظلُّ من وخدها في الخِدر حَشْيانا
وحشيان بالحاء المهملة من الغريب الوحشي الذي لا يأنس به السمع، ولا يقبله القلب، يقال: حشى الرجل يحشى حشى، فهو حشيان، إذا أخذه البهر.
يقول: إذا وخدت الإبل تحت هذا القمر، أخذه البهر لترفه، ومن المؤدبين من يروي خشيان بالخاء المعجمة من الخشية.
ثم قال، وأحسن، ولطف، وظرف:
قد كنت أشفق من دمعي على بصري، فاليوم كل عزيز بعدكم هانا ثم أراد أن يزيد على الشعراء في وصف المطايا فأتى كما قاله الصاحب بأخزى الخزايا، فقال:
لو استطعتُ ركبت الناس كلهمُإلى سعيد بن عبد الله بعزانا
قال الصاحب: ومن الناس أمه فهل ينشط لركوبها؟
والممدوح لعل له عصبة لا يريدن يركبوا إليه، فهل في الأرض أفحش من هذا التسحب، وأوضع من هذا التبسط؟ ثم أراد أن يستدرك هذه الطامة بقوله:
فالعيسُ أعقلُ من قوم رأيتهمُعما يراه من الإحسان عُميانا
ثم قال وأجاد في مدح أولية الممدوح:
إن كوتبوا أو لُقُوا أو حوربوا وُجدوافي الخط واللفظ والهيجاء فُرسانا
كأن ألسنهم في النطق قد جُعلتْعلى رماحهمُ في الطعن خُرْصانا
كأنهم يَردون الموتَ من ظمأأو يَنْشَقون من الخطّى ريحانا
ثم قال:
خلائق لو حواها الزَّنج لانقلبواظُمْيّ الشِفاه جِعاد الشَّعْر غُرّانا
قال الصاحب: الزنجي لا يوجد إلا جعد الشعر، فكيف ينقلبون عن الجعودة إلى الجعودة وقد احتج عنه أصحاب المعاني بما يطول ذكره. والعجب كل العجب من خاطر يقدح بمثل قوله في قصيدة:
وملمومةُ زَرَدُ ثوبُهاولكنه بالقنا مُخْملُ
يفاجيء جيشا بها حَيْنهُوُينذر جيشا بها القَسْطلُ
ثم يتصرف في هذا الكلام الغث الرث، فيتبعه به، حيث يقول:
جعلتكُ بالقلب لي عُدَّةًلأنك باليد لا تُجعل
ولو قاله بعض صبيان المكاتب لاستحى له منه.
وهذه القصيدة
قالها في سيف الدولة، وهو بميافارقين، وقد ضربت له خيمة كبيرة، وأشاع الناس أن مقامه يتصل أياما، فهبت ريح شديدة، فسقطت الخيمة، وتكلم الناس عند سقوطها، فقال أبو الطيب:
أيقدحُ في الخيمة العُذَّلُوتَشمل مَن دهرهَا يشمل
وتعلو الذي زُحَلُ تحتهمُحال لعمُرك ما تُسأل
فلمْ لا تلوم الذي لامهاوما فصُّ خاتمه يَذْبُل
يقول فلم لا تلوم الخيمة لائمها على سقوطها، والرئيس الذي أعجزها الاشتمال عليه يقصر يذبل مع عظمة عن فص خاتمه، والضمير في خاتمه راجع إلى سيف الدولة. وقيل معناه: فلم لا تقول الخيمة للائمها ما فص خاتمك يذبل، فإن قال اللائم: يذبل جبل،
وكيف يصح أن يتختم به؟ قالت له الخيمة: وكيف يصح أن تثبت خيمة، وتشتمل على من شمل دهرها؟ وقيل المعنى: فلم لا تلوم الخيمة لائمها على أن ليس فص خاتمه يذبل؟ فكما أن لوم الإنسان على ذلك مستحيل لأنه ليس في الطاقة فكذلك لوم الخيمة، وقال:
تضيقُ بشخصِك أرجاؤهاويَركُض في الواحد الجَحفل
وتقصر ما كنتَ في جوفهاوتُركز فيها القنا الذّبل
وكيف تقوم على راحةٍكانّ البحارَ لها أنُمل
فليت وَقارك فرّقتهوحمّلت أرضَك ما تحمل
أي لو فرقته لخص الخيمة ما يوقرها ويثبتها عن السقوط:
فصار الأنامُ به سادةًوسُدْتهمُ بالذي يَفضُل
رأتْ لون نُورِك في لونهاكلون الغزالة لا يُغسل
أي اكتسبت من نورك ما صارت به كالشمس التي لا يزول نورها.
وأن لها شرفا بذخاوأن الخيامَ بها تخجَلُ
فلا تنكرنَّ لها صَرْعةًفمن فرح النفس ما يقتل
ولو بلغ الناسُ ما بُلَّغِتْلخانتهمُ حولك الأرجل
ولما أمرت بتَطْنيبهاأشيع بأنك لا ترحل
فما اعتمد اللهُ تقويضهاولكن أشار بما تفعل
وعرّف أنك من هّمهوأنك في نصره تَرفُل
وعرف أنك من همه: أي من إرادته.
ومما يشان علي بن أبي الطيب المتنبي استكراه اللفظ وتعقيد المعنى،
وهو أحد مراكبه الخشنة التي يتسنمها، ويأخذ عليها في الطرق الوعرة، فيضل، ويضل، ويتعب، ويتعب، ولا ينجح، إذ يقول في وصف الناقة:
شِيَمُ الليالي أن تُشكك ناقتيصدري بها أفضى أم البيداء
فتبيت تُسئل مُسئدا في نَيَّهاإسْآدها في المَهْمَةِ الإنضاءُ
الإسآد: إسراع السير، والني: الشحم والسمن، والإنضاء: مصدر
أنضاه ينضيه إذا هزله، ومسئدا: حال من الناقة، وهو اسم فاعل وفاعله الإنضاء. يقول: تبيت ناقتي تسير سائراً في جسدها الهزال سيرها في المهمة. وهما من قصيدة يمدح بها أبا علي هارون بن عبد العزيز الأوارجي الكاتب وأولها:
أمِن ازديارك في الدجى الرقباءُإذ حيث كنتِ من الظلام ضياءُ
أخذه من قول علي بن جبلة:
بأبي من زارني مُكتتماحَذرِاً من كل واش جذعاً
طارقُ نَمَّ عليه نورهُكيف يُخفي الليل بدرا طلعا؟
رصد الخلوةَ حتى أمكنتْورعى السامرَ حتى هجعا
كابد الأهوالَ في زورتهثم ما سلم حتى وّدعا
قال:
قلقُ المليحة وهي مِسكُ هتكُهاومسيرها في الليل وهي ذُكاء
كأنه من قول امرئ القيس:
ألم ترياني كلما جئتُ طارقاوجدت بها طيباً وإن لم تَطَيبَِّ
وقول الآخر
دُرّة كيفما أديرتْ أضاءتومَشَمُ من حيث ما شُمّ فاحا
ومن هذا قول بشار:
وتَوَق الطيبَ ليلتناإنه واش إذا سطعا
ومن هذا المعنى قول الآخر:
وأخفَوْا على تلك المطايا مسيرَهمفنَمّ عليهم في الظلام التنسمُ
وقال أبو عبادة البحتري:
وحاولنَ كِمّانَ الترحل في الدجىفنمّ بهن المسكُ حين تضوّعا
وقال أيضاً:
وكان العبيرُ بها واشياًوجَرْسُ الحُلِبيّ عليها رقيبا
وزاد أبو المطاع بن ناصر الدولة على الجميع بقوله:
ثلاثةُ منعتْها من زيارتناوقد دجا الليلُ خوفَ الكاشح الحِنق
ضوءِ الجبين ووَسواسُ الحُليّ ومايفوح من عَرق كالعنبر العَبِق
هَبِ الجبينَ بفَضلْ الكُمّ تسترهوالحَليْ تنزعه ما الشأن في العرق؟
ومنها:
بيني وبين أبي علي مثلهُشمُّ الجبال ومثلهنُ رجاءُ
وعِقابُ لُبنان وكيف بِقطعهاوهْو الشتاء وصيفُهن شتاء
لَبَس الثلوجُ بها عليّ مسالكيفكأنها ببياضها سوداءُ
وكذا الكريم إذا أقام ببلدةسال النضار بها وقام الماءُ
وفي هذا البيت نقد قد يظهر
بالتأمل.
ومنها:
في خطه من كل قلب شهوةُحتى كأن مدادَه الأهواء
ولكل عين قُرةُ في قربهحتى كأن مغيبهِ الأقذاء
من يهتدي في الفعل ما لا يهتديفي القول حتى يفعل الشعراء
ومنها:
من يظلم اللؤَماءَ في تكليفهمأن يُصبحوا وهُم له أكفاء
ونذَيمهم وبهم عرفنا فضلهوبضدها تتبين الأشياء
وقد أكثر الشعر في هذا المعنى: فقال أبو تمام:
وليس يَعرف طيبَ الوصل صاحبهُحتى يُصاب بنأي أو بِهجران
وقال أيضا:
والحادثات وإن أصابك بؤسُهافهو الذي أنباك كيف نعيمُها
وقال أيضا:
سمُجت ونبهنا على استساجهاما حولها من نَضْرة وجمال
فلذاك لم تُفْرطْ كآبة عاطلٍحتى يجاورها الزمان بحالي
وقد مَلحُ بشارُ في قوله:
وكُنّ جواري الحيّ ما دمت فيهمُقِباحاً فلما غبت صرنَ مِلاحا
وقال البحتري:
وقد زادها إفراط حسن جِوارهاخلائق أصفار من المجد خُيّب
وحسنُ داريّ الكواكب أنَ تُرىطوالع في داج من الليل غيهب
ومنها:
مَن نفعهُ في أن يُهاج وضرهفي تركه لو تَفطن الأعداء
فالسلم يكسر من جناحي مالهبنواله ما تجبرُ الهيجاء
ومنها:
يا أيها المُجديَ عليه روحهُإذ ليس يأتيه لها استجداء
أحْمدْ عُفاتَك لا فجعت بفقدهمفَلترك ما لم يأخذوا إعطاء
لا تَكثر الأمواتُ كثرةَ قِلةّإلا إذا شقيتْ بك الأحياء
والقلب لا ينشق عما تحتهحتى تحل به لك الشحناء
ومنها:
أبدأتَ شيئاً منك يُعرف بدؤهوأعدتَ حتى أنكر الإبداء
فالفخر عن تقصيره بك ناكبوالمجد من أن تستزاد براء
فإذا سئلت فلا لأنك محِوجُوإذا كُتِمت وشت بك الآلاء
وإذا مُدحت فلا لتكسب رِفعةللشاكرين على الإله ثناء
وإذا مُطرت فلا لأنك مُجدِبيُسقى الخصيبُ وتمُطر الدأماء
لم تحك نائَلَك السحابُ وإنماحمت به فصبيبها الرُّحضاء
لم تلقَ هذا الوجهَ شمسُ نهارناإلا بوجه ليس فيه حياء
وآخرها:
لو لم تكن من ذا الورى اللذ منك هُوعُقِمتْ بمولد نسلها حوّاء
اللذ: لغة في الذي. يقول: لو لم تكن من هذا الورى الذي كأنه منك لأنك جماله وشرفه وأفضله، لكانت حواء في حكم العقيم التي لم تلد، ولكن بك صار لها ولد، وهذا البيت مما اعتل لفظه، ولم يصح معناه فإذا قرع السمع، لم يصل إلى القلب إلا بعد إتعاب الفكر، وكدا الخاطر، ثم إن ظفر به بعد العناء والمشقة فقلما يحصل على طائل.
ومما يشان على أبي الطيب قوله في المدح:
أني يكون أبا البرايا آدموأبوك والثقلان أنت محمد
وتقديره: أني يكون آدم أبا البرايا، وأبوك محمد، وأنت الثقلان.
وقال من نسيب قصيدة:
إذا عذلوا فيها أجبتُ بأنّةٍحُبَيّبتا قلبي فؤادي هيا جُمْل
أراد يا حبيبتي، أبدل الياء من حبيبتي ألفا تخفيفاً، وقلبي منصوب لأنه بدل من حبيبتا، وفؤادي بدل من قلبي، وهذا كقولك أخي، سيدي، مولاي، نداء بعد نداء، ويقال في النداء: يا زيد وأبا زيد، وهيا زيد. وأشباه هذه الأبيات كثيرة في شعره، كقوله:
لساني وعيني والفؤادُ وهمتيأوُدُّ اللواتي ذا اسمها منكَ والشطر
ومما ينعى علي بن أبي الطيب التعسف في اللغة والإعراب، وهو مما يشبق إلى القلوب إنكاره، وإن كان عند المحتجين عنه، اعتذار له، ومناضلة دونه، كقوله:
فِدىً مَنْ على الغبراء أولهم أنالهذا الأبيّ الماجدِ الجائدِ القَرْمِ
ولك يحك عن العرب الجائد، وإنما المحكي رجل جواد، وفرس جواد، ومطر جواد، وهذا من قصيدة يمدح بها الحسين بن إسحاق التنوخي وأولها:
ملامُ النوى في ظُلمها غايةُ الظلملعل بها مثل الذي بي من السقم
فلو لم تَغَرْ لم تَزْوِ عني لقاءكمولو تُرِدكنُ لم تكن فيكم خَصمى
وقال محمد بن وهيب في هذا المعنى:
وحاربني فيه ريب الزمانكأن الزمان له عاشق
وقال البحتري:
قد بّين البينُ المفرقُ بينناعشقَ النوى لربيب ذاك الرَّبرب
منها:
أمنعِمةُ بالعودة الظبيةُ التيبغير وَليّ كان نائلَها الوسمي
أصل هذا المعنى مع كثرة تداوله لبشار، حيث قال:
قد زرتني زورةً في الدهر واحدةًثَنىَّ ولا تجعليها بيضة الديك
وقبل البيت الذي فيه لفظة الجائد:
أذاق الغواني حسنُه ما أذَقْنَنيوعفّ فجازاهن عني على الصُّرْم
ومعنى هذا البيت ظاهر، ولكن عيب عليه قافيته فإنها وإن كانت في أصل اللغة بمعنى القطع، لكن غيرتها العامة وجعلتها دالة على ما يقبح ذكره، وهذه الكلمة وما يجري مجراها، لا يعاب البدوي على استعمالها، لأن الألفاظ لم تتغير في زمنه كقول أبي صخر الهذلي:
قد كان صَرم في الحياة لنافَعَجِلتَ قبل الموت بالصرم
فإنه لا يعاب عليه كما عيب على المتنبي، وكقوله:
فأرحامُ شعر يتصلن لدنّهوأرحامُ مالٍ لا تنى تتقطع
وتشديد النون من لدن غير معروفة في لغة العرب. قال ابن جني لدنه فيه قبح وبشاعة، إذ لم يكن بعد النون نون، وروى يتصلن بجوده، وبعد هذا البيت:
فتى ألفُ جزء رأيُه في زمانهأقلُّ جُزَيء بعضُه الرأيُ أجمع
ألف جزء خبر مبتدأ، وهو رأيه، وأقل مبتدأ، بعضه الرأي خبره، وهذان البيتان من قصيدة أولها:
حُشاشة نفس ودعتْ يوم وَدّعوافلم أدر أيذ الظاعنين أشيع
أشاروا بتسليم فجدنا بأنفستَسيل من الآماق والسَّمُ أدمُع
حشاي على جمر ذكيّ من الهوىوعيناي في روض من الحسن ترتع
إلى أن قال في أثنائها في وصف القلم:
خبتْ نارُ حرب لم تهجها بنانهُوأسمرُ عُريانُ من القِشر أصَلعُ
جعل القلم أصلع للينه، وملاسته كالرأس الاصلع.
نحيف الشوى يعدو على أم رأسهويَحفىَ فيقوى عدوهُ حين يقطع
يقول: هذا القلم رقيق الأطراف، يريد رقة جلفته، وأم رأسه: وسطه، ويحفى: أي يكل عن المشي، فيقوى عدوه إذا قط:
يَمُج ظلاماً في نهارٍ لسانُهوُيفهمِ عمن قال ما ليس يُسْمع
ذُبابُ حُسام منه أنجي ضريبةًوأعصى لمولاه وذا منه أطوعُ
بكف جوادٍ لو حكتها سحابةُلما فاتها في الشرق والغرب موضع
وقال أبو تمام فيه من قصيدة أولها:
متى أنتَ عن ذهيلة الحيّ ذا هلُوقلبُك منها مدةَ الدهر آهل
إلى أن قال مخاطباً لأبي جعفر محمد بن عبد الملك الزيات:
لك القلمُ الأعلى الذي بشَباتهِتُصابُ من الأمر الْكُلى والمفاصل
لك الخلوات اللاء لولا نجيهالما احتفلتْ للملك تلك المحافل
لعابُ الأفاعي القاتلات لعابُهوأرْىُ الجني اشتارته أيد عواسل
له ريقَهُ طَلُّ ولكنّ وقعَهابآثاره في الشرق والغرب وابل
فصيح إذا استنطقته وهو راكبوأعجمُ إن خاطبته وهو راجل
إذا ما امتطى الخمسَ اللِطافَ وأفرغتْعليه شِعاب الفكِر وهْي حوافل
أطاعته أطرافُ القَنا وتَقَوَّضَتْلِنَجْواه تقويض الخيامِ الجِحافلُ
إذا استغزر الذهنَ الذكي وأقبلتأعاليه في القرطاس وهي أسافل
وقد رَفَدتْه الخِنصران وسَدَّدَتْثلاثَ نواحيه الثلاثُ الأنامل
رأيتَ جليلا شأنهُ وهو مُرهفضنىً وسمينا خطبهُ وهو ناحل
وقال بعض مداح العلامة المخدوم بهذا الكتاب من قصيدة أولها:
غفر القربُ ما جناه البعادُوأكَّنته في الهوى الأكبادُ
إلى أن قال في وصف القلم:
ذو يَرَاع إذاً مشى يُنبتُ الدُّرَّبأرض القرطاس مِنه المدادُ
أسمرُ ليس مثلهُ يحسْنُ الأبْيض فعلاً والأسمر المُنْآد
عَلَمُ في العلوم يمشي على بَيْداءِ نُور فيظهرُ الإرشاد
ذو بيان لولاهُ أخفي مرور الدم هر ما شادهَ قديما زياد
كل علم يُرامُ منه إذا ماشَدَخُوا رأسَه به يُستفادُ
وإذا أعجم الكلامَ فقد أعربما يَستبين منه السَّدادُ
مَقصد الكاتبين حتى إذا ماقصدُوه لم يُدركوا ما أرادوا
وتراه يجري على الرأس في خدمة باريه إن دعاه مُراد
أخرسُ غير أنه ربما ينْطق فصلَ الخطاب وهْو جماد
رقّ جسما وسحَّ دمعاً إلى أنخِلَته مُدْنَفاً جفتْه سُعادُ
قال أبو تمام يرثى ابنين كانا لعبد الله بن طاهر صغيرين ماتا في يوم واحد بقصيدة أولها:
ما زالت الأيامُ تُخبر سائلاًأنْ سوف تَفجَع مُسْهلا أو عاقلا
إلى أن قال في أثنائها:
مجدُ تأوّب طارقاً حتى إذاقلنا أقامَ الدهرَ أصبح راحلاَ
نجمان شاء اللهُ ألا يطلُعاإلا ارتدادَ الطرفِ حتى يأفلاِ
إن الفجيعةَ بالرياض نواضراًلأجلُّ منا بالرياض ذَوابلا
لَهفِي على تلك الشواهد فيهمالو أمهلتْ حتى تكونَ شمائلا
إن الهلالَ إذا رأيت نَموهأيقنتَ أنْ سيكونُ بدراً كاملا
قل للأمير وإن لقيت مُوَقَّراًمنه يَريِبُ الحادثاتِ حُلاحِلا
إن تُرْزَ في طَرَفَي نهار واحدرَزأين هاجا لَوْعةَ وَبلابلاِ
فالثقل ليس مضاعفاً لمطيَّةإلا إذا ما كان وهما بَازِلا
لا غَرْوَ إن فَنَنان من عَيْدانهلَقِينا حِماماً للبرية آكلا
إن الأشاء إذا أصاب مُشذبَّمنه تْمَهَلَّ ذراً وأثَّ أسافلا
شمَختْ خلالُك أن يُواسيك امرُؤأو أن تُذكَر ناسيا أو غافلا
إلا مواعَظ قادها لك سَمْحةًإسْجاحُ لُبك سامعاً أو قائلا
هل تَكْلَفُ الأيدي بَهزّ مُهندإلا إذا كان الحسامَ الفَاصلا
وقال أبو الطيب المتنبي في مرثية بولد صغير لسيف الدولة، أولها:
بنا منكَ فوق الرَّمل ما بكَ في الرملوهذا الذي يُضنْي كذاك الذي يُبلي
كأنك أبصرتَ الذي بي وخِفْتَهإذا عشتَ فاخترت الحِمام على الثُكل
تركت خدود الغانيات وفوقهادموعُ تُذيب الحسنَ في الأعين النجْل
تبُل الثرى سُودا من المِسْك وحدهوقد قَطَرتْ حُمراً على الشَّعَر الجَثل
فإن تَكُ في قبر فإنك في الحَشَاوإن تك طفلا فالأسى ليس بالطفل
ومثلك لا يُبكي على قدْر سنَّةولكن على قدر المَخيلة والأصْل
ألستَ من القوم الألىَ من رِماحهمنَداهم ومن قتلاهُمُ مُهْجةُ البخل
بمولودهم صمتُ اللسان كغيرهولكنَّ في أعطافه مَنْطقَ الفضل
تسليهمُ عَلياؤهْم عن مُصابهمْويَشغلهمْ كسبُ الثناء عن الشغل
أقلُّ بلاءً بالرزايا من القَناَوأقدمُ بين الجَحْفَلين من النَّبْل
عزاءَك سيفَ الدولة المقتَدى بهفإنك نصْلُ والشدائدُ للنصل
مُقيم من الهيجاء في كل منزلكأنَك من كل الصوارم في أهل
ولم أر أعصى منك للحزُن عبرةًوأثبتَ عقلا والقلوبُ بلا عقل
تخون المنايا عَهْدَه في سليسلهِوتنصرُه بين الفوارس والرَّجْل
ويَبقى على مرّ الحوادث صبرهُويبدو كما يبدو الفِرِنْدُ على الصَّقلْ
ومن كان ذا نفس كنفسك حُرةٍففيه لها مُعنٍ وفيها له مُسْلي
وما الموتُ إلا سارقُ دق شخصهُويُسلمه عند الولادة للنمل
بنفسي وليدُ عاد من بعد حَمْلهإلى بطن أم لا تُطَرَّقُ بالْحَمل
بَدَا وَلهُ وعدُ السَّحابة بالرَّوَيوصَدَّ وفينا غُلَةُ البلدِ المحل
وريعَ له جيشُ العدو وما مشىوجاشت له الحربُ الضروسُ وما تَغْلى
وقد مدّت الخيلُ العتاقُ عيونَهاإلى وقت تبديل الرّكاب من النعل
فانظر إلى ما صنع هذان الشاعران في هذا المقصد الواحد، وكيف هام كل واحد منهما في واد منه مع اتفاقهما في بعض معانيه، وسأبين ما اتفقنا فيه، وما اختلفنا، وأذكر الفاضل من المفضول، فأقول: أما الذي اتفقا فيه، فإن أبا تمام قال:
لهفي على تلك الشواهد فيهمالو أُمْهلتْ حتى تكون شمائلا
وقال أبو الطيب:
بمولودهم صمتُ اللسان كغيرهولكنَّ في أعطافه منطق الفصل
فأتى بالمعنى الذي أتى به أبو تمام، وزاد عليه بالصناعة اللفظية، وهو المطابقة في قوله: صمت اللسان، ومنطق الفصل، وقال أبو تمام:
نجمان شاء اللهُ ألا يطلعاإلا ارتدادَ الطَّرف حتى يأفلا
وقال أبو الطيب:
بَدَا وَلَهُ وعد السحابة بالرَّوَيوصدّ وفينا غُلة البلد المحل
فوافقه في المعنى، وزاد عليه بقوله: وفينا غلة البلد المحل. أما ما اختلفنا فيه، فإن أبا الطيب أشعر فيه من أبي تمام أيضاً، وذلك أن معناه أمتن من معناه، ومبناه أحكم من مبناه، فإن أبا الطيب المتنبي قال:
عزاءَك سيفَ الدولة المقتدىَ بهفإنك نصلُ والشدائدُ للنصل
وهذا البيت بمفرده خير من بيتي أبي تمام هما:
إن تُرْزَ في طرفي نهار واحدرُزْأين هاجا لوعةً وبلابلاَ
فالثقل ليس مضاعَفاً لمطيةإلا إذا ما كن وَهْما بازلا
فإن قول أبي الطيب:) والشدائد للنصل (أكرم لفظا ومعنى، من قول أبي تمام: إن الثقل إنما يضاعف للبازل من المطايا.
وقال أيضا:
تخون المنايا عهدَه في سليلهوتنصرُه بين الفوارس والرَّجْل
وهذا أشرف من بيتي أبي تمام اللذين هما:
لا غَرْو إن فَننَان من عَيْدانِهلقيا حِماماً للبّرية آكلا
إن الأشاء إذا أصاب مُشذَّبُمنه اتْمَهَلَّ ذُراً وأثّ أسافلا
النص من طبعة المطبعة العامرة الشرفية بالقاهرة (١٣٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع