من «الصبح المنبي عن حيثية المتنبي» ليوسف البديعي (ت ١٠٧٣هـ)
أخبار المتنبي (٧)
قال أبو نواس:
يبكي فيُذري الدرَّ من نرجسوَبلطِمُ الوردَ بعُنّابِ
وقال ابن الرومي:
كأن تلك الدموعَ قَطْرُ نَدىًتَقطر من نَرْجس على وردِ
قال المتنبي:
ترنو إلىّ بعين الظبي مُجْهشةًوتسمح الطل فوق الورد بالعنم
قال مَعْقلُ العْجِليّ:
كم كتمتُ الهوى حياءً من الناس وأخفيت لوعتي واحتراقي
أعلنتْ عبرتي سرائر حبيكيف تَخفي سرائرُ العشاقُ؟
قال المتنبي:
وكاتم الحب يومَ البين منهتكُوصاحبُ الدمع لا تَخفي سرائرهُ
قال العوني:
تحار خواطرُ المُدّاح فيهويعجز عن فضائله اللسان
وقالا أيضاً:
تضلّ عقولُ الناس في نعت فضلهويغرق في أمواج أفضاله الفكر
قال المتنبي:
إذا تغلغل فكرُ المرء في طَرَفمن مجده غرقت فيه خواطره
قال البحتري:
وبلوتُ منك خلائقا محمودةلو كن في فلك لكن نجوما
قال المتنبي:
أقلب منك طرفي في سماءوإن طلعتْ كواكبها خصالا
قال العَوني:
وإني ليسري بي أغرُّ مُحجلّسُرىً لا يبالي فيه بالنحس والسَّعد
ويصحبني من نسل أعوج ضُمَّرُعِتاقُ هُداة لا تجورُ عن القصد
عليها كهولُ دارعون تلثمواحياءً فهم بالبعد في صورة المُردْ
قال المتنبي:
تُبدل أيامي وعيشي ومنزلينجائبُ لا يُفْكرِنْ في النحس والسعد
وأوجهُ فتيان حياء تلثمواعليهن لا خوفا من الحر والبرد
وقال في موضع آخر:كأنُهم من طول ما التثموا مُرْدا
قال السيد الحميري:
وإن مسيري من ذَراك ضرورةُولولا اضطراري ما رضيتُ بذالكا
وما رحلتي إلا تبشر عاجلابأني أقيم الدهرَ تحت ظلالكا
قال بعض المتقدمين:
سنرجع إن عشنا ونقضي أذمةفكم من فراق كان داعيةَ الوصل
وقال أبو تمام:
أآلَفة النحيب كم افتراقأظل فكان داعيةَ اجتماع
قال المتنبي:
لعل اللهَ يجعله رحيلايُعين على الإقامة في ذَراكا
قال ابن الرومي:
يرى الصعب سهلا إن توجه نحوهبعزم صقيل لا تُفَلُّ مضاربُه
وغُّرَّة وجه يهزم النحسَ سعدهُوتَطلعُ في أفق السعود كواكبه
قال المتنبي:
فإنك ما مر النحوسُ بكوكبوقابلتهَ إلا ووجهكُ سَعْدُه
قال الهيثم بن الأسود النخعي:
إذا نال بالسيف الفتى سؤُل نفسهترفع عن تدنيسها بسؤال
ومن لم يصن في حاجة ماءَ وجههعن الناس لم يلبس ثيابَ جلال
قال المتنبي:
من أطاق التماس شيء غلاباواغتصابا لم يلتمسه سؤالا
وقال موسى بن عمران:
أصبحت من معشر ما في قلوبهمِمن السيوف ومن خوض الردى فَرَقُ
يستسهلون صعابَ الحادثات فهميلقَوْنها بنفوس ما بها قلقُ
قال المتنبي:
وإنا لنلتقي الحادثاتِ بأنفسٍكثيرُ الرزايا عندهنَّ قليلُ
لِمنَ هون الدنيا على النفس ساعةوللبيض في هام الكماة صليلُ
وقال البحتري:
كستك يدُ الأيام ثوبَ جلالةفغابت عواديها وزالتْ خطوبهاُ
إذا اعتل ذو فقر فأنت شفاؤهوإن شكتِ الدنيا فأنتَ طبيبهاُ
قال المتنبي:
وكيف تُعِلك الدنيا بشيءوأنت لعلة الدنيا طبيب؟
قال ابن الرومي:
إن أقبلتْ فالبدر لاح وإن مشتفالمسك فاح وإن رنت فالريمُ
قال المتنبي:
بدت قمراً ومالت خُوطَ بانوفاحتْ عنبراً ورنت غزالا
قال مَخْلدَ بن بكار الموصليّ:
لا عدمناه من همام كريم العهدغمر الندى حميد الخصال
يُحسن الكرَّ في الكلام وفي الإقدام يوم الوغى وعند النَّوال
قال المتنبي:
هم المحسنون الكَرَّ في حومةِ الوغىوأحسن منه كُّرهم في المكارم
قال أبو العتاهية:
أجدادهُ علَّموه في طفولتهقتل العدِا واكتسابَ الحمد بالجود
فاجتثَّ دابر أعداء ذوي حسدوفي السماحة أفنى كلَّ موجود
قال المتنبي:
فتى علمتْه نفسُه وجدودُهقِراعَ الأعادي وابتدار الرغائب
ألا أيها المالُ الذي قد أبادهتَعزَّ فهذا فعلُه في الكتائبِ
قال بشار بن بُرد:
لعمري لقد هذبتُ قولي ولم أدعمقالات لمغتاب ودعوى لمن لَحا
ومن كان ذا فهم بليد وعقلهبه عِلةُ عاب الكلام المنقحا
قال المتنبي:
وكم من عائب قولا صحيحاًوآفته من الفهم السقيم
قال عبد الرحمن بن دارة:
فإن أنتمُ لم تقتلوا بأخيكمُفكونوا بقايا للخَلوق وللكُحل
وبيعوا الردينيات بالخمر واقعدواعلى العار وابتاعوا المغازل بالنَّبل
قال الناشي الأكبر:
إن كنت بالذل راضياً فأرِحْفي الجَفْن حدَّ المهند الخَذِمِ
فالمرءُ بالجود والشجاعة والهمة يحوي محاسنَ الكرمِ
قال المتنبي:
إذا كنتَ ترضى أن تعيشَ بذلةفلا تستعِدَّنَّ الحسُام اليمانيا
ولا تستطيلنَ الرماحَ لغارةٍولا تستجيدنَّ العِتاقَ المَذَاكيا
قال بشار بن بُردْ:
والجِد ليس بزائد في رزق مَنيسعى وليس بنائم عن نائم
ويموتُ راعى الضأن عند تمامهموت الطبيب الفيلسوف العالم
قال المتنبي:
يموتُ راعي الضأن في جهلهميتة جالينوس في طبِهِ
وقال الخبزأرزي:
إن نفسي تذوبُ في كل حينحسراتٍ ومن جفوني تسيلُ
وقال الجْهَمِيّ:
وليس الذي يجري من العين ماؤهاولكنها روحُ تذوبُ فتقْطرُ
وقال الواسطي:
وقائله: أيُّ الدماء التي غدتْتجود بها عند الوداع المحاجزُ
فقلت لها: نار الحشا صعدَّت بهافهن على خدَّي بيض بوادر
ألم تَرَ حسنَ الورد يبيض ماؤهفيقطرُ من نار تُجِنّ الضمائر
وقال الجُعفي الكوفي:
دمعي جرى من جفوني يوم بينهمُفلستُ أعلم دمعي كان أم روحي؟
وقال بشار:
حشاشتي ودعْتني يومَ بينهموشيعتهمْ وخلتني وأحزاني
وقد أشاروا بتسليم على حذرمن الرقيب بأطراف وأجفان
قال المتنبي:
حشاشة نفس ودعتْ يوم ودّعوافلم أدر أيَّ الظاعنين أشيع؟
أشاورا بتسليم فجُدنا بأنفستسيلُ من الآماق والسَّمُ أدمع
قال أبو العتاهية:
قد صار يحسُدني من كان يَعذرنيفيه، ويعذرني رهطي وأضدادي
والسقمُ لازمني حتى أنسِتُْ بهوفرَّ مني أطبائي وعُوّادي
قال المتنبي:
عواذلُ ذات الخال فيّ حواسدُوإن ضجيع الخَوْدِ مني لَماجدُ
ألح علىّ السقْمُ حتى ألفِتُهوملَّ طبيبي جانبي والعوائدَ
قال أبو الشّيص:
دعتني جفونُك حتى عشقتُولم أكُ من قبلها أعشق
فدمعي يسيلُ وصبري يزولُوجسميَ في عبرتي يغرقُ
قال المتنبي:
وما كنت ممن يدخل العشقُ قلبهولكن من يُبصِرْ جفونَك يعشَق
قال السيد الحميري:
همة تنطح الثريا وعزُّنبوي يُزعزع الأجبالا
وعطاءُ إذا تأخر عنهسائلوه اقتضاهمُ استعجالا
قال المتنبي:
شرف ينطح النجوم بِرَوْقَيهـ وعزُّ يقلقل الأجبالا
قال صاحب نصر بن سيار:
طال عتبُ الزمانِ ظلماً عليناوجفانا فما له إعتابُ
فأجرناْ منِ عَتْبه وأذاهأنت ترجى لمثله وتهاب
ما لنا مُنصف سواك فُيشْكَيأنت كالنصل والملوكُ قِراب
قال المتنبي:
لنا عند هذا الدهر حق يَلُطّهوقد قل إعتاب وطال عتابُ
ولا مُلْكَ إلا أنت والمُلكُ فضلةكأنك سيف فيه وهْو قِراب
قال إبراهيم بن متمم بن نويرة:
والخيلُ قد نسجتْ على صهواتهاأيدي الرياح براقعا وجلالا
ضاقت عليهن الفلاةُ فلا ترىمن كثرة القتلى لهن مجالا
قال المتنبي:
صافيات الألوان قد نسج النقعُ عليها بَراقعا وجِلالا
ولَتَمْضِنَّ حيث لا يجد الرمح مداراً ولا الحصان مجالا
قال بشار بن بُرْد:
حظي من الخير منحولُ وأعجبُ ماأراه أتى على الحِرْمانَ محْسود
أغدو وأمسى وآمالي قطعتُ بهاعمري تخيب وأموالي المواعيد
وأكرمُ الناس من تأتى مواهبهمن غيرِ وعد فيه الخيرُ موجود
قال المتنبي:
ماذا لقيت من الدنيا وأعجبهاأني بما أنا باك منه محسود
أمسيت أرْوَحَ مُثْر خازنا ويداأنا الغنى وأموالي المواعيد
جود الرجال من الأيدي وجودهمُمن اللسان فلا كانوا ولا الجود
قال العميدي: من قال إن هذا غير مأخوذ من كلام بشار فقد عدم الفطنة والتمييز، وجميع الرشاد والتوفيق. وجهل مواقع الأخذ، واحتاج أن يسقى شربة تشحذ فهمه،
وتجلو طبعه، وتزيل العي عنه.
قال محمد بن أبي عيينة المهلبي:
إني لأختار الحمام على مصاحبة اللئامِ
وأفر منهم ما حييت ولا أفرِ من الحسامِ
نفسي الكريمة لا تَقَرُّعلى المذلة والملام
والموت أطيب في فميعند الهوان من المدامِ
قال المتنبي:
وعندها لَذَّ طعمَ الموتِ شاربهُإن المنية عند الذلّ قِنديدُ
قال أبو العتاهية:
أزُفّ أبكار أشعاري إليك فماعندي سوى الشكر لا خيلُ ولا مال
فأقبل هدية من تصفو مودتهإن لم تساعده فيما رامه الحال
قال المتنبي:
لا خيلَ عندك تُهديها ولا مالفليسُعد النطقُ إن لم يسعد الحالُ
قال علي بن الجهم:
ولا خير في عيش امرئ وهو خاملوذكرُ الفتى بالخير عمر مُجَدَّد
فنبه عن النوم الحسامَ ولا تنملتبقى فما في الأرض شيء مُخلدَّ
قال المتنبي:
ذكر الفتى عمره الثاني وحاجتهما قاته وفضولهُ العيش أشغال
قال سليمان الخزاعي:
فَطِنُ بالذي أرُيُد فقوليليس يغنى ولا سكوتي يَضرُّ
يسبق البذُل وعدّه فَنَداهليس يَفنى وسُحْبُه ما تَعزُّ
وقال بعض المتقدمين:
أروحُ بلا شُغل وأغدو بمثلهِوحسبكُ بالتسليم منى تقاضيا
وقال العِرزْمِيُّ:
وإذا طلبتَ إلى كريم جاجةًفلقاؤه يُغنيك والتسليمُ
قال المتنبي:
وفي نفس حاجاتُ وفيك فطانةُسكوتي بيانُ عندها وخطابُ
ومما ينتظم في هذا السلك قول بعض خدام واحد الدنيا ونير فلك العليا، من زينب بمدائحه غرز الآداب، المولى المخدوم بهذا الكتاب، من قصيدة يمدحه بها ويهنئه بعيد الأضحى من سنة خمسين وألف:
يا بن مَنْ مَالهَ إذا كان قد عُدّم أولو الفضل في الفضائل ثاني
وهما النيران في كلٍ مجدٍدونه في عُلوه النيرانِ
أنت أذكى الأنامِ طُراً وقد جئتُ وحالي تُغنى عن التّرجمانَ
وإذا ما أعرتَني وحيَ حظٍكنت أدري مني بما في جَناني
قال العميدي: قال سليمان بن مهاجر البجلي الكوفي:
دقَّتْ مضارِبُ سيفه فكأنهصبُّ وأعناق الرجال حبائبُ
وأسنة الأرماح يَحكى ضوءُهاشمساً وأحشاء الرجالِ مغارب
قال المتنبي:
رقَّتْ مضاربُه فهنَّ كأنمايُبدين من عشق الرقاب نُحولا
والمتنبي وإن أخذ بعض معاني الأبيات التي أوردها العميدي فقد زاد من ألفاظه ما يحلو سماعه، وتعذب أنواعه، ويلطف موقعه، ويخف على القلوب موضعه، ويصل إلى النفوس بلا تكلف، ويمتزج بالأرواح بلا تعسف، وكساها من عنده ملاحة، فاستوفى شروط الكمال كلها، وأذهب كلها، ونظم محاسنها المتفرقة بحسن صنعته، وأزال الكزازة عنها بحذقة وبراعته، فصار أولى بها من مبدعها، وأحق بأن يشهد له الفضلاء بانفراده بها، لجلالة وقعها،
قال علي بن منصور الحلبي المعروف بابن القارح: كان أبو محمد بن وكيع متأدباً ظريفاً، ويقول الشعر، وعمل كتاباً في سرقات المتنبي، وحاف عليه كثيراً، وسألني يوما أن أخرج معه، واستصحب مغنياً وأمره ألا يغني إلا بشعره فغنى:
لو كان كلُّ عليلِيزداد مثلَك حُسنا
لكان كلُّ صحيحيودُّ لو كان مُضني
يا أكملَ الناس حسْناًصِل أكمل الناس حْزنا
غَنيِت عني وماليوجه به عنك أغنى
فقلت له: هل تثقل عليك المؤاخذة؟ قال: لا. فقلت: إن أبياتك مسروقة: الأول من قول بعضهم.
فلو كان المريضُ يزيدُ حسناًكما تزدادُ أنت علي السقام
لما عِبدَ المريض إذن وعُدَّتْشِكايتُه من النِعَم الجِسام
والثاني من قول رؤبة:
سَلْمُ ما أنساكِ ما حييتلو أشرب السلوانَ ما سَلِيتُ
مالي غنى عنك ولو غَنيِتُ فقال: والله ما سمعت بهذا. فقلت:
إذا كان الأمر على هذا فاعذر المتنبي على مثله، ولا تبادر إلى الحط عليه، ولا المؤاخذة له، والمعاني يستدعي بعضها بعضاً.
قال ياقوت: كان المتنبي يوماً جالساً بواسط فدخل عليه بعض الناس، فقال أريد أن تجيز لنا هذا البيت، وهو:
زارنا في الظلام يطلبُ سِترافافتضحنا بنوره في الظلام
فرفع رأسه، وكان ابنه المحسد واقفاً بين يديه، وقال له: يا محسد: قد جاءك بالشمال، فأنه باليمين، فقال ارتجالا:
فالتجأ إلى حنادس شعرسَتَرَتنا عن أعين اللوَّام
ومعنى قول المتنبي لولده جاءك بالشمال فأته باليمين، أي أن اليسرى لا يتم بها عمل، وباليمين تتم الأعمال، ومراده: أن المعنى يحتمل الزيدة، فأوردها، وقد لطف في الإشارة.
وعقد الثعالبي لذكره بابا مستقلاً في يتيمته فقال: الباب الخامس في ذكر أبي الطيب المتنبي وما له وعليه.
هو وإن كان كوفي المولد شامي المنشأ، وبها نخرج، ومنها خرج نادرة الفلك، وواسطة عقد الدهر في صناعة الشعر، ثم هو شاعر سيف الدولة، المنسوب إليه المشهور به، إذ هو الذي جذب بضبعه، ورفع قدره، ونفق سعر شعره، وألقى عليه شعاع سعادته حتى سار ذكره مسير الشمس والقمر، وسافر كلامه في
البدو والحضر، وكادت الليالي تنشده، والأيام تحفظه، كما قال:
وما الدهر إلا من رواةُ قصائديإذا قلتُ شعراً أصبحَ الدهرُ منشدا
فساو به من لا يسير مشمّراًوغَنىَّ به من لا يغنى مُغَردا
وكما قال:
ولي فيك ما لم يقلُ قائلُوما لم يَسِرْ قمر حيث سارا
وعندي لك الشُّرَّدُ السائرات لا يختصصن من الأرض دارا
قواف إذا سِرْنَ عن مِقْوَليوَثَبْنَ الجبالَ وخُضْنَ البحارا
وهذا من أحسن ما قيل في وصف الشعر السائر، وأبلغ منه قول علي بن الجهم، وهو:
ولكن إحسان الخليفة جَعْفَردعاني إلى ما قلت فيه من الشعر
فسار مسيرَ الشمس في كل بلدةوهَبَّ هبوب الريح في البر والبحر
فليس اليومَ مجالسُ الدرس أعمر بشعر أبي الطيب من مجالس الأنس ولا أقلام كتاب الرسائل أجرى به من ألسن الخطباء في المحافل، ولا لحون القوالين والمغنين أشغل من كتب المؤلفين والمصنفين، فقد ألفت الكتب في تفسيره، وحل
مشكله وعويصه، وكسرت الدفاتر على ذكر جيده ورديئه، وتكلم الأفاضل في الوساطة بينه وبين خصومه، والإفصاح عن أبكار كلامه وعونه، وتفرقوا فرقا في مدحه وذمه، والقدح فيه، والنضح عنه، والتعصب له وعليه؛ وذلك أدل دليل على وفور فضله، وتقدم قدمه، وتفرده عن أهل زمانه بملك رقاب القوافي، ورق المعاني، فالكامل من عدت سقطاته، والسعيد من حسبت هفواته.
وقد انتدب العلماء لديوانه، وشرحوه شروحاً كثيرة: فمنهم من تكلم
على ديوانه أجمع، ومنهم من تكلم على بعضه، فمن شروحه كتاب ابن جني، وهو أول من شرحه، وكتاب اللامع العزيزي لأبي العلاء المعري، وكتاب معجز أحمد لأبي العلاء أيضاً، وكتاب أبي الحسن علي بن أحمد الواحدي، وكتاب الموضح لأبي زكريا التبريزي، وكتاب عبد
القاهر الجرجاني، وكتاب أبي منصور محمد بن عبد الجبار السمعاني، وكتاب أبي القاسم إبراهيم بن محمد الأفليلي، وكتاب أبي الحجاج يوسف بن سليمان الأعلم، وكتاب عبد الرحمن بن محمد الأنباري، وكتاب في سرقات المتنبي للحسن بن محمد بن وكيع، وسماه المنصف، وكتاب أبي البقاء عبد الله العكبري، وكتاب أبي اليمن يزيد بن الحسين الكندي، وكتاب عبد الواحد بن محمد بن علي بن زكريا، وكتاب محمد ابن علي بن إبراهيم الهراسي الكافي، وكتاب أبي الحسن محمد بن عبد الله الدلقي عشر مجلدات، وكتاب كمال الدين بن القاسم الواسطي، وكتاب الوساطة للقاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني، وكتاب أبي بكر محمد
بن العباس الخوارزمي، وكتاب عبد الرحمن بن دوست النيسابوري، وكتاب أبي الفضل أحمد بن محمد العروضي، وكتاب التجني على ابن جني لابن فورجة، وكتاب الفتح على أبي الفتح لابن فورجة أيضا، وكتاب معاني أبياته لابن جني، وكتاب التنبيه لأبي الحسن علي بن عيسى الربعي، وقد رد فيه على ابن جني أيضاً، وكتاب أبي القاسم عبد الله بن عبد الرحمن الأصفهاني، وكتاب الحسين بن محمد بن طاهر الشاعر، وكتاب أبي عبد الله محمد بن جعفر القزاز القيرواني، وكتاب علي بن جعفر بن القطاع،
وكتاب الصاحب أبي القاسم إسماعيل بن عباد، وكتاب أبي الحسن عبد الرحمن الصقلي، وكتاب قصائد الصبا للأعلم، وكتاب نزهة الأديب في سرقات المتنبي من حبيب لابن حسنون المصري، وكتاب الانتصار لأبي الحسن أحمد بن أحمد المغربي، وكتاب التنبيه عن رذائل المتنبي لأحمد المغربي أيضاً، وكتاب بقية الانتصار، المكثر من الاختصار لأحمد المغربي أيضاً، وكتاب الرسالة الحاتمية لأبي الحسن محمد بن المظفر الحاتمي وكتاب جبهة الأدب
للحاتمي أيضاً، وكتاب المآخذ الكندية من المعاني الطائية، وكتاب الاستدراك علي ابن الدهان للوزير ضياء الدين ابن الأثير الجزري، وكتاب الإبانة للصاحب العميدي. سوى الشروح التي لم نسمع بذكرها.
ولم يسمع بديوان شعر في الجاهلية ولا في الإسلام شرح هكذا مثل هذه الشروح الكثيرة سوى هذا الديوان، ولا تداول على ألسنة الأدباء في نظم ونثر أكثر من شعر المتنبي.
هذا الصاحب مع بغضه له، وتعصبه عليه، أكثر الناس استعمالا لكلماته، في محاضراته ومكاتباته.
فمن ذلك فصل له من رسالة في وصف
قلعة افتتحها عضد الدولة: وأما قلعة كذا، فقد كانت بقية الدهر المديد، والأمد البعيد، تعطس بأنف شامخ من المنعة، وتنبو بعطف جامح على الخطبة، وترى أن الأيام قد صالحتها على الإعفاء من القوارع، وعاهدتها على التسليم من الحوادث، فلما أتاح الله للدنيا ابن بجدتها وأبا بأسها ونجدتها، جهلوا بون ما بين البحور والنهار، وظنوا الأقدار تأتيهم على مقدار، فما لبثوا أن رأوا معقلهم الحصين، ومثواهم القديم، نهزه الحوادث، وفرصة البوائق، ومجر العوالي
ومجرى السوابق.
وإنما ألم بألفاظ بيتين لأبي الطيب أحدهما:
حتى أتى الدنيا ابنُ بَجْدتهافشكى إليه السهلُ والجبلُ
والآخر:
تذكرتُ ما بين العُذَيب وبارقمَجَرَّ عوالينا ومجرى السوابق
ومن ذلك فصل آخر له أيضاً.
لئن كان الفتح جليل الخطر، حميد الأثر فإن سعادة مولانا لتبشر بشوافع له، يعلم معها أن الله أسرار في علاه لا يزال يبديها، ويصل أوائلها بتواليها.
وهو من قول أبي الطيب:
ولله سرّ في عُلاك وإنماكلام العِدا ضرب من الهَذَيان
ومن ذلك ولو كان ما أحسنه شَظية من قلم كاتب لما غير خطة، أو قذى في عين نائم لما انتبه جفنه.
وهو من قول أبي الطيب:
ولو قلم ألقيتُ في شق رأسهمن السقْم ما غيرتُ من خط كاتب
وقول نصر:
ضَنِيتُ حتى صرت لو زُجَّ بيفي ناظر النائم لم ينتبهْ
ومنه أخذ ابن العميد قوله:
فلو أن ما أبقيتِ من جسدي قذىًفي العين لم يمنع من الإغفاء
ومن ذلك في التعزية..
إذا كان الشيخ القدوة في العلم وما يقتضيه، والأسوة في الدين وما يجب فيه، لزم أن يتأدب في حالات الصبر والشكر بأدبه، ويؤخذ في ثارات الأسى بمذهبه، فكيف لنا بتعزيته عند حادث رزيته، إلا إذا رددنا له بعض ما أخذناه عنه، وأعدنا إليه طائفة مما استفدناه منه وإنما هو حل من
قول أبي الطيب:
أنت يا فوقَ أن تُعزَّى عن الأحباب فوق الذي يعزيك عقلا
وبألفاظك اهتدي فإذا عَزَّاك قال الذي له قلت قبلا
ومن ذلك: وقد أثنى عليه ثناء لسان الزهر على راحة المطر، وهو من قول أبي الطيب:
وذكىّ رائحة الرياض كلامُهاتبغي الثناء على الحيا فتفوح
والأصل فيه قول ابن الرومي:
شكرتْ نعمة الوليّ على الوسميّ ثم العهاد بعد العهادِ
فهي تثنى على السماء ثناءطيب النَّشر شائعا في البلاد
من نسيم كأن مسراه في الأرواح مَسرى الأرواح في الأجساد
ومما أورده من أبيات أبي الطيب كما هي قوله في كتاب أجاب به ابن العميد عن كتابه الصادر إليه عن شاطئ بحر في وصف مراكبه وعجائبه: وقد علمت أن سيدنا كتب وما أخطر بفكره سعة صدره، ولو فعل ذلك لرأى البحر وشلا، لا يفضل عن التبرض، وثمدا. لا يكثر عن الترشف.
وكم من جبال جُبْت تَشْهَدُ أنك الْجبالُ
وبحر شاهد أنك البحرُ.
وله من رسالة في التهنئة ببنت، أولها:) أهلا بعقيلة النساء، وكريمة الآباء، وأم الأبناء، وجالبة الأصهار، والأولاد الأطهار (ثم يقول فيها:
ولو كان النساء كمثل هذيلفضلتُ النساءُ على الرجال
وما التأنيث لاسم الشمس عيبُولا التذكيرُ فخرُ للهلال
وله من كتاب تعزية:) وقلنا قد أخذ الزمان من أخذ، وترك من ترك، فهو لاشك يعفو عن القمر، وقد أسلم الشمس للطفل، ولا يصل الصروف
بالصروف، ولا يجمع الكسوف إلى الخسوف. فأبى حكم الملوين. وقد غبنك إذ قاسمك الأخوين، فأبى إلا أن يعود فيلحق الباقي بالفاني، والغابر بالماضي.
وعاد في طلب المتروك تاركهإنا لنغفل والأيام في الطلب
ما كان أقصر وقتا كان بينهماكأنه الوقت بين الورِد والقَرَب
أقول هذا كعادة المصدور في النفث، وشكوى الحزن والبث، وإلا فما يعجب السفر من تقدم بعض، وكل بين الرحل؛ لا يترك الموت ساعياً على
وجه الأرض حتى ينقله إلى بطن التراب.
نحن بنو الموتى فما بالنانعاف ما لا بد من شربه
تبخل أيدينا بأرواحناعلى زمان هي من كسبه
فهذه الأرواح من جوهوهذه الأجسام من تربه
وهذا غيض من فيض ما اغترفه الصاحب من بحر المتنبي، وتمثل به من شعره وكان مثله معه كما قال الشاعر:
شتمت من تيمني مغالطالأصرف العاذل عن لَجاجته
فقال لما وقع البزاز في الثموب علمنا أنه من حاجته
وكما قال الآخر:
وذموا لنا الدنيا وهم يرضعونهاولم أر كالدنيا تُذم وتُحْلب
وكما قال الآخر:
نبئت أني إذا ما غِبتُ تشتمنيقل ما بدا لك فالمحبوب مسبوب
وليس الصاحب بأوحد في الاقتباس من كلام المتنبي؛ وهذا أبو إسحاق الصابي له من ذلك غير فصل.
فمن ذلك ما كتب في تقريظ شاب مقتبل الشبيبة، مكتهل الفضيلة:) ولقد آتاه الله في اقتبال العمر
جوامع الفضل، وسوغه في عنفوان الشباب محامد الاستكمال، فلا تجد الكهولة خلة تتلافاها بتطاول المدة، وثلمة تسدها بمزايا الحنكة (.
وهذا من قول أبي الطيب:
لا تجدُ الخمرُ في مكارمهإذا انتشى خَلة تلافاها
وأخذه من قول البحتري:
تكرمَت من قبل الكئوس عليهمفما اسطَعْنَ أن يُحدثْنَ فيك تكَرُّما
ومن ذلك ما كتب إلى ابن معروف تهنئة بقضاء القضاة: منزلة قاضي القضاة
تجل عن التهنئة بالولاية لأن ما تكتسبه الولاة بها من الصيت والذكر ويدرعونه فيها من الجمال والفخر، سابق له عنده، وحاصل قبلها له، وإذا مد أحدهم إليها يدا تجذبها إلى سفال. جذبتها يده إلى المحل العالي، فكأن أبا الطيب عناه، أو حكاه بقوله:
فوق السماء وفوق ما طلبوافإذا أرادوا غايةً نَزَلُوا
ومن ذلك ما كتب:) وعاد مولانا إلى مستقر عزه عود الحلي إلى العاطل، والغيث إلى الروض الماحل (وهذا من قول أبي الطيب:
وعُدتَ إلى حَلَب ظافراًكعَود الحُلىّ إلى العاطل
وإذا كان هذان الصدران المقدمان على بلغاء الزمان يقتبسان من أبي الطيب في رسائلهما، فما الظن بغيرهما؟ وما أحسن قول الشاعر:
ألا إن حَلَّ الشعر زينة كاتبولكن منهم من يَحلُ فيَعْقِدُ
وممن يحذو حذوهما الأستاذُ أبو العباس أحمد بن إبراهيم الضَّبي. وما أظرف ما قاله في كتابه إلى أبي سعيد الشبيبي: وقد أتاني كتاب شيخ الدولتين، فكان في الحسن
روضة حزن، بل جنة عدن، وفي شرح النفس، وبسط الأنس، برد الأكباد والقلوب، وقميص يوسف في أجفان يعقوب، وهو من قول أبي الطيب:
كأن كل سؤال في مسامعهقميص يوسف في أجفان يعقوب
ومن ذلك فصل لأبي بكر الخوارزمي:) وكيف أمدح الأمير بخلق ضن به الهواء، وامتلأت من ذكره الأرض والسماء. وأبصره الأعمى بلا عين، وسمعه الأصم بلا أذن (وهو من قول أبي الطيب:
تُنشد أثوابنا مدائحهبألْسُن ما لهن أفواهُ
إذا مررنا على الأصم بهاأغنته عن مِسْمعيه عيناهُ
ولأبي بكر الخوارزمي من رسالة:) ولقد تساوت الألسن حتى حسد الأبكم، وأفسد الشعر حتى أحمد الصمم (.
وهو من قول أبي الطيب:
ولا تبالِ بشعر بعد شاعرهقد افسد القول حتى أحمد الصمم
قال أبو الطيب:
وقد أخذ التمامَ البدرُ فيهمْوأعطاني من السقَّم المِحاقا
أخذه أبو الفرج الببغاء فلطفه، وقال:
أوَ ليس من إحدى العجائب أننيفارقته وحييت بعد فراقه
يا من يحاكي البدرَ عند تمامهأرْحم فتى يحكيه عند مِحاقه
وقال أبو الطيب:
قد علَّم البينُ منا البينَ أجفاناتَدْمَي وألفَّ في ذا القلب أحزانا
أخذه المهلبي، فقال:
تصارمت الأجفان منذ صرمتنيفما تلتقِي إلا على عَبرة تجري
وقال أبو الطيب:
وكنتُ إذا يممتُ أرضا بعيدةسريتُ فكنتُ السرَّ والليل كاتمه
أخذه الصاحب، فقال:
تجشمتها والليل وَحْفُ جناحهُكأنيَ سرُ والظلامُ ضميرُ
وقال أبو الطيب:
لبِسْن الوشي لا متجملاتولكن كي يُصنَّ به الجمالا
أغار عليه الصاحب؛ فقال:
لبسن برودَ الوشي لا لتجملولكن لصون الحسن بين بُرُود
وقال أبو الطيب:
سقاكِ وحيانا بك اللهُ إنماعلى العِيس نَوْرُ والخُدور كمائمهْ
أخذه السَّرِيّ، فقال:
حيا به اللهُ عاشقيه فقدأصبح ريحانةً لمن عشقا
وقال أبو الطيب:
يَخِدن بنا في جَوْزِه وكأنناعلى كُرَةٍ أو أرضُه سَفْرُ
أخذه السري، فقال:
وخَرْقٍ طال فيه السير حتىحسبناه يسير مع الركاب
قال أبو الطيب:
هام الفؤاد بأعرابية سكنتبيتا من القلب لمَ تَمْددْ له طُنباُ
أخذه السرى، فقال:
وأحلَّها من قلب عاشقها الهوَىبيتاً بلا عمد ولا أطنابِ
قال أبو الطيب:
ليت الغمامَ الذي عندي صواعقهيُزيلهن إلى من عنده الديمُ
أخذه السرى، فقال:
وأنا الفِداء لمن مَخيِلةُ بَرقِهعندي، وعند سواي من أنوائه
وقال أبو الطيب:
فإن تفق الأنام وأنت منهمفإن المسك بعض دم الغزال
وقال أيضاً:
وما أنا منهم بالعيش فيهمولكن معدن الذَّهب الرَّغامُ
أخذ أبو بكر الخوارزمي معنى البيتين فقال:
فديتُك ما بدا لي قصدُ حُرًسواك من الورى إلاّ بَدَا لي
وأنك منهمُ وكذاك أيضاًمن الماء الفرائُد واللآلي
وتسكن دارهم وكذاك سكنى الحجارة والزُّمرُّد في الجبال
وهذا معنى قد اخترعه المتنبي،
وكرره في تفضيل البعض على الكل، فأحسن غاية الإحسان حيث قال:
فإن يكُ سيارُ بن مُكْرَم انقضىفإنكَ ماء الورد إن ذهب الورد
وقال أيضا:
فإن تكنْ تغلبُ الغلباءُ عنصُرَهافإن في الخمر مَعْنىً ليس في العنب
ألم به أبو الفتح البستي، فقال:
أبوك حوى العليا وأنت مبرزَّعليه إذا نازعته قصب المجد
وفي الخمر معنى ليس في الكرم مثلُهوفي النار نُورُ ليس يوجد في الزنَّد
وخير من القول المقدَّم فاعترفنتيجةُ والنحلُ يُكرم للشهد
وقال أيضاً:
أبوك كريم غير أنك سابقمداه بلا ضيم عليه ولا ذَيم
فلا يَعجبنَّ الناسُ مما اقولهوأقضي به فالغيث أندى من الغَيم
وقال أبو الطيب:
وصرت أشك فيمن أصطفيهلعلمي أنه بعض الأنام
أخذه أبو بكر الخوارزمي، فقال:
قد ظلمناك بحسن الظّمن يا بعض الأنام
وقال أبو الطيب:
أتى الزمانَ بنوه في شَبيبتهفسَّرهم وأتيناه على الهَرَمِ
أخذه أبو الفتح، وحسنه، فقال:
لا غرو أنَ لم نجد في الدهر مُخْترَفاًفقد أتيناهُ بعد الشَّيب والْخَرَفِ
وقال أبو الطيب:
هي الغرض الأقصى ورؤيتك المنىومنزلك الدنيا وأنت الخلائق
امتثله السَّلامي، فقال:
وبشرت آمالي بِمَلْك هو الورىَودار هي الدنيا ويوم هو الدهر
وقال أبو الطيب:
لم تزل تسمع المديح ولكنّم صهالَ الجياد غيرُ النهاق
أخذه الزعفراني، ولطفه، فقال:
وتغنّيك في النَّدىّ طيورأنا وحدي ما بينهن الهَزارُ
قال مخلد الموصلي:
يا منزلاً ضَنَّ بالسلامسُقيت رِياَّ من الغمام
لم يترك الدهرُ منك إلاما ترك الشوقُ من عظامي
أخذه أبو الطيب، فجوده حيث قال:
ما زال كلُّ هزيمِ الودقِ يُنْحلهاُوالشوقُ يُنحِلُني حتى حكت جسدي
قال عمرو بن كلثوم:
فآبوا بالنَّهاب وبالسباياوابنا بالملوك مُضَفَّدينا
أخذه أبو تمام، فأحسن إذ قال:
إن الأسودَ أسودَ الغاب هِمتهايومَ الكريهة في المسْلوب لا السلبِ
أخذه أبو الطيب، فلم يحسن في تكرير النهب، وذكر القماش إذ هو من ألفاظ العامة والسوقة، حيث قال:
ونهبُ نفوسِ أهل النهب أولىبأهل المجد من نَهْب القُماش
وقال بشارُ بن بُرد:
كأن مُثار النقع فوق رءوسناوأسيافَنا ليلُ تهاوَى كواكبُهْ
أخذه أبو الطيب، وذكر الرماح مكان الأسياف، فقال:
وكأنما كُسيِ النهارُ بهاُ دجىَليل وأطلعتِ الرماحُ كواكبا
وقال مسلم بن الوليد:
أرادوا ليُخفوا قبَره من عدوهفطِيبُ ترابِ القبر دلَّ على القبر
ألم به أبو الطيب، فقال:
وما ريحُ الرياض لها ولكنكساها دفنُهم في التْرب طِيبا
قال الفرزدق:
وكنتُ فيهم كمطمور ببلدتهيُسَرُّ أنْ جمع الأوطانَ والمَطَرا
أخذه المتنبي، فقال:
وليس الذي يتَّبَّع الوبل رائداكمن جاءه في داره رائدُ الوْبْل
وفي قوله في هذه القصيدة:
وخيل إذا مرت بوحش وروضةأبت رعيها إلا ومِرْجلُنا يَغلي
رائحة من قول امرئ القيس:
إذا ما ركبنا قال ولد أنُ أهلناتعالواَ إلى أن يأتنا الصيدُ نَحْطِبِ
قال أبو نواس:
وكلتَ بالدهر عيناً غيرَ غافلةبجود كفيك تأسو كل ما جرحا
ويقال إنه أمدح بيت للمحدثين، أخذه أبو الطيب وزاد فيه حسن التشبيه، فقال:
تَتَبَّع آثار الرزايا بجودهتتبعَ آثار الأسنة بالفُتْلِ
قال أبو نواس في وصف الخمر، وهو من قلائده:
إذا ما أتت دون اللَّهاةِ من الفتىدعا هَمُّه من صدره برحيل
أخذه أبو الطيب، ونقله إلى معنى آخر، فقال:
وما هي إلا لحظة بعد لحظةإذا نزلت في قلبه رحل العقل
قال ابن أبي عيينة، ويروي للخليل:
زُرْ واديَ القصرِ نعم القصرُ والواديفي منزل حاضر إن شئت أو بادي
تَلْقَى به السفْن والظَّلمان حاضرةوالضبَّ والنونَ والملاحَ والحاديِ
وهذا أحسن ما قيل في وصف مكان يجمع بين أوصاف البر والبحر والحاضر والبادية.
ألم به أبو الطيب في وصف متصيد عضد الدولة بناحية سهلية جبلية تجمع الأضداد: سقياً لدَشْتِ الأرْزَن الطوال
بين المروج الفيح والأغيالمُجاور الخنزير للرئبال
داني الخنانيص من الأشبالِمُشْتَرِفِ الدُّبَ على الغزال
مُجتمع الأضدادِ والأشكال
قال بعض العرب وهو من الأمثال السائرة:
إذا بَلَّ من داء به ظَنَّ أنهنجا، وبه الداءُ الذي هو قاتلهُ
أخذه أبو الطيب، فقال، وأحسن:
وإن أسلم فما أبقى ولكنسلمِتُ من الحِمام إلى الحِمامِ
قال بعض الرُّجَّاز: هل يَغْلبِنَّي واحدُ أقاتلُهْ ريمُ على لَباتِه سلاسلُهْ.
سلاحه يوم الوغى مَكاحِلهُ أخذه أبو الطيب، فأكمل الوصف، وأظهر الغرض حيث قال:
مِن طاعني ثُغَر الرجال جآذرُومن الرماح دمالج وخَلاخلُ
ولذا اسم أغطيةِ العيون جفونُهامن أنها عملَ السيوفِ عواملُ
قال أبو تمام:
غُربت خلائِقهُ وأغرب شاعرُفيه فأبدع مُغربُ في مغُرِب
أخذه أبو الطيب، فقال:
شاعر المجد خِدْنه شاعر اللفظ كلانا رب المعاني الدقاق
قال أبو تمام:
يمدون بالبيض القواطع أيْدياًفهن سواءُ والسيوفُ القواطعُ
أخذه أبو الطيب، فأوقع التشبيه على الجملة حيث قال:
همامُ إذا ما فارق الغمدَ سيفهُوعاينْتهَ لم تدرِ أُيِهما النصل؟
قال ابن الرومي:
لا قُدّستْ نُعْمى تسر بلْتهاكم حجة فيها لزِنديقِ
أخذه أبو الطيب، فقال:
فإنه حجةُ يؤذي القلوب بهامَنْ دينُه الدهرُ والتعطيلُ والقِدمُ
وقال ابن الرومي:
وأحسن من عِقد العقيلةِ جيِدُهاوأحسن مِن سربالها المُتجرَّد
أخذه أبو الطيب، فقال:
ورب قبح رحُليّ ثقالٍأحسن منها الحسنُ في المعطال
قال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
وجَربت حتى ما رأى الدهر مُغرباعلى بشيء لم يكن في تجاربي
أخذه أبو الطيب، فقال:
قد بلوتَ الخطوب مراًّ وحلواًوسلكتَ الأنام حَزْنا وسهلا
وقتلتَ الزمان علما فما يُغرِب قولا ولا يُجدد فعلا
وكرر هذا المعنى، فقال:
عرفتُ الليالي قبل ما صنعتْ بنافلما دهتني لم تزدني بها علما
وكتب ابن المعتز لعبيد الله بن سليمان يعزيه عن ابنه أبى محمد، ويسليه ببقاء أبي الحسين القاسم أبياتاً منها:
ولقد غَبَنْتَ الدهرَ إذ شاطرتهلكنَّ يمنى المرء خيرُ يديه
فأخذ أبو الطيب هذا المعنى، وقال لسيف الدولة من قصيدة يعزيه بها عن أخته الصغرى، ويسليه ببقاء الكبرى حيث قال:
قاسمتْك المنونُ شخصَين جوراًجعل القسْمُ نفسه فيك عَدلا
فإذا قست ما أخذن بماغادرْن سَّرى عن الفؤاد وسلَّي
وتيقنتَ أن حظك أوفىوتبينتَ أن جَدَّك أعلى
وكان أبو الطيب كثير الأخذ من ابن المعتز، على تركه الإقرار بالنظر في شعر المحدثين، فمما أخذه منه قوله:
تَكَسَّبُ الشمس منك النَورَ طالعةًكما تكسَّبَ منها نورها القمرُ
وهو معنى قول ابن المعتز:
البدر مِن شمس الضحى نورهُوالشمسُ من نورك تستملي
وأخذه قوله، وهو من قلائده، قيل ولعله أمير شعره:
أزورهم وسواد الليل يشفع ليوانثنى وبياض الصبح يُغرِي بي
من مصراع لابن المعتز...
ذكر ابن جني، قال حدثني المتنبي وقت القراءة عليه قال: قال لي ابن حنزابة وزير كافور: أعلمت أني أحضرت كتبي كلها وجماعة من أهل الأدب يطلبون لي من أين أخذت هذا المعنى، فلم يظفروا بذلك، وكان أكثر من رأيت كتبا. قال ابن جني: ثم إني عثرت
بالموضع الذي أخذه منه إذا وجدت لابن المعتز مصراعاً بلفظ لين صغير جدا فيه معنى بيت المتنبي كله على جلالة لفظه وحسن تقسيمه، وهو قوله: فالشمس نمامة والليل قواد. ولن يخلو المتنبي من إحدى ثلاث إما أن يكون ألم بهذا المصراع فحسنه، وزينه، وصار أولى به. وإما أن يكون قد عثر بالموضع الذي عثر ابن المعتز به، فأربى عليه في جودة الأخذ. وإما أن يكون قد اخترع المعنى، وابتدعه، وتفرد به، ولله دره. وناهيك بشرف لفظه، وبراعة نسجه. وما أحسن ما جمع
أربع مطابقات في بيت واحد، وما أراه سبق إلى مثلها، وما زال الناس يتعجبون من جمع البحتري ثلاث مطابقات في قوله:
وأمة كان قبحُ الجور يُسخطهادهراً فأصبح حسن العدل يُرضيها
حتى جاء أبو الطيب، فزاد عليه، مع عذوبة اللفظ، ورشاقة الصنعة.
قال ابن الرومي:
أرى فضل مالِ المرء داءً لِعرضِهكما أن نضل الزاد داءُ لجسمِهِ
فليس لداء العِرض شيءُ كبذلهوليس لداء الجسم شيء كُحَسْمه
ألم به أبو الطيب، فقال:
يتداوى من كثرةِ المال بالإقلال جودا كأن مالا سقامُ
قال:
وأنت المرء تُمرضُه الحَشايالهمته وتَشفيه الحروبُ
وقال:
وما في طِبّه أني جوادأضر بجسمه طول الجِمام
وقال:
ليت الحبيبَ الهاجري هَجْرَ الكَرىمن غير جُرم واصلي صِلةَ الضَّنى
وقال:
فياليت ما بيني وبين ثحبتيمن البُعد ما بيني وبين المصائب
وقال:
إذا بدا حجبتْ عينيك هيبتُهوليس يحجبه سِتُر إذا احتجبا
وقال:
أصبحتَ تأمر بالحِجاب لخلوةٍهيهات لست على الحجاب بقادر
من كان ضوءُ جبينه ونوالُهلم يُحجبا لم يحتجب عن ناظر
فإذا احتجبت فأنت غير محجبوإذا بَطَنْت فأنت عينُ الظاهر
وقال:
أميرُ أميرُ عليه الندىجواد بخيل بألا يجودا
وقال:
ألا إن الندى أضحى أميراعلى مال الأمير أبي الحسين
وقال:
ومال وهبتَ بلا موعدوقِرْن سبقتَ إليه الوعيدا
وقال:
لقد حال بالسيف دون الوعيدوحالت عطاياه دون الوعود
وقال:
وما رغبتي في عسجد أستفيدهولكنها في مَفخَر أستجدُّهُ
وقال:
فسرت إليك في طلب المعاليوسار سواي في طلب المعاش
وقال:
قد علم البين منا البين أجفاناتَدَمى وألف في ذا القلب أحزانا
وقال:
كأن الجفون على مقلتيثياب شُقِقْن على ثاكل
وقال:
كأنك بالفقر تبغي الغنىوبالموت في الحرب تبغي الخلودا
وقال:
كأنك في الإعطاء للمال مبغضُوفي كل حرب للمنية عاشق
وقال:
الذي زُلتُ عنه شرقا وغرباونداه مقابلي ما يزول
وقال:
ومن فرَّ من إحسانه حسدا لهتلقاه منه حينما سار نائل
وقال:
فكأنما نُتِجتْ قياماً تحتهموكأنما وُلدوا على صَهَواتها
وقال:
وَطْعنَ غطاريفٍ كأن أكفهمعَرفْن الرُّدَينياتِ قبل المعاصم
وقال:
جَرَحْتِ مُجرّحا لم يبق فيهمكانُ للسيوف وللسهام
وقال:
رماني الدهر بالأرزاء حتىفؤادي في غشاء من نبال
فصرت إذا أصابتني سهامُتكسرت النصالُ على النصالِ
وقال:
وشيكتي فقدُ السَّقام لأنهقد كان لما كان لي أعضاءُ
وقال:
لم يتركُ الحبُّ من قلبي ومن كبديشيئاً تُتَيمه عينُ ولا جيِدُ
وقال:
تصدُّ الرياحُ الهُوج عنها مخافةًوتفزَع فيها الطيرُ أن تلقط الحبا
وقال:
إذا أتتها الرياحُ النكبُ من بلدفما تَهُب بها إلا بترتيب
وقال:
إذا ضوءها لاقى من الطير فرجةتدور فوق البيض مثلَ الدراهم
وقال:
وألقى الشرق منها في ثيابيدنانيرا تفر من البنان
وقال:
ولقد بكيت على الشباب ولِمتيمسودة ولِماء وجهيَ رَوْنق
حذرا عليه قبل يوم فراقهحتى لكدت بماء جفنيَ أشرق
وقال:
هاَّويةُ ما رأيت مهديهاإلا رأيت العباد في رجل
وقال: أم الخلق في شخص حَي أعِيدا وقال: ومنزلك الدنيا وأنت الخلائق ثم كرره، وزاد فيه، فقال:
ولقيتُ كل الفاضلين كأنمارد الإلهُ نفوسَهم والأعصُرا
نُسقوا لنا نسق الحساب مقدَّماوأتى فذلك إذ أتيت مؤخرا
والأصل فيه قول أبي نواس:
ليس على الله بمستنكرأن يجمع العالم في واحد
وقوله وقد كرره:
مَتَى تَحُطّي إليه الرَّحْلَ سالمةتستجمعي الخلق في تمثال إنسان
وقال أبو الطيب:
هو الشجاع يَعُدُّ البخل جُبُنٍوهو الجوادُ يعد الجبنَ من بَخلَ
وقال:
فقلت إن الفتى شجاعتهتريه في الشح صورة الفَرَق
والأصل فيه قول أبي تمام:
أيقنت أن من السماح شجاعةًتُدمي وأن من الشجاعة جودا
وقال أبو الطيب:
ومن اعتاض منك إذا افترقناوكل الناس زور ما خلاكا؟
وقال في مثله فتبرد وبالغ:
إنما الناس حيث أنت وما الناس في موضع منك خالي
وقال:
إذا اعتل سيف الدولة اعتلت الأرضومَن فوقها والبأس والكرم المحضُ
وقال:
وما أخصك في برء بتهنئةإذا سلمت فكل الناس قد سلموا
وقال:
تجاوز قدر المدح حتى كأنهبأحسن ما يثنى عليهُ يُعاب
وقال:
وعُظْمُ قدرك في الآفاق أوهمنيأني بقلة ما أثنيت أهجوكا
وقال:
وكان مَن عدَّدَ إحسانهكأنما أسرف في سبه
والأصل فيه قول البحتري:
جلّ عن مذهب المديح فقد كاد يكون المديح فيه هجاء
وقال:
نال الذي نلتُ منه منىلله ما تصنع الخمور
وقال:
أفيكم فتى حتى فيخبرني عنيبما شربت مشروبةُ الراح من ذهني؟
وقال:
عليم بأسرار الديانات واللُّغىله خطرات تفضح الناس والكُتْبا
وقال:
كأنك ناظر في كل قلبفما يخفى عليك محل غاش
وقال:
ووَكَّلَ الظن بالأسرار فانكشفتله سرائر أهل السهل والجبل
وقال:
فاغفرفدى لك واحْبُني من بعدها لتخصني بعطية منها أنا
وقال:
له أياد إلى سالفةأُعدّ منها ولا أعددها
وقال، وهو من قلائده:
خير أعضائنا الرءوس ولكنفضلتها بقصدك الأقدام
وقال:
وإن الفِئامَ التي حولهلتحسد أقدامَها الأرؤُس
وقال:
وما الحسن في وجه الفتى شرف لهولكنه في فعلة والخلائق
وقال في وصف الخيل:
إذا لم تشاهد غير حسن شِيَاتهاوأعضائها فالحسن عنك مغيب
وقريب منه قوله:
يحب العاقلون على التصافيوحب الجاهلين على الوسام
وقال في معنى قد تصرفت فيه الشعراء:
ذل من يغبط الذليل بعيشرُبَّ عيش أخفُّ منه الحِمامُ
وقال:
عش عزيزا أو مت وأنت كريمبين طعن القَنا وخفق البُنود
وقال:
إذا ما لم تُسِرْ جيشاً إليهمأسَرْتَ إلى قلوبهم الهُلوعا
وقال:
بعثوا الرعبَ في قلوب الأعاديفكأن القتال قبل التلاقي
وقال:
قد ناب عنك شديد الخوف واصطنعتلك المهابة ما لا يصنع البُهَمُ
وقال:
أبصروا الطعن في القلوب دراكاقبل أن يبصروا الرماح خيالا
وقال:
صيام بأبواب القِباب جيادهُموأشخاصهم في قلب خائفهم تعدو
وقال:
تغير عنه على الغارات هيبتُهومالهُ بأقاصي البر أَهمال
والأصل فيه قول النبي ﷺ نصرت بالرعب (ثم أكثر الناس منه، ومن أوجز ما قالوا:
قول علي بن جبلة العكوك:
غدا مُجتَمع العزمله جندُ من الرعب
وقال:
وأتعب خلق الله من زاد همُّهوقصَّر عما تشتهي النفسُ وُجْدُد
وقال:
لحى الله ذي الدنيا مُناخاً لراكبفكلّ بعيد الهم فيها معذّبُ
وقال:
ومَعالٍ إذا ادَّعاها سواهملزمته جناية السَّراقِ
النص من طبعة المطبعة العامرة الشرفية بالقاهرة (١٣٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع