تجاوز إلى المحتوى

من «الصبح المنبي عن حيثية المتنبي» ليوسف البديعي (ت ١٠٧٣هـ)

أخبار المتنبي (٣)

فجعل موضع الفراء الباز الأشهب، وموضع الأرنب الرخم، الأول من قول محمد بن عيينة المهلبي من قصيدة أولها: دمية قفْرةُ وربعُ جديبُ

لا تثق بالكذوب واعلمْ يقيناأن شر الرجال عندي الكذوبُ
لي وفاء مَحْضُ وكف جوادوجلالُ باد ورأىُ صَليبُ
أخبثُ الأرض ما خلتْ من صديقوأضرُّ الأفعال فعلُ مَعيبُ

وحكى أبو الفرج الببغاء قال: كان أبو الطيب يأنس بي، ويشكو من سيف الدولة، ويأمنني على غيبته له، وكانت الحال بيني وبينه عامرة دون باقي الشعراء، وكان سيف الدولة يغتاظ من تعاظمه، ويجفو عليه إذا كلمه، والمتنبي يجيبه في أكثر الأوقات، ويتغاضى في بعضها، قال أبو الفرج الببغاء: وأذكر ليلة وقد استدعى سيف بدرة فشقها بسكين الدواة، فمد أبو عبد الله ابن خالويه طيلسانه

فحثا فيه سيف الدولة صالحاً، ومددتُ ذيل دُرَّاعتي فحثا لي جانباً، والمتنبي حاضر، وسيف الدولة ينتظر منه أن يفعل مثل فعلنا، فما فعل، فغاظه ذلك، فنثرها كلها على الغلمان، فلما رأى المتنبي أنها قد فاتته زاحم الغلمان يلتقط معهم، فغمزهم عليه سيف الدولة، فداسوه وركبوه، وصارت عمامته في رقبته، فاستحى ومضت به ليلة عظيمة، وانصرف فخاطب أبو عبد الله بن خالويه سيف الدولة في ذلك، فقال: يتعاظم تلك العظمة، وينزل إلى مثل هذه المنزلة لولا حماقتهُ.

وحكى أن أبا الطيب المتنبي دخل مجلس ابن العميد، وكان يستعرض سيوفاً، فلما نظرا أبا الطيب نهض

من مجلسه، وأجلسه في دسته، ثم قال له: اختر سيفاً من هذه السيوف، فاختار منها واحداً ثقيل الحلي، واختار ابن العميد غيره. فقال كل واحد منهما: سيفي الذي اخترته أجود، ثم اصطلحا على تجربتهما. فقال ابن العميد: فماذا نجربهما؟ قال أبو الطيب في الدنانير يؤتي بها، فينضد بعضها على بعض، ثم يضرب به، فإن قدها فهو قاطع؛ فأستدعى ابن العميد عشرين ديناراً فنضدت، ثم ضربها أبو الطيب فقدها، وتفرقت في المجلس، فقام من مجلسه المفخم يلتقط الدنانير

المتبددة فقال ابن العميد: ليلزم الشيخ مجلسه، فإن أحد الخدام يلتقطها ويأتي بها إليك. فقال: بل صاحب الحاجة أولى. وحكى أبو بكر الخوارزمي أن المتنبي كان قاعداً تحت قول الشاعر:

وأن أحقّ باللَّوم شاعرُيلومُ على البخل الرجالَ ويبخلُ
للشاعر أحمد بن أبي فنن، اقرأ القصيدة

وإنما أعرب عن طريقته وعادته بقوله:

بليتُ بِلىَ الأطلال إنْ لم أقفْ بهاوقوفَ شحيح ضاع في التُّرب خاتَمهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

قال: وحضرتُ عنده يوماً وقد أحضر مالُ بين يديه من صلات

سيف الدولة على حصير قد فرشه، فوزن وأعيد إلى الكيس، وتخللت قطعة كأصغر ما يكون خلال الحصير، فأكب عليها بمجامعه يعالج ليستنقذها منه، واشتغل عن جلسائه حتى توصل إلى إظهارها، وأنشد قيس بن الخطيم:

تبدَّتْ لنا كالشمس تحت غمامةٍبَدَا حاجبُ منها وضَنَّتْ بحاجب
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «إذا الحاجب المذموم عن حلب مضى»

ثم استخرجها، فقال له بعض جلسائه: أما يكفيك ما في هذه الأكياس حتى أدميت إصبعك لأجل هذه القطعة؟ فقال: إنها تحضر المائدة.

وحكى علي بن حمزة البصري قال:

بلوت من أبي الطيب ثلاث خلال محمودة؛ وتلك أنه ما كذب، ولا زني، ولا لاط، وبلوت منه ثلاث خلال ذميمة؛ وتلك أنه ما صام، ولا صلى، ولا قرأ القرآن، وقال ابن فورجة في كتاب: التجني على أبي العلاء المعري، عن رجل من أهل الشام، كان يتوكل لأبي الطيب في داره يعرف بأبي سعيد قال: دعاني أبو الطيب يوماً ونحن بحلب، ولم أكن أعرف منه الميل إلى اللهو مع النساء ولا الغلمان فقال لي: أرأيت الغلام ذا الأصداغ الجالس إلى حانوت كذا من السوق؟ وكان

غلاماً وسيما فحاشا، فيما هو سبيله، فقلت: نعم أعرفه. قال: فامض وأتني به، واتخذ دعوة وأنفق وأكثر، وكنت أستطلع رأيه في جميع ما أنفق، فمضت واتخذت له ثلاثة ألوان من الأطمعة، وعدة صفحات من الحلوى، واستدعيت الغلام، فأجاب، وأنا متعجب من جميع ما أسمع منه، إذ لم تجر له عادة في مثله، فعاد أبو الطيب من دار سيف الدولة آخر النهار وقد حضر الغلام، وفرغ من اتخاذ الطعام، فأكلا وأنا ثالثهما، ثم جن الليل، فقدمت شمعة، ومرفع دفاتره،

وكانت تلك عادته كل ليلة، فقال: أحضر لضيفك شراباً، واقعد إلى جانبه ونادمه، ففعلت ما أمرني به. كل ذلك وعينه إلى الدفتر، يدرس ولا يلتفت إلينا إلا في حين بعد حين، فما شربنا إلا قليلاً حتى قال: افرش لضيفك، وافرش لنفسك، وبت ثالثنا، ولم أكن قبل ذلك أبايته في بيته؛ ففعلت وهو يدرس، حتى مضى من الليل أكثره، ثم أوى إلى فراشه ونام. فلما أصلحنا قلت له: ما يصنع؟ فقال احبه واصرفه فقلت له: وكم أعطيه؟ فأطرق ساعة؛ ثم قال: أعطه ثلاثمائة درهم.

فتعجبت من ذلك، ثم جسرت نفسي، فدنوت منه، وقلت له: إنه ممن يجيب بالشيء اليسير، وأنت لم تنل منه حظاً. فغضب ثم قال: أتظنني من أولئك الفسقة؟ أعطه ثلاثمائة درهم، ولينصرف راشداً. ففعلت ما أمرني به، وصرفته.

قال ابن فورجة: كان المتنبي داهية مر النفس شجاعاً حافظاً للأدب، عارفاً بأخلاق الملوك، ولم يكن فيه ما يشينه ويسقطه إلا بخله وشرهه على المال.

وقال أبو البركات بن أبي الفرج المعروف بابن زيد التكريتي الشاعر، قال: بلغني

أنه قيل للمتنبي قد شاع عنك من البخل في الآفاق ما قد صار سمراً بين الرفاق، وأنت تمدح في شعرك الكرم وأهله، وتذم البخل وأهله، ألست أنت القائل:

ومن ينفقِ الساعات في جمعِ مِالهِمخافةَ فقْر فالذي فعلَ الفقُر
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أطاعن خيلا من فوارسها الدهر»

ومعلوم أن البخل قبيح، ومنك أقبح؛ لأنك تتعاطى كبر النفس، وعلو الهمة، وطلب الملك، والبخل ينافي سائر ذلك. فقال: إن لبخلي سبباً، وذلك أني أذكر وقد وردت في صباي من الكوفة إلى بغداد، فأخذت خمسة دراهم في جانب منديلي، وخرجت أمشي في

أسواق بغداد، فمررت بصاحب دكان يبيع الفاكهة، فرأيت عنده خمسة من البطيخ باكورة، فاستحسنتها ونويت أشتريها بالدراهم التي معي، فتقدمت إليه وقلت: بكم تبيع هذه الخمسة بطاطيخ، فقال: بغير اكتراث: اذهب، فليس هذا من أكلك، فتماسكت معه وقلت: أيها الرجل دع ما يغيظ واقصد الثمن، فقال: ثمنها عشرة دراهم. فلشدة ما جبهني به ما استطعت أن أخاطبه في المساومة، فوقفت حائراً؛ ودفعت له خمسة دراهم، فلم يقبل، وإذا بشيخ من التجار

قد خرج من الخان، ذاهباً إلى داره، فوثب إليه صاحب البطيخ من دكانه، ودعا له، وقال له: يا مولاي، هذا بطيخ باكور، بإجازتك أحمله إلى منزلك. فقال الشيخ: ويحك بكم هذا؟ قال: بخمسة دراهم. فقال: بل درهمين. فباعه الخمسة بدرهمين، وحملها إلى داره، ودعا له، وعاد إلى دكانه مسروراً بما فعل، فقلت له: يا هذا، ما رأيت أعجب من جهلك، استمت على في هذا البطيخ، وفعلت فعلتك التي فعلت، وكنت قد أعطيتك في ثمنه خمسة دراهم، فبعته بدرهمين محمولا. فقال: اسكت هذا

يملك مائة ألف دينار. فعلمت أن الناس لا يكرمون أحداً إكرامهم من يعتقدون أنه يملك مائة ألف دينار، وأنا لا أزال على ما تراه حتى أسمع الناس يقولون: إن أبا الطيب قد ملك مائة ألف دينار.

قلت وقع في شعر أبي الطيب الوصية بالحزم، وضبط الأموال، كقوله في قصيدته التي أولها:

أودُّ مِنَ الأيام ما لا تَوَدُّهُوأشكو إليها بينها وَهْيَ جُنْدُهُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
يُباعِدْنَ حِياًّ يجتمعن ووصُلهُفكيف بحب يجتمعن وَصَدُّهُ
أَبي خُلُق الدنيا حبيباً تُديمُهُفما طلبي منها حبيباً تردُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

إلى أن قال:

وأتعبُ خلقِ الله من زاد هُّمهُوقصَّر عما تشتهي النفس جُهْدُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»
فلا ينحللْ في المجد مالُك كلُّهفينحَلَّ مجد كان بالمال عَقدُه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»
ودبَّرهْ تدبيرَ الذي المجدُ كفّهإذا حارب الأعداء والمالُ زَنْدُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»
فلا مجدَ في الدنيا لمنْ قَلَّ مالُهُولا مالَ في الدنيا لمن قلَّ مَجْدُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

فأمر كافوراً بالبخل، حيث حرمه، وسلك في ذلك مسلك كثير عزة فإنه دخل على هشامبن عبد الملك، وكان بخيلا، فمدحه، فلم يثبه، فقال كثير يخاطبه بقوله:

إذا المال لم يوجب عليك عطاءَهُصنيعةُ تَقْوَى أو خليل توافقُه
منعتَ وبعضُ المنع حَزْمُ وقوةولم يفتلذك المال إلا حقائقهْ
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «وقلن وقد يكذبن فيك تعيف»

فقيل لكثير: ما حملك على أن تعلم أمير المؤمنين البخل، فقال: إنه منعني من رفده، وآلمني برده، فأردت أن أحبب إليه المال، فيمنع غيري كما منعني، فيتفق الناس على ذمه.

وأحسن قصائد أبي الطيب في سيف الدولة، وتراجع شعره بعد مفارقته، وسئل عن سبب ذلك فقال: قد تجوزت في قولي، وأعفيت طبعي، واغتنمت الراحة

منذ فارقت آل حمدان وفيهم من يقول:

تُسائلني من أنْت وهْيَ عليمةوهل بفَنًي مثلي على حاله نُكْرُ
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «أراك عصي الدمع شيمتك الصبر»
فقلتُ كما شاءتْ وشاء لها الهوَىقتيلَك قالتْ أيهم فهمُ كُثْرُ
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «أراك عصي الدمع شيمتك الصبر»
فقلتُ لها لو شِئْتِ لم تَتَعَنَّتيولم تسألي عني وعندَك بي خُبْرُ
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «أراك عصي الدمع شيمتك الصبر»
فقالتْ لقد أزْرى بكَ الدّهر بَعْدَنافقلتُ معاذَ بل أنْتِ والدهرُ
وما كان للأحزان لولاك مسلكُإلى القلبِ لكنّ الهوى للبلى جسْرُ
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «أراك عصي الدمع شيمتك الصبر»
وتَهلكُ بين الهزل والجد مهجةُإذا ما عداها البينُ عذّبها الهجرُ
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «أراك عصي الدمع شيمتك الصبر»
فأيقنْتُ أن لا عِزَّ بعدي لعاشقوأنَّ يدي مما عَلقْتُ به صِفْرُ
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «أراك عصي الدمع»
وإني لنزالِ بكل مخَوفَةكثيرُ إلى نُزَّلها النظر الشزرُ
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «أراك عصي الدمع شيمتك الصبر»
وإني لَجرَّارُ لكل كتيبةمعودة ألاَّ يُخِلَّ بها النصرُ
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «أراك عصي الدمع شيمتك الصبر»
وأظمأ حتى يرتَوي البيضُ والقناوأسغبُ حتى يشبع الذئبُ والنسرُ

ويقول:

صبورُ ولو لم تبق مني بقيةقؤولُ ولو أن السيوفَ جوابُ
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «أما لجميل عندكن ثواب»
وقور وأحداثُ الزمان تنوشنيوللموت حولي جيئة وذهابُ
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «أما لجميل عندكن ثواب»
ستذكر أيامي نُميُر بن عامرٍوكعب على عِلاتها وكلابُ
أنا الجار لا زادي بطيءُ عليهمُولا دونَ بأبي في الحوادث باب

يعني أبا فراس. وفيهم من يقول:

وقد علمت بما لاقتْه منَاقبائلُ يعرب وبني نِزارِ
لقيناهُمْ بأرماحٍ طوالتبشرهم بأعمار قضارِ

يعني أبا زهير بن مهلهل بن نصر بن حمدان. وفيهم من يقول:

أأخا الفوارس لو رأيتَ مواقفيوالخيلُ من تحت الفوارس تَنحطُ
لقرأتَ منها ما تخطّ يدُ الوغىوالبيضُ تَشْكلُ والأسنةُ تنقط

يعني أبا العشائر. قال أبو الفتح بن جني: كنت قرأت ديوان المتنبي عليه، فلما وصلت إلى قوله:

أغالبُ فيكَ الشَّوقُ والشَّوقُ أغلَبُوأعْجَبُ مِنْ ذا الهجرِ والوصْل أعجب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»

فلما انتهيت إلى قوله:

لَحَا الله ذي الدنيا مُناخاً لراكبفكلُّ بعيدِ الهمَّ فيها معذَّبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»
ألا ليتَ شعْري هل أقول قصيدةًولا أشتكى فيها ولا أتعتَّبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»
وبي ما يذودُ الشعرَ عني أقلُّهُولكنَّ قلبي يا ابنة القوم قُلَّبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»
وأخلاقُ كافور إذا شئتُ مدحَهُوإن لم أشأ تُملي علىّ وأكتب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»
إذا ترك الإنسانُ أهلاً وراءهويمَّمّ كافوراً فما يتغرب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»

فقلت له: يَعزُّ علىّ أن يكون هذا الشعر في ممدوحغير سْيفِ الدَّولةِ، فقال: حذَّرنْاه، فما نفع فيه الحذر ألستُ القائلَ فيه: أخا الجود أعط الناس ما أنتَ مالِكُهْ ... ولا تُعطينَّ الناس ما أنا قائلُ

فهو الذي أعطاني لكافور بسوء تدبيره، وقِلَّة تمييزه، وهذا البيت من قصيدة له يمدح سيف الدولة بها ويصف دخول رسول ملك إليه، ولو لم يكن للمتنبي سوى هذه القصيدة لاستحق بها فضيلة التقدم على كل من تقدمه وهي:

دروعُ لِمَلْك الروم هذي الرسائلُيردُّ بها عن نفسه ويُشاغِلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

هذا أحسن من قول أبي تمام:

غداَ خائفاً يستنجد الكُتْبَ مُذْعِناًإليكَ فلا رُسْل ثنَتْكَ ولا كُتْبُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لقد أخذت من دار ماوية الحقب»
هي الزَّرَدُ الضَّافي عليه ولفظتُهاعليكَ ثناء سابغ وفضائلُ
وأنَّي اهتديَ هذا الرسولُ بأرضهوما سكنتْ مُذْ سِرْتَ فيها القساطل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»
ومن أيّ ماء كان يَسْقى جيِادَهولم تَصْفُ من مَزْجِ الدماء المناهلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

هذا أيضا أحسن من قول البحتري:

يُغالبُ طعمَ الماء في ملتقاهُمُحَسا الدمِ حتى يلفظ الماءَ شارِبُه
للشاعر البحتري، من قصيدة «مع الدهر ظلم ليس يقلع راتبه»
أتاك يكاد الرأسُ يجحدُ عُنْقَهُوتنقذُّ تحت الذُّعْر منه المفاصلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»
يُقوّم تقويمُ السماطين مشْيَهُإليك إذا ما عوَّجَتْه الأفاكل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»
فقاسَمكَ العينين منه ولحظَهُسَميَّك والخِلَّ الذي لا يُزايلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

بنصب العينين، واللحظ، والسمىّ، والخلّ.

وأبصر منه الرزقَ والرّزْقُ مُطمعُوأبصر منه الموتَ والموتُ هائلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»
وقبَّل كُمَّا قبَّل التُّربَ قبلهوكلُّ كَمِيّ وقف متضائل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»
وأسعد مشتاقٍ وأظفَرُ طالبٍهمامُ إلى تقبيل كَّمكَ واصل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»
مكان تمناه الشفاهُ ودونهصدورُ المذاكي والرماحُ الذوابلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»
فما بلغتْه ما أراد كرامةُعليك ولكن لم يَخبْ لك سائل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»
وأكبرُ منه همة بعثتْ بهإليك العدا واستنصرته الجحافل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»
فأقبل من أصحابه وهو مرسَلُوعاد إلى أصحابه وهو عاذل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

هذا يشابه قول البحتريّ:

لحظوك أولَ لحظة فاستصغروامَن كان يُعْظَمُ عندهم ويُبَجَّل
للشاعر البحتري، اقرأ القصيدة
قد نافس الغَيَبُ الحضورَ على الذيشهِدوا وقد حسد الرسولَ المرسلُ
للشاعر البحتري، اقرأ القصيدة
تحيَّر في سيفٍ ربيعةُ أصلهُوطابعهُ الرحمنُ والمجدُ صاقلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»
وما لونُه مما تحصّل مقلةُولا حدُّه مما تُحِسُّ الأنامِلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»
إذا عاينتك الرسْلُ هانتْ نفوسُهاعليها وما جاءتْ به والمراسلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»
رَجا الرومُ من تُرجَى النوافِل كُلُّهالديه ولا تُرْجَى لديه الطوائلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»
فإن كان خوف الأسر والقتل سَاقهمفقد فَعلوا ما الأسر والقتل فاعل
فخافوك جتي ما لقتل زيادةُوجاءوك حتى ما تُرادُ السلاسلُ
أرى كلَّ ذي مُلْك إليك مصيرُهُكأنكَ بحر والملوكُ جداول
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

أخذه من ابن المعتز:

مَلك تواضعت الملوكُ لعزَّهقسراً وفاض على الجداول بحرُهُ
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «طال الفراق فبان عنه صبره»
إذا مطرتْ ومنكَ سحائبُفوابِلُهُم طَلُّ وطلّك وابلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

هذا أيضاً كقول البحتري:

أنذرتكم عارضاً تبدو مخايلُهُفالقطرة الفذّ منه وابل هَطِلُ
كريمُ متى استوُهِبتَ ما أنت راكبوقد لقيِحَتْ حربُ فإنك نازلُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

هذا المعنى مأخوذ من خبر روى عن حاتم الطائي قيل إنه بارز عامر بن الطفيل وفقد رمح عامر، فخافه عامر فقال: يا حاتم لأبخلنك قال: بماذا؟ قال: ادفع إلى رمحك أقاتلك به فرمى إليه برمحه، ورجع مولياً. وقال بشار ما ينظر إلى هذا المعنى:

لو كان لي سيفُ غداةَ الوغىطِبْتُ به نَفساً لأعدائي

وأحسن ما قيل في هذا المعنى قول البحتري: ماض على عزمه في الجواد لو وهب الشباب يوم لقاء البيض ما ندما قال ابن أحمر:

إني أقيد بالمأثور راحلتيولا أبالي وإن كنا على سَفَر
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «إني أقيد بالمأثور راحلتي»

ومازال المتنبي بعد مفارقة سيف الدولة يعرض بمدحه تارة، ويصرخ أخرى؛ فمن ذلك قوله في أول قصيدته التي مدح بها كافورا: فِراق ومن فارقت غير مذمم ومن ذلك أيضاً قوله في قصيدة كافورية:

عشية أحفى الناسِ بي من جَفَوتهوأهدَى طريقيَّ الذي أتجَنَّبُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ورأيت له قصيدتين في هجاء كافور، ومدح سيف الدولة، ونقلتهما من خط أبي منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي النسابوري. قال: إنهما وجدتا في رحلة لما قتل، وعملهما بواسط إحداهما قوله:

أفيقا خُمارُ الهمّ نَغَّصَني الخمراوسُكْري منَ الأيام جَّنبني السُّكْرا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفيقا خمار الهم نغصني الخمرا»
تَسُرَّ خليليّ المدامةُ والذيبقلبيَ يأبى أن أُسَرَّ كما سُرّا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفيقا خمار الهم نغصني الخمرا»
لبستُ صروفَ الدهر أخشَنَ مَلْبَسفعرّقَني نابً ومزّقني ظُفْرا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفيقا خمار الهم نغصني الخمرا»
وفي كل لحظٍ لي ومَسْمَعِ نَغْمةٍيُلاحظني شَزْراً ويُسمعني هُجْرا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفيقا خمار الهم نغصني الخمرا»
سَدِكتُ بصرف الدهر طفلا ويافعاًفأفنيتهُ عَزما ولم يُفْنني صَبرا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفيقا خمار الهم نغصني الخمرا»
أريدُ من الأيام مالا يريدُهسواي ولا يجري بخاطره فكرا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفيقا خمار الهم نغصني الخمرا»
وأسأله ما أستحق قضاءهوما أنا ممن رام حاجته بَسْرا
ولي همةُ من رأىْ همتها النوىفَشُركبُني من عزمها المركب الوعْر
تروق بني الدنيا عجائبها وَلىفؤاد ببيض الهند لا بيضها مُغْري
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفيقا خمار الهم نغصني الخمرا»
أخو هممَ رحالة لا تزال بينوىَ تقطع البيداء أو أقطعَ العمْرا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفيقا خمار الهم نغصني الخمرا»
ومن كان عزمي بين جنبيه حثهوصير طولَ الأرض في عينه شِبْرا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفيقا خمار الهم نغصني الخمرا»
صحبت ملوكَ الأرض مغتبطاً بهموفارقتهم مَلآن من حَنَق صَدرا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفيقا خمار الهم نغصني الخمرا»
ولما رأيت العبد للحرّ مالكاأبيتُ إباء الحر مسترزقاً حرا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفيقا خمار الهم نغصني الخمرا»
ومصرُ لَعَمريْ أهلُ كلّ عجيبةولا مثل ذا المخصيّ أعجوبةً نَكرا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفيقا خمار الهم نغصني الخمرا»
يُعَدّ إذا عُدّ العجائبُ أوّلاكما يُبتدا في العدّ بالإصبع الصغري
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفيقا خمار الهم نغصني الخمرا»
فيا هَرَم الدنيا ويا عبرةَ الورىويأيها المخصي مَنْ أمك البَظْر
لُوَيَبْيَّةُ لم تَدْرِ أن بُنَيّها الْلُوَيْبيّ دون الله يَعبدُ في مَصر
ويستخدم البيِضَ الكواعبَ كالدُّمىورُومَ العِبِدّي والغطارفة الغُرّا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفيقا خمار الهم نغصني الخمرا»
قضاء من الله العليّ أرادهإلاَ ربما كانت إرادته شّرا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفيقا خمار الهم نغصني الخمرا»
ولله آياتُ وليس كهذهأظنك يا كافورُ آيتهَ الكبرى
لَعمرُكَ ما دهرُ به أنت طيِّبُأبَحْسبِنُي ذا الدهرُ أحسبه دهرا؟
وأكفرُ يا كافورُ حين تلوح ليففراقتُ مذ فارقتك الشّرك والكفرا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفيقا خمار الهم نغصني الخمرا»
عثرتُ بسيري نحوَ مصر فلالَعاًبها وَلَعاً بالسيَّر عنها ولا عَشْرا
وفارقتُ خيرَ الناس قاصدِ شرَهموأكْرمَهم طُرّاً لاْ لأَمهم طُرّا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفيقا خمار الهم نغصني الخمرا»
فعاقبني المخصيُّ بالغدر جازبالأن رحيلي كان عن حلب غدرا
وما كنتُ إلاّ فائَل الرأي لم أُعَنْبحزْمٍ ولا استصحبتُ في وجهتي حجرْا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفيقا خمار الهم نغصني الخمرا»
وقد أرَى الخنزيرُ أني مدحتهولو علموا قد كان يُهْجي بما يُطْري
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفيقا خمار الهم نغصني الخمرا»
جسَرْتُ على دَهْياء مصرَ فَفُتّهاولم يكن الدهياءُ إلاَّ مَن استجْرا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفيقا خمار الهم نغصني الخمرا»
سأجلبُها أشباهَ ما حملتْه منأسنتها خُزْراً مُقَطلةً غُبرا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفيقا خمار الهم نغصني الخمرا»
وأُطلعُ بِيضاً كالشموس مُطلَّةًإذا طلعتْ بيضاً وإن غَرَبَتْ حُمرا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفيقا خمار الهم نغصني الخمرا»
فإن بلغَتْ نفسي المنى فَبِعزْمهاوإلاّ فقد أبلغتُ في حرصها عُذرْا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفيقا خمار الهم نغصني الخمرا»

والأخرى قوله:

قطعتُ بِسيري كلَّ يَهْماء مَفْزَعٍوجُبْتُ بخيلي كلَّ صَرْماء بَلْقَعِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قطعت بسيري كل يهماء مفزع»
وثلَّمتُ سيفي في رءوس وأذرعٍوحطمت رمحي في نحُور وأضلُع
وصيّرتُ رأيي بعد عزِميَ رائديوخالفتُ آراءً توالتْ بمسِمَعي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قطعت بسيري كل يهماء مفزع»
ولم أنَّرِكْ أمراً أخافُ اغتيالهولاطَمَحت نفسي إلى غير مَطمَع
وفارقتُ مصراً والأسَيْودُ عينهُحذارَ مسيري تَستهلُّ بأدمُع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قطعت بسيري كل يهماء مفزع»
ألم يَفهم الخنثى مقالي وأننيأُفارق من أقْلي بقلب مُشَيَّع
ولا أرعوي إلاّ إلى من يَوَدُّنيولا يَطَّبِيني منزلُ غيرُ مُمْرع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قطعت بسيري كل يهماء مفزع»
أبا النَّتْن كم قيدتَني بمواعدمَخافةَ نظم للفؤاد مُرَوَّعِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قطعت بسيري كل يهماء مفزع»
وقدّرتَ من فرط الجهالة أننيًأُقيم على كِذْبٍ رصيف مُصَنَّع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قطعت بسيري كل يهماء مفزع»
أقم على عبد خَصِيّ منافقلئيم رديء الفعل للجودِ مُدَّعي
وأتركُ سيف الدولة المَلكَ الرضاكريمَ المُحيا وابن أروع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قطعت بسيري كل يهماء مفزع»
فتى بحره عذبُ ومَقْصِدُه غِنىًومَرْتعُ مرعي جوده خيرُ مرِتع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قطعت بسيري كل يهماء مفزع»
تَظل إذا ما جئتَه الدهَر آمنابخير مكان بل بأشرف موضع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قطعت بسيري كل يهماء مفزع»

قال ابن سعيد: إن سيف الدولة كان يكاتب المتنبي، ويهاديهُ فقال بمدحه، وأنفذها إليه من الكوفة، وكان سيف الدولة قد كاتبه إليها بأجمل مكاتبه، وأنفذها إليه كسوة وبرا، وعرض له بالعود.

ما لنا كلُّنا جَوٍ يا رسولُأنا أهوى وقلُبك المتبولُ

إلى أن قال:

نحن أدري وقد سألنا بِنَجدٍأقصيرُ طريقُنا أم طويلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مالنا كلنا جو يا رسول»
وكثيرُ من السؤال اشتياقًُوكثيرُ من رَدّة تعليل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مالنا كلنا جو يا رسول»

لا أقمنا على مكانٍ وإن طا - ب ولا يمكن المكانَ الرحيلُ

كلما رحّبتْ بنا الروض قلناحَلَبُ قصدُنا وأنتِ السبيل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مالنا كلنا جو يا رسول»
فيك مرعى جِيادنا والمطاياوإليها وَجيفُنا والذميل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مالنا كلنا جو يا رسول»
والمسَمَّوْنَ بالأمير كثيرُوالأميُر الذي بها المأمول
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مالنا كلنا جو يا رسول»
الذي زُلتُ عنه شرقاً وغرباًونَداه مُقابلي ما يزول
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مالنا كلنا جو يا رسول»
ومعي حيثما سلكتُ كأنيكلُّ وجه له بوجهي كفيل
فإذا العذلُ في الندى زار سمعافَفِداه العذولُ والمعذولُ
ومَوالٍ تُحييهمُ من يديهنِعَمُ غيرُهم بها مقتول
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مالنا كلنا جو يا رسول»
فرس سابقُ ورمحُ طويلودِلاصُ زَغْفُ وسيفُ صقيل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مالنا كلنا جو يا رسول»

وأرسل إليه من بغداد قصيدة جواب كتاب ورد منه في سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة وهي:

فهمتُ الكتابَ أبَّر الكُتُبفسمعاًلأمرِ أميرِ العربْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فهمت الكتاب أبر الكتب»

إلى أن قال:

وما لاقني بلدُ بعدكمولا اعتضتُ من ربّ نعمايَ ربْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فهمت الكتاب أبر الكتب»

ومن ركب الثورَ بعد الجوا - دِ أنكر أظلافه والغَبَبْ

وما قِستُ كلّ مُلوك البلادفدع ذكر بعضٍ بمن في حلب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فهمت الكتاب أبر الكتب»
ولو كنتُ سّميتُهم باسمهلكان الحديدَ وكانوا الخشب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فهمت الكتاب أبر الكتب»

أفي الرأي يُشبه أم في السخا - ءَ أم في الشجاعة أم في الأدب؟ ولما عزم أبو الطيب على الرحيل من حلب، وذلك في سنة ست وأربعين وثلاثمائة لم يجد بلدا أقرب إليه من دمشق؛ لأن حمص كانت من بلاد سيف الدولة،

فسار إلى الشام، وألقى بها عصا تَسياره، وكان بدمشق يهودي من أهل تدمر يعرف بابن ملك من قبل كافور ملك مصر، فالتمس من المتنبي أن يمدحه، فثقل عليه، فغضب ابن ملك، وجعل كافور الإخشيدي يكتب في طلب المتنبي من ابن ملك، فكتب إليه ابن ملك: إن أبا الطيب قال: لم أقصد العبد وإن دخلت مصر فما قصدي إلا قصدي إلا ابن سيده، ونَبَت دمشق بأبي الطيب، فسار إلى الرملة، فحمل إليه أميرها الحسين بن طغح هدايا نفيسة،

وخلع عليه، وحمله على فرس بمركب ثقيل، وقلده سيفا محلى، وكان كافور الإخشيدي يقول لأصحابه: أترونه يبلغ الرملة ولا يأتينا؟ وأخبر المتنبي أنه واجد عليه ثم كتب كافور يطلبه من أمير الرملة، فسار إليه.

وكافور هذا عبد أسود خصي مثقوب الشفة السفلى بطين قبيح القدمين ثقيل البدن لا فرق بينه وبين الأمة، وقد سئل عنه بعض بني هلال فقال رأيت أمة سوداء تأمر وتنهي، وكان هذا الأسود لقوم من أهل مصر يعرفون ببني عياش يستخدمونه في

مصالح السوق، وكان ابن عياش يربط في رأسه حبلا إذا أراد النوم فإذا أراد منه حاجة جذبه بالحبل لأنه لم يكن ينتبه بالصياح، وكان غلمان ابن طغج يصفعونه في الأسواق كلما رأوه فيضحك فقالوا هذا الأسود خفيف الروح، وكلموا صاحبه في بيعه فوهبه لهم، فأقاموه على وظيفة الخدمة، ومات سيده أبو بكر بن طغج وولده صغير، وتقيد الأسود بخدمته وأخذته البيعة لولد سيده، وتفرد الأسود بخدمته وخدمة والدته، فقرب من شاء وبعد من شاء فنظر الناس إليه من صغر هممهم، وخسة أنفسهم، فسابقوا إلى التقرب إليه، وسعى

بعضهم ببعض حتى صار الرجل لا يأمن أهل داره على أسراره، وصار كل عبد بمصر يرى أنه خير من سيده، ثم ملك الأمر على ابن سيده وأمر ألا يكلمه أحد من مماليك أبيه، ومن كلمة أتلفه، فلما كبر ابن سيده وتبين ما هو فيه جعل يبوح بما هو في نفسه في بعض الأوقات على الشراب ففزع الأسود منه، وسقاه سما فقتله، وخلت مصر له.

ولما قدم أبو الطيب عليه أمر له بمنزل، ووكل به جماعة وأظهر التهمة له، وطالبه بمدحه فلم يمدحه فخلع عليه، فقال

أبو الطيب في سنة ست وأربعين وثلاثمائة بمصر يمدحه بقصيدته التي أولها:

كفى بك داء أن ترى الموت شافياًوحسب المنايا أن يكن أمانيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

إلى آخرها، وكان وعده أن يبلغه ما في نفسه فأنشده قصيدته التي أولها:

من الجآذزُ في زِيّ الأغاريبِحمرَ الحليَ والمطايا والجلالبيب

وكان يقف بين يدي كافور وفي رجليه خفان وفي وسطه سيف ومنطقة ويركب بحاجبين من

ممالكيه وهما بالسيوف والمناطق، وكان لا يجلس في مجلس كافور، فأرسل إليه من قال له قد طال قيامك يا أبا الطيب في مجلسه؛ يريد أن يعلم ما في نفسه.

فقال ارتجالا:

يقل له القيام على الرءوسوبذاُ المُكْرَماتِ منِ النفوس
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
إذا خانتْه في يوم ضَحوكفكيف تكون في يوم عَبوس
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يقل له القيام على الرؤوس»

قلت: ينبغي التعجب! لا يرضى أبو الطيب أن ينشد قائماً عند سيف الدولة وهو على ما كان عليه، وبعد اشتهار في أقطار الأرض، ومعرفة ملوكها بفضله.

فعل ما سمعته. ورأيت له قصيدة ليست في ديوانه يرثى بها أبا بكر ابن طغج الإخشيد أولها:

هو الزمان مُشِتُ بالذي جمعافي كلّ يومٍ ترى من صَرْفه بِدعَا
إن شئتَ مُتْ أسفاً أو فابْقَ مضطرباًقد حلّ ما كنت تخشاه وقد وقعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هو الزمان مننت بالذي جمعا»
لو كان ممتنعُ تُغْنيه مَنْعتهلم يصنع الدهُر بالإخشيد ما صنعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هو الزمان مننت بالذي جمعا»

وهي طويلة لم يحضرني منها إلا هذه الأبيات.

وسأل أبو الطيب كافوراً أن يوليه صيداء من بلاد الشام أو غيرها من بلاد الصعيد،

فقال له كافور: أنت في حال الفقر وسوء الحال وعدم المعين سمت نفسك إلى النبوة فإن أصبت ولاية وصار لك أتباع، فمن يطيقك؟ ثم وقعت الوحشة بينهما، ووضع عليه العيون والأرصاد خوفاً من أن يهرب وأحس المتنبي بالشر. قال الوحيد كنت بمصر وبها أبو الطيب، ووقفت من أمره على شفا الهلاك ودعتني نفسي لحب أهل الأدب إلى أن أحثه على الخروج من مصر فخشيت على نفسي أن يشيع ذلك عني، وكان هو مستعد للهرب، وإنما فات أظافير الموت، ومخالب المنية من

قرب، وهو جني ذلك على نفسه، لأنه ترك مدح ابن حنزابة وهو وزير كافور، والمقرب منه، وهو مع ذلك من بيت شريف أهل وزارة ورياسة ومن العلم والأدب بموضع جليل، وهو باب الملك، فأتى من غير الباب، وأنشد القصيدة اليائية، وأولها ما يتطير منه، كيف لا ويراعتها:

كفَى بك داءً أن ترى الموتَ شافياوحسْبُ المنايا أن يَكُنَّ أمانياَ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»
تمنَيتها لما تمنيت أن تّرىصديقا فأعيا أو عدَّوا مُذاجيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

قلت: تذكرت بهذا البيت حكاية وهي ما حدث محمد بن الحسن

الخوارزمي قال: مررت بمحمد بن موسى الملقب بسيبويه الموسوس وهو يقول مدح الناس المتنبي على قوله:

ومن نكِد الدنيا على الحرّ أن يرىعدوَّا له ما مِنْ صداقته بُدُّ
للشاعر عمر الأنسي، من قصيدة «فقدت شبابي وهو لي خير صاحب»

ولو قال ما من مداراته أو من مداجاته بد لكن أحسن وأجود قال: واجتاز المتنبي به فوقف عليه وقال أيها الشيخ أحب أن أراك، فقال له رعاك الله، وحياك، فقال له بلغني أنك أنكرت على قولي: عدوا له ما من صداقته بد فما كان الصواب عندك؟ فقال له إن الصداقة مشتقة من

الصدق في المودة، ولا يسمى الصديق صديقا وهو كاذب في مودته، فالصداقة إذن ضد العداوة، ولا موقع لها في هذا الموضع، ولو قلت ما من مدارته أو مداجاته لأصبت. هذا رجل منا: يريد نفسه قال:

أتاني في قميص اللاذ يسعىعدوُّ لي يُلقب بالحبيبِ
للشاعر الوأواء الدمشقي، من قصيدة «أتاني في قميص اللاذ يسعى»

فقال المتنبي: أمع هذا غيره؟ قال نعم:

وقد عَبِث الشرابُ بوجنتيهفصير خدَّه كَسَنَا اللهيب
فقلتُ له متى استعملتَ هذالقد أقبلتَ في زيّ عجيب
فقال الشمس أهدتْ لي قميصامليحَ اللونِ من نسج المغيب
فثوبي والمدامُ ولونُ خدّيقريبُ من قريب من قريب
للشاعر الوأواء الدمشقي، من قصيدة «أتاني في قميص اللاذ يسعى»

فتبسم المتنبي وانصرف وسيبويه يصيح عليه: أبكم الرجل وحلال الله وكأن المتنبي يذكر قول سيبويه في هذا البيت. قال الوحيد وهذا الابتداء مما تمجه الأسماع فقبح ابن حنزابه أثره، ثم لم يزل يذكر سواد كافور، ووراءه من ينبه على عيوبه كقوله في قصيدته التي أولها:

إنما التهنئاتُ للأكفاءِولمن يدَّني من البُعداء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إنما التهنئات للأكفاء ولمن يدني من البعداء»

إلى أن قال: إنما يفخر الكريم أبو الم - سك بما يبتني من العلياء وبأيامه التي انسلخت عن - هـ وما دارُه سوى الهيجاء ويما أثّرت صوارمُه البي - ضُ له في جماجم الأعداء وبمسك يُكْني به ليس بالمس - ك ولكنه أريُج الثناء ومنها: نزلتْ إذ نزلتْهَا الدارُ في أح - سنَ منها من السنا والسناء

حلّ في مَنْبت الرياحين منهامنبتُ المكرمات والآلاء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إنما التهنئات للأكفاء ولمن يدني من البعداء»

تفضحُ الشمس كلما ذَرَّت الشم - س بشمسٍ منيرة سوداءِ

إن في ثوبك الذي المجدُ فيهلَضياءً يُزري بكل ضياءَ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إنما التهنئات للأكفاء ولمن يدني من البعداء»

إنما الجلد مَلْبَسُ وابيضاضُ النّ - فسِ خيرُ من ابيضاضِ القَباء

كرمُ في شجاعة وذكاءُفي بهاء وقدرةُ في وفاء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إنما التهنئات للأكفاء ولمن يدني من البعداء»

مَنْ لبيضِ الملوكِ أن تُبْدل الّلوْ - ن بلون الأستاذ والسَّجناء

يا رجاءَ العيونَ في كل أرضلم يكن غيرَ أن أراك رجائي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إنما التهنئات للأكفاء ولمن يدني من البعداء»

فكان يقول ابن حنزابة إنه هزئ بكافور في هذه الأبيات، ويسهل على الناس أمر لونه، ويحسنه له. قال الوحيد: كان المتنبي يعلم أن ذكر السواد

على مسامع كافور أمر من الموت فإذا ذكر لونه بعد ذلك فقد أساء إلى نفسه وعرضها للقتل والحرمان، وكان من إحسان الصنعة، وإجمال الطلب ألا يذكر لونه، وله عنه مندوحة، ولكن الرجل كان سيئ الرأي، وسوء رأيه أخرجه من حضرة سيف الدولة، وشدة تعرضه لعداوة الناس، وقد ذكر سواد كافور في عدة مواضع، وكان اللائق ألا يذكره إلا كقوله:

فجاءتْ بنا إنسانَ عينِ زمانهوخلَّتْ خلفها ومآقيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

وهذا في أعلى طبقات

الإحسان لكونه كني عن سواده بإنسان عين الزمان. ومن هذه القصيدة:

فتىً ما سريْنا في ظُهور جدودناإلى عصره إلاَّ نُرَجّي التلاقيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

ومنها:

أبا المسكِ ذا الوجهُ الذي كنتُ تائقاإليه وذا الوقتُ الذي كنتُ راجيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»
أبا كلّ طيب لا أبا المسكِ وحدَهوكلّ سحاب لا أخصُّ الغواديا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»
يُدلُ بمعنى واحدٍ كلُّ فاخرٍوقد جمع الرحمن فيك المعانيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»
ومن قول سامٍ لو رآك لنسلهفِدَىَ ابن أخي نسلي ونفسي وماليا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

قال أبو الفتح بن جني لما قرأت قوله في كافور على أبي الطيب:

وما طربي لما رأيتكُ بِدعةلقد كنُت أرجو أن أراك فأطربُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»

فقلت له لم تزد على أن جعلته أبازنة، فضحك أبو الطيب، فإنه بالذم أشبه منه بالمدح، وبعد هذا البيت:

وتَعْذُلني فيك القوافي وهَّمتيكأنِّي بمدحٍ قبل مدحِكَ مذنبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»

ومن هذه القصيدة:

وأخلاقُ كافور إذا شئتُ مدحَهوإن لم أشأ تُملي علىَّ وأكتبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»
إذا ترك الإنسانُ أهلا وراءهويميمَّ كافوراً فما يتغربُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»

ومنها:

إذا ضربتْ في الحرب بالسيفِ كفُّهتبيّنتَ أن السيفَ بالكفّ يضربُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»
تزيدُ عصاياه على اللَّبث كثرةًوتلبثُ أمواهُ السحابِ فَتَضُبُ
أبا المسكِ هل في الكأس فضلُ أنا لهفإني أُغني منذ حين وتشرب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»
وهبتَ على مقدار كفَّىْ زمانناونفسي على مقدار كفَّيْكَ تطلب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»
إذا لم تَنُطْ بي ضَيْعةً أو ولايةًفجودُك يكسوني وشغلُك يسلب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»
يضاحكُ في ذا العيدِ كلُّ حبيبَهحذائي وأبكي مَنْ أُحبُّ وأندب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»
أحِنُّ إلى أهلي وأهوى لقاءهْموأين من المشتاق عَنْقاء مُغرِبُ
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «حمائم وادي السفحِ إن بلابلا»
فإن لم يكن إلاّ أبو المِسك أوْهُمُفإنك أحلى في فؤادي وأعذبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»

إلى أن قال في أثنائها:

وأظلمُ أهلِ الظلمِ من بات حاسداًلمن بات في نعمائه يتقلبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»

وهذا البيت يستخرج منه معنيان ضدان أحدهما أن المنعم يحسد المنعم عليه، وكذلك ورد قوله في كافور:

فإن نلتُ ما أملتُ منك فربماشربت بماءٍ يُعجز الطيرَ ورِدُه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

فإنه إذا أخذ بمفرده من غير نظر إلى ما قبله فإنه بالذم أولى منه بالمدح؛ لأنه يتضمن وصف نواله بالبعد، وصدر البيت مفتتح بإن الشرطية، وقد أجيبت بلفظ رب التي معناها التقليل أي لست من نوالك على يقين، فإن نلته فقد وصلت إلى مورد لا يصل إليه الطير لبعده.

وكثيراً ما يقصد المتنبي هذا القسم في كافورياته كقوله:

عدُّوك مذمومُ بكلّ لسانِولو كان من أعدائك القمران
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»
ولله سرَّ في عُلاك وإنماكلامُ العدا ضربُ من الهذيان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»

إلى أن قال في أواخرها:

قضى الله يا كافورُ أنكَ أولُوليس بقاضٍ أن يُرى ثانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»
فما لكَ تختار القِسِيّ وإنماعن السعد يرمي دونك الثقلانَ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»
وما لك تُعني بالأسنة والقناوجلدُّك غنيّ عنه بالحَدَثانَ

وهذا مما يدل على براعة البليغ وقدرته على المعاني، ومثله ورد في الحديث النبوي من كلام النبوة الأولى " إذا لم تستحي فاصنع

ما شئت " فهذا الحديث على معنين ضدين ومثله قول الفرزدق:

إذا جعفر مرتْ على هضبْة الحمىفقد أخْزَت الأحياء منها قبورُها

فإنه يدل أيضاً على معنيين: أحدهما ذم الأموات، والآخر مدح الأموات. وقوله أيضاً في كافور:

فدِىٍ لأبي المسك الكرامُ فإنهاسوابقُ خيل يهتدين بأدهم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فراق ومن فارقت غير مذمم»
أَغرَّ بمجدٍ قد شخصن وراءهإلى خُلُق رَحْب، وخَلْقِ مُطهَّم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فراق ومن فارقت غير مذمم»

ومن رام معرفة مراد أبي الطيب في هذين البيتين فعليه

بقول ابن الرومي وهو:

هم الغرةُ البيضاءُ من آل مُصْعَبٍوهُمْ بقعةُ التحجيل والناسُ أدْهم

وكان أبو الطيب يأنس بمصر بفاتك الإخشيدي المعروف بالمجنون، ومدحه بالقصيدة التي أولها:

لا خيلَ عندكَ تُهديها ولا مالُفَلْيُسْعد النطقُ إن لمُ تُسْعد الحالُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»
وَاجْز الأميرَ الذي نعماه فاجئهُبغير قول ونُعمى الناس أقوال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

فتوفي فاتك ورثاه المتنبي وهجا كافورا بقصيدة أولها:

الحزنُ يُقلق والتجمّلُ يَرْدعوالدمعُ بينهما عصّى طّيُعِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»

ومنها:

تصفو الحياةُ لجاهلٍ أو غافلٍعما مضى فيها وما يتُوقع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»

ومنها:

كنا نظنُّ ديارَه مملوءةًذهباً فمات وكل دار بلقعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»
المجد أخسرُ والمكارمُ صفقةًمن أن يعيش لها الكريم الأروع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»

ومنها:

يا منُ يُبدلّ كلَّ يوم حُلةًأنيَّ رضيتَ بحُلةٍ لا تُنزغ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»
لازلتَ تخلعها على من شاءهاحتى لبستَ اليوم مالا يُخلع

ومنها:

مَنْ للمحافلِ والجحافل والسُّرىفَقَدتْ بفقدكَ نيّراً لا يَطُلع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»
ومن اتخذت على الصفوف خليفةًضاعوا ومثلكُ لا يكاد يُضيّع
قبحاً لوجهك يا زمانُ فإنهوجهُ له من كل لؤم بُرقُع
للشاعر إبراهيم بن محمد الخليفة، اقرأ القصيدة
أيموتُ مثلُ أبي شجاع فاتكِويعيشُ حاسُده الخصُّي الأوكُع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»

وله فيه أيضاً من قصيدة قالها بعد رحيله من مصر وهي:

من لا تشابههُ الأحياءُ في شِيتمِأمسى تُشابهُه الأمواتُ في الرّمَمَ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حتام نحن نساري النجم في الظلم»
عَدِمْتُه وكأني سرتُ أطلبهفما تَزيدنَي الدنيا على العَدَم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حتام نحن نساري النجم في الظلم»
ما زلت أضْحك إبليْ كلّما نظرتْإلى مَن اختضبتْ أخفافُها بِدَم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حتام نحن نساري النجم في الظلم»
أُسيرها بين أصنام أشاهدهاولا أشاهدُ فيها عِفَّة الصنم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حتام نحن نساري النجم في الظلم»
حتى رجعتُ وأقلامي قوائلُ ليالمجدُ للسيف ليس المجدُ للقلم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حتام نحن نساري النجم في الظلم»
أكتبْ بنا أبداً بعد الكتابِ بهفإنما نحن للأسياف كالخدم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حتام نحن نساري النجم في الظلم»
أسمعتني ودوائي ما أشرتِ بهفإن غفلتُ فدائي قلةُ الفَهَمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حتام نحن نساري النجم في الظلم»
من اقتضى بسوى الهندي حاجتهأجاب كلَّ سؤال عن هلٍ بِلَمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حتام نحن نساري النجم في الظلم»

وآخر ما مدح به كافوراً قصيدته التي أولها:

مُنَّى كُنّ لي أن البياضَ خِضابُفَيخْفي بتبيض القرون شبابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
لياليَ عند البيض فَوْداي فتنةُوفخرُ وذاك الفخرُ عنديَ عابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

فكيف أذمّ اليوم ما كنتُ أشتهي وأدعو بما أشكوه حين أجاب

جلا اللونُ عن لونٍ هَدَى كلَّ مسلكٍكما انجاب عن ضوء النهار ضباب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وفي الجسم نفسًُ لا تشيبُ بشيبهولو أن ما في الوجه منه حِراب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
لها ظُفُرُ إنْ كلَّ ظُفْرُ أُعِدُّهونابُ إذا لم يبقَ في الفم ناب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
يُغيّر مني الدهرُ ما شاء غيرَهاوأبلغ أقصى العُمْرِ وهْي كَعاب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وإني لنجمُ تهتدي صُحبّي بهإذا حال من دون النجوم سَحاب
غنيّ عن الأوطان لا يستفزنيإلى بلدٍ سافرتُ عنه إياب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ومنها:

وهل نافعي أن تُرفعَ الحُجْبُ بينناودونَ الذي أمَّلتُ منكَ حجابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
أقلُّ سلامي حبَُّ ما خفَّ عنكمُوأسكتُ كيما لا يكونَ جواب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وفي النفس حاجاتهُ وفيك فطانةُسكوتي بيانُ عندها وخطاب

وانقطع أبو الطيب بعد إنشاد هذه القصيدة لا يلقى الأسودَ إلاَّ أن

يركب فيسير معه في الطريق، وعمل على الرحيل، وقد أعدّ كلَّ ما يحتاج إليه على ممر الأيام بلطف ورفق، ولا يعلم به أحد من غلمانه، وهو يظهر الرغبة في المقام، وطال عليه التحفظ، فخرج ودفن الرماح في الرمال، وحمل الماء على الإبل لعشر ليال، وتزود لعشرين، وقال في يوم عرفة من سنة خمسين وثلاثمائة قبل سيره من مصر بيوم:

عيدُ بأيّة حالٍ عُدْتَ يا عيدُبما مضى أمِ لأمر فيكَ تجديدُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ومنها:

إني نزلتُ بكذابين ضيفُهمُعن القرى وعن التَّرحال محدودُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»
جودُ الرجالِ من الأيدي وجودُهمُمن اللسانِ فلا كانوا ولا الجودُ
للشاعر فهد العسكر، من قصيدة «يا عيد عدت فأين الروض والعود»

ومنها:

أكلما اغتال عبدُ السوءِ سيدهأو خانه فله في مصرَ تمهيدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»
صار الخَصيُّ إمامَ الآبقين بهافالحرُّ مستعَبدُ والعبدُ معبود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»

وآخرها:

أولى اللثامِ كُوَيفيرُ بمعذرِةفي كل لؤم وبعضُ العذرِ تَفْنيدُ
وذاك أنَّ الفحولَ البيضَ عاجزةُعن الجميل فكيف الخصية السود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»

وفي يوم العيد سار من مصر هارباً، وأخفى طريقه، فلم يؤخذ له أثر، حتى قال بعض أهل البادية: هبه سار فهل محا أثره؟ وقال بعض المصريين إنما عمل طريقاً تحت الأرض، وتبعته البادية والحاضرة من سائر الجوانب، وبذل كافور في طلبه ذخائر الرغائب، وكتب إلى عماله في سائر أعماله، ودخل أبو الطيب إلى موضع يعرف بنخل بعد أيام، وسار حتى قرب من النقاب فرأى رائدين لبني سليم على قلوصين، فركب الخيل، وطردهما، حتى أخذهما، فذكروا له أن أهلها

أرسلوهما رائدين، فاستبقاهما ورد عليهما القلوصين وسلاحهما، وسارا معه حتى توسط بيوت بني سليم آخر الليل، فضرب له ملاعب خيمة بيضاء، وذبح له، وسار إلى النقيع، فنزل ببادية معن، فذبح له، وسار إلى أن دخل حسمي، وهي أرض كثيرة النخل، وطابت له حسمي، فأقام بها شهراً، وكان نازلاً بها عند وردان بن ربيعة الطائي، فاستغوى عبيده، وأجلسهم مع امرأته، فكانوا يسرقون له الشيء بعد الشيء من رحله. وكاتب الأسود سائر قبائل العرب في طلبه، وظهر لأبي الطيب فساد عبيده، وكان

وردان الطائي يرى عند أبي الطيب سيفاً مستوراً، فسأله أن ينظره، فأبى، لأنه كان على قائمته مائة مثقال من الذهب، وكان السيف ثميناً، فجعل الطائي يحتال على العبيد بامرأته، طمعاً في السيف، لأن بعضهم أعطاه خبره، فلما أنكر أبو الطيب أمر العبيد، ووقف على مكاتبة الأسود، ترك عبيده نياماً، وتقدم إلى الجمال فشد عليها أسبابه، وسار والقوم لا يعلمون برحيله، وطرح عبيده على الإبل وهم لا يعلمون، وأخذ في المسير، وأخذ بعض العبيد السيف في الليل، فدفعه

إلى عبد آخر مع فرسه، وجاء ليأخذ فرس أبي الطيب، فتنبه له، فقال الغلام: أخذ العبد الفرس يغالطه، وعدا نحو الفرس ليقعد في ظهره فالتقى هو وأبو الطيب عند الحصان، وسل العبد السيف فضرب رسنه، وضرب أبو الطيب وجه العبد، وأمر الغلمان بقتله، وكان هذا العبد أشد من معه وأفرس، فقال أبو الطيب القطعة التي أولها:

أعددت للغادرين أسيافاًأجدع منهم بهن آنافا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعددت للغادرين أسيافا»

وقال أيضاً يهجو وردان:

إن تك طَيّئ كانت لئامافألأمها ربيعةُ أو بنوةُ
وإن تك طيئ كانت كرامافَوَرْدانُ لغيرهمُ أبوهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لئن تك طيئ كانت لئاما»
مرَرْنا منه في حِسْمَي بعبدٍيَمُجُّ اللؤمَ مَنْخِرهُ وَفُوهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لئن تك طيئ كانت لئاما»
أشذّ بِعِرسه عني عبيديًفأتلفهم وماليَ أتلفوهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لئن تك طيئ كانت لئاما»
فإن شَقِيتْ بأيديهم جِياديلقد شقيتْ بِمُنصُلي الوجوهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لئن تك طيئ كانت لئاما»

ثم لما توسطه بسيطة وهي أرض تقرب من الكوفة، رأى بعض عبيده ثوراً يلوح فقال هذه منارة الجامع، ونظر آخر إلى نعامة فقال هذه نخلة، فضحك أبو الطيب وضحكت البادية التي كانت معه وقال:

بسيطة مهلاً سُقيتِ القِطاراتَركْت عيونَ عبيدي حَيارَي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بسيطة مهلا سقيت القطارا»
فظنوا النعام عليك النخيلَوظنوا الصُّوار عليك المنارَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بسيطة مهلا سقيت القطارا»
وأمسك صحبي بأكوارهموقد قَصَد النومُ فيهم وحارَا

وسار أبو الطيب حتى دخل الكوفة في شهر ربيع الآخر سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة، ونظم المقصورة التي أولها:

الأكل ماشيةِ الخيْزلَيفِدَى كلّ ماشيةِ الهَيذبَي

وصف فيها مسيرة عن مصر، وذكر المنازل التي قطعها، وهجا كافورا، وعرض بجعفر بن الفرات، ثم توجه إلى مدينة السلام.

أبو الطيب في مدينة السلام

قال أبو علي الحاتميّ: كان أبو الطيب عند

وروده مدينة السلام، قد التحف برداء الكبر والعظمة، يخيل له أن العلم مقصور عليه، وأن الشعر لا يغترف عذبه غيره، ولا يقطف نواره سواه، ولا يرى أحداً إلا ويرى لنفسه مزية عليه؛ حتى إذا تخيل أنه نسيج وحده، وأنه مالك رق العلم دون غيره، وثقلت وطأته على أهل الأدب بمدينة السلام، وطأطأ كثير منهم رأسه، وخفض جناحه، واطمأن على التسليم جأشه، وتخيل أبو محمد المهلبي أنه لا يتمكن أحد من مساجلته ومقارعته، ولا يقوم لمجادلته، والتعلق

بشيء من مطاعنة، وساء معز الدولة أن يرد على حضرته رجل صدر عن حضرة عدوه، ولم يكن بمملكته أحد يماثله فيما هو فيه، ولا يساويه في منزلته يبدي لهم عواره ويكفي آثاره، ويهتك أستاره ويمزق جلابيب مساويه، فتوخيت أن يجمعنا مجلس أجرى أنا وإياه في مضمار ليعرف السابق من المسبوق فلما لم يتفق ذلك قصدت مجلسه فوافق مصيري إليه حضور جماعة يقرءون عليه شيئاً من شعره فحين استؤذن لي نهض من

مجلسه ودخل بيتاً إلى جانبه، ونزلت عن بغلتي وهو يراني، ودخلت إلى مكانه، فلما خرج إلي نهضت إليه فوفيته حق السلام غير مشاح له في ذلك، وكان سبب قيامه من مجلسه لئلا يقوم لي عند الدخول إليه ولبس سبعة أقبية ملونة وكان الوقت أحر ما يكون من الصيف وأحق بتخفيف اللبس فجلس وأعرض عني ساعة لا يعيرني طرفاً، ولا يكلمني حرفاً، فكدت أتميز غيظاً، وأقبلت أستخف رأيي في قصده، وأعاتب نفسي في التوجه إلى مثله، وهو

النص من طبعة المطبعة العامرة الشرفية بالقاهرة (١٣٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الصبح المنبي عن حيثية المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.