تجاوز إلى المحتوى

من «الصبح المنبي عن حيثية المتنبي» ليوسف البديعي (ت ١٠٧٣هـ)

أخبار المتنبي (٥)

وهذا أيضاً منه:

ويمنع ثغره من كل طيبويمنحهُ البشامة والأراكا
يُحدثُ مقلتيه النومُ عنيفليت النوم حدّث عن نداكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فدا لك من يقصر عن مداكا»
وما أرضي لمقلته بحلمإذا انتبهتْ توهمه ابتشاكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فدا لك من يقصر عن مداكا»
ولا إلاّ بأن يُصْغى وأحكيفليتك لا يتيمة هواكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فدا لك من يقصر عن مداكا»

ومنه:

وفي الأحباب مُختصُّ يوجدوآخرُ يدّعي معه اشتراكا
إذا اشتبهتْ دموعُ في خدودتَبين مَنْ بكى ممن تباكى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فدا لك من يقصر عن مداكا»
فَزُلْ يا بُعدُ عن أيدي رِكابلها وقعُ الأسنةَ في حَشاكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فدا لك من يقصر عن مداكا»

هذه استعارة حسنة لأنه خاطب البعد وجعل له حسا.

وأياً شئتِ يا طُرقي فكونيأذاةً أو نجاة أو هلاكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فدا لك من يقصر عن مداكا»

جعل قافية البيت الهلاك فهلك؛ وذلك أنه ارتحل عن شيراز بحسن حال ووفور مال، فلما فارق أعمال فارس حسب أن السلامة تستمر به كاستمرارها في مملكة عضد الدولة فقتل، كما

سنشرحه. ومنها:

أذمّتْ مكرماتُ أبي شجاعلعيني من نواي على أُلاكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فدا لك من يقصر عن مداكا»
ومَنْ أعتاضُ عنك إذا افترقناوكلُّ الناس زورُ ما خلاكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فدا لك من يقصر عن مداكا»
وما أنا غيرُ سهم في هواءيعود ولم يَجدْ فيه امتساكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فدا لك من يقصر عن مداكا»

قال الخالديان كنا كتبنا إلى أبي نصر محمد الجبلي نسأله عما صدر لأبي الطيب المتنبي بعد مفارقته عضد الدولة، وكيف قتل؟ وأبو نصر هذا من وجوه الناس في تلك الناحية، وله فضل، وأدب جزل، وحرمة، وجاه، فأجابنا عن كتابنا جوابا طويلاً يقول في أثنائه: وأما ما سألتما عنه من

خبر مقتل أبي الطيب المتنبي فأنا أسوقه لكما، وأشرحه شرحاً بيناً: اعلما أن مسيره كان من أواسط في يوم السبت لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان سنة أربع وخمسين وثلاثمائة، وقتل بضيعة تقرب من دير العاقول في يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من شهر رمضان، والذي تولى قتله، وقتل ابنه وغلامه، رجلُ من بني أسد يقال له فاتك بن أبي جهل بن فراس ابن بداد. وكان من قوله لما قتله وهو متعفر: قبحاً لهذه اللحية يا سباب. وسبب

ذلك أن فاتكا هذا خال ضبة أخو والدته. وضبة ابن يزيد العيني الذي هجاه أبو الطيب بقوله:

ما أنصفَ القومُ ضبَّهْوأمَّه الطرطُبَّهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما أنصف القوم ضبه وأمه الطرطبه»
وإنما قلتُ ما قلتُ رحمةً لا محبَّهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما أنصف القوم ضبه وأمه الطرطبه»
وما عليك من القتلِ إنما هي ضربهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما أنصف القوم ضبه وأمه الطرطبه»
وما عليك من العارِ أن أمك قحبه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما أنصف القوم ضبه وأمه الطرطبه»
وما يشق على الكلب أن يكون ابن كلبه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما أنصف القوم ضبه وأمه الطرطبه»
ما ضرها من أتاهاوإنما ضرّ صُلبه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما أنصف القوم ضبه وأمه الطرطبه»
ولم ينكها ولكنعجانها ناك زُبّه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما أنصف القوم ضبه وأمه الطرطبه»
يا أطيب الناسِ نفساوألين الناس ركُبه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما أنصف القوم ضبه وأمه الطرطبه»
وأرخص الناس أماتبيع ألفاً بحبهّ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما أنصف القوم ضبه وأمه الطرطبه»
كل الأيور سهامبأمه وهي جعبة
وما على مَن به الدَّاءُ من لقاء الأطبة
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما أنصف القوم ضبه وأمه الطرطبه»

فيقال إن فاتكا داخلته الحمية لما سمع ذكرها بالقبح في هذا الشعر، وما للمتنبي أسخف من هذا الشعر، ولا أو هي كلاماً، فكان

مع سخافته وركاكته سبب قتله، وقتل ابنه وغلمانه وذهاب ماله.

وأما شرح الخبر فإن فاتكا صديق لي، وهو كما سمى فاتك، لسفكه الدماء، وإقدامه على الأهوال في مواقف القتال، فلما سمع الشعر الذي هجى به ضبة اشتد غضبه، ورجع على ضبة باللوم، وقال له: كان يجب ألا تجعل لشاعر عليك سبيلاً، وأضمر غير ما أظهر، واتصل به انصراف المتنبي من بلاد فارس، وتوجهه إلى العراق، وعلم أن اجتيازه بجبل دير العاقول، فلم يكن ينزل

عن فرسه، ومعه جماعة من بني عمه رأيهم في المتنبي مثل رأيه؛ من طلبه واستعلام خبره من كل صادر ووارد، وكان فاتك خائفاً أن يفوته، وكان كثيراً ما ينزل عندي، فقلت له يوماً وقد جاءني وهو يسائل قوماً مجتازين عن المتنبي: قد أكثرت المسألة عن هذا الرجل. فأي شيء تريد منه إذا لقيته؟ فقال ما أريد إلا الجميل، وعذله على هجاء ضبة، فقلت له: هذا لا يليق بأخلاقك، فتضاحك ثم قال: يا أبا نصر والله لئن اكتحلت عيني به أو جمعتني وإياه بقعة لأسفكن دمه،

ولأمحقن حياته إلا أن يحال بيني وبينه قلت له كف - عافاك الله - عن هذا القول، وارجع إلى الله، وأزل هذا الرأي عن قلبك، فإن الرجل شهير الأسم، بعيد الصيت، ولا يحسن منك قتله على شعر قاله، وقد هجت الشعراء الملوك في الجاهلية، والخلفاء في الإسلام، فما سمعنا بشاعر قتل بهجائه، وقد قال الشاعر:

هجوتُ زهيراً ثم إني مدحتهُوما زالتِ الأشرافُ تُهجي وتُمدحُ
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «أفي أثر الأظعان عينك تلمح»

ولم يبلغ من جرمه ما يوجب قتله، فقال: يفعل الله ما يشاء وانصرف،

ولم يمض لهذا القول غير ثلاثة أيام حتى وافاني المتنبي، ومعه بغال موقرة بكل شيء من الذهب، والطيب، والتجملات النفيسة، والكتب الثمينة، والآلات لأنه كان إذا سافر لم يخلف في منزله درهماً، ولا شيئاً يساويه، وكان أكثر إشفاقه على دفاتره، لأنه كان قد انتخبها، وأحكمها قراءة وتصحيحاً، قال أبو نصر: فتلقيته، وأنزلته داري، وسألته عن أخباره، وعمن لقى، فعرفني من ذلك ما سررت به له، وأقبل يصف ابن العميد وفضله، وأدبه، وعلمه، وكرم

عضد الدولة ورغبته في الأدب، وميله إلى أهله، فلما أمسينا قلت له يا أبا الطيب: على أي شيء أنت مجمع؟ قال: على أن أتخذ الليل مركباً، فإن السير فيه يخف على. قلت: هذا هو الصواب رجاء أن يخيفه الليل، ولا يصبح إلا وقد قطع بلداً بعيداً، وقلت له: والرأي أن يكون معك من رجالة هذه البلدة الذين يعرفون هذه المواضع المخفية جماعة يمشون بين يديك إلى بغداد، فقطب وجهه وقال: لم قلت هذا القول؟ فقلت: لتستأنس بهم. فقال أما والجراز في عنقي فما بي حاجة إلى مؤنس غيره، قلت الأمر كما

تقول، والرأي في الذي أشرت به عليك فقال تلويحك ينبي عن تعريض، وتعريضك ينبي عن تصريح، فعرفني الأمر، وبين لي الخطب، قلت: إن هذا الجاهل فاتكا الأسدي كان عندي منذ ثلاثة أيام، وهو غير راض عنك، لأنك هجوت ابن أخته ضبة، وقد تكلم بأشياء توجب الاحتراز والتيقظ، ومعه أيضاً نحو العشرين من بني عمه، قولهم مثل قوله، فقال غلام أبي الطيب وكان عاقلا: الصواب ما رآه أبو نصر، خذ معك عشرين رجلا يسيرون بين يديك إلى بغداد، فاغتاظ أبو الطيب

من غلامه غيظاً شديداً، وشتمه شتما قبيحاً، وقال والله لا أرضي أن يتحدث الناس بأني سرت في خفارة أحد غير سيفي. قال أبو نصر فقلت يا هذا أنا أوجه قوماً من قبلي في حاجة يسيرون بمسيرك وهم في خفارتك فقال: والله لا فعلت شيئاً من هذا، ثم قال: يا أبا نصر: أبخرء الطير تخشيني؟ ومن عبيد العصا تخاف على؟ والله لو أن مخصرتي هذه ملقاة على شاطئ الفرات وبنو أسد معطشون بخمس وقد نظروا إلى الماء كبطون الحيات ما جسر لهم

خف ولا ظلف أن يرده. معاذ الله أن اشغل فكري بهم لحظة عين. فقلت له قل إن شاء الله فقال: هي كلمة مقولة لا تدفع مقضياً ولا تستجلب آتيا، ثم ركب، فكان آخر العهد به. ولما صح عندي خبر قتله وجهت من دفنه، ودفن ابنه، وغلمانه، وذهبت دماؤهم هدراً. هذا هو الصحيح من خبره. وقيل سبب قتله أنه لما ورد على عضد الدولة ومدحه وصله بثلاثة آلاف دينار وثلاثة أفراس مسرجة محلاة ثم دس له من يسأله: أين هذا العطاء من عطاء سيف الدولة؟ فقال: إن

سيف الدولة كان يعطي طبعاً، وعضد الدولة طبعاً، فغضب عضد الدولة، فلما انصرف جهز إليه قوماً من بني ضبة فقتلوه بعد أن قاتل قتالا شديداً، ثم انهزم، فقال له غلامه أين قولك:

الخيل والليل والبيداء تعرفنيوالحربُ والضرب والقرطاس والقلم

فقال قتلتني قتلك الله، ثم قاتل حتى قتل. وقيل إن الخفراء جاءوه وطلبوا منه خمسين درهماً ليسيروا معه، فمنعه الشح والكبر، فتقدموه، ووقع به ما وقع، ولما قتل رثاه أبو القاسم المظفر بن

علي الطبسي.

لا رعى الله سِربَ هذا الزمانإذ دهانا بمثل ذاك اللسان
ما رأى الناسُ ثانيَ المتنبيأيُّ ثان يُرى لبِكرْ الزمان
كان من نفسه الكبيرةَ في جيش وفي الكبرياء ذا سلطان
هو في شعره نبي ولكنظهرت معجزاتهُ في المعاني

ورثاه أيضاً ثابت بن هارون الرقي النصراني بقصيدة يستشير فيها عضد الدولة على فاتك الأسدي وهي:

الدهر أخبثُ والليالي أنكدُمن أن تعيش لأهلها يا أحمدُ
قصدتْكَ لما أن رأتك نفيسهابُخلا بمثلك والنفائس تُقصدُ
للشاعر ثابت بن هارون الرِّقيُّ النَّصرانيُّ، اقرأ القصيدة
ذقتَ الكريهةَ بغتةً وفَقَدتَهاوكريه فقدك في الورى لا يفقدُ
قل لي إن اسطعت الخطاب فإننيصبُّ الفؤادِ إلى خطابك مُكمدُ
للشاعر ثابت بن هارون الرِّقيُّ النَّصرانيُّ، اقرأ القصيدة
أتركتَ بعدكَ شاعراً والله لالم يبق بعدك في الزمان مُقَصَّدُ
للشاعر ثابت بن هارون الرِّقيُّ النَّصرانيُّ، اقرأ القصيدة
أما العلومُ فأنها يا ربهاتبكي عليك بأدمع لا تَجمدُ
للشاعر ثابت بن هارون الرِّقيُّ النَّصرانيُّ، اقرأ القصيدة
يأيها الملك المؤيدُ دَعوةمِمنَّ حشاه بالأسى يتوقدُ
هذي بنو أسدٍ بضيفك أوقعتْوحوتْ عطاءك إذ حواه الفرقُد
وله عليك بقصدِهِ ياذا العُلاحقُّ التحرمّ والذمامُ الأوكَدُ
فارع الذمام وكن لضيفك طالباًإن الذمامَ على الكريم مؤيدُ

ورثاه أبو الفتح ابن جنيبقصيدة أولها:

غاص القريض وأودتْ نضرةُ الأدبِوصوَّحتْ بعد ريّ دَوْحةُ الكُتُبِ

منها:

سُلبتَ ثوب بهاء كنتَ تلبسهكما تُخَطَّفُ بالخطية السَّلبِ
للشاعر أبو الفتح بن جنىٍ، من قصيدة «غاض القريض وأذوت نضرة الأدب»
مازِلت تصحب في الجلّي إذا نزلتْقلباً جميعاً وعزما غير منشعب

وقد حلبتَ لعمري الدهرَ أشطره

.. تمطو بهمة لاوانٍ ولا نَصِيب

من للهواجلُ يحي مَيْت أرسُمهابكل جائله التصدير والحَقبِ
قبّاءَ خوصاءَ محمودٍ عُلالَتهاُتنبو عريكتها بالحِلسْ والقَتَبِ
للشاعر ابن جني، اقرأ القصيدة
أم من لسِرحانها تقريه فضلتهُوقد تضّور بين الباس والسغب
أمْ من لبيض الظباتوكا فُهنَّ دمُأم من لِسُمر القنا والزَّغْف واليلبِ
أم للمعارك يذكي جمر جماحهماحتى يُعريها عن ساطع اللهب
أم للمحافل إذ تبدو لتعمرهابالنظم والنثر والأمثال والخطب
للشاعر أبو الفتح بن جنىٍ، من قصيدة «غاض القريض وأذوت نضرة الأدب»
أم للمناهل والظلماءُ عاكفةُيُواصل الكرتين الوردِ والقَرَبِ
للشاعر ابن جني، اقرأ القصيدة

أم للملوك تُحليها وتُلبسها

.. حتى تَمايسَ في أبرادها القُشبِ

باتت وسادي أطرابُ تؤرقنيلما غدوتَ لقىً في قبضة النوب
للشاعر أبو الفتح بن جنىٍ، من قصيدة «غاض القريض وأذوت نضرة الأدب»
عُمرتَ خِدن المساعي غير مضطهدومِتَّ كالنصل لم يدنس ولم يُعَب
للشاعر ابن جني، اقرأ القصيدة
فأذهب عليك سلام المجد ما قلقتخُوص الركائب بالأكوار والشُّعَب
للشاعر ابن جني، اقرأ القصيدة

وعلماء الأدب في شعره مختلفون: فمنهم من يرجحه على أبي تمام والبحتري، ومنهم من يرجحهما عليه، ومنهم من يرجح أبا تمام

عليهما، ومنهم من يرجح البحتري. والكلام في هذا المكان يحتاج إلى إرخاء العنان في حلبة البيان، فنقول: قد أجمع أعلام العلم وفرسان النثر والنظم على أن هؤلاء الثلاثة ذللوا جموح الآداب وشموسها. وأطلعوا أقمارها وشموسها. وهم أصول الأدب وفروعه، ومعدته وينبوعه، وإلى كلامهم تميل الطباع، وعلى أبياتهم تقف الخواطر والأسماع. وثمرات البدائع منهم تجتني، وذخائر البراعة من غرائبهم تقتني.

قال ابن الأثير في المثل السائر: هؤلاء الثلاثة لات الشعر

وعزاه ومناته الذين ظهرت على أيديهم حسناته ومستحسناته، وجمعت بين الأمثال السائرة، وحكمة الحكماء، وقد حوت أشعارهم غرابة المحدثين إلى فصاحة القدماء.

أما أبو تمام فإنه رب معان، وصيقل ألباب وأذهان، وقد شهد له بكل معنى مبتكر لم يمش فيه على أثر، فهو غير مدافع عن مقام الإغراب الذي برز فيه على الأضراب ولقد مارست من الشعر كل أول وأخبر، ولم أقل ما أقوله إلا عن تنقيب وتنقير، فمن حفظ شعر الرجل، وكشف عن غامضه، وراض فكره برائضه أطاعته

أعنة الكلام، وكان قوله في البلاغة ما قالت حذام وأما أبو عبادة البحتري فإنه أحسن في سبك اللفظ على المعنى، وأراد أن يشعر فغنى، ولقد حاز طرفي الرقة والجزالة على الإطلاق، فبينما يكون في شظف نجد إذ تشبث بريف العراق، وسئل أبو الطيب عنه وعن أبي تمام وعن نفسه فقال: أنا وأبو تمام حكيمان، والشاعر البحتري. ولعمري لقد أنصف في حكمه وأعرب بقوله عن متانة علمه، فإن أبا عبادة أتى في شعره بالمعنى المقدود من الصخرة الصماء

في اللفظ المصوغ من سلاسة الماء، فأدرك بذلك بعد المرام مع قربه إلى الأفهام، وما أقول إلا أنه أتى في معانيه بأخلاط الغالية، ورقي في ديباجة لفظه إلى الدرجة العالية.

وأما أبو الطيب المتنبي فإنه أراد أن يسلك مسلك أبي تمام فقصرت عنه خطاه، ولم يعطه الشعر من قياده ما أعطاه، ولكنه حظي في شعره بالحكم والأمثال، واختص بالإبداع في مواضع القتال، وأنا أقول فيه قولا لست فيه متأثما، ولا منه متلثما، وذاك أنه إذا خاض في وصف معركة كان

لسانه أمضى من نصالها، وأشجع من أبطالها، وقامت أقواله للسامع مقام أفعالها، حتى يظن أن الفريقين قد تقابلا، والسلاحين قد تواصلا، فطريقة في ذلك يَضل بسالكه، ويقوم بعذر تاركة، ولا شك أنه كان يشهد الحروب مع سيف الدولة، فيصف لسانه ما أداه عيانه، ومع هذا فإني رأيت الناس عادلين فيه عن التوسط؛ فإما مفرط في وصفه، وإما مفرط، وهو إن انفرد بطريق صار أبا عذره، فإن سعادة الرجل كانت أكبر من

شعره، وعلى الحقيقة فإنه خاتم الشعراء، ومهما وصف به فهو فوق الوصف، وفوق الإطراء، ولقد صدق في قوله من أبيات يمدح بها سيف الدولة:

لا تطلبنّ كريما بعد رؤيتهإن الكرام بأسخاهم يداً خُتموا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»
ولا تُبال بشعر بعد شاعرهقد أفسد القولُ حتى أحمدَ الصمم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

ولقد وقفت على أشعار الشعراء قديمها وحديثها حتى لم يبق ديوان لشاعر مفلق يثبت شعره على المحك إلا وعرضته على نظري، فلم أجد أجمع من ديوان أبي تمام وأبي الطيب

للمعاني الدقيقة، ولا أكثر استخراجا منهما للطيف الأغراض، ولم أجد أحسن تهذيباً للألفاظ من أبي عبادة، ولا أنفس ديباجة، ولا أبهج سبكا.

وقال الشريف الرضي في هذا المقام، وكلام الشريف شريف الكلام، أما تمام فخطيب منبر، وأما البحتري فواصف جؤذر وأما أبو الطيب المتنبي فقائد عسكر. قال ابن الأثير: الألفاظ تجري من السمع مجرى الأشخاص من البصر، فالألفاظ الجزلة تتخيل كأشخاص عليها مهابة

ووقار، والألفاظ الرقيقة تتخيل كأشخاص ذوي دماثة ولين أخلاق، ولطافة مزاج، ولهذا ترى ألفاظ أبي تمام كأنها رجال، قد ركبوا خيولهم، واستلأموا سلاحهم، وتأهبوا للطراد، وترى ألفاظ البحتري كأنها نساء حسان، عليهن غلائل مصبغات، وقد تحلين بأصناف الحلي.

وقال ابن شرف القيرواني في مقامته التي ذكر فيها الشعراء: وأما أبو تمام الظائي فمتكلف، إلا أنه يصيب؛ ومتعب لكن له من الراحة نصيب، وشغله المطابقة والتجنيس، جيد ذلك أو بئيس جزل المعاني، مرصوص المباني، مدحه ورثاؤه، لا غزلة

وهجاؤه، فهما طرفا نقيض، وسماء وحضيض، وفي شعره علم جم من النسب، وجملة وافرة من أيام العرب، وطارت لها الأمثال، وحفظت له الأقوال، وديوانه مقرو، وشعره متلو.

قال ابن بسام: أما صفته هذه لأبي تمام فنصفة لم يثن عطفها حمية، ولا تعلقت بذيلها عصيبة، حتى لو سمعها حبيب لاتخذها قبلة، واعتمدها ملة.

قال ابن شرف: وأما البحتري فالفظه ماء ثجاج، ودر رجراج، ومعناه سراج وهاج، على أهدي منهاج، يسبقه شعره إلى ما يجيش به صدره، بيسر مراد،

ولين قياد، إن شربته أرواك، وإن قدحته أوراك، طبع لا تكلف يعنيه ولا العناد يثنيه، لا يمل كثيره، ولا يستكره غزيره.

وأما المتنبي فقد شغلت به الأسن، وسهرت في أشعاره الأعين، وكثر الناسخ لشعره، والغائص في بحره، والمفتش عن جمانه ودره، وقد طال فيه الخلف وكثر عنه الكشف، وله شيعة تغلو في مدحه، وعليه خوارج تتعب في جرحه، والذي أقول: إن له حسنات وسيات، وحسناته أكثر عدداً، وأقوى مدداً، وغرائبه طائرة، وأمثاله

سائرة، وعلمه فسيح، وميزة صحيح، يروم فيقدر، ويدري ما يورد ويصدر.

والذي يشعر به كلام ابن شرف تقديم البحتري، كما أنه يشعر كلامُ الشريف بتقديم أبي تمام.

وكان الشيخ أبو سعد محمد بن أحمد العميدي عن أبي الطيب في غاية الانحراف، حائدا في التمييز عن سنن الإنصاف، ونحن نورد كلامه، ونرد في نحره سهامه، فإنه تجاوز الحد، وأكثر الرد.

سعَىَ جُهْدَه لَكنْ تجاوزَ حَدَّهوأكثر فارتابت ولو شاءَ قَلَّلاَ
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «أما وهواها عذرة وتنصلا»

وبراعة كلامه:

إعجاب المرء بنفسه يشرع إليه أسنة الطاعنين، وتطاوله على أبناء جنسه يجمع عليه ألسنة الشانئين، فلا نقيصة

عندي اقبح سمة من اغترار الإنسان بجهله، ولا رذيلة أبلغ وصمة من إنكار فضيلة من يقع الإجماع على فضله، ولا منقبة أجلب للشرف من الاعتراف بالحق إذا وضحت دلائله، ومن الانحراف عن الباطل إذا استقبحت مجاهله، ولا دلالة على الحلم أبين من التوقف عند الشبهات، حتى ينجلي ظلامها، والتصرف على أحكام النصفة حتى تهديك أعلامها، وما أحسن أثر الحاكم إذ عدل وأنصف، وأقبح ذكره إذا مال عن الحق وجنف، والظلم قبيح،

وهو من الحكام أقبح وأشنع، وجحود الفضل سخيف، وهو من الفضلاء أسخف وأفظع، ومن لم يتميز عن العوام بمزية تقديم وتخصيص. سلق المحسنين بلسان ذم وتنقيص، ومن عدم محاسن التمييز والتحصيل، نظر إلى المميزين بعين التقصير والتجهيل، وأكثر آفات كتاب زماننا وشعرائهم أنهم، لا يهتدون لتعليل الكلام وتشقيقه، ويتبعون الهوى فيضلهم عن منهج الحق وطريقه، فإذا سمعوا فصلا من كتاب، أو بيت شعر

ممن لا يكاد يجيل في الأدب قدحا، ولا يعرف هجاء ولا مدحا، فهو يحكم على قائله بالسبق والتفخيم والإجلال والتعظيم، وليس يدري ما رواه: سليم اللفظ أو مختلة، صحيح المعنى أو منحلة وهل ترتيبه مستحسن أو مستهجن؟ وتقسيمه مطبوع أو مصنوع، ونظامه مستعمل أو مسترذل، وكلامه مستعذب أو مستصعب وهل سبقه إلى ذلك المعنى أحد قبله أو هو مبتدع؟ وأورد نظيره سواه أو هو مخترع؟ استبدعوا كلامه، واتبعوا أحكامه،

واعتمدوا على الاعتقاد دون الانتقاد، وقبلوه بالتقليد لا بالاختيار، وقابلوه بالامتثال دون الاعتبار والاختبار، ثم إن بينت لهم عوار ما رووه والله، وخطأ ما حكوه وخطله التزموا نصرة خطئه واقفين مواقف الاعتذار، ومائلين عن طريقة الإنصاف إلى الانتصار، وليست هذه الخصلة من خصال الأدباء الذين هذبتهم الآداب فصاروا قدوة وأعلاماً، ودربتهم العلوم فأصبحوا بين الناس قضاة وحكاماً، وإنما يذهب في مدح الكتاب والشعراء مذهب

التقليد من يكون في علومه خفيف البضاعة، قليل الصناعة، صفر وطاب الأدب، ضيق مجال الفضل، قصير باع الفهم، جديب رباع العقل، فأما من رزق من المعرفة ما يستطيع أن يميز بين غث الكلام وسمينه؛ ويفرق بين سخيفه ومتينه، وأوتي من الفضل ما يحسن أن يعدل به في القضية غير عادل عن الإنصاف، ويحكم بالسوية غير مائل إلى الإسراف والإجحاف، فالأولى به ألا ينظر إلى أحد إلا بعين الاستحقاق والاستيحاب، ولا يحل أحداً من رتب

الجلالة إلا بقدر محله من الآداب، ولا يعظم الجاهلية لتقدمهم إذا أخرتهم معايب، أشعارهم، ولا يستحقر المحدثين لتأخرهم إذا قدمتهم محاسن آثارهم، ويطرح الاحتجاج بالمحال طرحا، ويضرب عن استشعار الباطل صفحاً، ويحل من يشهد بفضائله شهود عدول، ويذل من كلامه عند التأمل منحول معلول. ولقد جرى يوما حديث المتنبي في بعض مجالس أحد الرؤساء، فقال أحد حاملي عرشه: سبحان من ختم بهذا الفاضل الفحول من الشعراء وأكرمه،

وجمع له من المحاسن ما فضل به كل من تقدمه، ولو أنصف لعلق شعره كالسبع المعلقات من الكعبة، ولقدم على جميع شعراء الجاهلية في الرتبة، ولكن حرفة الأدب لحقته، وقلة الإنصاف محت اسمه من جرائد المتقدمين ومحققته، وإلا فهاتوا لأي شاعر شئتم جاهلي أو إسلامي مثل قوله في صفة الفرس:

رجلاه في الركض رجل واليدان يدُوفعله ما تريدُ الكفُّ والقدمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

أليس هذا أبلغ من قول القائل:

درير كخذُروفِ الوليد أمّرهتتابُع كفيه بخيط موصّل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

لقد أبدع المتنبي ما شاء وأغرب، وأفصح عن الغرض وأعرب، فقلت للأقيشر ما يقارب هذا المعنى في نعت فرسه، وهو قوله:

يجري كما أختاره فكأنهبجميع ما أبغيه منه عالمُ
رجلاه رجلُ واليدان يدُ إذاأحضَرْته والمتين منه سالم

فصاح، وقال: يا قوم أهذا شعر إنسان له مسكة من عقل؟ أو بلغه من فضل؟ والله إن للمتنبي غلمانا وأتباعاً أجل من هذا البليد المجهول، من أي

قبيلة هذا العاجز الذي تكلم بمثل هذا الفضول؟ فقلت: عافاك الله، حديثنا في الإبداع لا في الاتباع، وفي الآداب لا في الأنساب ليس يغني المتنبي جلالة نسبه، مع ضعف أدبه، ولا يضره خلاف دهره، مع اشتهار ذكره.

ولقد تأملتُ أشعاره كلها فوجدت الأبيات التي يفتخر بها أصحابه، وتعتبر فيها آدابه من أشعار المتقدمين منسوخة، ومعانيها من معانيهم مساوخة. وإني لأعجب من جماعة يغلون في حديث المتنبي وأمره، ويدعون الإعجاز شعره،

ويزعمون أن الأبيات المعروفة له هو مبتدعها، ومخترعها، ومحدثها ومفترعها، لم يسبق إلى معناها شاعر، ولم ينطق بأمثالها باد ولا حاضر.

وهؤلاء المتعصبون له المفتخرون باللمع التي يزعمون أنه استنبطها وأثارها، والمعتدون بالفقر التي يدعون أنه افتض أبكارها، والمترنمون له بأبيات سائرة يذكرون أنه انفرد بألفاظها وعانيها، وأغرب في أمثلتها ومبانيها، والمتمثلون بها في مجالسهم ونواديهم والمستعملون لها في خلواتهم وأغانيهم،

كيف لا يستحون أن يقولوا بعصمته؟ ويتهالكوا في الدلالات على حكمته؟ وكيف يستجيزون لنفوسهم ويستحسنون في عقولهم، أن يشهدوا شهادة قاطعة، ويحكموا حكماً جزماً بأنها له غير مأخوذة ولا مسروقة، وأن طرائقها هو الذي ابتدأ توطئتهاغير مسلوكة لغيره، ولا مطروقة؟ فليت شعري هل أحاطوا علماً بنصف دواوين الشعراء للجاهلية والمخضرمين والمتقدمين والمحدثين فضلا عن جميعها؟ أم هل فيهم من يميزيين مستعملها وبديعها حتى

يطلقوا القول غير محتشمين أن المتنبي من بين أولئك الشعراء أبدع معاني لم يفطن لها سواه ولم يعثر بها أحد ممن يجري مجراه؟ ولقد قال المرزباني فيما حكى عنه: أنه لما صنف كتابه على حروف المعجم بأسماء الشعراء، جمع داوين ألف شاعر حتى اختار من عيونها ما أراد، وامتار من متونها ما ارتاد.

وذكر القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني أن البحتري على ما بلغه أحرق خمس مئة ديوان للشعراء في أيامه حسداً لهم لئلا

تشتهر أشعارهم، وتنشر محاسنهمُ وأخبارهم؛ فمن أين لهؤلاء المتعصبين للمتنبي أنه سبق جماعتهم في مضماره، ولم يقتبس من بعضها محاسن أشعاره، وهل للذين يتدينون بنصرته بصائر بحسن المأخذ، ولطف المتناول، وجودة السرقة، ووجوه النقل، وإخفاء طرق السلب، وتغميض مواضع القلب، وتغيير الصنعة والترتيب، وإبدال البعيد بالقريب، وإتعاب الخاطر في التثقيف والتهذيب حتى يدعوا علم الغيب في تنزيهه عن السرقات التي لا تخفي صورها

على ناقد، وتبرئته عن المعايب التي يشهد عليه بها ألف شاهد؟ ولست - يعلم الله - أجحد فضل المتنبي، وجودة شعره، وصفاء طبعه، وحلاوة كلامه، وعذوبة ألفاظه، ورشاقة نظمه، ولا أنكر اهتداءه لاستكمال شروط الأخذ إذا لحظ المعنى البعيد لحظاً، واستيفاءه حدود الحذق إذا سلخ المعنى وكساه من عنده لفظاً، ولا أشك في حسن معرفته بحفظ التقسيم الذي يعلق بالقلب موقعه، وإيراد التجنيس الذي يملك النفس مسمعه، ولحاقه في إحكام الصنعة ببعض من سبقه،

وغوصه على ما يستصفي ماؤه ورونقه، وسلامة كثير من أشعاره من الخطل والخلل، والزلل والدخل، والنظام الفاحش الفاسد، والكلام الجامد البارد، والزحاف القبيح المستبشع، واللحن الظاهر المستشنع؛ وأشهد أنه عن درجة أمثاله غير نازل ولا واقع، وأعرف أنه مليح الشعر غير مدافع، غير أني مع هذه الأوصاف الجميلة؛ لا أبرئه من نهب وسرقة ولا أرى أن أجعله وأبا تمام رب المعاني، ومسلم بن الوليد وأشباههما في طبقة واحدة ولا ألحقه في عذوبة الألفاظ

وسهولتها، ورشاقة المعرض، ومجانبة التصنع والتكلف بالبحتري، ولا أقيسه في امتداد النفس وعلم اللغة والاقتدار على ضروب الكلام، وتصوير المعاني العجيبة، والتشبيهات الغريبة، والحكم البارعة، والآداب الواسعة بابن الرومي، ولا أتهالك في مدحه تهالك من يتعصب له تقليداً، ويغلو فيجعل بينه وبين هؤلاء الفضلاء أمداً بعيداً، إلى أن قال: ولولا أنه كان يجحد فضائل من تقدمه من الشعراء، وينكر حتى أساميهم في محافل

الرؤساء، ويزعم أنه لا يعرف الطائيين وهو على أشعارهما يغير، ولم يسمع بابن الرومي وهو من أشعاره يمير، ويسبهم إذا قيل في أشعارهم إبداع، ويعيبهم متى أنشد لهم مصراع، لكان الناس يغضون عن معايبه ويغطون على مساويه ومثالبه، ويعدونه كسائر الشعراء الذين لا ينبش عظامهم إنسان، ولا يجري بذمهم لسان.

ولقد حدثني من أثق به: أنه لما قتل المتنبي وجد معه ديوانا أبي تمام والبحتري بخطه وعلى حواشي الأوراق علامة كل بيت أخذ

معناه وسلخه، فهل يحل له أن ينكر أسماء الشعراء وكناهم، ويجحد فضائل أولاهم وأخراهم إلى أن قال: وأنا بمشيئة الله تعالى أورد ما عندي من أبيات أخذ ألفاظها ومعانيها، وادعى الإعجاز لنفسه فيها، ليشهد بلؤم طبعه في إنكار فضيلة السابقين، ويسمه بما نهبه من أشعارهم بسمة السارقين.

قلت: ليعلم أنه لا بد من تقديم متقدمتين قبل إيراد ما سرق به أبو الطيب المتنبي، ليصير العاذل عاذراً والمحجوج مفارخراً: المقدمة الأولى:

من المقرر عند أرباب هذا الشأن، وفرسان هذا الميدان، أن من المعاني ما يتساوى فيه الشعراء ويشترك فيه المحدثون والقدماء، لأنه كضياء القمر لا يخفي على من أوتي فضيلة النظر، كما إن قلنا في مولانا نجل الحسام: له عزمة أمضى من الحسام، وهو كالليث يوم جداله، وكالغيث وقت نواله، أو إذا قلنا: وجهه كالبدر الزاهر، وكفه كالبحر الزاخر، أو إذا قلنا: كلماته كبرد الشبابُ وألفاظه كبرد الشراب، أو إذا قلنا: لا أشبه وجه مولانا إلا بالعيد

المقبل لو كان العيد تبقى ميامنه، وتدوم محاسنه، أو إذا قلنا: مولانا كالبدر في ارتفاع قدره، وكالبحر في اتساع صدره، لو أن البحر لا يتغير ماؤه، والبدر لا ينقص ضياؤه، أو إذا قلنا: لمولانا خلق هو المسك لولا سواده، وكف هو البحر لولا نفاده، ووجه هو الشمس لولا كسوفه، والقمر لولا خسوفه، أو إذا قلنا: مولانا كالدهر لولا صروفه، والجبل لولا وقوفه، وقد شاهدت من مساطر كلامه، ومقاطر أقلامه، روضات حزن، بل جنات عدن وكقولهم:

عفت الديار وما عفت آثارها من القلوب، وكقولهم: إن الطيف يجود بما يبخل به صاحبه، وإن الواشي لو علم بمزار الطيف لساءه، وأشباه ذلك، وكقولهم في المراثي: إن هذا الرزء أول حادث، وإنه استوى فيه الأباعد والأقارب، وإن الذاهب لم يكن واحدا وإنما كان قبيلة، ويجري هذا الأمر في سائر أنواع الشعر، فإن أمثال هذه المعاني الظواهر تتوارد عليها جميع الخواطر، وتستوي في إيرادها، ومثل ذلك لا يطلق على المتأخر اسم السرقة،

وإنما يطلق اسمها في معنى مخصوص كقول أبي الطيب:

بناها على والقنا يقرع القناوموجُ المنايا حولها مُتلاطم
وكان بها مثُل الجنون فأصبحتْومن جُثث القتلى عليها تمائم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

فإن هذا معنى، مخصوص ابتداعه أبو الطيب، وكذلك في عضد الدولة وولديه

وكان ابنا عدوًّ كاثراهله ياءي حروفِ أُنيسيان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

وهذا المعنى لأبي الطيب، وهو الذي ابتدعه، فمن أتى من بعده بهذا المعنى أو بجزء منه فإنه يكون سارقاً له، وزعم بعض

أهل الأدب أن ابن الرومي ابتدع قوله:

تشكو المحبّ وتُلْفىَ الدهَر شاكيةًكالقوس تُصمي الرمايا وهي مِرنان

وليس الأمر كما زعم فإنه من المثل المضروب وهو تلدغ وتضيء ويضرب لمن يبدأ بالأذى ثم يشكو. وزعم كثير أن ابن الخياط ابتدع قوله:

أغارُ إذا آنستُ في الحيّ أنةًحذاراً عليه أن تكون لِحُبّه

وهو مأخوذ من قول أبي الطيب:

لو قلت للدنفِ الحزين فديتُهمما به لأغرتَه بفدائه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «القلب أعلم يا عذول بدائه»

وهو أدق معنى من قول ابن الخياط.

المقدمة الثانية: في السرقات الشعرية، والمحمود منها والمذموم، وهي على خمسة عشر ضرباً: الضرب الأول: أن يأخذ الثاني من الأول المعنى واللفظ جميعاً، كقول الفرزدق:

أتعدل أحساباً لئاماً حُماتهابأحسابِنا؟ إني إلى الله راجعُ

وكقول جرير:

أتعدل أحسابا كراماً حُماتهابأحسابكم؟ إني إلى الله راجع
للشاعر جرير، من قصيدة «ذكرت وصال البيض والشيب شائع»

فتخالفهما في لفظة واحدة، وهذا الضرب مذموم والمتأخر ملوم. ومن هذا الضرب قول أبي نواس الحكمي:

دارتْ على فتيةٍ ذل الزمانُ لهمفما أصابُهم إلا بما شاءُوا

أخذه من معبد:

لَهْفِي على فتية ذلّ الزمان لهمفما أصّابهمُ إلاّ بما شاءُوا

الضرب الثاني: أن يأخذ المعنى وأكثر اللفظ، وهذا الضرب ينقسم قسمين: مذموم ومحمود، فالأول كقول أبي تمام:

محاسنُ أصناف المغنين جَمَّةوما قَصَباتُ السبق إلاّ لمعَبد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سرت تستجير الدمع خوف نوى غد»

أخذه من قول بعض المتقدمين يمدح معبداً صاحب المغنى:

أجاد طُويسُ والسُّريجيُّ بعدهوما قَصَباتُ السبق إلا لمعبدِ

والثاني كقول أبي الشيص:

أجدُ الملامة في هواكِ لذيذةحبّاً لذكركِ فليلُمْني اللُّومُ
للشاعر حسن كامل الصيرفي، من قصيدة «كان التنقل في الغرام يلذ لي»

أخذه أبو الطيب فقال:

أأحبه وأحبّ فيه مَلامةًإن الملامَةَ فيه من أعدائهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «القلب أعلم يا عذول بدائه»

وتسمية هذا مبتدعا أولى من تسميته سرقة. وهذان الضربان يسميان نسخا.

الضرب الثالث: أن يأخذ المعنى، ويستخرج منه ما يشبهه، وهذا من أدقها مذهبا، وأحسنها صورة فمن

ذلك قول الحماسي:

لقد زادني حباًّ لنفسيَ أننيبَغيض إلى كل امرئ غير طائل
للشاعر الطرماح، من قصيدة «نبيت تميما تجتدي حرب طيئ»

أخذه المتنبي، واستخرج منه معنى شبيهاً به، فقال:

وإذا أتتك مَذَمَّتي من ناقصفهي الشهادة لي بأني فاضلُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ومن هذا الضرب قول أبي تمام:

رَعْته الفيافي بعد ما كان حِقْبةًرعاها، وماء الروض ينهلُ ساكبُهْ

أخذه البحتري، واستخرج منه ما يشابهه فقال:

شيخان قد ثقل السلاح عليهماوعداهما رأىُ السميع المبصرِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «أقصر فإن الدهر ليس بمقصر»
ركبا القنا من بعد ما حَمَلا القنافي عسكرٍ متحاملٍ في عسكر
للشاعر البحتري، من قصيدة «أقصر فإن الدهر ليس بمقصر»

ومن هذا الضرب قول أبي تمام أيضا:

لا أظلم النأي قد كانتْ خلائُقهامن قبل وشك النوى عندي نَوىً قَذفَا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أما الرسوم فقد أذكرن ما سلفا»

أخذه البحتريّ فقال:

أعاتكُ ما كان الشبابُ مقربيإليك فألحي الشيبَ إذ هو مُبعدي
للشاعر البحتري، من قصيدة «لعمر المغاني يوم صحراء أربد»

الضرب الرابع: أن يأخذ المعنى مجرداً من

اللفظ، وهذا لا يكاد يأتي إلا قليلا، ومنه قول جرير:

ولا يَمنْعك من أربِ لَحاهمْسواءُ ذو العِمامة والخِمارِ

أخذه المتنبي فقال:

ومَنْ في كفه منهم قَناهُكمن في كفه منهم خِضابُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

الضرب الخامس: أن يأخذ المعنى ويسيراً من اللفظ، وذلك من أقبح السرقات، وأظهرها شناعة على السارق، فمن ذلك قول البحتري:

فوق ضَعْفِ الصغار إن وُكلِ الأمر إليه ودون كيد الكبارِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «أبكاء في الدار بعد الدار»

أخذه من قول أبي نواس:

لم يُجْفَ من كبر عما يُراد بهمن الأمور ولا أزْرى به الصغر
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «من كان يعجبه الأنثى ويعجبها»

وكذلك قول البحتري أيضا:

كلُّ عيد له انقضاء وكفّىكلَّ يوم من جوده في عيد
للشاعر البحتري، من قصيدة «أقصرا قد أطلتما تفنيدي»

أخذه من قول علي بن جَبَلة:

لِلْعيدِ يومُ من الأيام منتظرُوالناسُ في كل يوم منكَ في عيدِ
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

وكذلك قول البحتري أيضاً:

جاد حتى أفنى السؤال فلمابادَ منا السؤالُ جاد ابتداءَ
للشاعر البحتري، من قصيدة «يا أخا الأزد ما حفظت الإخاء»

أخذه من علي بن جبلة:

أعطيتَ حتى لم تدعْ لك سائلاوبدأتَ إذ قَطَع العُفاةُ سؤالها

وكذلك قول أبي تمام:

قد قَلَّصتْ شفتاه من حفيظتهفَخيِلَ من شدة التعبيس مبتسماً
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أصغى إلى البين مغترا فلا جرما»

أخذه من ديك الجن:

وإذا شئتَ أن ترى الموتَ في صورة ليثِ في لبدتي رئيال
للشاعر ديك الجن، من قصيدة «وغرير يقضي بحكين في الراح»
فَالقَه غيرَ إنما لبدتاهأبيضُ صارمُ وأسمر عالي
للشاعر ديك الجن، من قصيدة «وغرير يقضي بحكين في الراح»
تلقَ ليثا قد قلصّت شفتاهفيُرى ضاحكاً لِعَبْس الصّيال
للشاعر ديك الجن، من قصيدة «وغرير يقضي بحكين في الراح»

ومن هنا أخذ المتنبي قوله:

إذا رأيتَ نيوبَ الليثِ بارزةًفلا تظنّن أن الليثَ مُبتسمُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

لكنه أبرزه في صورة حسنة، فصار أولى به.

وكذلك قال أبو تمام:

ولم أمدحكْ تفخيما بشعريولكني مدحتُ بك المديحا

أخذه من قول حسان في النبي ﷺ:

ما إن مدحتُ محمداً بمقالتيلكنْ مدحتُ مقالتي بمحمد

وكذلك قول ابن الرمي:

وكلتُ مجدَك في اقتضائك حاجتيوكفى به متقاضياً ووكيلاً

أخذه من قول أبي تمام:

وإذا المجد كان عوني على المرء تقاضيتُه بترك التقاضي
للشاعر السراج الوراق، من قصيدة «لك في المجد نسبة وانتماء»

وكذلك قول ابن الرومي:

ومالي عزاءُعن شباب علمتهُسوى أنني من بعده لا أخلدّ

أخذه من قول منصور النمري:

قد كدت أقضي على فوت الشباب أسىًلولا تَعَزىَ أن العيش منقطع

الضرب السادس: أن يأخذ المعنى فيقلبه، وذلك محمود، ويخرجه حسنُه عن حد السرقة، فمما جاء منه قول أبي تمام:

كريمُ متى أمدحْه والورىمعي وإذا ما لمتُه لُمتُه وحدي
للشاعر العُشاري، اقرأ القصيدة

أخذه من تأخر عنه فقال:

مدحتُهم وحدي فلما هجوتُهمهجوتُهم والناس كلهمُ معي

الضرب السابع: أن يأخذ بعض المعنى، وهذا الضرب محمود، فمن ذلك قول أمية ابن أبي الصلت:

عطاؤكَ زين لامرئ إن حبوتَهببذل وما كل العطاء يَزينُ
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «عطاؤك زين لامرئ إن حبوته»
ونيس بشيْن لامرئ بذلُ وجههإليك كما بعضُ السؤال يَشينُ

أخذه أبو تمام فقال:

تدْعى عطاياه وفراً وهي شُهرتكانتْ فخاراً لمن يَعفوه مؤتنفا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أما الرسوم فقد أذكرن ما سلفا»

ما زلتُ منتظراً أعجوبة زمناً

.. حتى رأيتُ سؤالا يجتني شرفا

ومن هذا الضرب قول علي بن جَبَلة:

وأثّل ما لم يَحْوَه متقدمُوإن نال منه آخرُ فهو تابُع
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

أخذه المتنبي فقال:

ترفع عن عونُ المكارم قدرُهفما يفعل الفَعْلات إلا عَذاريا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

والمتنبي وأبو تمام أبرزا ما أخذاه هاهنا في صورة حسنة، وكذلك قال أبو تمام:

كَلِفُ بِربّ المجد يعلم أنهلا يُبتدىَ عُرفُ إذا لم يُتممِ

أخذه البحتري فقال:

ومثلك إن أبدي الفَعال أعادهوإن صنع المعروفَ زاد وتمما
للشاعر البحتري، من قصيدة «يهون عليها أن أبيت متيما»

الضرب الثامن: أن يأخذ المعنى فيزيد عليه معنى آخر، وهذا الضرب لا يكون إلا حسناً، فمن ذلك قول جرير:

غرائبُ أُلاّف إذا حان وردهاأخذن طريقاً للقصائد مُعْلماَ

أخذه أبو تمام فقال:

غرائبُ لاقتْ في فنائك أنسَهامن المجد فهي الآن غيرُ غرائب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «على مثلها من أربع وملاعب»

فهذا أحسن من قول جرير للزيادة التي فيه. وهذا البيت من قصيدة يمدح بها أبا دلف العجلي، وهي من أمهات قصائده، وأولها:

على مثلها من أربعُ وملاعبأذيلت مصوناتُ الدموع السواكب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «على مثلها من أربع وملاعب»
أقول لُقرحان من البين لم يُصِبْرسيسَ الهوى بين الحشا والترائب

أي أقول لرجل لم يقطعه أحبابه، ولم تبعد عنه أصحابه، وأصل القُرْحان. الذي لم يخرج عليه الجدري. ويروي: لفرحان بالفاء.

أعِنّيَ أُفرقْ شمل دمعي فإننيأرى الشمل منهم ليس بالمتقاربِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «على مثلها من أربع وملاعب»

يقول: قد اجتمع دمعي، لأني لم أبك رجاء أن يقرب الشمل، والآن فقد رأيته ليس بالمتقارب، فأعنى بوقفة على منازلهم، حتى أبكيهم فأستريح.

فما كان في ذا اليوم عذلُك كلهعدّويَ حتى صار جهلك صاحبي
وما بك إركابي من الرشد مَرْكباألا إنما حاولتَ رُشدَ الركائب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «على مثلها من أربع وملاعب»

يخاطب الرجل القرحان الذي لم يصب بالمصائب، وعذَلَه على الرحيل؛ يقول: ليس بك رشدي. ولكنك تريد أن تريح الركائب، وأريدُ أن أتعبَها بالمسير.

فكلني إلى شوقي وسِرْ يَسيرِ الهوىإلى حُرُقاني بالدموعِ السواربِ

يقول: أنا لا أطاوعك على ما تريده، فَسر وسلمني إلى شوقي، فإن هواي سيبعث دمعي، ثم خاطب ديار أحبابه، فقال:

أميدانَ لهوى من أتاح لك الردى

.. فأصبحتِ ميدانَ الصَّبا والجنائب

أصابتك أبكارُ الخطوب فَشتّتهوايَ بأبكار الظباء الكواعب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «على مثلها من أربع وملاعب»
وركبٍ يُساقون الركابَ زُجاجةًمن السير لم تقصد لها كفّ قاطب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «على مثلها من أربع وملاعب»

هذا مثل، يقول: يسكرون ويسكرون المطي من التعب فكأنهم سقوها زجاجة ولم تقصد لها كف قاطب أي ليس هي على الحقيقة زجاجة فيها شراب يناولها الساقي.

فقد أكلوا منها الغواربَ بالسُّرىفصارتْ لها أشباحُهم كالغوارب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «على مثلها من أربع وملاعب»
يقودُ نواصيها جُديلُ مَشارقإذا آبهُ همُ عُذيُق مَغاربِ

ويروي: يصرف مسراها، يقول: يسير بهذه الإبل رجل عالم بالشرق والغرب يريد نفسه وهذا من المثل الذي قاله الحباب بن المنذر: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، ويضرب لمن يستشفي برأيه، والجذل خشبة تحتك بها الإبل الجربي، والعذق النخلة والتصغير فيهما للتفخيم.

يرى بالكَعاب الرَّوْدِ طلعةَ ثائرٍوبالعرْمِس الوجناء غرةَ آئِب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «على مثلها من أربع وملاعب»

يقول: يصرف هذه الركاب

رجلُ محبب إليه السفر في طلب العلا، فإذا رأى الكاعب من النساء، رأى بها طلعة ثائر دنا لينال منه، لبغضه الكاعب، وحبه السفر، ليبلغ مراده، وإذا رأى الناقة السريعة السير فكأنه رأى غرة إنسان مقبل عليه.

كأن به ضِغنا على كل جانبمن الأرض، أو شوقاً إلى كل جانب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «على مثلها من أربع وملاعب»

يقول: من حبه للسير في البلاد، كأن به ضغنا على كل مكان، حتى يفارقه، أو شوقا إلى كل مكان، حتى يبلغه؛ وكل ما ذكره من حبه للسير، حتى يقول:

إذا العيسُ لاقتْ بي أبا دلف فقدتقطع ما بيني وبين النوائب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «على مثلها من أربع وملاعب»

وهذه الجملة معترضة، جمح بها القلم في ميدانه؛ ونعود إلى ما نحن بصدد بيانه.

ومن هذا الضرب قول مسلمة بن عبد الملك:

أذُلّ الحياة وكُرْهَ المماتِوكلا أراه طعاما وبيلا
فإن لم يكن غيرُ إحداهمافسيرا إلى الموت سيراً جميلا
للشاعر بشامة بن الغدير، من قصيدة «هجرت أمامة هجراً طويلا»

أخذه أبو تمام، فقال:

مثلّ الموتَ بين عينيه والذّلوكلا رآه خطباً عظيماً
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «رحم الله جعفرا فلقد كا»
ثم سارتْ به المنيةُ قُدْماًفأمات العِدا ومات كريما

وقول أبي تمام أحسن. وكذلك ورد قول الطغرائي:

يا منَ إذا اجتمع الكُتّاب كان لهفضلُ الإمارة مقتاداً كتيبتها
للشاعر الطغرائي، من قصيدة «يا من إذا اجتمع الكتاب كان له»
شكت إليك دواتي شيب لمتهاوأنت أخلق من طَرَّى شبيبتها
للشاعر الطغرائي، من قصيدة «يا من إذا اجتمع الكتاب كان له»

وقال مولانا السيد الأمجد أحمد أفندي الشهير بابن النقيب، دامت معاليه:

لدواة داعيكم مدادُ شاب منجَوْر اليَراع، وقد رثَتْ لُمصابهِ
وأتت تؤمل فضلكم وترومُ منإحسانكم تجديدِ شَرْخ شبابهِ

ففي قوله - أيده الله - زيادة حسنة،

وهي جور اليراع، وقد رثت لمصابه. وكذلك ورد قول أبي نواس:

قل لمن يدعي سُلَيْمَى سفاهالست منها ولا قُلامَة ظفر
إنما أنت مُلَصق مثلُ واوألحقتْ في الهجاء ظلما بعمروِ

أخذه البحتري فقال:

خلّ عنا فإنما أنت فيناواوُ عمرو أو كالحديث المعاد
للشاعر البحتري، من قصيدة «يا ثقيلا على القلوب إذا عن»

فالبحتري زاد على أبي نواس: الحديث المعاد.

وأحس من قولهماقول ماجد الديار الشامية، مولانا أحمد أفندي الشاهيني، طال بقاه، وهو:

إنما البهنسي أحمد خَطْبُلا خطيب ولا جليل بَقْدرِ
زيدت الياء فيه ظلما وعدوانا كواو غَدَتْ بآخر عمرو

ووجه حسنه المناسبة فيه بين الحرفين، وكذلك ورد قول الشريف الرضي:

ولو أن لي يوماً على الدهر إمرةًوكانت لي العُدوَى على الحَدثَان
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «ظمائي إلى من لو أراد سقاني»
خلعت على عطفيك برد شبيبتيجوادا بعمري واقتبال زماني
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «ظمائي إلى من لو أراد سقاني»

فقال الشاهيني حرس الله ببقائه الفضل والكرم؛ ولا برحت أياديه التمائم من العدم: يخاطب شيخه أبا العباس أحمد بن محمد المقريالمغربي في آخر قصيدة، وأرسل إليه هدية وخمسين غرشا ولا يخفي ما في

هذا البيت الثاني من الحسن:

لو كان لي أمر الشباب خلعتهبُرْداً على عَلْياك ذا أردانِ
لكن تعذر بعث أول غايتيفبعثت نحوك غاية الإمكانِ

وكذلك ورد قول أبي تمام:

يَصُدُّ عن الدنيا إذا عَنَّ سُؤددُولو بَرَزَت في زيّ عَذْراء ناهدِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «قفوا جددوا من عهدكم بالمعاهد»

أخذه من قول ابن المعذل

ولست بنظار إلى جانب الغنَىإذا كانت العَلْياء في جانب الفقرِ
للشاعر الخُرَيْمي، اقرأ القصيدة

وكذلك ورد قول البحتري:

ركبوا الفرات إلى الفرات وأملواجذلان يُبدع في السماح ويُغرب
للشاعر البحتري، من قصيدة «عارضننا أصلا فقلنا الربرب»

أخذه من قول مسلم بن الوليد

ركبت إليه البحر في مؤخراتهفأوفت بنا من بعد بحر إلى بحر

إلا أنه زاد عليه: جذلان يبدع في السماح ويغرب. وكذلك ورد قول أبي نواس:

ليس على الله بمستنكرأن يجمع العالم في واحد
للشاعر برهان الدين القيراطي، اقرأ القصيدة

أخذه من قول جرير:

إذا غضبتْ عليك بنو تميمحسبت الناس كلهم غضابا
للشاعر جرير، من قصيدة «أقلي اللوم عاذل والعتابا»

يحكى عن أبي تمام: أنه دخل على ابن أبي داود فقال له: أحسبك عاتبا يا أبا تمام فقال: إنما يعتب على واحد وأنت

الناس جميعا. قال من أين هذه يا أبا تمام؟ فقال: من قول الحاذق أبي نواس وأنشده البيت السابق، وفي بيت أبي نواس زيادة حسنة قد ملكته رق هذا المغني؛ وذلك أن جريراً جعل الناس كلهم في بني تميم، وأبا نواس جعل العالم كله في واحد وذلك أبلغ.

النص من طبعة المطبعة العامرة الشرفية بالقاهرة (١٣٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الصبح المنبي عن حيثية المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.