من «الصبح المنبي عن حيثية المتنبي» ليوسف البديعي (ت ١٠٧٣هـ)
عداوة الشعراء بئس المقتنى (٤)
وقوله:
الدهرُ مغتذرُ والسيفُ منتظرُوأرضُهم لكَ مصطافُ ومُرْتَبَعُ
للسبي ما نكحوا والقتلِ ما ولدواوالنهبِ ما جمعوا والنارِ ما زرعوا
وقولهُ:
لم يخلُ من نصر له مَنْ له يدولم يخل من شكر له من له فم
ولم يخلُ من سمائه عُود مِنبرٍولم يخلُ دينارُ ولم يخل درِهم
وقوله:
يَجلُّ عن التشبيه لا الكفُّ لجَّةُولا هو ضِرغامُ ولا الرأيُ مِخْدمُ
ولا جُرحُه يُوسيَ ولا غَوْرُه يُرَىولا حدُّه يَنْبوُ ولا يَتَثَلَّم
ومنها:
مَحلُّكَ مقصودُ وشانَيك مُفْحَمُومثلُك مفقودُ ونَيْلُك خِضْرِمُ
ومن هذه القصيدة البيت المشهور وهو:
فلو ضَرَّ مَرْأ قبلهَ ما يَسُرُّهلأثَّر فيه بأسُه والتكرمُ
ضر: فعل، وفاعله: ما يسره، ومرأ، مفعول، والضمير في قبله للممدوح، وفي يسر للمرء وفي فيه وبأسه
للممدوح. يقول: لو ضر الذي يسر أحداً قبل هذا الممدوح لضر هذا الممدوح باسه وتكرمه، لأنه يسر بهما.
وقوله:
قليلُ عائديِ سَقيمُ فؤاديكثيرُ حاسِدي صعبُ مَرامي
عليلُ الجسم ممتنعُ القيامِشديدُ السكرِ من غبر المُدام
وقوله:
بمصرَ ملوكُ لهم مَالهُ
.. ولكنهم مالَهم هَمُّهُ
فأجود من جودهم بخلُهوأحمدُ من حمدهم ذَمّة
وأشرفُ من عيشهم موتُهوأنفعُ من وجُدهم عُدْمُه
وقوله:
لم نفتقد بك من مُزْق سوى لَثَقولا من البحر غيرَ الريح والسفنُ
ولا من الليث إلا قبحَ منظَرهِومن سواه سوى ما ليس بالحَسنَ
وقوله:
أذم إلى هذا الزمان أهَيْلَهُفأعلمهم فَدْمُ وأحْزَمُهم وغْدُ
وأكَرمُهم كلبُ وأبصرهم عَمٍوأسهدُهم فهدُ وأشجعهم قِردُ
وقوله:
وغناك مسألةُ وطَيْشك نفخةُورضاك فيشلةُ وربك درهم
وقوله:
عربيُّ لسانُه، فلسفيُّرأيه، فارسيَّةُ أعيادُه
وقوله:
سقْتني بها القُطْرُبُّليَّ مليحةُعلى كاذب من وعدها ضوء صادق
سهاد لأجفان وشمسُ لناظروسْقمُ لأبدان ومِسكً لناشقِ
وأغيدُ يهوَي نفسَهُ كل عاقلعفيف ويهوَي جسمَه كلُّ فاسقِ
أديبُ إذا ما جسَّ أوتار مِزْهَربَلا كلَّ سمع عن سواه بعائق
يُحَدّثُ عما بين عاد وبينهوصُدغاه في خدَّيْ غلام مراهِق
كقوله:
على ذا مضى الناسُ اجتماعُ وفُرقةُوميْتُ ومولودُ وقالٍ ووامق
وقوله:
ألا أيها السيفُ الذي ليس مُغمَداًولا فيه مُرتاب ولا منه عاصمُ
هنيئا لضربِ الهامٍ والمجدِ والعلاوراجيك والإسلامِ أنكَ سالمُ
وقولهِ:
ورب جواب عن كتاب بعثتَهُوعنوانُه للناظرين قَتَامُ
حروفُ هجاءِ الناسِ فيه ثلاثةُجوادُ ورمحُ ذابلُ وحُسام
لما سمى الجيش جواباً
جعل حروفه جوداً ورمحاً وحُساماً، اقتداراً واتساعاً في الصنعة.
وقوله:
ومرهف سِرتُ بين الجَحفلين بهحتى ضربتُ وموجُ الموت يلتطمُ
فالخيل والليل والبيداء تعرفنيوالسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ
قال ابن جني: قد سبق الناس إلى ذكر ما جمعه في هذا البيت، ولكنلم يجتمع مثله في بيت، وقد قال البحتري:
اطلبا ثالثاً سواي فإنيرابعُ العيسِ والدُّجى والبِيِد
وهذا لفظ عذب، ولكن ليس فيه ما في بيت المتنبي.
وقوله:
أنت الجوادُ بلا مَنً ولا كَدَرٍولا مِطال ولا وَعْد ولا مَذَلِ
وقوله:
بي حرُّ شوق إلى تَرَشُّفهاينفصل الصبرُ حين يتصلُ
الثغرُ والنحرُ والمُخلخلَ والمِعْصَمُ دائي والفاحمُ الرَّجِلُ
وكقوله:
ولكن بالفسطاط بحراً أزَرْتُهحياتي ونصحي والهوى والقوافيا
وقوله من قصيدة أخرى:
أمْنياً وأخْلاقاً وغَدْراً وخسةًوجُبْناً أشخصا لُحْتَ لي أمْ مَخازيا؟
ومن بدائعه إرسال الأمثال في أنصاف الأبيات كقوله:
بذا قست الأيام ما بين أهلهامصائبُ قوم عند قوم فوائد
قواصدَ كافور تواركَ غيرهومن قصد البحر استقلّ السواقيا
أعزّا مكان في الدُّنيَا سرجُ سابح ...
وخيرُ جليس في الزمان كتابُ
وبيتنا لو رعيتم ذاك معرفةإن المعارف في أهل النهى ذممُ
لعل عنُبَكَ محمودُ عواقبهُوَربما صحت الأجسامُ بالعللِ
ولو لم تُبْق لم تَعِش البقاياوفي الماضي لمن بقىَ اعتبارُ
يُراد من القلب نسيانُكمْويأبى الطِباعُ على الناقلِ
سبقتَ إليهم مناياهمُومنفعة الغوث قبل العطب
لِيَزِدْ بنو الحسن الشِرافُ تواضعاهيهات تكتم في الظلام مشاعل
أعاذك اللهُ من سهامهمومُخطئُ مَنْ رَمِيُّهُ القمرُ
ولكني حُسِدتُ على حياتيوما خيرُ الحياة بلا سرورِ
يُفَدّى بنيك عبيدَ حاسدُهمبجبهةِ العَيْرِ يُفدَى حافر الفرسِ
إلامَ طماعِيَةُ العاذلولا رأىَ في الحب للعاقل
وكل يرى طُرْق الشجاعة والندى ...
ولكنّ طبعَ النفس للنفس قائدُ
لا تحسبوا مَنْ أسَرْتُمْ كان ذا رمقوليس تأكل إلا الميِّتَ الضَّبُعُ
ما لنا في الندى عليك اختيارُكل ما يمنح الشريفُ شريفُ
غيرَ اختيار قبلتُ بِرَّك بيوالجوع يُرضى الأسودَ بالجِيفِ
فلا تُنْكرَنّ لها صَرْعةًومن فرحِ النفس ما يقتل
وقد يَتزيَّا بالهوى غيرُ أهلهويَستصحبُ الإنسانُ من لا يلائمهْ
وهكذا كنتُ في أهلي وفي وطني ...
إن النفيس غريبُ حيثما كانا
أنت الوحيدُ إذا ركبتَ طريقةًومَن الرديفُ وقد ركبتَ غضنفرا؟
وحيدُ من الخُلاّن في كل بلدةإذا عظم المطلوب قلَّ المساعد
وما ثناك كلامُ الناس عن كرمومن يَسُدُّ طريق العارض الهَطِلِ
لهم حقُّ بِشِرْكِكِ في نِزاروأدنى الشّركِ في نسب جِوارُ
وأصبح شِعري منهما في مكانهوفي عنق الحسناء يُستحسن العِقدُ
أعيَا زوالُك عن محل نِلْتَهلا تخرج الأقمارُ عن هالاتها
إن النفوس عُدَد الآجالسَقْياً لِدَشْت الأرْزن الطوال
وما ذاك بُخلاً بالنفوس على القناولكن صُدْم الشرّ بالشرَ أحزمُ
والهجر أقتلُ ولي مما أراقبًهُأنا الغريق فما خوفي من البَلَل
ولم يسلها إلاّ المنايا وإنماأشد من السقم الذي أذهب السُّقْما
ترفق أيها المولى عليهمفإن الرفق بالجاني عتابُ
وقَنِعتَ باللقْيا وأول نظرةإن القليل من الحبيب كثير
وما التيهُ طِيّ فيهمُ غير أننيبغيضُ إليّ الجاهل المتعاقل
إن السلاح جميعُ الناس تحملهُ ...
وليس كلُّ ذوات المِخْلبِ السبُع
القاتل السيفَ في جسم القتيل بهوللسيوف كما للناس آجالُ
خذْ ما تراه ودعْ شيئاً سمعت بهفي طلعة الشمس ما يُغنيكَ عن زُحَلِ
لعلَ بينَهم لِبَنيك جندُفأول قُرَّحِ الخيل المِهارُ
الموتُ أعذرُ لي والصبر أجملُ بيوالبرُّ أوسع والدنيا لمن غلبا
لأن حِلُمك حِلْمُ لا تَكَلَّفُهُليس التكحل في العينين كالكَحَل
كرمُ تبيَّن في كلامك ماثلاويبَينُ عِتْقُ الخيل في أصواتها
ومنها إرسال المثلين في مصراعي البيت الواحد كقوله:
وكلُ امرئ يُولى الجميلَ محبَّبُوكلُّ مكان يُنْبتُ العزَّ طيبُ
وقوله:
في سَعة الخافِقَيْن مُضطربُوفي بلادٍ أختها بدلُ
وقولِه:
الحبُّ ما منع الكلامَ الألسُنَاوألّذُّ شكوى عاشق ما أعلفا
وقولِه:
ذَلَّ من يَغْبِطُ الذليلَ يعيشرَبَّ عيش أخَفَ منه الحمام
وقولِه:
مَن يَهُن يسهلِ الهَوَانُ عليهما لِجُرح بِميت إيلامُ
وقولِه:
كفى بك داءً أن ترى الموت شافياوحسبُ المنايا أن يكُنَّ أمانيا
وقولِه:
أفاضل الناسِ أغراض لذا الزمنِيخلو من الهَم أخلاهم من الفِطّن
وقولِه:
وأتعب مَن ناداك من لا تُجيبهوأغيظ مَن عاداك من لا تشاكل
وقولِه:
لا تشتر العبدَ إلا والعصا معهإن العبيدَ لأنْجَاسُ مَناكيدُ
وقولِه:
إذا أنتَ أكرمت الكريم ملكتَهُوإن أنتَ أكرمتَ اللئيم تمردا
ووضعُ الندى في موضع السيف بالعُلامُضِرُّ كوضع السيفِ في موضع الندى
وما قتل الأحرارَ كالعفو عنهمُومَن لك بالحر الذي يحفظ اليدا؟
وقيدتُ نفسي في ذَراك محبةًومن وجد الإحسانَ قيداً تقيدا
ومنها إرسال المثل والاستملاءُ على لسان التجربة في البيت والبيتين فصاعداً، وحسنُ التصرف في الحكمة والموعظة الدهر، والدنيا، والناس،
وما يجري مجراها كقولِه:
وما الجمعُ بين الماء والنار في يديبأصعب من أن أجمع الجَدَّ والفهما
وقوله:
يُخفي العداوةَ وهْيَ غيرُ خفِيَّةٍنظرُ العدوّ بما أسَرَّ يَبُوحُ
وقوله:
والأمرُ لله رُبَّ مجتهدٍما خاب إلا لأنه جاهِدْ
وقوله:
إليكَ فإني لستُ ممن إذا اتقىعِضاضَ الأفاعي نام فوق العقاربِ
وقوله:
خيرُ الطيور على القصور وشرُّهايَأوي الخرابَ ويسكن النَّاوُوسِا
وقوله:
ليس الجمالُ لوَجْهٍ صحَّ مارِنُهأنفُ العزيز بِقطع العزّ يُجْتدع
وقولِه:
وليس يَصحُّ في الإفهامِ شيءُإذا احتاج النهارُ إلى دليل
قال ابن جني: هذا كما قال أهلُ الجدل، مَن شكَّ في المشاهدات فليس بكامل العقل.
وقوله:
وقد يَتزْيا بالهوى غيرُ أهلِهويستصحبُ الإنسانُ من لا يلائمه
وقوله:
وما تنفع الخيل الكرامُ ولا القَناإذا لم يكن فوق الكرام كرامُ
وقولِه:
وأحسِبُ أني لو هَوِيتُ فِراقَكُملفارقتكُمْ والدهر أخبث صاحبِ
وقوله:
من خصّ بالذّمّ الفراقَ فإننيمن لا يرى في الدهر شيئا يُحمَدُ
وقولِه:
ومن نَكدِ الدنيا على الحر أن يَرىعدوّاً له ما من صداقته بُدُّ
وقولِه:
وإذا كانت النفوسُ كِباراتعبتْ في مُرادها الأجسامُ
وقولِه:
تَلَفُ الذي اتخذ الشجاعة خُلَّةًوعظ الذي اتخذ الفِرار خليلا
وقولِه:
فإن يكنِ الفعلُ الذي ساء واحدافأفعاله اللائى سَرَرْنَ ألُوفُ
وقولِه:
وإذا خَفِيتُ على الغبي فعاذرُأن لا تراني مقلة عمياء
وقولِه:
إن كنت ترضى بأن يعطوا الجِزَى بذلوامنها رضاك ومَن لِلْعُورِ بالحَوَلِ
وقولِه:
فآجركَ الإلهُ على مريضبعثْتَ إلى المسيح به طبيبا
وقولِه:
إذا أتت الإساءةُ من وضيعولم ألُمِ المسيءَ فمَنْ ألومُ؟
وقولِه:
وإذا أتتك مذمتي من ناقصفهي الشهادة لي بأني فاضلُ
وقولِه:
إذا ما قدرتُ على نَطْقَةإني على تركها أقْدرُ
وقولِه:
واحتمالُ الأذى ورؤيةُ جانيهـ غذاءُ تَضْوَي به الأجسام
وقولِه:
وتوهموا اللعب الوغى والطعنُ فيالهيجاءِ غيرُ الطعن في الميدانِ
وقولِه:
وإذا ما خلا الجبانُ بأرضطلب الطعنَ وحدَهُ والنِّزالا
وقولِه:
ومن الخيرِ بطئ سَيبك عنّيأسرعُ السُّحبِ في المسير الجَهامُ
وقولِه:
وليس الذي يَتَّبَّع الوبلَ رائداًكمن جاءه في داره رائدُ الوبْلِ
وقوله:
أبلغُ ما يُطلب النجاحُ به الطبعُوعند التعمق الزللُ
وقوله:
كم مَخْلَص وعُلاً في خوض مَهْلَكَةٍوقَتْلةٍ قُرنتْ بالذم في الجُبُن
وقوله:
وما قلتُ للبدر أنتَ اللجينُولا قلتُ للشمس أنتِ الذّهَبْ
ومن ركب الثورَ بعد الجواد أنكر أظلافَهُ والْغَبَبْ
وقولِه:
فقرُ الجهول بلا قلب إلى أدبفقْر الحمار بلا رأس إلى رَسَن
لا يُعجبنَّ مَضِيماً حسنُ بِزَّتِهِوهل يَروقُ دفينا جَودةُ الكفَن؟
وقولِه:
إذا ما الناسُ جرَّبهمْ لبيبْفإني قد أكلتُمُ وذاقا
فلم أر وُدَّهم إلا خداعاًولم أرَ دِينهم إلا نِفاقا
وقوله:
ذريني أنَلْ ما لا يُنال من العُلافصعبُ العلا في الصعب والسهلُ في السهل
تريدين لُقيانَ المعالي رخيصةًولا بُدَّ دونَ الشهد من إبَرِ النحل
وقوله:
تَمَنَّ يَلذُّ المستهامُ بمثلهوإن كان لا يغني فتيلا ولا يُجْدي
وغيظُ على الأيام كالنار في الحشاولكنه غيظُ الأسيرِ على القِدّ
وقوله:
ومكايدُ السفهاء واقعةُ بهموعداوة الشعراء بئس المُقْتَني
لُعِنَتْ مقارنةُ اللئيم فإنهاضيفُ يجرُ من الندامة ضَيْقَنَا
وقولِه:
وما الخيلُ إلا كالصديق قليلةُوإن كثرت في عين مَنْ لا يُجرّب
إذا لم تشاهد غيرَ حُسْن شِيَاتِهاوأعضائها فالحسن عنك مُغَيَّبُ
وقولِه:
تصفو الحياة لجاهل أو غافلعما مضى منها وما يُتَوقَّعُ
ولمن يُغالطُ في الحقائق نفسهُويوُمها طلبَ المُحال فتطمع
كأنه من قول لَبِيد:
واكْذِب النفسَ إذا حدثتّهاإن صدقّ النفس يُزري بالأمل
وقوله:
وأتَعبُ خلق الله من زاد همُّهوقصر عما تشتهي النفسُ وُجْدُهُ
فلا يَنْحلِلْ في المجد مالُك كلُّهفينحل مجدُ كان بالمال عَقْدُهُ
ودبره تدبيرَ الذي المجدُ كفهُإذا حارب الأعداء والمال زَندُه
فلا مجدَ في الدنيا لمن قلُّ مالُهولا مالَ في الدنيا لمن قلّ مجدُه
إذا كنتَ ذا شكّ من السيف فابْلُهفإما تُنفّيه وإما تُعِدّه
وما الصارمُ الهنديُّ إلا كغيرِهإذا لم يُفارقْه النِجادُ وغِمدُهُ
وقوله:
إنما تنجح المقالةُ في المرء إذا وفقتْ هوًى في الفؤادِ
وإذا الحلمُ لم يكن في طباعلم يُحَلّمْ تَقادُم الميلادِ
إنما أنت والدُ والأب القاطعُ أحنى من واصل الأولاد
وقولِه:
وما الحسن في وجه الفتى شرفاً لهإذا لم يكنْ في فعلهِ والخلائق
وما بلدُ الإنسانِ غير الموافقولا أهلُهُ الأدنَوْن غير الأصادق
وجائزةُ دعوى المحبةِ والهوىوإن كان لا يخفي كلامُ المنافق
وما يُوجعُ الحرمانُ من كفّ حارم
.. كما يوجعُ الحرمانُ من كف رازق
وقوله:
إنما أنفُسُ الأنيس سباعُيتفارسْنَ جهرةً واغتيالا
من أطاق التماس شيء غِلاياواقتسارا لم يلتمسْه سؤالا
كلُّ غاد لحاجة يتمنىأن يكونَ الغَضنفرَ الرِئبالا
وقوله:
لولا المشقةُ ساد الناس كلهمُ
.. الجودُ يُفقرُ والإقدامُ قتَّال
وقلّما يبلغ الإنسانُ غايتَهُما كل ماشية بالرحل شِملال
إنا لَفي زمن تركُ القبيح بهمن أكثر الناس إحسانُ وإجمال
ذكر الفتى عمرهُ الثاني وحاجتهُما فاته فَضُولُ العيش أشغال
وقوله:
ترى الجبناءَ أن العجز جزمُوتلك خديعة الطبع اللئيم
وكل شجاعة في المرء تُغْنِيولا مثلَ الشجاعةِ في الحكيم
قيل له أنيّ يكون الشجاع حكيماً؟ فقال: هذا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه كان شجاعاً حكيماً.
وكم من غائب قولا صحيحاًوآفته من الفهم السقيمِ
ولكن تأخذ الآذانُ منهعلى قدر القرائح والعُلوم
وقوله:
ولقد رأيتُ الحادثات فلا أرىيَقَقاً يميت ولا سوادا يَعْصِمُ
والهمُّ يَحترمُ الجسيمِ نحافةًويُشيبُ ناصية الصبي ويُهرم
ذو العقل يَشقي في النعيم بعقلهِوأخو الجهالةِ في الشقاوة يَنْعَمُ
لا يخدعنَّك من عدو دمعُهوأرحم شبابك من عدو تُرحَمُ
لا يسلم الشرفُ الرفيعُ من الأذىحتى يُراقَ على جوانبه الدمُ
قال ابن جنى: أشهد بالله أنْ لَوْ لم يقل غيرَ هذا البيت لتقدم به أكثرَ المُحدثين، وهذه الأبيات كلها غُرَرُ وفرائد، لا يصدر مثلُها إلا عن فضل باهر، وقدرة على الإبداع ظاهرة، ومنها:
والظلمُ من خلق النفوس فإن تجدذا عفة فلِعلة لا يَظْلمُ
ومن البليةِ عذلُ مَن لا يَرْ عوىعن جهله وخطابُ مَن لا يفهمُ
ومِن العداوةِ ما ينالُك نفعُهومن الصداقةِ ما يَضُرُّ ويُؤلمُ
وقوله:
أرى كلَّنا يبغي الحياةَ لنفسهِحريصاً عليها مُستهاماً بها صبَّا
فحبُّ الجبان النفسَ أورده الرَّدىوحب الشجاع النفسَ أورده الحربا
وقوله:
ويختلَف الرزقان والفعل واحدإلى أن ترى إحسانَ هذا لذا ذنبا
وقوله:
وفيك إذا جنى الجاني أناةُتُظن كرامةً وهي احتقار
بنو كعب وما أثَّرتَ فيهميدُ لم يُدْمها إلا السّوار
بها من قَطْعِهِ ألمُ ونقصُوفيها من جلالته افتخار
لهم حق بِشِرْكِك في نزاروأدنى الشرك في نسب جوارُ
لعل في سَطوة الأرباب عيبُولا في ذِلة العُبْدانِ عار
وقوله:
من اقتضى بسوى الهندي حاجتَهِأجاب كلَّ سؤال عن هَلٍ بلم
ولم تزل قِلةُ الإنصافِ قاطعةًبين الرجال وإن كانوا ذوي رحم
هَوّنْ على بصر ما شقَّ منظّرُهفإنما يَقَظَاتُ العين كالحُلم
لا تَشكُوَنَّ إلى خَلْق فتُشْمِتهشكوى الجريح إلى الغِربان والرَّخَم
وكن على حَذَار للناس تَسترُهولا يَغُرَّنْك منهم ثغر مُبتسم
وقتُ يضيعُ وعمرُ ليت مدتَّهفي غير أمته من سائر الأمم
أتى الزمانَ بنوه في شبيبتهفسرَّهمْ وأتيناه على الهَرَم
وقوله:
الرأيُ قبل شجاعةِ الشجعانِهو أول وهيْ المحل الثاني
فإذا هما اجتمعا لنفس مُرَّةبلغتْ من العلياءِ كلَّ مكان
ولربما طعن الفتى أقرانَهبالرأي قبل تطاعن الأقران
لولا العقولُ لكان أدنى ضيغمٍأدنى إلى شرف من الإنسان
وقوله:
لحي اللهُ ذي الدنيا مُناخاً لراكبفكلُّ بعيدِ الهمِّ فيها معذبُ
ألا ليت شعري هل أقول قصيدةولا أشتكى فيها ولا أتعتَّب
وبي ما يذود الشعرَ عني أقلُّهولكنَّ قلبي يا بنتَ القوم قُلَّبُ
أمَا تَغْلط الأيامُ فيَّ بأن أرَىبغيضا تُنائي أوْ حبيبا تُقرّب
وقوله:
أبيَ خُلقُ الدنيا حبيبا تُديمهفما طلبي منها حبيبا تَرُدُّه
وأسرعُ مفعول فعلتَ تغيراتكلفُ شيء في طباعِك ضدُّهُ
وقوله:
إذا ساء فعلُ المرءِ ساءت ظنونُهوصدَّق ما يعتادُه من تَوَهّم
وعادي مُحِبّيه يقولِ عُداتِهوأصبح في ليل من الشكِ مُظلم
وما كلُّ هاو للجميل بفاعلولا كلُّ فعال له بِمُتَمِّم
وأحسنُ وجه في الورى وجهُ محسنوأيمَنُ كَفِّ فيهمُ كفُّ مُنعم
وأشرَفُهمْ مَن كان أشرفَ همةًوأكثرَ إقداماً على كل مُعْظِم
لِمَنْ تطلبُ الدنيا إذا لم تُرِدْ بهاسرورَ محب أو إساءةَ مُجْرم؟
وقوله:
فؤادُ ما تُسَليه المدامُوعمرُ مثلُ ما تهبُ اللئامُ
ودهرُ ناسُه ناسُ صِغارُوإن كانت لهم جُثث ضِخام
وما أنا منهمُ بالعيش فيهمْولكنْ معدنْ الذهب الرَّغام
وشبهُ الشيء منجذبُ إليهوأشبهُنا بدنيانا الطَّغام
ولو لم يعلُ إلا ذو محلٍّتعالى الجيشُ وانحط القتامُ
ولو حِيزَ الحفاظُ بغير عقلتجنَّب عُنْقَ صَيْقَلِه الحُسامُ
وقوله:
أبدا تستردُّ ما تهب الدنيايا فيا ليت جودها كان بخلا
فَكَفَتْ كونَ فرحة تُورثُ الغمّوخِلَّ يغادر الوجدَ خِلاَّ
وهْي معشوقةُ على الغدر لا تحفظعهداً ولا تُتمم وصلا
كلُّ دمع يسيلُّ منها عليهاوَبِفَكّ اليدين عنها تُخَلَّى
أي كلُّ من أبكته الدنيا فإنما يبكي لفوت شيء منها. ولا يُخليها الإنسان إلا قسرا يفك يديه عنها.
ومن هذه القصيدة:
شيمُ الغافيات فيها فلا أدريلذا أنث اسمها الناس أم لا
ولذيذُ الحياةِ أنفَسُ في النفس وأشهى من أنُ يَملَّ وأحلى
وإذا الشيخُ قال أفٍّ فما ملّحياةً وإنما الضعفَ ملا
آلة العيش صِحةُ وشبابُفإذا وليا عن المرء ولى
وقوله:
ما كل ما تمنى المرءُ يُدركُهتحري الرياح بما لا تشتهي السفن
قال ابن جنى: حدثني المتنبي، قال: حدثني فلان الهاشمي من أهل حرَّان بمصر قال: أُحدثك
إلى امرأتي بحراَّن كتاباً تمثلت فيه ببيتك وهو:
بم الَّعلل لا أهلُ ولا وطنُولا نديمُ ولا كأس ولا سكنُ
فأجابتني عن الكتب وقالت: ما كنت والله كما ذكرت في هذا البيت، بل أنت كما قال الشاعر في هذه القصيدة:
سَهِرتُ بعد رحيلي وحشةً لكمُثم استمرَّ مريري وارعوني الوَسَنُ
قال: ولما سمع سيف الدولة الذي يتلوه وهو:
وان بُليتُ بُودّ مثل ودكمُفإنني بفراق مثلِه قَمِنُ
قال: سار وحق أبي وهذه الأبيات من قصيدة قالها بمصر، وقد بلغه أنه نُعِي في مجلس سيف الدولة بحلب، وبَعْدَ مطلعها:
أريدُ من زمني ذا أنْ يُبَلغنيما ليس يبلُغه في نفسِه الزمَنُ
لا تلق دهرَك إلا غيرَ مُكترثما دام يصحبُ فيه روحَك البدن
فما يُديم سُرُوراً ما سُرِرْتَ بهولا يرد عليك الفائتَ الحزنُ
مما أضرَّ بأهلِ العشق أنهُمُهَوُوا وما عرفوا الدنيا وما فَطِنوا
تفنى عيونهمُ دمعاً وأنفُسُهمْفي أثر كل قبيح وجههُ حَسَنُ
ومنها أيضاً:
يا من نُعِيتُ على بُعْد بِمجلِسهكلُّ بما زعم الناعون مُرْتَهَنُ
كم قد قُتلتُ وكم قَدْمِتُّ عندكمُثم انتفضتُ فزال القبرُ والكفنُ
قد كان شاهدَ دفني قبل موتهمُجماعةُ ثم ماتوا قبل مَنْ دفنوا
ومنها:
رأيتكمْ لا يصون العرضَ جاركمُولا يَدر على مرعاكمُ اللبنُ
جزاءُ كلّ قريب منكمُ مللُوحظُّ كلّ محِب منكم أضغنُ
وتغضبون على من نال رفدَكمُحتى يعاقبه التنغيص والمنن
فغادَرَ الهجرُ ما بيني وبينكميَهماءَ تكذبُ فيها العينُ والأذنُ
تحبو الرواسمُ من بعد الرسيم بهاوتسأل الأرض عن أخفافها الثَّفِنُ
إني أُصاحبُ حلمي وهْو بي كَرَمُولا أصاحب حلمي وهو بي جُبُنُ
ولا أقيم على مال أذِلُّ بهولا ألَذُّ بما عرضي به دَرِنُ
ومنها:
وإن تأخر عني بعضُ موعدهفما تأخَرُ آمالي ولا تَهنُ
وهو الوفيُّ ولكني ذكرتُ لهمودةً فهو يبلوها ويمتحن
ومن بدائعه افتضاضه أبكارَ المعاني في المراثي والتعازي كقوله:
سالمُ أهل الودادِ بعدهمُيَسلم للحزن لا لتخليد
أي إذا مات الصديق يسلم صديقهُ للحزن لا للخلود، لأن كلا ميت.
فما يُرجَّى الخلودُ من زمنأحمدُ حاليْه غيرُ محمودِ
أي أحمد حاليك أن تبقى بعد صديقك، وهو مع ذلك غير محمود لتعجل الحزن وانتظار الأجل.
وقوله:
المجد أخسرُ والمكارم صفقةًمن أن يعيش لها الكريمُ الأروعُ
والناسُ أنزلُ في زمانك منزلامن أن تُعايِشَهم وقدرُك أرفعُ
قبحاً لوجهك يا زمانُ فإنهوجهُ له من كل قبح بُرقعُ
أيموتُ مثلُ أبي شجاع فاتكويعيشُ حاسدهُ الحصيّ الأوكَعُ؟
وقوله:
من لا تُشابهَهُ الأحياءُ في شِيَمٍأمسى تُشابهُهُ الأموات في الرّممِ
عَدِمتهُ وكأني سِرْتُ أطْلبُهفما تَزيدني الدنيا على العَدَمِ
وقوله:
وقد فارق الناسُ الأحبةَ قبلناوأعينا دواءُ الموتِ كلَّ طبيب
سُبقنا إلى الدنيا فلو عاش أهلُهامُنِعنا بها من جَيْئة وذُهوب
تملكها الآتي تَمَلُّكَ سالبِوفارقها الماضي فِراق سليبِ
هذا كقول بعض الوعاظ:
فإنما في أيديكم أسلاب الهالكين استخلفها الباقون، كما تركها الماضون، وقد أفصح عن هذا المعنى بعض أهل العصر بقوله:
هذى منازلُنا التي كانت لهمللغير نبُقيها مدى الأحقاب
وقوله:
علينا لك الإسعاف إن كان نافعاًبشقّ قلوبٍ لا بشق جُيوب
فربَّ كثيب ليس تَندي جفونُهورًبَّ كثيرِ الدمع غيرُ كثيب
وللْواجدِ المكروبِ من زَفَراتهسكونُ عَزاء أو سكون لُغُوب
وقوله:
ما كنتُ أحسب قبل دفنك في الثرىأن الكواكبَ في التراب تَغورُ
ما كنت آملُ قبل نعشك أن أرىرَضْوَى على أيدي الرجال تسير
خرجوا به ولكل باك خلفَهصَعَقاتُ موسى يوم دُكَّ الطورُ
حتى أتوا جَدَثاً كأن ضريحَهفي قلب كل مُوَحِّد محفور
كفل الثناءُ له بَرَدّ حياتهلما انطوّى فكأنه منشور
وقوله في تعزية سيف الدولة عن أخته:
ولعمري لقد شَغلْتَ المنايابالأعادي فكيف تطلبْ شُغلا
خِطبةُ للحِمام ليس لهارَدُوإنَ كانت لها المسماةَ ثُكلا
وإذا لم تجد من الناس كُفْؤاًذات خِدْر أرادت الموتَ بَعلا
وهذا أحسن ما قبل في مراثي حُرَمِ الملوك.
وقوله في مرثية طفل لسيف الدولة وتعزيته عنه:
فإن تكُ في قبر فإنك في الحَشَاوإن تك طفلا فالأسى ليس بالطفل
ومثلُك لا يُبكى على قدر سِنِّهولكن على قَدْرِ المَخِيلةِ والأصل
عزاءك سيف الدولة المقتدى بهفإنك نصل والشدائدُ للنصل
ولم أرَ أعصى منك للدمع عبرةًوأثبتَ عقلا والقلوبُ بلا عقلِ
تخونُ المنايا عهدَه في سليلهِوتنصرُه بين الفوارس والرَّجْلِ
ويبقى على مَرّ الحوادث صبرُهويبدو ما يبدو الفرنْدُ على الصَّقْل
وما الموت إلا سارق دقَّ شخصُهيصول بِلا كفّ ويسعة بلا رجْل
يردُّ أبو الشبل الخميسَ عن ابنهويُلمُه عند الولادة للنمل
ومنها:
إذا ما تأملتَ الزمانَ وصَرْفَهتيقنتَ أن الموت ضربُ من القتل
وما الدهر أهلُ أن تُؤمَّلَ عندهحياةُ وأن يُشتاق فيه إلى النسل
وقد ذقتُ حلواءَ البنينَ على الصِبافلا تَحْسِبَنِّي قلتُ ما قلتُ عن جَهْلِ
وقولِه:
نحن بنو الموتى فما بالنُانَعافُ ما لا بُدَّ من شُربهِ
تبخلُ أيدينا بأرواحناعلى زمان هي من كَسْبه
فهذه الأرواح من جَوِّهوهذه الأجسامُ من تُرْبه
لو فكَّر العاشقُ في منتهىحُسْنِ الذي يَسْببه لم يَسْبه
لم يُرَ قرنُ الشمس في شرقِهفَشَكَّتِ الأنفسُ في غربه
يموتُ راعي الضان في جهلهمَوْتَةَ جالينوس في طبه
وربما زاد على عُمْرهوزاد في الأمن على سِربْه
وغاية المُفرطِ في سِلمهكغاية المفرِط في حربه
فلا قضى حاجتَه طالبُفؤادُه يَخفِقُ من رُعْبه
ومن قلائده الإبداعُ في الهجاء، كقوله:
إن أوحشتْك المعاليفإنها دارُ غُرْبَهْ
أو آنستك المخازيفإنها لك نسبَهْ
وقوله:
إني نزلتُ بكذابين، ضيفهُمُعن القِرى وعن التَّرحالَ محْدودُ
جودُ الرجالِ من الأيدي وجودُهمُ
.. من السان فلا كانوا ولا الجودُ
ما يَقبضُ الموتُ نفسا من نفوسهمُإلا وفي يده من نَتْنها عودُ
يعني العُودَ الذي يتناوله المعالج
للشيء القَذِر ليكون واسطة بينه وبين يده
العبد ليس لحرُ صالحٍ بأخٍلوْ أنه في ثياب الحُرّ مولودُ
من علَّم الأسودَ المخصيَّ مكرمةًأقومُه البيضُ أم آباؤه الصِّيدُ
أم أذْنُه في يد النَّخَّاس داميةأم قدرْه وهو بالفَلْسين مردودُ؟
وذاك أنَّ الفحول البيضَ عاجزةُعن الجميل فكيف الخِصْيةُ السودُ
كأنه من قول أبي علي البصير:
عَجَز الراكبُ البصيرُ وأولَىمنه بالعجز راجلُ مَكفوف
وقولِه:
فلا تُرَجَ الخيرَ عند امرئمرَّتْ يدُ النخاس في رأسِهِ
وقولِه:
أخذتُ بمدحه فرأيت لَهْواًمقالي للأُحَيْمقِ يا حكيمُ
ولما أنْ هجوتُ رأيتُ عِيَاًمقالِي لأبن آوى يا لئيمُ
فهل من عاذر في ذا وهذافمدفوعُ إلى السَّقَمِ السقيمُ
وقولِه:
لقد كنت أحسبُ قبل الخَصيّبأن الرؤوسَ محلُّ النهي
فلما نظرتُ إلى رأسهرأيت النهي كلَّها في الخُصَي
وقولِه:
يمشي بأربعة على أعقابهتحت العلوج ومن وراء يُلْجَمُ
وجفونُه ما تستقر كأنهامطروقةُ أوفُتَّ فيها حِصْرِمُ
وتراه أصغرَ ما تراه ناطقاويكون أكذبَ ما يكون ويُقسم
وإذا أشار مكلما فكأنهقرد يقهقه أو عجوز تلطم
يُقْلِي مفارقَةَ الأكُفّ قذالُهحتى يَكادَ على يد يَتعمم
ومن قلائد أبي الطيب إبرازُ المعاني اللطيفة في معارض الألفاظ الرشيقة الشريفة،
والرمي بالطُّرف والمُلَح كقوله في الجمع بين مدح سيف الدولة وقد فارقه، وبين مدح كافور وقد قصده في بيت واحد وهو:
فراقُ ومن فارقتُ غيرُ مُذَمَّمِوأمُّ ومن يَممتُ خيرُ مُيَمَّمِ
ثم قال مُعرّضا بسيف الدولة:
وما منزلُ، اللذات عندي بمنزلٍإذا لم أُبَجَّلْ عنده وأكرَّم
رحلتُ فكم باك بأجفان شادنٍعليَّ وكم باك بأجفان ضَيْغَم
المصراع الثاني تصديق لقولِه: لَيَحْدُثّنَّ لمن ودعتُهم ندمُ
وما ربةُ القُرط المليح مكانهُبأجزع من رب الحُسام المُصَمِّمِ
فلو كان ما بي من حبيب مُقَنَّععَذرتُ ولكن من حبيب مُعَمَّمِ
وهذا أيضاً مما نبهت عليه من
إجرائه الممدوحَ من الملوك مجرى المحبوب في كثير من شعره.
رمي واتَّقي رَمْي ومن دون ما اتقىهوًى كاسرُ كفى وقوسي وأسهمي
وقوله في مدح كافور والتعريض بالقَدْح في سيف الدولة:
قالوا هجرتَ إليه الغيثَ قلتُ لهمإلى غيوث يديه والشآبيب
إلى الذي تهبُ الدّولاتِ راحتُهولا يَمُنُّ على آثار موهوب
ولا يَرُوعُ بمغرور به أحداًولا يُفَزّعُ موفورا بمنكوب
يا أيها الملك الغاني بتسميةٍفي الشرق والغرب عن نعت وتلقيبِ
يعني أنه مستغن بشهرته عن لقب كلقب سيف الدولة.
أنت الحبيب ولكني أعوذ بهمن أن أكون مُحبّاً غير محبوب
وهذا أيضاً من ذاك.
وقوله من قصيدة لسيف الدولة بعد ما فارق حضرته يعرض
باستزادة يومه وشكر أمسه، وهو من فرائده:
وإن فارقتْنَي أمطارُهفأكثر غُدرانها ما نَضَبْ
وإني لأُتْبعُ تذكارهصلاةَ الإله وسقى السحبْ
ومنها في التعريض لكافور:
ومن رَكب الثورَ بعد الجوادِ أنكر أظلافَه والغَبَبْ
وقوله في هزِّ كافور والتعريض باستزادته:
أبا المِسكِ هل في الكأس فضلُ أنالُهفإني أغنى منذُ حسين وتشربُ
يقول: مديحي إياك يطربك، كما يطرب الغناءُ الشاربَ، فقد حان أن تسقيني من فضل كأسك.
وعبتَ على مقدار كفَّىْ زمانناونفسي على مقدار كفيك تطلبُ
وقوله أيضاً في التعريض بالاستزادة:
أرى لي بقربي منك عيناً قريرةًوإن كان قُرباً بالبِعاد يُشابُ
وهل نافعي أن تُرفعَ الحجبُ بينناودون الذي أمَلتُ منك حجاب
أقِلُّ سلامي حُبَّ ما خفَّ عنكمُوأسكتُ كيما لا يكونَ جواب
أي خِبّ ما خف عليكم.
وفي النفس حاجات وفيك فطانةُسكوتي بيانُ عندها وخِطابُ
وقولُه في وصف الفرس:
وبوم كليل العاشقين كَمْنتُهأراقب فيه الشمسَ أيان تَغْرُبُ
وعيني إلى أذنَيْ أغرَّ كأنهمن الليل باق بين عينيه كوكبُ
أي كأنه قطعة من الليل، وكأن
الغُرة في وجهه كوكب، وعينه إلى أذنه، لأنه كامنُ لا يرى شيئاً، فهو ينظر إلى أذني فرسه، فإن رآه قد توحش بهما، تأهب إلى أمره، وأخذ لنفسه الحذر،
وذلك أن أذن الفرس تقوم مقام عينيه، وتقول العرب: أذُنُ الوحشي أصدق من عينيه.
له فَضْلَةُ عن جسمه في إهابهتجيء على صدر رحيب وتذهب
شققتُ به الظلماء أدْنى عِنانَهفيطغى وأُرخيه مِراراً فيلعب
أي إذا جذبت عنانه طغى برأسه لطماحه، وعزةِ نفسه، وإذا أرخيتُ عنانَه لعب برأسه.
وأصْرَعُ أيَّ الوحش قفَّيْتُه بهوأنزِلُ عنه مثلَه حين أركبُ
وقولُه في التوديع:
وإني عنك بعد غد لَغَادٍوقلبي في فِنائك غيرُ غادِ
مُحبك حيث ما اتجهت ركابوضيفك حيث كنتُ من البلاد
وقولُه:
سِرْ حَلَّ حيثُ تَحُله النَوارُوأرادَ فيك مرادَك المقدارُ
وإذا ارتحلت فشيعتْك سلامةُحيث اتجهت وِديمةُ مِدرارُ
وأراك دهرُك ما تحاول في العداحتى كأن صروفَه أنصارُ
أنت الذي بَجِحَ الزمانُ بذكرهوتزينتْ بحديثه الأسمارُ
وقوله في الرفق بالصديق والعنف بالعدو:
إني لأجبنُ عن فِراق أحبتيوتُحِسُّ نفسي بالحِمام فأشجعُ
وَيزيدني غضبُ الأعادي جُرأةويُلِمُّ بي عتبُ الصديق فأجزع
وقوله في حسن الكناية:
تشتكي ما اشتكيتُ من ألم الشوق إلينا والشوقُ حيثُ النحولُ
وإنما كنى عن تكذيبها، ولم يُصرح به، أي أنا أشتكي
الشوق، ونحولي يدل على ذلك، وهي غير ناحلة، فليست مشتاقة.
وقولُه:
عفيفَ ما في ثوبه مأمونَهُأبيضَ ما في تاجه ميمونَه
أي عفيف الفرج، فكنى به.
وقولُه في العيادة:
لا تَعْذلُ المرضَ الذي بك شائقأنت الرجالَ وشائقُ عِلاتِها
ومنازلُ الحمىَّ الجسومُ فقل لناما عذرها في تركها خيراتِها
أي لا عذر للحمى في تركها جسمك، إذ هو أفضل الجسوم.
وقولُه:
قَصِدْتَ من شرقِها ومغربِهاحتى اشتكتك البلادُ والسُّبُلُ
لم تُبق إلا قليلَ عافيةٍقد وفدت تجتديكها العِللُ
وقولُه:
يُجَشمك الزمانُ هوىً وُوداًوقد يُؤذَي من المقة الحبيبُ
وكيف تُعلُّك الدنيا بشيءوأنت لعلة الدنيا طبيب؟
وكيف تنوبُك الشكوى بداءوأنت المستغاثُ لما ينوب
وقولُه: في التهنئة:
المجدُ عُوفي إذ عُوفيتَ والكرمُوزال عنك إلى أعدائك الألمُ
وما أخصك في بُرء بتهنئةإذا سلمتَ فكل الناس قد سَلموا
وقوله:
إنما التهنئاتُ للأكفاءولِمنْ يدَّني من البعداءِ
وأنا منك لا يهنئ عضوبالمسرات سائرَ الأعضاء
وقولُه:
الصومُ والفطرُ والأعيادُ والعُصُرمنيرةُ بك حتى الشمسُ والقمرُ
ما الدهرُ عندك إلا روضةُ أنُفُيا من شمائلهُ في دهره زَهَرُ
ما ينتهي لكَ في أيامه كرمُفلا انتهى لك في أعوامه عُمرُ
فإن حظَّك من تكرارها شرفُوحظُّ غيرك منها النومُ والسَّهَرُ
وقولُه في الشيب:
تغيّر حالي والليالي بحالهاوشبتُ وما شاب الزمانُ الغُرانق
وقولُه:
تُسَوّدُ الشمسُ منا بيضَ أوجُهناولا تُسوّدُ بيضَ العُذْرِ واللِّممَ
وكان حالُهما في الحكم واحدةًلو احتكمنا من الدنيا إلى حَكَم
ومنها حسنُ المقطع، كقوله:
قد شرّف اللهُ أرضاً أنت ساكنُهاوشرَّفِ الناسَ إذ سوّاك إنسانا
وقولِه:
سما بك همِّيَ فوق الهمومفلستُ أعُدُّ يَساراً يساراً
ومن كنتَ بحراً له يا عليّلم يقبل الدرَّ إلا كبارا
وقوله:
أنَلْتَ عبيدك ما أملَّواأنا لك ربُّك ما تأمُلُ
وقوله:
وأعْطِيتَ الذي لم يُعطَ خَلْقعليك صلاةُ ربّك والسلامُ
وقولِه في حسن الحشو:
صلي الإلهُ عليك غيرَ مُوَدَّعوسقىَ ثَرى أبويكَ صَوْبَ غَمامِ
وقولِه:
وتحتقر الدنيا احتقارَ مُجرِّبيرى كلَّ ما فيها وحاشاك فانيا
وقولِه:
إذا خَلَتْ منك حِمْصُ لا خلت أبدافلا سقاها من الوَسَمِي باكرُهُ
ومما أوردهُ له في حسن الحشو البيت المشهور وهو:
إن الثمانين وبُلغتَهاقد أحوجتُ سمعي إلى تَرْجُمان
بشريطة أن يكون لفظ وبلغتها بتاء الخطاب، أما إذا كانت للمتكلم، فليس منه لكن أفادنا المولى المعنون باسمه الشريف
هذا الكتاب أن البيت فيه نظر يظهر بالتأمل. إذا كان بتاء الخطاب، ولم نسمع بهذا النقدمن غيره، أدام الله علوه، وزاد في أوج المعارف سمره، فإنه المولى الذي تقتبس الفضائل من
أنواره، وتغترف الفواضل من تياره، فلا زالت أيامه بالمحامد مشرقة، ولا برحت بحار فضائله بالفوائد مغدقة ما سطح بدرُ العدل، ولمع برقُ الفضل.
النص من طبعة المطبعة العامرة الشرفية بالقاهرة (١٣٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع