من «الصبح المنبي عن حيثية المتنبي» ليوسف البديعي (ت ١٠٧٣هـ)
عداوة الشعراء بئس المقتنى (٣)
واعلم أن حسن الابتداء يجري في الشعر من ذلك ما قيل لكاتب: اكتب إلى الأمير، وعرفه أن بقرة ولدت حيواناً على شكل إنسان، فكتب بعد البسملة: أما بعد حمد الله الذي خلق الأنام، في بطون الأنعام.
ومن ذلك ما كتب أبو إسحاق الصابي عن الخليفة الطائع لله إلى
الأطراف عند عودة إلى كرسي ملكه، وزوال ما نزل به من الأتراك، فقال: الحمد لله ناظم الشمل بعد شتاته، وواصل الحبل بعد بتاته، وجابر الوهن إذا ثلم، وكاشف الخطب إذا أظلم، والقاضي للمسلمين بما يضم نشرهم، ويشد أزرهم، ويصلح ذات بينهم، ويحفظ الألفة عليهم وإن شابت ذلك في
الأحيان شوائب من الحدثان، فلن يتجاوز بهم الحد الذي يوقظ غافلهم، وينسبه ذاهلهم، ثم إنهم عائدون إلى أفضل ما أولاهم الله، وعودهم ووثق لهم، ووعدهم من إيمان سربهم، وإعذاب شربهم وإعزاز جانبهم، وإذلال مجانبهم، وإظهار دينهم على الدين كله ولو كره المشركون.
وإذا نظرت إلى
فواتح السور رأيت من البلاغة والتفتن ما تقصر عن كنه وصفه العبارة كالتحميدات المفتتح بها أوائل السور، وكذا الابتداء بالنداء كقوله في مفتتح سورة النساء: يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة. وفي سورة الحج: الحج: يأيها
الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم، فإن مثل هذا الابتداء مما يوقظ السامعين للإصغاء إليه، وكذا في الابتداء بالحروف نحو الم، حم، مما يبعث على الاستماع والتطلع نحوه، لأنه يقرع السمع شيء غريب ليس بمثله عادة.
ومن بدائع أبي الطيب حسن الخروج
والتخلص كقوله:
مرّتْ بنا بين تِرْبيها فقلت لهامن أين جانس هذا الشادنُ العَرَبا
فاستَضْحكت ثم قالت كالمُغْيث يُرَىليثَ الثَّرَى وهو من عِجْل إذا انتسبا
وقوله أيضاً:
وخَرْقٍ مكانُ العيس منه مكانناُمن العيس فيه واسُط الكُور والظُهر
ويوم وصلناه بِليل كأنماعلى أفقه من بَرْقِه حُلَلُ حُمْرُ
وليل وصلناه بيوم كأنماعلى متنه من دَجْنه حُلَلُ خُضر
وغيث ظننا تحته أن عامراعَلاَ لَمْ يمت أو في السحاب له قبرُ
أو ابنَ ابنِه الباقي علىَّ بنَ أحمديجود به لو لم أجُزْ ويدي صِفر
وقوله:
إذا صلتُ لم أترك مَصالا لفاتكوإن قلتُ لم أترك مقالا العالم
وإلا فخانتْني القوافي وعاقنيعن ابن عبيد الله ضعف العزائم
وقوله:
حدقُ الحسان من الغواني هِجْنَ لييومَ الفراق صبابةً وغليلا
حدقُ يُذِمُّ من القاتل غيرَهابدرُ بنُ عمارِ بنِ إسماعيلا
وقوله:
ولو كنتُ في أسر غيرِ الهوىضَمنتُ ضمانَ أبي وائل
فَدَى نفسهَ بضمان النضمارِوأعطى صدورِ القنا الذبل
ومما جاء من التخلصات الحسنة قوله:
وأوردت نفسي والمهنَّدُ في يديمواردَ لا يُصْدِرن من لايُجالدُ
ولكن إذا لم يحمل القلبُ كفَّهعلى حالة لم تحمل القلبَ ساعدُ
خليليّ إني لا أرى غير شاعرفلِمْ منهمُ الدعْوَى ومني القصائد
فلا تعجبا، إن السيوف كثيرةُولكنّ سيفَ الدولة اليوم واحدُ
هذا هو الكلام الآخذ بعضهُ برقاب بعض ألا ترى أن الخروج إلى مدح الممدوح في هذه الأبيات، كأنه أفرغ في قالب واحد، وهو من بدائعه المشهورة.
وكذلك قوله أيضا، وهو من أحسن ما يأتي به من التخلصات، وهو في قصيدته التائية التي أولها:
سرب محاسنه عَدِمتُ ذواتِهاداني الصفات بعيدُ موصوفاتها
فقال في أثنائها:
ومطالبٍ فيها الهلاكُ أتيتُهاثَبْتَ الجَنان كأنني لم آتها
ومقانبٍ بمقانب غادرتُهاأقواتَ وحش كُنَّ من أقواتها
أقبلُتها غُررَ الجيادَ كأنماأيدي بنيِ عمرانَ في جَبَهاتها
الثابتين فروسةً كجلودهافي ظهرها والطعنُ في َلبّاتها
ومنها:
تلك النفوسُ الغالباتُ على العلاوالمجدُ يَغلبها على شهواتها
سُقِيَتْ منابتها التي سَقَت الورىبِيدَيْ أبي أيوب خيرِ نباتها
فانظر إلى هذين التخلصين البديعين، فالأول خرج به إلى مديح الممدوح، والثاني خرج به إلى نفس الممدوح، وكلاهما قد أغرب فيه كل الإغراب.
وقوله:
نودعهم والبين فينا كأنهقَنا ابنِ أبي الهيجاء في قلب فيلق
وهذا النوع مهم من مهمات البلاغة، وحقيقته: أن يأخذ مؤلف الكلام في معنى من المعاني، فبينما هو فيه إذ أخذ في معنى آخر غيره، وجعل الأول سبباً إليه، فيكون بعضه آخذاً برقاب بعض من غير أن ينقطع كلامه، ويستأنف كلاماً
آخر، بل يكون جميع كلامه كأنما أفرغ إفراغاً وذلك مما يدل على حذق الشاعر، وقوة تصرفه من أجل أن نطاق الكلام يضيق عليه، ويكون متبعاً للوزن والقافية، فلا تواتيه الألفاظ على حسب إرادته.
وأما الناثر فإنه مطلق العنان يمضي حيث شاء، فلذلك يشق التخلص على الشاعر
أكثر مما يشق على الناثر.
ومن بديع ما أتى في هذا الباب ونادرة قول أبي تمام:
يقول في قُومَسِ صحبي وقد أخذتْمنا السُّرَى وخُطا المهرْيَّة القُودِ
أمطلعَ الشمس تبغي أن تَؤُمَّ بنافقلت كلا ولكن مَطلعَ الجودِ
وقوله أيضا في وصف أيام الربيع:
خُلُقُ أطَلَّ من الربيع كأنهخُلُق الإمام وهدُيه المتيسر
في الأرض من عدل الإمام وجودهومن النبات الغض سُرْجِ تُزْهِر
تُنْسى الرياض وما يُروَّض جودُهأبداً على مرّ الليالي يُذْكر
وهذا من ألطف التخلصات وأحسنها.
وكذلك قوله في قصيدته التي أولها: أما الرسوم فقد أذكرن ما سلفا
غيداءُ جاد وَليُّ الحسن سُنَّتَهافصاغَها بيديه روضةً أنُفا
يُضْحى العذولُ على تأنيبه كَلِفابعذرِ مَن كان مشغوفا بها كَلِفا
يجاهد الشوقَ طورا ثم يجذبُهجهادهُ للقوافي في أبي دُلَفا
وهذا أحسن من الذي قبله، وأدخل في باب الصناعة، وكذلك جاء قوله:
زعمت هواك عفا الغداةَ كما عفامنها طُلول باللَّوى ورسومُ
لا والذي هو عالم أن النوىصَبِرُ وأن أبا الحسين كريمُ
ما حُلْتُ عن سَننَ الودادِ ولا غَدَتْنفسي على إلف سِواك تحومُ
وهذا خروج من غزل إلى مديح أغزل منه.
ومن البديع في هذا الباب قول أبي نواس من جملة قصيدته المشهورة التي أولها: أجارةَ بَيْتَنا أبوكِ غيورُ فقال عند الخروج إلى ذكر
المدوح:
تقول التي في بيتها خَفَّ مَرْكبيعزيزُ علينا أن نراك تسير
أمَا دُونَ مصرٍ للغنىَ مُتَطَلبُبلى إن أسباب الغنى لكثيرُ
فقلتُ لها واسَتعْجَلتها بوادرُجرت فجرى في إثرهن عبيرُ
ذريني أكَثر حاسديك برحلةإلى بلد فيها الخصيبُ أميرُ
والشعراء متفاوتون في هذا الباب، وقد يقصر عنه الشاعر
المفلق المشهور بالإجادة في إيراد الألفاظ، واختيار المعاني، كالبحتري، فإن مكانه من الشعر لا يُجهل، وشعره السهل الممتنع الذي تراه كالشمس: قريباً ضوءها بعيدا مكانها، وكالقناة لينا مسها خشنا سنانها، وهو على الحقيقة قينة الشعراء في الإطراب، وعنقاؤهم في الإغراب، مع هذا، فإنه لم
يوفق في التخلص إلى المديح، بل اقتضبه اقتضاباً، وليس له من ذلك إلا اليسير، كقوله في قافية الباء من قصيدة:
وكَفانِي إذا الحوادثُ أظلمْن شِهابا بِغُرَّة ابن شِهاب
وكقوله:
قَصَدتْ لنجرانِ العراقِ ركابناُفطلْبنَ أرحبها مَحلةَّ ماجد
آليتُ لا يَلقَيْن جَداًّ صاعداًفي مطلَب حتى تُنَاخَ بِصاعدِ
وكقوله في قصيدته التي أولها:
حلفت لها بالله يوم التفرق فإنه تشوق فيها إلى العراق من الشام، فوصفت العراق ومنازله ورياضة، فأحسن في ذلك كله، ثم خرج إلى مدح الفتح بن خاقان فقال:
رِباعُ من الفتح بن خاقان لم نزلغِنىً لفقير، أو فكَاكاً لُموثَق
ثم أخذ في مدحه بعد ذلك بضروب من المعاني، وكذلك
ورد قوله في قصيدته التي أولها: ميلوا إلى الدار من ليلى نحييها فإنه وصف البركة فأبدع، ثم خرج منها إلى مدح المتوكل، فقال:
كأنها حين لجت في تدفقهايدُ الخليفة لما سال واديها
وأحسن ما وجد له وهو ما تلطف فيه كل التلطف قوله في قصيدته التي يمدح بها ابن
بسطام ومطلعها: نصيب عينيك من سَحَ وتَسجام فقال عند تخلصه: هل الشباب مُلِمُّ بي فراجعةُ
لو أنه نائل غمرُ يُجادُ بهإذاً تطلبتْه عند ابن بسطام
وله مواضع أخر يسيرة بالنسبة إلى كثرة شعره.
ومما استظرف في هذا النوع قول ابن الزمكدم الموصلي:
وليل كوجِه الَبرْ قَعيديّ ظُلْمةًوبرِد أغانيه وطولِ قُرونِه
سريتُ ونومي عن جفوني مُشَرَّدُكعقل سليمان بن فَهد ودِيِنه
على أوْلَق فيه التفاتُ كأنهأبو جابر في خبطه وجنونه
إلى أن بدا ضوءُ الصباح كأنهسنا وجه قِرواش وضوءُ جبينه
وهذه الأبيات لها حكاية، وذاك
أن شرف الدولة قرواش صاحب الموصل كان جالسا مع ندمائه في ليلة من ليالي الشتاء في جملة هؤلاء الذين هجاهم الشاعر، وكان البرقعيدي مغنياً، وسلمان بن فهد وزيراً، وأبو جابر حاجباً، فالتمس شرف الدولة من هذا الشاعر أن يهجو المذكورين ويمدحه، فذكر هذه الأبيات
ارتجالا، وهي غريبة في بابها، لم يسمع بمثلها، ولم يرض قائلها بصناعة التخلص وحدها، حتى رقي في معانيه المقصودة إلى أعلى منزلة، فابتدأ البيت الأول بهجو البرقعيدي، فهجاه في ضمن مراده، وذكر أوصاف ليالي الشتاء جميعها، وهي الظلمة، والبرودة، والطول، وكذلك البيت الثاني والثالث، ثم خرج إلى المديح بألطف
وجه، وأدق صنعة، وهذا يسمى الاستطراد.
ومما يجري على هذا الأسلوب ما ورد لابن حجاج البغدادي:
ألا يا ماء دِجلَة لستَ تَدريباني حاسدُ لك طول عمري
ولو أني استطعت سَكَرْت سَكْراًعليك فلم تكن يا ماء تجري
فقال الماءُ ما هذا عجيببِمَ استوجبتُه يا ليت شعري
فقلت له لأنك كل يومٍتمر على أبي الفضل بن بشر
تراه ولا أراه وذاك شيءُيضيق عن احتمال فيه صدري
ولا يظن أن هذا الشيء انفرد به المحدثون لما عندهم من الرقة واللطافة، وفات من تقدمهم من العرب لما عندهم من قشف العيش، وغلظ الطبع، بل قد سبق أولئك إلى هذا
الأسلوب، وإن أقلوا منه وأكثر المحدثون، وأي حسن من محاسن البلاغة والفصاحة لم يسبقوا إليه؟ وكيف لا وهم أهله، ومنهم علم، وعنهم فهم، فمما جاء للفرزدق قوله:
وركبٍ كأن الريحَ تطلبُ عندهملها تِرةً من جَذْبها بالعصائب
سَرَوْا يَخبِطون الليل وهي تَلُفهمإلى شُعَب الأكوارِ من كل جانب
إذا آنوا ناراً يقولون ليتهاوقد خَصِرتْ أيديُهم نارُ غالب
فانظر إلى هذا الاستطراد، ما أفحله وأفخمه!.
ومن بدائع أبي الطيب التثبيت بالأعرابيات، كقوله:
مَن الجآذر في زِي الأعاريبحُمرَ الحُليَ والمطايا والجلابيب
إن كنتَ تسأل شكا في معارفهافمن بَلاكَ بتسهيد وتعذيب
سوائرُ ربما سارت هوادجُهامنيعةً بين مطعون ومضروب
أي لشدة الرغبة فيهن، وكثرة الذب عنهن، والمحاربة دونهن.
وربما وَخَدت أيدي المطى بَهاعلى نجيع من الفُرسان مصبوب
كم زورةٍ لك في الأعراب خافيةٍأدهى وقد رقدوا من زورة الذيب
أزورهم وسواد الليل يشفع ليوانثنى وبياض الصبح يغري بي
قد وافقوا الوحشَ في سكني مراتعهاوخالفوها بتقويض وتنطيب
فؤادُ كل محُب في بيوتهمُومالُ كلّ أخيذِ المال محروب
ما أوجهُ الحَضرِ المستحسناتُ بهكأوجه البَدَويات الرعابيب
حسنُ الحضارة مجلوبُ يتطريةوفي البداوة حسنُ غير مجلوب
أفْدِى ظباءَ فلاة ما عَرَفْن بهامَضْغ الكلام ولا صبغَ الحواجيب
ولا برزن من الحمام ماثلةأوراكُهُنَّ صقيلاتِ العراقيب
ومن هوى كلّ من ليستْ مُمَوَّهةتركتُ لونَ مشيي غيرَ مخضوب
ومن هوى الصدق في قولي وعادتهرَغبِت عن شَعَر في الوجه مكذوب
وناهيك بهذه الأبيات جزالة وحلاوة. وله طريقة في وصف
البدويات، وقد تفرد بحسنها فأجاد ما شاء فيها، فمنها قوله:
هام الفؤادُ بأعرابية سكنتْبيتا من القلب لم تَمْدُد له طُنًبا
مظلومةُ القَدّ في تشبيهه غُصُنامظلومةُ الريق في تشبيهه ضَرَبا
وقوله أيضا:
إن الذين وقفْتَ واحتملواأيامهمُ لِديارهم دُوَل
الحسنُ يرحل كلما رحلوامعهم وينزل كلما نزلوا
في مقلَتَيْ رشأ تديرهمابدويةُ فُتِنتْ بها الحِللُ
تشكو المطاعمُ طول هجرتهاوصدودها فمن الذي تصل
يصفها بقلة الأكل وهو محمود فيهن جدا.
ما أسْأرَتْ في القَعبْ من لبنتركَتْهُ وهو المسكُ والعسلُ
قالت: ألا تصحو فقلت لهاأعْلَمْتني أن الهوى ثملُ
وقوله:
ديار اللواتي دارُهن عزيزةُبطول القنا يُحفَظْن لا بالتمائم
حِسانُ التثني يتنقشُ الوشىُ مثلَهإذا مِسْنَ في أجسامهنّ النواعم
وَيَبْسمن عن دُرّ تقلدنَ مثلَهكأن التراقي وُشِحَتْ بالمباسم
ومنها حسن التصرف في سائر
أنواع الغزل، كقوله:
قد كان يمنعني الحياءُ من البكافاليوم يمنعه البكا أن يمنعا
حتى كأن لكل عَظْم رَنةًفي جلده ولكل عرق مَدْمعا
سَفَرت ويَرْقَعها الحياءُ بصفرةسترتْ محاسنهاَ ولم تك بُرْقعا
فكأنها والدمعُ يقطُرُ فوقهاذهبُ بِسِمْطَيْ لؤلؤ قد رصعا
كشفت ثلاثَ ذوائب من شعرهافي ليلة فأرت لياليَ أربعا
واستقبلت قمر السماء بوجههافأرتني القمرين في وقت معا
وهي مما يتغنى بها في المجالس لرشاقتها، وبلاغتها كل مبلغ، من حسن اللفظ، وجودة المعنى، واستحكام الصنعة، وقوله:
كأنما قَدُّها إذا انفتلتْسكرانُ من خمر طَرْفها ثِمل
يجذبها تحت خصرها عَجُزُكأنه من فراقها وجِلُ
وقوله أيضا:
كأن العيِس كانت فوق جفنيمُناخَات فلما سْرن سالا
لبِسْنَ الوشيَ لا مُتجملاتولكن كي يَصُنَّ به الجمالا
وضفَّرْن الغدائرَ لا لِحسُنٍولكن خِفنَ في الشعَّر الضلالا
وهذا من إحسانه المشهور الذي لا يشق غباره فيه.
قال ابن الأثير الجزري: اعلم أني وجدت الأئمة من علماء العربية يقفون مع تقدم الزمان في تفضيل الشعراء، ويتركون النظر في فضيلة أشعارهم في هذا بين أمرين: إما
أنهم لم يحققوا معرفة علم البيان من الفصاحة والبلاغة، ولا نقبوا عن أسرارهما اللفظية والمعنوية، وإما أنهم رأوا أن الفضيلة للزمن، ونسوا قول النبي ﷺ: نحن الآخرون السابقون فضلا، وهذا الحكم يقع في كل من تأخر زمانه وتقدم، وكذلك
أقول: إن في الشعراء من المتأخرين من فاق الأولين، والذي أداني إليه نظر الاجتهاد دون التقليد: أن جريراً والفرزدق والأخطل أشعر ممن تقدم من شعراء الجاهلية، وبينهم وبين أولئك فرق يعيد، وإذا استفتيت قلت: إن أبا تمام والبحتري والمتنبي أشعر من الثلاثة المذكورين، وليس عندي أشعر منهم في
جاهلية ولا إسلام فإن أبا تمام وأبا الطيب قد غاصا على المعاني فعمقا، ودققا، وأتيا بكل غريبة، وأما البحتري فإنه أتى بديباجة السبك التي ليست لغيره، فإن أولئك قالوا ما قالوه في غير تنقيب. ولا تنقير، ولا حفظ، ولا درس، فشذ عنهم الشيء الكثير من المعاني الدقيقة، وأما الألفاظ فإنهم أتوا بمحاسنها
ولم يفتنهم شيء منها، لكنها توجد متفرقة في أشعارهم، وخلطوها بما قبح من الألفاظ، والمتأخرون حصلوا على القسمين معا، لأنهم نقبوا، وحفظوا، ودرسوا، وأتقنوا، فترى الشاعر منهم قد حوى شعره ما تفرق في أشعار كثيرة من شعراء العرب، وإذا أنصف الناظر، وترك التحامل، ثم ترك التقليد، علم أن حرف الميم وحرف
اللام من شعر أبي الطيب المتنبي قد تضمنا من الجيد النادر ما لم يتضمنه شعر أحد الفحول من شعراء العرب، وكأني بسامع قولي هذا، وقد ربا غيظا، ودارت عيناه،) وليس ذلك إلا محض تقليد وجهل بمعرفة أسرار الألفاظ والمعاني (ثم قال: كيفيشبه المتنبي بامرئ القيس، أو من كان في طبقته؟ فأقول: إن كان
لأحدهم رأسان، أو لسانان، أو كان له أربعة أرجل. أو كان النظر إنما هو في تقدم الزمان. فلا شك أن أولئك أشعر، وإن كان النظر إنما هو في الألفاظ والمعاني فلو عاش امرؤ القيس، ثم مات، ثم عاش، لما أداه فكره إلى تدقيق النظر في هذا المعنى الذي أورده المتنبي في قوله:
لو قَلت للدّنِفِ المشُوق فديتُهُ
.. مما به لأغرتَه بِفِدائه
ولا أن يقول في مرثية امرأة:
قد كان كلُّ حجاب دون رؤيتهافما قَنِعْتِ لها يا أرضث بالحُجُبِ
ولا رأيتِ عيونَ الإنس تُدركُهافهل حَسَدْتَ عليها أعينَ الشُّهبُِ
ولا أن يقول في مرثية امرأة أيضا:
وما التأنيث لاسيم الشمس عيبُولا التذكيرُ فخرُ للهلالِ
ولو كان النساء كَمَنْ فَقدنالَفُضلتِ النساءُ على الرجالِ
على أني ما تركت ديوان فحل من فحول الشعراء حتى طالعته، وحفظت منه شيئاً، فلم أجد لأحد منهم في مرائي الناس ما يقرب من هذه الأبيات التي للمتنبي وكذلك يجري الحكم
في المحدثين، فإنهم لم يأتوا بمثلها ولا ما يقرب منها، ومن أين لامرئ القيس لطافة خاطر، يستخرج منها مثل قول المتنبي في السيوف والخوف منها:
واستعار الحديدُ لوْنا وألقىلونه في ذوائِب الأطفال
فإن الشعراء كلهم قد كرروا هذا المعنى، إلا أنهم لم يخرجوا عن أن الخوف يشيب، وإذا بالغوا قالوا: إنه يشيب الطفل،
والمتنبي لم يقل كما قالوا، وإنما تلطف في هذا المعنى فابرزه في صورة عجيبة كما ترى، وكذلك لا يستطيع الشاعر العربي أن يصف الجيش فيقول:
صدمتَهم بخميس أنتَ غُرّتُهوَسْمهريتُه في وجهه غَمَمُ
فكان أثْبتَ ما فيهم جسومُهمُيسقطنْ حولك والأرواحُ تنهزمُ
ولو لم يكن للمتنبي سوى هذين
البيتين لاستحق بهما فضيلة التقدم على الشعراء، ولذلك قال في هذه القصيدة، وقد حلف ابن الدمستق والبطاريق أن يلقوا سيف الدولة:
أين البطاريقُ والحَلْفُ الذي حَلَفُوابِمَفرقِ الملْك والزعمُ الذي زعموا
وَلىَّ صوارمه إكذابَ قولهمُفهن ألسنةُ أفواههاُ القِمَمُ
نواطقُ مخبراتُ في جماجِمهمْعنه بما جهلوا منه وما علموا
وقد غربلت الأشعار قديمها ومحدثها، وتأملتها تأمل المنتقد، فما وجدت لشاعر ما لأبي تمام ولأبي الطيب في باب المعاني ولا ما لأبي عبادة البحتري في باب الألفاظ فمن قلدني في ذلك فقد أصاب، وطرح عن نفسه ثقل التنقيب والتنقير. ومن خالفني عن
علم ومعرفة فليتأمل من الأشعار ما تأملته حتى يعلم ما علمته، وإن كان جاهلاً بهذا الفن فليدرج في عشه، فليس منه ولا إليه، ومن الناس من يزعم أنه ليس لأبي تمام ولا للمتنبي من الغزل شيء يروق ولا يحسن. وهذا القول لا يصدر إلا عن تعصب أو جهل، وأي غزل أحلى وأعذب وأرق من قول أبي تمام:
أنت في حِل فزدني سقَمَاأَفْن جسمي واجعل الدمع دما
وارضَ ليِ الموتَ بِهَجْرِيكَ فإنألِمتْ نفسي فزدها ألما
محنة العاشق ذلُّ في الهوىفإذا استودُعِ سراّ كَما
ليس منا من شكا علتهمن شكا ظُلْمَ حبيب ظلما
وهل لكثير من المتقدمين
أو لابن الدمينة أرق من هذه الأبيات؟ وكذلك ورد قوله في طيف الخيال:
استزارتهْ فكرتي في المنامفأتاني في خُفيةٍ واكتتام
الليالي أحْفى بقلبي إذا ماجرحته النوى من الأيام
يا لها لذةً تنزهت الأرواح فيها سراًّ من الأجسام
مجلس لم يكن لنا فيه عيبغير أنا في دعوة الأحلام
وهذه الأبيات لم يؤت في الطيف بأدق منها ولا أسلس. وكذلك قوله أيضاً:
شبيه الخد بالتفاح والريقة بالخمر
بديع الحسن قد أُلفَ من شمس ومن بدرِ
له وجه إذا أبصرْته ناجاك عن عُذر
وكذلك قوله:
يا لابساً ثوبَ الملاحة أبْلِهِفَلأَنْتَ أولى لابسيه بلُبْسهِ
لم يعطك الله الذي أعطاكهحتى أضر ببدره وبشَمسه
مولاك يا مولاي صاحبُ لوعةٍفي يومه وصَبابه في أمسه
دَنِفُ يجود بنفسه حتى لقدأمسى ضعيفاً أن يَجُود بنفسه
وهذه الأبيات أرق من كل شعر رقيق.
وله من الغزل في مبادي القصائد شيء كثير، كقوله في مطلع قصيدته اللامية:
أجلْ أيها الربعُ الذي خفَّ آهِلهُلقد أدركتْ فيك النوى ما تحاولْه
وقفتُ وأحشائي منازلُ للأسىبه وهْو قَفْرُ قد تعفَّتْ منازلهْ
أسائلكم ما بالهُ حَكَمَ البِلىعليه وإلا فاتركوني أسائله
دعا شوقه يا ناصرَ الشوقِ دعوةًفَلَبَّاه طَلُّ الدمعِ يجري ووابلهْ
بيوم يريك الموتَ في صورة النوىأواخرهُ من حسرةٍ وأوائلُهْ
وكذلك قوله في مطلع قصيدته
التي أولها: إن عهداً لو تعلمين ذميما.
إلى أن قال:
قد مررنا بالدار وهي خَلاءفبكينا أطلالَها والرسوما
وسألنا ربوعها فانصرفنابشفاء وما سألنا حكيما
كنت أرعى البدور إذا مافارقوني أمسيت أرعى النجوما
وكذلك قوله من قصيدة:
يا موسمَ اللذاتِ غالتْك النَوىبعدي فربعُك للصبابة موسمُ
ولقد أراكَ من الكواعب كاسيافاليوم أنت من الكوعبُ محرم
لحظتْ بَشاشتَك الحوادثُ لحظةًما زلتُ أعلم أنها لا تسلم
أين التي كانت إذا شاءت جرىمن مقلتي دمعي يُعصفره دم
بيضاء تسرى في الظلام فيكتسينوراً وتبدو في الضياء فيُظلم
ولو أتيت بما له من الأغزال لأطلت.
وهكذا يجري الحكم فيما للمتنبي من الغزل الرقيق كقوله في قصيدته التي مطلعها:
القلب أعلم يا عذولُ بدائهوأحق منك بجفنه وبمائِه
أأحبه وأحب فيه ملامةًإن الملامة فيه من اعدائه
مهلا فإن العذْل من أسقامهوترفُّقاً فالسمعُ من أعضائه
لا تعذُلِ المشتاقَ في أشواقهحتى يكون حشاك في أحشائه
إن المحبَّ مُضَرَّجاً بدموعهمثلُ القتيل مضرجا بدمائه
وكذلك قوله وهو مما لا يؤتي في الغزل بمثله:
ليس القِبابُ على الركاب وإنماهن الحياةُ تَرحَّلتْ بسلام
أرواحنا انهملت وعشنا بعدهامن بعد ما قَطِرت على الأقدام
لو كُنَّ يوم جَرَيْن كَنَُّ كصبرنايوم الرحيل لَكُنَّ غير سِجام
ومن بدائعه حسن التشبيه بغير أداة كقوله:
بدت قمراً ومالت غصنَ بانوفاحت عنبراً ورنت غزالا
وقوله:
ترنو إلىّ بعين الظبي مُجْهشةٍوتمسح الطَّلَّ فوق الورد بالعَنَمِ
وقوله:
قمرا ترى وسحابتين بموضعمن وجهة ويمينه وشماله
وقوله:
أعارني سُقْمَ عينيه وحملنَّيمن الهوى ثقْل مَا تحوى مآزرهُ
وقوله:
عرفتُ نوائَبَ الحِدْثانِ حتىلو انتسبتْ لَكنتُ لها نقيبا
وقوله:
وأتيتَ معتزماً ولا أسدُومضيتَ منهزما ولا وَعِلُ
وقوله:
خرجن من النقَّعْ في عارضومن عرق الركْض في وابل
وقوله:
وجيادِ يدخلن في الحرب أعراءً ويخرجن من دم في جلال
واستعار الحديدُ لونا وألقىلونَه في ذوائب الأطفالَ
ومنها الإبداع في سائر التشبيهات والتمثيلات كقوله في السهر:
وإن نهاري ليلةُ مدلَهمَّةُ
.. على مقلة من فقدكم في غياهب
بعيدةِ ما بين الجفون كأنماعقدتْم أعالي كل هدبُ بحاجب
قال ابن جني: هذا من قول بشار:
جفت عيني عن التغميض حتىكأن جفونَها عنها قصار
وذكر القاضي أنه مأخوذ من قول الطرمي في رطانة:
ورأسيَ مرفوعُ إلى النجم كَنَّما
.. قفاي إلى صُلبي بخيطُ مَخيَّط
وقوله:
كأن سهادَ الليل يعشَق مُقلتيفبينهما في كل هجر لنا وصلُ
وقوله:
رأيت الحُمَيَّا في الزجاج بكفهفشبهتها بالشمس والبدر في البحر
وقوله في الحمى:
وزائري كأن بها حياءًفليس تزور إلا في الظلام
بذلتُ لها المطارفَ والحشايا
.. فعافتها وباتت في عظامي
يضيق الجلْدُ عن نفسيَ وعنهافتُوسعهُ بأنواع السَّقام
إذا ما فارقتْني غسَّلْتنيكأنا عاكفان على حرام
كأن الصبح يطردها فتجريمدامعها بأربعة سجام
أراقب وقَتها من غير شوقمراقَبة المِشُوق المستهام
ويَصدق وعدُها والصدق شرُّ
.. إذا ألقاك في الكُربَ العظام
أبنْتَ الدهر عندي كل بنتٍفكيف خَلَصْت أنتِ من الزحام
جرحتِ مُجَرَّحا لم يبق فيهمكانُ للسيوف ولا السهام
ألا يا ليت شعرَ يدي أتمسىتَصَرَّفُ في عنان أو زمام
وهل أرمي هواي براقصاتٍمُحَلاَّة المقاود باللُّغام
وربّتما شفيتُ غليل صدريًبسير أو قناة أو حُسام
وضاقت خُطة فخلصت منهاخَلاص الخمر من نسج الفدام
وهذا أحسن ما قيل في وصف محنة نهكت صاحبها واشتدت به، ثم عاد إلى حال السلامة وقد هذبته تلك الحال، وزادته صفاء وسهولة.
وفارقت الحبيب بلا وَداعوودعتُ البلاد بلا سلام
يقول لي الطبيب أكلتَ شيئاًوداؤك في شرابك والطعام
وما في طبه أني جوادُأضرَّ بجسمه طولُ الجِمام
تعودّ أن يُغَّبر في السراياويدخل من قَتام في قتام
فأُمسكَ لا يُطال له فيرعىولا هو في العليق ولا اللجام
فإن أمرَض فما مرض اصطباريوإن أُحْمَمْ فما حُمّ اعتزامي
وإن أسْلَمْ فما أبقى ولكنسلمتُ من الحمام إلى الحمام
وقوله وهو مما لم يسبق إليه:
كريم نفضتُ الناس لما لَقيتهُكأنهمُ ما جَفَّ من زاد قادم
وكاد سروري لا يفي بندامتيعلى تركه في عمريّ المتقادم
ومن بدائع أبي الطيب قوله في وصف الظبي:
أغناه حسنُ الجِيدِ عن لُبس الُحليوعادُة العُرْى عن التَّفَضُّل
كأنه مُضَمَّخُ بصَنْدَلِ وقوله:
رضُوا بك كالرضا بالشَّيْب قَسراًوقد وَخَط النواصِيَ والفُروعا
وقوله في وصف الشعر:
إذا خلعتَ على عرض له حُلَلاوجدتها منه في أبهى من الحلل
بذي الغباوة من إنشادها ضررُكما تَضُرُّ رياح الوردِ بالْجُعَل
قيل إن أبا الطيب لما أنشد سيف الدولة قصيدته:
أجاب دمعي وما الداعي سوى طللِدعا فلَّباه قبل الركب والإبل
وناوله نسختها وخرج، فنظر سيف الدولة فيها حتى انتهى إلى قوله:
يأيها المحسنُ المشكورُ من جهتيوالشكرُ من قبل الإحسان لا قبلي
أقلْ أنلْ أقْطع احْملْ عَلَّ سَلَّ أعدْزِدْ هَشَّ بَشَّ تفضلْ أَدْن سُرَّ صِلِ
فوقع تحت أقل: أقلناك، وتحت أنل: يحمل إليه من الدراهم كذا، وتحت أقطع: أقطعناك
الضيعة الفلانية - ضيعة بباب حلب - وتحت احمل: يقاد إليه الفرس الفلاني، وتحت على: قد فعلنا، وتحت سل: قد فعلنا فاسل وتحت أعد: أعدناك إلى حالك من حسن رأينا، وتحت زد: يزاد كذا، وتحت تفضل: قد فعلنا، وتحت أدن: قد أدنيناك، وتحت سر: قد سررناك. قال ابن جني:
قد بلغني عن المتنبي أنه قال: إنما أردت سر من السرية فأمر له بجارية، وتحت صل: قد فعلنا. قال: وحكى لي بعض إخواننا أن المعقلي كان حاضراً بحضرته، وهو شيخ ظريف، قال له وقد حسد المتنبي على ما أمر له به: يا مولانا قد فعلت في كل شيء سألكه، فهلا قلت له لما قال: هش بش هه هه هه يحكى الضحك، فضحك سيف الدولة، وقال له:
ولك أيضا ما تحب، وأمر له بصلة. قال القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز في كتاب الوساطة إن أبا الطيب المتنبي نسج على منوال ديك الجن حيث قال:
احْلُ وامْرُر وضُرَّ وانْفَعْ ولنْ وأخْشُنْ وَرِشْ وابْرِ وانْتَدب للمعالي
ومن هذه القصيدة قوله:
بالشرق والغرب أقوام نحبهمُفطالعاهم وكونا أبْلغَ الرُّسُل
وعرفاهم بأني في مكارمهأقلب الطَّرْفَ بين الخيل والخَوَل
وشتان بين حالته هذه وبين الحال التي قال فيها حين كان يتجشم أسفاراً أبعد من آماله، ويمشي في مناكب الأرض، يطوي المراحل والمناهل، ويضرب الجراب على
صفحة المحراب، ولا مطية له إلا الخف والنعل.
لا ناقتي تقبل الرديف ولابالسوط يوم الرهان أجهدها
شراكُها كُورها ومشْفرُهازمامها والشسوعُ مقودُها
وهذا المعنى مأخوذ من قول أبي نواس:
إليك أبا العباس من بين من مشىعليها امتطينا الحَضْرميَّ المُلَسنا
قلائصَ لم تعرف حنيناً على طَلاًولم تَدْرِ ما قرْعُ الفَنيق ولا الهِناَ
وكما قال في شكوى الدهر، ووصف الخوف:
أظتْنيَ الدنيا فلما جئتهامُستسقيا مَطَرَتْ على مصائبا
وحُبِيتُ من خوُض الركاب بأسودمن دارشٍ فغدوتُ أمشي راكبا
وكما قال في الاعتداد بالراحلة والقدرة على الرجلة:
ومَهْمَهٍ جُبْتُه على قدميتعجزُ عنه العرامسُ الذُّلُلُ
إذا صديقُ نَكرْتُ جانبهَلم تُعيني في فراقه الحيَلُ
في سَعة الخافقَيْن مُضْطربُوفي بلاد من أختها بَدَلُ
وكان قبل اتصاله بسيف الدولة يمدح البعيد والقريب، ويصطاد ما بين الكركي إلى العندليب.
ويحكى أن علي بن منصور الحاجب لم يجزه على قصيدته التي أولها:
بأبي الشموسُ الجانحات غواربااللابساتُ من الحرير جلابيا
ومنها:
يستصغر الخطر الكبير لوَفْدهوَيظنُّ دجلةَ ليس تكفي شاربا
إلا ديناراً واحدا، فسميت الدينارية: ولما انخرط في سلك سيف الدولة، ودرت له أخلاف الدنيا على يده كان من
قوله فيه:
تركت السُّرى خلفي لمن قلّ مالهُوأنعلتُ أفراسي بنُعماك عسجدا
وقيدت نفسي في ذَراك محبةًومن وجد الإحسان قيداً تقيدا
ومن بدائع أبي الطيب قوله:
وإنما نحن في جيل سواسيةشَرًّ على الحر من سُقْم على بدن
حولي بكل مكان منهم خِلَقُتُخطِي إذا جئت في استفهامها بمَن
من إنما يستفهم بها عمن يعقل: يقول هؤلاء كالبهائم، فقولي لهم من أنتم خطأ، إنما ينبغي أن يقال. لهم: ما أنتم؟ لأن موضع ما لما لا يعقل.
ويحكى أن جريراً لما قال:
يا حبذا جبلُ الريان من جبلوحبذا ساكن الريان من كانا
قال له الفرزدق، ولو كان ساكنة قروداً، فقال له جرير لو أردت هذا لقلت: ما كان، ولم أقل: من كان.
ومن بدائع المتنبي التمثيل بما هو من جنس صناعته، كقوله: نِتاج رأيك في وقت على عجل كلفظ حرف وعاه سامعُ فَهم وقوله:
من اقتضى بسوى الهنديّ حاجتهأجاب كلَّ سؤال عن هَلٍ بِلمَ
وقوله:
أمضى إرادتَه فسوف له قَدُواستقرب الأقصى فمَّ به هنا
سوف للاستقبال، وقد موضوعة للمضي، ومقاربة الحال، يقول: إذا نوى أمراً فكأنما يسابق نيته.
وقوله:
دون التعانق ناحلِين كَشَكْلتَيْنصب أدقَّهمُا وضَمَّ الشاكلِ
وقوله:
ولولا كونُكمْ في الناس كانواهُرَاءً كالكلام بلا معانِ
وقوله:
قُشَيرُ وبَلْعَجْلانِ فيها خفيةًكراءَين في ألفاظ ألثغ ناطق
وقوله:
إذا كان ما تنويه فعلا مضارعاًمضى قبل أن تُلقى عليه الجوازمُ
يقول إذا نويت فعلا أوقعته قبل فوته، وقبل أن يقال لم يفعل، وإن يفعل.
ومن بدائع أبي الطيب: المدح الموجه،
كالثوب له وجهان، ما منهما إلا حسن، كقوله:
نهبتَ من الأعمار ما لوحويتَهلُنئتِ الدنيا بأنك خالدُ
قال ابن جني: لو لم يمدح أبو الطيب سيف الدولة إلا بهذا البيت وحده لكان قد بقى فيه لا يخلقه الزمان، وهذا هو المدح الموجه، لأنه بنى البيت على ذكر كثره ما استباحه من أعمار
أعدائه، ثم تلقاه من آخر البيت بذكر سرور الدنيا ببقائه، واتصال أيامه.
وكقوله:
عْمُر العدِوّ إذا لاقاه في رَهَجٍأقلُّ من عمر ما يحوي إذا وهبا
مالُ كأنَ غرابَ البين يرقُبُهفكلما قيل هذا مُجْتَد نَعباَ
وقوله:
تشرق تيجانُه بغرتهإشراق ألفاظه بمعناها
وقوله:
تشرق أعراضُهم وأوجُهُهمكأنها في نفوسهم شِيمَ
وقوله:
إلى كم تَرُدُّ الرسْلَ عما أتواْ لهكأنهم فيما وهبتَ ملامُ
وقوله:
يخيلَّ لي أن البلاد مسامعيوأنيَ فيها ما تقول العواذل
وقوله:
كأن ألسنهم في النطق قد جُعلتْعلى رماحهم في الطَّعْن خُرْصانا
ومن بدائع أبي الطيب حسن التصرف في مدح سيف الدولة، فإنه أخرجه في مخارج لطيفة كقوله:
لقد رفع الله من دولةلها منك يا سيفَها مُنْصُل
وقوله:
لولا سَمِىُّ سيوفِه ومضاؤهلما سُلِلْنَ لَكُنَّ كالأجفان
وقوله:
عزاءَك سيفَ الدولة المقتدى بهفإنك نصل والشدائد للنصل
وقوله:
يُسمىْ الحسامَ وليست من مُشاَبهةٍوكيف يشتبه المخدوم والخدم
وقوله:
كلُّ السيوف إذا طال الضراب بهايمسها غير سيف الدولة السَّأمُ
وقوله:
تُهابُ سيوفُ الهند حدائدُفكيف إذا كانت نِزَارِيَّةً عُربا
وقوله:
تحيرّ في سيف ربيعةُ أصلهُوطابِعه الرحمنُ والمجدُ صاقلُ
وقوله:
قلدّ اللهُ دولةً سيفها أنت حُساماً بالمكرماتُ مَحَّلى
فإذا اهتز للندى كان بحراوإذا اهتز للعِدا كان نصلا
وقوله:
وأنت حُسم الملك والله ضاربُوأنتَ لِواءُ الدين والله عاقدُ
وقوله:
لقد سل سيفُ الدولة المجد مُعْلمافلا المحدُ مُخفيه ولا الضرب ثالمْه
على عاتق المَلكِ الأغَرّ نِجادُهوفي يد جبار السموات قائمه
وإن الذي سمى عليا لمنصفُوإن الذي سماهُ سيفا لَظاله
وما كل سيف يقطع الهام حدُّهوتقطع لَزْباتِ الزمان مكارمهُ
وقوله:
إن الخليفة لم يُسمَّكَ سيفهَحتى بلاك فكنتْ عينَ الصارم
وإذا تَتَوجَ كنت دُرة تَاجهِوإذا تختم كنتَ فص الخاتَم
وقوله:
مَن للسيوف بان تكونَ سميَّهافي أصله وفِرِنده ووفائِه
طبع الحديد فكان من أجناسهوعلىُّ المطبوعُ من آبائه
وقوله:
عيب عليكُ تُرى بسيف واحدما يصنع الصَّمصامُ بالصَّمصام
وقوله:
اتحسب بيضُ الهند أصلَك أصلَهاوأنك منها ساء ما تَتَوهم
إذا نحن سميناك خِلنا سيوفَنامن التيِه في أغمادها تتبسمُ
ومن بدائعه سِنان قناته وبنانهُيتباريان دَماً وعَرْفا ساكبا
كالبدر من حيث التفتَّ رأيتهيُهدي إلى عينيك نورا ثاقبا
كالشمس في كبد السماء وضوءها
.. يَغشىَ البلادَ مشارقا ومغاربا
كالبحر يقذف للقريب جواهراجُرداً ويبعث للبعيد سحائبا
وقوله أيضا:
ليس التعجبُ من مواهب ما لهبل من سلامتها إلى أوقاتها
عجبا له حفظُ العنان بأنملما حفظُها الأشياءَ من عاداتها
لو مرَّ يركضُ في سطور كتابهِأحصى بحافر مُهره مِماتها
كرمُ تَبيَّن في كلامك مائلاًوَبين عئِق الخيل في أصواتها
أعيازَ والكث عن محل نلتَهلا تخرج الأقمار من هالاتها
ذكر الأنام لنا فكان قصيدةًكنت البديعَ الفردَ من أبياتها
وقوله:
وما زلتُ حتى قادني الشوق نحوهَيسايرني في كل رَكب له ذكرُ
وأستكبر الأخبارَ قبل لِقائهفلما التقينا صغر الخَبَر الخُبْرُ
هذا ضد قولهم تسمع بالمعيدي لا أن تراه.
ومنها:
أزالت بك الأيام عَتْبى كأنمابَنوها لها ذنبُ وأنت لعا عذرُ
وقوله:
ألا أيها المالُ الذي قد أبادهتَعَزّ فهذا فعلهُ بالكتائبِ
لعلك في وقت شَغلتَ فؤادهعن الجواد أو كثَّرتَ جيشَ مُحاربِ
وقوله:
بعثوا الرعَب في قلوب الأعاديفكأنَّ القتال قبلَ التلاقي
وتكاد الظُّبا لما عودوهاتَنْضى نفسَها إلى الأعناق
كل ذمرْ يزيدُ في الموت حُسْناًكبدور تمامُها في المحاق
كرمُ خَشَّن الجوانب منهموهو كالماء في الشفار الرّقاق
ومَعَالٍ إذا ادَّعاها سواهملزمته جِنايَةُ السرَّاقِ
وقوله أيضا:
قومُ بلوغ الغلام عندهمُطعنُ نُحُورِ الكُماة لا الحُلُمُ
كأنما يولد الندى معهملا صِغَرُ عاذِرُ ولا هَرَمُ
إذا تولَّوا عداوةً كشفواوإن تولَّوا صنيعة كتموا
تظن من فَقدك اعتدادهُمأنهمو أنعموا وما علموا
إن بَرَقوا فالحُتوفُ حاضرةُأو نَطَقوا فالصواب والحِكمُ
أو شهدوا الحربَ لاقحا أخذوامن مُهج الدارعين ما احتكموا
أو حَلَفوا بالغَموُسِ واجتهدوافقولهم خاب سائلي القْسَمُ
أو ركبوا الخيل غيرَ مُسرجةٍفإن أفخاذهم لها حُزُمُ
تُشرق أعراضهم وأوجههمكأنها في نفوسهم شيمُ
أعيذكمُ من صروف دهركُمُفإنه في الكرام مُتَّهمُ
وقوله:
فلما رأوه وحده دون جيشهدَرَوْا أن كل العالمين فُضولُ
وأوردهم صدرَ الحِصانِ وسيفَهُفَتىً بأسُه مثلُ العطاء جزيلُ
جوادُ على العِلات بالمال كلِهولكنه بالدارعين بخيل
وقوله:
أرى كلَّ مُلْك إليك مصيرهُكأنك بحرُ والملوك جداول
إذا مطرتْ منهم ومنك سحابةفوابُلُهم طَل وطلك وابلُ
وقوله:
ودانت له الدنيا فأصبح جالساوأيامُه فيما يريد قِيامُ
وكلُّ أناس يَتْبعون إمامَهموأنت لأهل المكرمات إمام
ورُبَّ جواب عن كتاب بعثتَهوعنوانُه للناظرين قَتَامُ
وقوله:
هُمُ المحسنون الكرَّ في حومة الوغىوأحسن منه كرهم في المكارم
ولولا احتقار الأسد شبهتها بهمولكنها معدودةُ في البهائم
وقوله:
أغَرُّ أعداؤه إذا سلموابالهرب استكثَروا الذي فعلوا
إنك من معشر إذا وَهبواما دون أعمارهم فقد بَخِلوا
كتيبةُ لستَ رَبَّها نَفَلوبلدةُ لست حَلْيَها عُطُل
وقوله:
لو كفر العالَمون نعمتهَلما عَدَتْ نفسهُ سجاياها
كالشمس لا تبتغي بما صنعتمنفعةً عندهم ولا جاها
ومن بدائع أبي الطيب المتنبي مخاطبة الممدوح من الملوك بمثل مخاطبة المحبوب والصديق مع الإحسان والإبداع، وهو مذهب له، مفرد به، واستكثر من سلوكه اقتداراً منه وتبحراً في الألفاظ والمعاني، ورفعا لنفسه عن درجة الشعراء، وتدريجياً لها إلى مماثلة
الملوك، كقوله لكافور:
وما أنا بالباغي على الحبّ رِشوةًضعيفُ هَوىً يُبغي عليه ثوابُ
وما شئتُ إلا إن أذلَّ عواذليعلى أن رأيي في هواكَ صواب
وأعلم قوما خالفوني وشرقواوغربت إني قد ظفرت وخابوا
إذا نلتُ منك الود فالمال هينوكلُّ الذي فوق التراب تراب
وقول فيه:
ولو لم تكن في مصر ما سرتُ نحوهابقلب المشوق المستهام المعذب
وقوله لابن العميد:
تفضلت الأيام بالجمعِ بيننافلما حَمِدْنا لم تُدِمْنا على الحمد
فَجُدْ لي بقلب إن رحلتُ فإننيمُخَلَّفُ عند مَن فضله عندي
وقوله لسيف الدولة:
مالي أكتمّ حباً قد برى جسديوتدَّعى حبَّ سيف الدولة الأممُ
إن كان يجمعنا حبُّ لِغُرَّتهفليتَ أنا بقدرِ الحبّ نقتسم
يا أعدل الناس إلا في معاملتيفيك الخصامُ وأنت الخَصْم والحَكمَ
إذا رأيتَ نُيوب الليث بارزةفلا تَظُنَّن أن الليثَ يبتسم
يا مَن يعزُّ علينا أن نفارقَهموجدانُنا كلَّ شيء بعدكم عَدَم
ما كان أخْلَقنا منكم يتَكرْمةلو أن أمركمْ من أمرنا أمَمُ
إن كان سرَّكمُ ما قال حاسدُنافما الجرح إذا أرضاكُمُ ألمَُ
وبيننا لو رعيتمُ ذاك معرفةإن المعارفَ في أهل النهى ذممُ
كم تطلبون لنا عيباً فيعجزكموالله يكره ما تأتون والكرمُ
ليت الغمامَ الذي عندي صواعقهُ
.. يُزيلهن إلى من عنده الدّيَمُ
أرى النَّوى تقتضي كلَّ مرحلةلا تستقل بها الوخَّادة الرّسمُ
لئن تركن ضُميرا عن ميامنناليَحدْثَنَّ لمنْ ودعتُهم نَدَم
إذا ترحلتَ عن قوم وقد قَدرواألا تفارقهم فالراحلون هُمُ
شر البلاد بلادُ لا صديق بهاوشر ما يَكْسبُ الإنسانُ ما يَصمُ
وشر ما قنصته راحتي تَنَصُشُهْبُ البُزَاةِ سواء فيه والرَّخَم
ومن بدائع أبي الطيب استعماله ألفاظ الغزل والنسيب في أوصاف الحرب والجد، وهو أيضا مما لم يسبق إليه، وتفرد به، فأظهر فيه الحذق بحسن النقل، وأعرب عن جودة التصرف والتلعب بالكلام كقوله:
أعلى الممالك ما يُبنى الأسَلوالطعن عند مُحبيهنَّ كالقُبلِ
وقوله وهو من فرائده:
شجاع كأن الحربَ معشوقةُ لهإذا زارها فَدّتْه بالخيل والرَّجْلِ
وقوله:
وكم رجال بلا أرض لكثرتهمتركتَ جمعهمُ أرضا بلا رَجُلِ
ما زال طِرْفك يجري في دمائِهمحتى مشى بك مشى الشارب الثَّملِ
وقوله:
والطعْنُ شَزْرُ والأرض راجفةُكأنما في فؤادها وَهَلُ
قد صَبغتْ خدّها الدماءُ كمايَصبغُ خدَّ الخريدة الخَجَلُ
والخيل تبكي جلودُها عرقابأدمعِ ما تَسُحها مُقَلُ
وقوله:
تعودّ ألاَّ تَقْضَمَ الحبَّ خيْلهُإذا الهامُ لم ترفع جُنوبَ العلائق
ولا تَرَد الغُدرانَ إلا وماؤهامن الدّم كالريحان تحت الشقائق
وقوله:
فأتتْك داميةَ الأظَلّ كأنماحُذيِتْ قوائمها العقيقَ الأحمراَ
وإذا الحمائلُ ما يَخِدنْ بِنَفنَفٍإلا شَققْنَ عليه بُرُدا أخضرا
وقوله:
قد سَوّدتْ شجرَ الجبال شعورهمفكأنّ فيه مُسِفَّةَ الغربان
وقوله:
وجرى على الورق النَّجيعُ القانيفكأنه النارَنْجُ في الأغصانِ
وقوله:
حمى أطرَاف فارس شمَّريُّيحض على التباقي بالتفاني
بضرب هاج أطرابَ المناياسوى ضربِ الثالثِ والمثاني
كأن دم اللجماجم في العناصيكسا البُلدانَ ريشَ الحيْقُطان
فلو طرحت قلوبُ العشق فيهالما خافت من لَخدقِ الحسانِ
وقوله: كرعنَ بِسبِتٍ في إناء من الوردِ ومن بدائعه حسن التقسيم: حكى أبو القاسم الآمدي في كتاب الموازنة بين شعري الطائيين، قال: سمع بعض الشيوخ من نقدة الشعر قول العباس بن الأحنف:
وصالكُم هجرُ وحبكمُ قِليًوعطفكُم صدَّ وسلمكُم حربُ
وأنتم بحمد الله فيكم فظاظةُوكلُّ ذلول من مراكبكُم صعبُ
فقال: هذا والله أحسن من تقسيمات إقليدس وقول أبي الطيب في هذا الفن أولى بهذا الوصف وهو:
ضاق الزمانُ ووجهُ الأرض عن مَلكِمِلء الزمان ومِلءِ السهل والجبلِ
فنحن في جَذَل والرومُ في وَجَلوالبرُّ في شُغُل والبحرُ في خَجَلِ
النص من طبعة المطبعة العامرة الشرفية بالقاهرة (١٣٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع