تجاوز إلى المحتوى

من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)

النّعام

قالوا في الظّليم: إن الصيف إذا أقبل وابتدأ البسر في الحمرة ابتداء

لون وظيفيه»

بالحمرة ولا يزالان يتلوّنان ويزدادان حمرة إلى أن تنتهي حمرة البسر، ولذلك قيل له: خاضب. وفي الظليم: إنّ كل ذي رجلين إذا انكسرت إحدى رجليه قام على الأخرى وتحامل على ظلع غيره فإنه إذا انكسرت إحدى رجليه جثم، ولذلك قال الشاعر في نفسه وأخيه:

فإنّي وإيّاه كرجلي نعامةعلى ما بنا من ذي غنى وفقير

يقول: لا غنى بواحد منّا عن الآخر. وقال آخر:

إذا انكسرت رجل النعامة لم تجدعلى أختها نهضا ولا باستها حبوا

قالوا: وعلّة ذلك أنه لا مخّ له في ساقيه، وكلّ عظم فهو ينجبر إلا عظما لا مخّ فيه؛ وزماخر الشّاء لا تنجبر؛ قال الشاعر:

أجدّك لم تظلع برجل نعامةولست بنهّاض وعظمك زمخر

أي أجوف لا مخّ فيه. والظليم يغتذي المرو والصّحر فتذيبه قانصته بطبعها حتى يصير كالماء؛ قال ذو الرمّة يذكره:

ألهاه آء وتنّوم وعقبتهمن لائح المرو والمرعى له عقب
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ما بال عينك منها الماء ينسكب»

قال أبو النجم:

والمرو يلقيه إلى أمعائهفي سرطم هاد على التوائه
للشاعر أبو النجم العجلي، اقرأ القصيدة

والظليم يبتلع الجمرة وربما ألقي الحجر في النار حتى إذا صار كأنّه جمرة قذف به بين يديه فيبتلعه وربما ابتلع أوزان الحديد. وفي النعامة إنها أخذت من البعير المنسم والوظيف والعنق والخزامة؛ ومن الطائر الرّيش والجناحين والمنقاعر فهو لا بعير ولا طائر؛ وقال أوس بن حجر:

وتنهى ذوي الأحلام عنيّ حلومهموأرفع صوتي للنّعام المخزّم

جعله مخزّما للخرقين اللذين في عرض أنفه في موضع الخزامة من البعير. قال يحيى بن نوفل:

ومثل نعامة تدعى بعيراتعاصينا إذا ما قيل طيري
فإن قيل احملي قالت فإنيمن الطير المربّة في الوكور

وتقول العرب في المثل: هذا «أموق من نعامة» وذلك أنها ربما خرجت

لطلب الطّعم فمرّت ببيض نعامة أخرى فحضنته وتركت بيضها؛ ولذلك قال الشاعر وهو ابن هرمة:

وإني وتركي ندى الأكرمينوقدحي بكفي زندا شحاحا
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «تعلقتها وإناء الشباب»
كتاركة بيضها بالعراءوملبسة بيض أخرى جناحا
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «تعلقتها وإناء الشباب»

وقال سهم بن حنظلة:

إذا ما لقيت بني عامررأيت جفاء ونوكا كبيرا
نعام تمدّ بأعناقهاويمنعها نوكها أن تطيرا

ويضرب بها المثل في الشّراد والنّفار؛ قال بشر بن أبي خازم:

وأمّا بنو عامر بالنّسارفكانوا غداة لقونا نعاما

يريد: مرّوا منهزمين. وربما حضنت النعامة أربعين بيضة أو نحوها وأخرجت ثلاثين رألا؛ قال ذو الرمّة:

كأنه خاضب بالسّيّ مرتعهأبو ثلاثين أمسى وهو منقلب

والبواقي من بيضها الذي لا تنقفه يقال لها: التّرائك. وأشدّ ما يكون الظليم عدوا إذا استقبل الريح لأنه يضع عنقه على ظهره ثم يخرق الريح وإذا استدبرها كبته من خلفه. والنعامة تضع بيضها طولا ثم تغطّيها كلّ بيضة بما يصيبها من الحضن؛ قال ابن أحمر:

وضعن وكلّهنّ على غرار

وقال آخر:

على غرار كاستواء المطمر

والمطمر خيط البنّاء، إلا أن ثعلبة بن صعير خالف ذلك فقال يذكر الظليم والنعامة:

فتذكّرا ثقلا رثيدا بعد ماألقت ذكاء يمينها في كافر

والرثيد: المنضود بعضه على بعض. قالوا: الوحش في الفلوات ما لم تعرف الإنسان ولم تره ولا تنفر منه إذا رأته خلا النعام فإنه شارد أبدا؛ قال ذو الرمّة:

وكلّ أحمّ المقلتين كأنّهأخو الإنس من طول الخلاء المغفّل
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «قف العيس في أطلال مية فاسأل»

يريد: أنه لا ينفر من الناس لأنه في خلاء ولم ير أحدا قبل ذلك. وقال الأحيمر السعديّ: كنت حين خلعني قومي وأطلّ السلطان دمي وهربت وتردّدت في البوادي ظننت أني قد جزت نخل وبار أو قريب منها، وذلك أني كنت أرى النّوى في رجع الذئاب وكنت أغشى الظباء وغيرها من بهائم الوحش فلا تنفر منيّ؛ لأنها لم تر أحدا قبلي وكنت أمشي إلى الظبي السّمين فآخذه، وعلى ذلك رأيت جميع تلك الوحوش إلا النعام فإنه لم أره قطّ إلا نافرا فزعا.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عيون الأخبار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.