من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
الجنّ
قالوا: الشياطين مردة الجنّ، والجانّ ضعفة الجنّ، وبلغني عن يحيى بن آدم عن شريك عن ليث عن مجاهد قال قال- يعني إبليس عليه لعنة الله-:
أعطينا أنّا نرى ولا نرى، وأنا ندخل تحت الثّرى، وأنّ شيخنا يردّفتى.
حدّثنا عبد الرحمن عن عمّه قال: حدّثني يعلى بن عقبة- شيخ من أهل المدينة مولى لآل الزّبير-: أن عبد الله بن الزبير بات بالقفر، فقام ليرحل فوجد رجلا طوله شبران عظيم اللحية على الوليّة، فنفضها فوقع ثم وضعها على الراحلة، وجاء وهو بين الشّرخين، فنفض الرّحل ثم شدّه، وأخذ
السّوط ثم أتاه، فقال: من أنت؟ قال: أنا أزبّ قال: وما أزبّ؟ قال: رجل من الجنّ؛ قال: افتح فاك أنظر؛ ففتح فاه؛ قال: أهكذا حلوقكم! لقد شوّه حلوقكم! ثم قلب السوط فوضعه في رأس أربّ حتى شقّه.
حدّثني خالد بن محمد الأزديّ قال: حدّثنا عمر بن يونس قال: حدّثنا عكرمة ابن عمّار قال: حدّثنا إسحاق بن أبي طلحة الأنصاريّ قال: حدّثني أنس بن مالك قال: كانت بنت عوف بن عفراء مضطجعة في بيتها قائلة إذ استيقظت وزنجيّ على صدرها آخذا بحلقها، قالت: فأمسكني ما شاء الله وأنا حينئذ قد حرمت عليّ الصلاة، فبينا أنا كذلك نظرت إلى سقف البيت ينفرج، حتى نظرت إلى السماء فإذا صحيفة صفراء تهوي بين السماء والأرض حتى وقعت على صدري، فنشرها وأرسل حلقي فقرأها، فإذا فيها:
من ربّ لكيز إلى لكيز، إجتنب ابنة العبد الصالح إنه لا سبيل لك عليها، ثم ضرب بيده على ركبتي وقال: لولا هذه الصحيفة لكان دم، أي لذبحتك؛ فاسودّت ركبتي حتى صارت مثل رأس الشاة، فأتيت عائشة، فذكرت لها ذلك؛ فقالت لي: يا بنة أخي، إذا حضت فألزمي عليك ثيابك فإنه لا سبيل له عليك إن شاء الله. فحفظها الله بأبيها وكان استشهد يوم بدر.
أبو يعقوب الثقفيّ عن عبد الملك بن عمير عن الشّعبيّ عن زياد بن النضر أنّ عجوزا سألت جنّيّا فقالت: إن بنتي عروس وقد تمّرط شعرها من حمّى ربع بها، فهل عندك دواء؟ فقال: اعمدي إلى ذباب الماء الطويل القوائم الذي يكون بأفواه الأنهار فاجعليه في سبعة ألوان من العهن: أصفر وأحمر وأخضر وأزرق وأبيض وأسود وأغبر، ثم اجعليه في وسطه وافتليه
بأصبعك هكذا ثم اعقديه على عضدها اليسرى؛ ففعلت فكأنّها أنشطت من عقال.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: أخبرني محمد بن مسلم الطائفيّ في حديث ذكره أنّ الشياطين لا تستطيع أن تغيّر خلقها ولكنها تسخّر.
وقال الأصمعيّ: حدّثنا أبو عمرو بن العلاء قال: حدثنا النّهّاس بن قهم قال:
دخلت مربدا لنا فإذا فيه شيء كالعجّول له قرنان وله ريش ينظر إليّ كأنه شيطان.
حدّثنا عبد الرحمن بن عبد الله عن عمه قال: سمع رجل بأرض ليس بها أحد قائلا من تحته يقول: من يحرّك شعيراتي؟ ذاك مقيلي، وظلّ مظلّي، حاشا الغزيل وعبد الملك وجمعه الأدم؛ وكانوا يرون أنّ الأصمعيّ سمع هذا، وذاك أنه كان في آخر عمره وقد أصابه مسّ ثم ذهب عنه.
حدّثني سهل بن محمد عن الأصمعيّ قال: أخبرنا عمر بن الهيثم عن عمير بن ضبيعة قال: بينا أنا أسير في فلاة أنا وابن ظبيان- أو رفيق له آخر ذكره- عرضت لنا عجوز- كذا سمعته يقول، إن شاء الله- أو شيخ- ورأيت في كتاب محمد ابنه- وصبيّ يبكي؛ فقال: إني منقطع بي في هذه الفلاة فلو تحمّلتماني! فقال صاحب عمير: لو أردفته! فحمله خلفه؛ فمكثنا ساعة فنظر في وجه عمير وتنفّس فخرج من فيه نار مثل نار الأتّون فأخد له عمير السيف؛ فبكى وقال: ما تريد منّي؛ فكفّ عنه ولم يعلم صاحبه بما رأى؛ فمكث هنيهة ثم عاد، فأخذ له السيف؛ فبكى وقال ما تريد مني؟ وبكى؛ فتركه ولم يعلم صاحبه؛ ثم عاد الثالثة ففغر في وجهه؛ فحمل عليه
بالسيف؛ فلما رأى الجدّ وثب وقال: قاتلك الله ما أشدّ قلبك! ما فعلته قطّ في وجه رجل إلا ذهب عقله.
بلغني عن محمد بن عبد الله الأسديّ عن سفيان عن ابن أبي ليلى عن أخيه عن عبد الرحمن عن أبي أيّوب الأنصاريّ أنه كان في سفرة له وكانت الغول تجيء، فشكاها إلى النبيّ ﷺ؛ فقال: «إذا رأيتها فقل باسم الله أجيبي رسول الله»؛ فجاءت فقال لها ذلك؛ فأخذها فقالت: لا أعود؛ فأرسلها؛ فقال له النبيّ ﵇: «ما فعل أسيرك» ؟ فأخبره؛ فقال: «إنها عائدة»، ففعلت ذلك مرتين أو ثلاثا، وقالت في آخرها: أرسلني وأعلّمك شيئا تقوله فلا يضرّك شيء: آية الكرسيّ؛ فأتى النبيّ ﵇ فأخبره؛ فقال:
«صدقت وهي كذوب».
حدّثني زيد بن أخزم قال: حدّثنا عبد الصمد عن همّام عن يحيى بن أبي كثيرة أن عامل عمان كتب إلى عمر بن عبد العزيز: إنّا أتينا بساحرة فألقيناها في الماء فطفت؛ فكتب إليه عمر: لسنا من الماء في شيء، إن قامت البينة وإلا فخلّ عنها.
حدّثني يزيد بن عمرو قال: حدّثنا أبو عاصم قال: حدّثنا ابن جريج عن ابن أبي الحسين المكيّ قال: قال رسول الله ﷺ: نعمت الدّخنة اللّبان واللّبان دخنة الأنبياء ولن يدخل بيتا دخّن فيه بلبان ساحر ولا كاهن.
حدّثني عبد الله بن أبي سعيد قال: حدّثني عبد الله بن مروان بن معاوية من ولد أسماء بن خارجة قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: سمعت أعرابية تقول: من يشتري منّي الحزأ؟ فقلت: وما الحزأ ؟ قالت: يشتريه أكايس
النساء للطّشّة والخافية والإقلات؛ قال عبد الله سألت ابن مناذر فقال: الطّشّة:
شيء يصيب الصبيان كالزّكام. والخافية: الجنّ. والإقلات قلة الولد. يريد أن المرأة إذا ولدت يموت أولادها فلا يبقى لها ولد؛ يقال: امرأة مقلات.
بلغني عن شيخ من بني نمير أنه قال: أضللت أباعر لي بالشّريف فخرجت في بغائها فدأبت أياما فأمسيت عشيّة بواد موحش وقد كددت راحلتي فاختليت لها من الشجر وأصبت لها من الماء ثم قيّدتها واضطجعت مغموما، فلما جرى وسن النوم في عيني إذ همس قدم قريبا منّي، فانتبهت فزعا وإذا شيخ يتنحنح وهو يقول: لا ريعة عليك! ثم سلّم وجلس؛ ثم جاء آخر وآخر حتى تألّفوا أربعة فقالوا: ما بك أيها المسلم؟ فقلت: أضللت أباعر لي وأنا في طلبها منذ أيام؛ فقال لي الأوّل منهم: كنّ لك ما كنّ، وقد ودّعن فبنّ، وصرن حيث صرن، فلا تتعنّينّ؛ فاجترأت على المسألة فقلت: أمن الخافية أنتم نشدتكم بإلهكم؟ قالوا: نعم وإلهنا وإلهكم واحد؛ فقلت: علّموني مما علّمكم الله شيئا أنتفع به؛ قالوا: إذا أردت حفظ مالك فاقرأ عليه: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ
إلى آخر ثلاث الآيات، وآية الكرسيّ، وإذا أمسيت في خلاء وحدك فاقرأ المعوّذتين، وإن أحببت ألّا يعبث بك ولا بأهلك وولدك عابث منّا فعليك بالديك الأبيض؛ واجعل في حجور صبيانك بريما، يعني خيطا من صوف
أبيض وأسود، واحتشوا بالإذخر ينشر في الصوف، فحدّثوني كحديثنا تلك الليلة، فلما أصبحت رجعت.
قال المدائنيّ: كانت وفاة زياد بالعرفة ظهرت في إصبعه، واشتدّ عليه الوجع فجمع الأطّباء فشاورهم في قطع إصبعه، فأشار عليه بعضهم بذلك، وقال له رجل منهم: أتجد الوجع في الإصبع أم تجده في قلبك والإصبع؟
قال: في قلبي وفي إصبعي؛ قال: عش سليمان ومت سليما، وأمره أن يغمسها في الخلّ، فكان ذلك يخفّف عنه بعض الوجع، فمكث بذلك سبعة عشر يوما ثم مات؛ وسمع أهل الحبس ليلة مات قائلا يقول: أنا النقاد الرّقية قد كفيتكم الرجل. والعرب تدعو الطاعون رماح الجنّ. وقال النبيّ ﷺ: «إنه وخز من الجنّ يعني الطاعون». والله أعلم.
تمّ كتاب الطبائع وهو الكتاب الرابع من عيون الأخبار لابن قتيبة ويتلوه في الكتاب الخامس كتاب العلم. والحمد لله رب العالمين وصلاته على خير خلقه محمد النبي وآله وصحابته وأهل بيته أجمعين.
وكتبه الفقير إلى رحمة الله تعالى إبراهيم بن عمر بن محمد بن علي الواعظ الجزري؛ وذلك في شهور سنة أربع وتسعين وخمسمائة هجرية..
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع