تجاوز إلى المحتوى

من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)

وفي الحج

: فإنّ أمير المؤمنين قد اختارك من إقامة الحج لوفد الله وزور بيته، للأمر العظيم قدره، الشريف منزلته؛ فعليك بتقوى الله؛ وإيثار مراقبته، ولزوم الهدى المحمود والطريقة المثلى والسّيرة الجميلة التي تشبه حالك.

فصل- فإن الله نزّه الإسلام عن كل قبيحة، وأكرمه عن كل رذيلة، ورفعه عن كل دنيّة، وشرّفه بكل فضيلة، وجعل سيماء أهله الوقار والسكينة.

فصل- وإن أحقّ الناس بالازدياد في طاعته ومناصحته وأداء الأمانة في عمله من عظم حقّ الأمير عليه في الخاصّة بفضل الصنيعة من الأمير عنده، مع حق الله عليه في العامّة بحقّ الولاية.

فصل- وكنت سيفا من سيوف الله، ونكلا من أنكاله لأهل الشقاق، وشجى لمن ابتغى غير سبيل المؤمنين، قد أحكمتك التجارب وضرّستك الأمور، وفررت عن الذكاء وحلبت الدهر أشطره.

فصل- أنت ابن الحرّية والمروّة، ومن لا يلحقه عار أبوّة ولا بنوّة.

فصل- قد التمست مواجهتك بشكرك ووصف ما أجنّ لك وأخلص من ودّك وأجلّ من قدرك وأعتدّ من إحسانك، فلفتني عن ذلك تعذّر الخلوة مع انقباض وحشمة.

فصل- قد أغنى الله بكرمك عن ذريعة إليك؛ وما تنازعني نفسي إلى استعانة عليك إلا أبى ذلك حسن الظنّ بالله فيك، وتأميل نجح الرغبة إليك دون الشفعاء عندك.

فصل- مثلك تقرّب إلى الله بالتواضع لنعمته، والإغاثة لمستغيثه، والعائدة على راجيه بفضله.

فصل- تبّا لمن يأتي رأيك! وقبحا لعزوب عقلك، وأفن تدبيرك! ما أبعد مذهبك في الخطأ، وأسوأ أثرك على السلطاه، وأقصر باعك عن النهوض! جزالة تعقدك، ومهانة تضرعك، وزهو يعلوك، ونخوة يشمخ لها عرنينك. لقد انصرف رأي أمير المؤمنين عنك، ودعوت له عتبك، وكشفت له عن قناع سترك، واجتررت إليك سخطته وعطفت نحوك موجدته، وكنت على نصيبك منه والضنّ بمنزلتك عنده أولى تقدّما وأقرب رشدا. والله الغنيّ الحميد.

أصحاب السلطان ثلاثة: رجل يجعل الدنيا نصب عينه، ينصب فيها للخاصّة مكايده، ويرفع عن مصلحة العامّة همّته، يذهله عن التقوى الهوى، وتنسيه أيام القدرة العثرة، حتى تنصرم مدّته وتنقضي دولته، لم يرتهن بدنياه

شكرا ولا قدّم بها إلى معاده ذخرا. ورجل لا يحفل مع صلاح الخاصّة ما دخل من الخلل في أمور العامّة، ولا مع وفور حظه ما أدخل النقص في حظ رعيته.

ورجل حاول في ولايته إرضاء من ولي له وعليه، وأعانته النّية وخذلته الكفاية.

وقد جمع الله لك الثقة والرضا ممن فوقك، والانقياد والمحبة ممن دونك، وأعاد إلى الناس بك عهد السلف الماضي وعمّر بك آثارهم، حتى كأنهم بك أحياء لم تخترمهم منيّة، وجميع لم تنصدع بينهم فرقة، فليهنئك أنّ من تقدّمك من أهل الفضل في السّيرة غير متقدّم لك، ومن معك مقصّر عنك، ومن دونك مقتف لأثرك. فلا زالت الأيام لك، ولا زالت النعم عنك، ولا انتقلت عرى الأمور وأزمّتها عن يدك.

فصل- أبى طبع الزمان أن يسمح لنا بك، كما أبى ذلك في مثلك، فلم يزل حتى اعترض بمكروهه دونك، وكم من نعمة ذهلت عنها النفس حين أدبرت بخيرك، فإنّ تعلّق القلب بك على قدرك في مواهب الله وقدرها عندك.

فصل- ولم تأت في جميع ما عدّدت من أياديك شيئا، وإن كان متناهيا إلى الغاية، مختارا كالأمنيّة، متجاوزا للاستحقاق، إلا وأنت فوقه والمأمول للزيادة فيه.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عيون الأخبار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.