تجاوز إلى المحتوى

من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)

مقطّعات ألفاظ تقع في الكتاب والكلام

لو أخطأت سبيل إرشادك، لما أخطأت سبيل حسن النية فيما بيني وبينك.

لو خطر ذلك ببالي من فعلك، ما عرّضت ستر الإخاء للهتك بيني وبينك.

قد أحسنت في كذا قديما. وفعلك كذا إحدى الحسنيين بل ألطفهما موقعا.

أنت رجل لسانك فوق عقلك وذكاؤك فوق حزمك. فقدّم على نفسك من قدّمك على نفسه. الله يعلم أنك ما خطرت ببالي في وقت من الأوقات إلا مثّل الذكر منك لي محاسن تزيدني صبابة إليك وضنّا بك واغتباطا بإخائك.

لعل الأيام أن تسهّل لأخيك السبيل إلى ما تقتضيه نفسك من برّك ومعاوضتك ببعض ما سلف لك.

ما هذا الغبا العجيب الذي إلى جانبه فطنة لطيفة. حكم الفلتات خلاف حكم الإصرار.

من أخطأ في ظاهر دنياه وفيما يؤخذ بالعين، كان حريّا أن يخطىء في

باطن دينه وفيما يؤخذ بالعقل.

ومن أوّل ما أحبّ أن أوثرك به وأقضي فيه واجب حقّك، تنبيهك على عظيم ما لله عندك، وحثّك على الإزدياد مما يزيدك.

من كان بمثل موضعك فجمع له حمد إخوانه ورضا معامليه والإستقصاء مع ذلك لمن استكفاه، فقد عظمت النعمة عليه، ولا أعلم بما أسمع فيك إلا أنك كذلك والحمد لله.

ما أغنى الفقير عن الحمد، وأحوجه إلى ما يجد به طعم الحمد!.

قد حسدك من لا ينام دون الشّفاء، وطلبك من لا يقصّر دون الظفر، فاشدد حيازيمك وكن على حذر.

أنت تتجنّى على مالك لتتلفه بأسباب العلل، كما يدفع عن ماله البخيل بوجوه الاعتلال. أنت طالب مغنم، وأنا دافع مغرم، فإن كنت شاكرا لما مضى، فاعذر فيما بقي. مكرك حاضر، ووفاؤك متأخّر. أنا راض بعفوك، باذل لمجهودي.

نوائب الأيام رمت به ناحيتك، وإذا رأيته أنبأك ظاهره عن باطنه ودعاك إلى محبّته قبوله، وهو في الأدب بحيث المستغني عن النسب.

قد آن أن تدع ما تسمع لما تعلم وإلّا يكون غيرك فيما يبلغك أوثق من نفسك فيما تعرفه.

هذا فلان قد أتاك على رقّة من حاله وبعد من شقّته، فنشدتك الله أن

تقدّم شيئا على تصديق ظنّه وسدّ خلّته وبل ما يبّست هذه النكبة من أديمه، فإنه غذيّ نعمة وخدين مروءة.

أنا أسأل الله أن ينجز لي ما لم تزل الفراسة تعدنيه فيك. الحرّيّة نسب.

فهمت ما اعتذرت به في تأخّرك، وغضضت به مني طرفا طامحا إليك ونفسا توّاقة إلى قربك.

وصل كتابك فكان موقعه موقع الرّوح من البدن. فإنّ أمير المؤمنين يحب ألا يدع سبيلا من سبل البر وإن عفا ودثر إلا أناره وأوضح محجّته، ولا خلّة من خلال الخير لا أوّل لها إلا اهتبل الفرصة في إنشائها، واختيار مكرمة ابتدائها، لتجب له مساهمة الفارط في أجره، ويكون أسوة الغابر في ثوابه.

لولا وجوب تقديم العذر لصاحب السلطان، في الذهول عن مواصلة من يجب عليه مواصلته، بما يستولي عليه من الشغل بعمله، إذا لكثر العتب.

إنك لكل حسن أبليته، ومعروف أسديته، وجميل أتيته، وبلاء كان لك ربيته، أهل في الدين والحسب القديم.

لك- أعزّك الله- عندي أياد تشفع لي إلى محبّتك، ومعروف يوجب عليك الرّبّ والإتمام.

أفعال الأمير مختارة كالأماني، متّصلة عندنا كالأيام؛ ونحن نختار الشكر لكريم فعله، ونواصل الدعاء والذكر مواصلة برّه.

أبدأ بذكر يدك التي أجارتني على صرف الزمان، ووقتني نوائب الأيام، وثمّرت لي بقية النعمة، وصانت وجهي عن استعباد منن الرجال، وبسطت لي الأمل في بلوغ ما ناله بك محن رفعت خسيسته ونوّهت بذكره، وأعانتني على اتباع مذهب الماضين من سلفي في الوفاء لكم، وحماية النعمة عليهم بكم عن أيدي غيركم، حتى خلصت لهم منكم فعزّوا، ولم يشغلوا شكرهم بغيركم حين شكروا، ولم يحتملوا صنيعة لسواكم لما اعتدّوا، ولم تتشعّبهم الدنيا عنكم إذا اضطرّوا.

إنّ الله أحلك منا أهل البيت محلّا نراك به عوضا من الغائب، وخلفا من الهالك، ونجدك مخصوصا بضّرائنا إذ كنت وليّ سرّائنا، وكنا لك كالجوارح نألم لكل ما ألم منها.

نحن نعوذ بالله من سخطك، ونستجير به من غضبك، ونسألك النظر فيما كتبنا به صادقين، كما سمعت قصص الكاذبين، فإنا على سلامة مما رقّوه.

كتبي- أعزك الله- تأتيك، في الوقت بعد الوقت، على حسب الدواعي، وإن كان حقّك يلزمني ألّا تغبّك، لولا ما أتذكر من زيادتها في شغلك.

أنت الحامل لكل إخوانه، الناهض بأعباء أهل مودّته، الصابر على ما ناب من حقوقهم.

كنت أمس- أكرمك الله- عليلا، وركبت اليوم على ظلع ظاهر ورقّة شديدة، فلما انصرفت أمرت بإغلاق الباب للمتودّع، ووافق ذلك من سوء نيتك وإرصادك صديقك بما يستدعي عتبك عليه وعتبه عليك ما وافق.

لا أزال- أبقاك الله- أسأل الكتاب إليك في الحاجة، فأتوقف أحيانا توقف المبقي عليك من المؤونة، وأكتب أحيانا كتاب الراجع منك إلى الثقة والمعتمد منك على المقة؛ لا أعدمنا الله دوام عزك، ولا سلب الدنيا بهجتها بك، ولا أخلانا من الصّنع لله على يدك وفي كنفك، فإنا لا نعرف إلا نعمتك، ولا نجد للحياة طعما وندى إلا في ظلّك.

إن كان هذا مما ترضاه لي، فلست ألتمس أكثر منه، وقوفا بنفسي عند الحظ الذي رضيته لي.

أنا، والله، أراك في رتبة المنعم إجلالا، وبمحل الشقيق من القلب محبّة وإخلاصا.

أما شكري فمقصور على سالف أياديك، وبه قصور عنه فكيف يتّسع لما جدّدته!.

لله عندك نعم جسام تتقاضاك الشكر. وقاك الله شرّ نفسك، فإنها أقرب أعدائك إليك.

ولم أزل وجلا من حادثة كذا عليك، إذ كان ما ينالك- لا أنالك الله سوءا- متّصلا بي ومدخلا الضرر عليّ في ركن منك أعتمد عليه، وكنف لك أستذري به.

وصل إليّ كتاب منك، فما رأيت كتابا أسهل فنونا، ولا أملس متونا، ولا أكثر عيونا، ولا أحسن مقاطع ومطالع، ولا أشدّ على كل مفصل حزّا منه؛ أنجزت فيه عدة الرأي وبشرى الفراسة، وعاد الظنّ بك يقينا، والأمل فيك مبلوغا.

لا غيّبك الله عن مواطن العز والصنع، وأشهدك إياها بعلوّ يدك، وهبوب ريحك، واستقادة جميع أهلها بزمام طاعتك.

قد رميت غرض الباطل بسهم الحق وحللت عقال الشر بيد الخير. كنت سالما إن سلمت من عتبك.

أنا أتوسل إليك بحسن ظنّي بك، وأسألك بحق صبري على ظلمك لمّا سعفت بما سألتك.

ليس ينبغي لك أن تستبطىء فهمي وقد أسأت إفهامي.

من أبعد من البرء من مريض لا يؤتى من دائه إلا من جهة دوائه، ولا في علّته إلا من قبل حميته!.

لست في حال يقيم عليها حرّ أو يرضى بها كريم، وليس يرضى بهذا الأمر إلا من لا ينبغي لك أن ترضى به.

قد شخت في ذراك وهرمت في ظلّك، فإمّا رددت عليّ شبابي وأعدت إليّ قوّتي، وإما دفعت إليّ ما ينوب عن الشباب ويجبر الضعف، ولا بدّ من أحدهما، فاختر لنفسك واخرج إلينا من هذا الدّين؛ فقد أمسكنا عن التقاضي ما أمكن، وصبرنا على المواعيد ما صلح؛ ودعنا من الحوالة فإنّ الصنيعة لا تتمّ بالحوالة؛ وإن جاز أن تقيم لنا زعيما بالنعمة، جاز أن نقيم لك زعيما بالشكر؛ وإن جاز أن نؤمّلك ويحقّق آمالنا غيرك، جاز أن نشكر غير المنعم ونأمل غير المصطنع.

ما أستعظم أن تسبق إلى حسن بل أستعظم أن تسبق إليه وتغلب عليه.

لئن كنت جاوزت بي قدري عندك لما بلغت بك أملي فيك.

لا يقبضك عن الأنس بي تقصيرك في البرّ.

بلغتني علّتك فنالني من ألمها، وغالني مما مسّك فيها حسب حقّك وما يخصّني من كل حال تصرّفت بك.

أعتذر إليك من تأخر كتبي عنك بترامي النّقلة وتقاذف الغربة وعدم الطمأنينة، فإني منذ فارقتك كما قال القائل:

وكنت قذاة الأرض والأرض عينهاتلجلج شخصي جانبا بعد جانب

إني- أعزّك الله- على تشوّقك متزيد، فما أحاشي بك أحدا، ولا أقف لك على حسنة يوما إلا أنستنيها لك فضلة غده.

الحمد لله الذي جعل الأمير معقود النيّة بطاعته، مطويّ القلب على مناصحته، مشحوذ السيف على عدوّه؛ ثم وهب له الظفر، ودوّخ له البلاد، وشرّد به العدوّ، وخصّه بشرف الفتوح العظام شرقا وغربا، وبرّا وبحرا.

إلى الله أشكو شدّة الوحشة لغيبتك، وفرط الجزع من فراقك، وظلمة الأيام بعدك؛ وأقول كما قال حبيب بن أوس:

بيّن البين فقدها، قلّما تعرف فقدا للشمس حتّى تغيبا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «من سجايا الطلول ألا تجيبا»

ورد كتابك، فيا له واردا بالرّيّ على ذي ظمأ! ما أنقعه للغليل، وأعدل

شهادته لك بكرم العقد، وصدق الودّ، وحسن المغيب، ورعاية حق التحرّم، وبعد الشيمة من شيم أهل الزمان إلا من عصم الله، وقليل ما هم، ولله أبواك لقد أوجداك.

قد أجلّ الله خطرك عن الاعتذار، وأغناك في القول عن الاعتلال، وأوجب علينا أن نقنع بما فعلت، ونرضى بما أتيت وصلت أو قطعت، إذ وثقنا بحسن نيّتك ونقاء طويّتك، وألزمنا أن نأخذ أنفسنا لك بما لا نحمّلك مثله، ولا نلتمس منك مقابلة به.

ما أخرّ كتبي عنك إلا ما أنا عليه من إيثار التخفيف بقطع الكتب، إلا عند حقّ يقع فأقضيه، أو نعمة تحدث فأهنّىء بها، والقصد للزيادة في البرّ بالزيارة في الغبّ، واستدعاء دوام الوداد بانتهاز فرص الوصل.

وكتبت إلى محمد بن عبد الله بن طاهر:

أمّا شكري للأمير على سالف معروفه فقد غار وأنجد. وأمّا ابتهالي إلى الله في جزائه عنّي بالحسنى فإخلاص النيّة عند مظانّ القبول. وأمّا أملي فأحياه على بعد العهد بلاؤه عندي، إذ كان ما تقدّم منه شافعا في المزيد، وفسحة وعده إياي عند مفارقتي له، إذ كان مؤذنا بالإنجاز. وأما زللي في التأخّر عما أوجب الله عليّ له، فمقرون بالعقوبة فيما حرمته من عزّ رياسته، ونباهة صحبته، وعلوّ الدرجة به، وإن كنت سائر أيام انقطاعي عنه معتلقا بسبب لا خيار معه. مكاتبتك- أعزّك الله- وأنا مجاورك ببلد دون السعي إليك مجلّا لقدرك مما أكبر. لاقيك بكتابي هذا فلان، وله عليّ حقّان؛ حقّ عمّ المسلمين فلزمني بلزومه لهم، وحق خصّني بالحرمة والعشرة. فرأيك في كذا إن سهل السبيل إلى ذلك ورحب، وإن يعق عائق فلست على جميل رأي عندي بمتّهم.

للمتفضّل أن يخصّ بفضله من يشاء؛ ولله الحمد ثم له فيما أعطي، ولا حجّة عليه فيما منع.

مستعفى السلطان أحد ثلاثة: رجل آثر الله وما عنده، وأسأل الله توفيقه؛ ورجل عجز عن عمله فخاف بعجزه عواقب تقصيره، وأستعين الله؛ ورجل سمت به نفسه عن قليل هو فيه إلى كثير أمله. وأعوذ بالله من أن أدنّس نعمة الله بك عليّ وعلى سلفي قبلي بالتصدّي لمن لا يشبه دهره يومك، ولا أكثر جهده في المعروف أقلّ عفوك.

كن كيف شئت، فإنّي واحد أمري خالصة سريرتي، أرى ببقائل بقاء سروري، وبتمام النعمة عليك تمامها عندي، فإنه ليس من نعمة يجدّدها الله لأمير المؤمنين في نفسه خاصّة إلا اتصلت برعيّته عامّة، وشملت المسلمين كافّة، وعظم بلاء الله عندهم فيها، ووجب عليهم شكره عليها؛ لأنّ الله جعل بنعمته تمام نعمتهم، وبسلامته هدوءهم واستقامتهم، وبتدبيره صلاح أمورهم وأمنهم، وبذبّه عن دينهم حفظ حريمهم، وبحياطته حقن دمائهم وأمن سبلهم، وبرعيته اتّساقهم وانتظامهم؛ فأطال الله بقاء أمير المؤمنين مؤيّدا بالنصر، معزّا بالتمكين، موصول الطلب بالظفر، ومدّة البقاء بالنعيم المقيم.

فهمت كتابك ولم تعد في وعدك ووعيدك سبيل الراغب في ربّ عارفته، المحامي على سالف بلائه، المؤثر لاستتمام صنيعته، وإني لأرجو أن أكون على غاية ما عليه ذو نيّة حسنة في شكر مصطنعه، وعناية بأداء ما يلزمه لوليّ نعمته، ومراقبة لرئيسه في سرّ أمره وعلانيته، وإيثار للقليل من جميل رأيه على كثير المنافع مع سخطه. وليس مذهبي فيما أشرحه من العذر وأطيل بذكره الكتب، مذهب من يموّه بالاحتجاج ويحتال في الاعتذار، ومن تطمعه نفسه في سلامة النعمة مع فساد النيّة، وفي محمود العاقبة مع شره النفس،

وفي زيادة الحال مع التفريط في العمل. ولو كنت ممن سوّلت له نفسه ذلك سائر دهره، لقد وجب إلى أن يضطرّني إلى النزوع عنه تأديبك وتقويمك.

وإني لمجتهد أن يكون أثر فعلي هو المخبر عني دون قولي، وأن يكون ما أمتّ به إليك ظاهر كفايتي دون ذمامي.

لولا ما أنا بسبيله من العمل، وما في الإخلال به من تعريضه للانتشار ودخول الخلل، وعلمي بأن طاعة السلطان مقرونة بطاعة الأمير، وأنه لا فرق عنده بين الجاني على السلطان وعليه، لكنت الجواب راجلا معظّما لأمره، مكبرا لسخطه؛ وإن كان الله قد جعل عند الأمير من إيثار الحق والعمل به، وتقديم الرويّة قبل الإيقاع، والاستثناء بمن وضح ذنبه وظهر جرمه دون من وقعت الشبهة في أمره، ما أمّنني بادرة غضبه ونازل سطوته.

لم أكن أحسبني أحلّ عندك محلّ من جهل حظّه، وعدم تمييزه، وغبي عمّا عليه وعمّا له؛ إذ توهّمت عليّ أنّي أبيع خطيرا من رضاك، ونفيسا من رأيك، وشرفا باقيا على الأيام بطاعتك، وعدّة للنوائب أستظهر بها من نصرتك، بالثمن البخس الحقير من كذا، أو أن أستبدل بما أنا ذو فاقة إليه من عزّ كنفك ومنيع ذراك، ما قد وهب الله الغنى عنه بحمده.

كان ورودك وشخوصك في وقتين انظويا عني، وكان مقامك في حال شغل منك ومني، ولذلك فقدتني في القاضين لحقك والمثابرين على لقائك.

ورد كتابك مضمّنا من برّك وتطوّلك ما حسّن شكري، وأثقل ظهري، وأرتج عن مضاهاتك بمثله قولي؛ فذكرت به- إذ تحيرّت دون تأمّله، وضعفت

عن تحمّله، وعجزت عن الشكر عليه عند تمحّله- قول القائل:

أنت آمرؤ أوليتني نعماأوهت قوى شكري، فقد ضعفا
لا تحدثنّ إليّ عارفةحتّى أقوم بشكر ما سلفا

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عيون الأخبار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.