تجاوز إلى المحتوى

من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)

التشادق والغريب

حدّثني سهل عن الأصمعيّ قال: كان عيسى بن عمر لا يدع الإعراب لشيء. وخاصم إلى بلال بن أبي بردة في جارية اشتراها مصابة، فقال: لأن يذهب بعض حقّ هذا أحبّ إليه من أن يلحن؛ فقال له: ومن يعلم ما تقول؟

فقال: ابن طرنوبة. وضربه عمر بن هبيرة ضربا كثيرا في وديعة أودعها إياه إنسان فطلبها، فما كان يزيد على أن يقول: والله إن كانت إلا أثيّابا في

أسيفاط قبضها عشّاروك.

تبع أبو خالد النّميري صاحب الغريب جارية متنقّبة فكلّمها فلم تكلّمه، فقال: يا خريدة، لقد كنت عندي عروبا أنمقك وتشنئينا ! وقال سهل بن هارون لجارية له روميّة أعجميّة: إنّ أقلّ ما ينطوي عليه ضميري من رسيس حبّك لأجلّ من كلّ جليل، وأكثر من كلّ كثير.

وقال مالك بن أسماء في جارية له:

أمغطىّ منيّ على بصري للحبّ أم أنت أكمل الناس حسنا؟
وحديث ألذّه هو ممّايشتهي الناعتون يوزن وزنا
للشاعر مالك بن أسماء الفزاري، اقرأ القصيدة
منطق صائب وتلحن أحيانا وأحلى الحديث ما كان لحنا
للشاعر مالك بن أسماء الفزاري، اقرأ القصيدة

قال ابن دريد: استثقل منها الإعراب.

دخل أبو علقمة على أعين الطبيب فقال له: أمتع الله بك، إنّي أكلت من لحوم هذه الجوازل فطسئت طسأة، فأصابني وجع ما بين الوابلة إلى

دأية العنق فلم يزل يربو وينمى حتى خالط الخلب والشّراسيف، فهل عندك دواء؟ فقال أعين: نعم، خذ خربقا وشلفقا وشبرقا فزهزقه وزقزقه واغسله بماء روث واشربه؛ فقال أبو علقمة: لم أفهم عنك؛ فقال أعين:

أفهمتك كما أفهمتني. وقال له يوما آخر: إني أجد معمعة في بطني وقرقرة؛ فقال له: أما المعمعة فلا أعرفها، وأما القرقرة فهي ضراط لم ينضج.

أتى رجل الهيثم بن العريان بغريم له قد مطله حقّه فقال: أصلح الله الأمير، إنّ لي على هذا حقّا قد غلبني عليه؛ فقال له الآخر: أصلحك الله، إن هذا باعني عنجدا واستنسأته حولا وشرطت عليه أن أعطيه مشاهرة فهو لا يلقاني في لقم إلّا اقتضاني؛ فقال له الهيثم: أمن بني أميّة أنت؟

قال: لا؛ قال: فمن بني هاشم؟ قال: لا؛ قال: فمن أكفائهم من العرب؟

قال: لا؛ قال: ويلي عليك! انزع ثيابه يا جلواز، فلما أرادوا نزع ثيابه قال:

أصلحك الله، إنّ إزاري مرعبل؛ قال: دعوه، فلو ترك الغريب في وقت لتركه في هذا الوقت.

ومرّ أبو علقمة ببعض الطّرق بالبصرة فهاجت به مرّة فسقط ووثب عليه قوم فأقبلوا يعصرون إبهامه ويؤذّنون في أذنه، فأفلت من أيديهم وقال: ما لكم تتكأكؤون عليّ كما تتكأكؤون على ذي جنّة! إفرنقعوا عنّي؛ فقال رجل منهم: دعوه فإنّ شيطانه هنديّ، أما تسمعونه يتكلّم بالهنديّة؟ وقال لحجّام يحجمه: أنظر ما آمرك به فاصنعه، ولا تكن كمن أمر بأمر فضيّعه، أنق غسل المحاجم واشدد قضب الملازم وأرهف ظبات المشارط وأسرع الوضع وعجّل النّزع، وليكن شرطك وخزا، ومصّك نهزا، ولا تكرهنّ آبيا، ولا تردّن آتيا؛ فوضع الحجّام محاجمه في جونته ومضى.

سمع أعربيّ أبا المكنون النحويّ في حلقته وهو يقول في دعاء الإستسقاء: اللهمّ ربّنا وإلهنا ومولانا، صلّ على محمد نبيّنا؛ اللهمّ ومن أراد بنا سوءا فأحط ذلك السوء به كإحاطة القلائد على ترائب الولائد، ثم أرسخه على هامته كرسوخ السّجّيل، على هام أصحاب الفيل؛ اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا مريعا مجلجلا مسحنفرا هزجا سحّا سفوحا طبقا غدقا مثعنجرا؛ فقال الأعرابيّ: يا خليفة نوح، هذا الطوفان وربّ الكعبة، دعني آوي إلى جبل يعصمني من الماء.

أبو الحسن قال: كان غلام يقعّر في كلامه، فأتى أبا الأسود الدّؤليّ يلتمس ما عنده؛ فقال له أبو الأسود: ما فعل أبوك؟ قال: أخذته الحمّى فطبخته طبخا وفضخته فضخا وفنخته فنخا فتركته فرخا؛ قال أبو الأسود:

فما فعلت امرأته التي كانت تجارّه وتشارّه وتزارّه وتهارّه؛ قال: طلّقها فتزوّجت غيره فرضيت وخظيت وبظيت، قال أبو الأسود: قد عرفنا حظيت،

فما بظيت ؟ قال: حرف من الغريب لم يبلغك؛ قال أبو الأسود: يا ابن أخي، كلّ حرف من الغريب لم يبلغ عمّك فاستره كما تستر السّنّور خرأها.

قال زيد بن كثيرة: أتيت باب كبير دار وهناك حدّاد، فأردت أن ألج الدار فدلظني دلظة وازدحم الناس ببابه، فوالله إن زلنا نظار نظار حتّى عقل الظّل. وقال أيضا: أتيت باب كبير وإذا الرجال صتيتان وإذا أرمداء كثيرة وطهاة لا أحصيهم ولحام كأنّها آكام. وقال الطائي:

أيوسف جئت بالعجب العجيبتركت الناس في شكّ مريب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أيوسف جئت بالعجب العجيب»
سمعت بكل داهية نآدولم أسمع بسرّاج أديب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أيوسف جئت بالعجب العجيب»
أما لو أنّ جهلك كان علماإذا لنفذت في علم الغيوب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أيوسف جئت بالعجب العجيب»
فمالك بالغريب يد ولكنتعاطيك الغريب من الغريب

قال رؤبة بن العجّاج: خرجت مع أبي، نريد سليمان بن عبد الملك،

فلّما صرنا في الطريق أهدي لنا جنب من لحم عليه كرافىء الشّحم وخريطة من كمأة ووطب من لبن فطبخنا هذا بهذا، فما زال ذفرياي تنتحان منه إلى أن رجعت.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عيون الأخبار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.