من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
وصايا المعلّمين
قال عتبة بن أبي سفيان لعبد الصمد مؤدّب ولده: ليكن إصلاحك بنيّ إصلاحك نفسك، فإنّ عيوبهم معقودة بعيبك، فالحسن عندهم ما استحسنت، والقبيح ما استقبحت؛ وعلّمهم سير الحكماء، وأخلاق الأدباء، وتهدّدهم بي وأدّبهم دوني؛ وكن لهم كالطبيب الذي لا يعجل بالدواء حتى يعرف الداء؛ ولا تتّكلنّ على عذر منّي، فإني قد اتّكلت على كفاية منك.
قال الحجّاج لمؤدّب بنيه: علّمهم السّباحة قبل الكتابة، فإنهم يجدون من يكتب عنهم، ولا يجدون من يسبح عنهم.
وقال عبد الملك لمؤدّب ولده: علّمهم الصدق كما تعلّمهم القرآن، وجنّبهم السّفلة فإنّهم أسوأ الناس رعة وأقلّهم أدبا، وجنّبهم الحشم فإنّهم لهم مفسدة؛ وأحف شعورهم تغلظ رقابهم، وأطعمهم اللحم يقووا؛ علّمهم الشّعر يمجدوا وينجدوا، ومرهم أن يستاكوا عرضا ويمصّوا الماء مصّا ولا يعبّوه عبّا؛ وإذا احتجت إلى أن تتناولهم بأدب فليكن ذلك في ستر لا يعلم به أحد
من الغاشية فيهونوا عليه.
وقال آخر لمؤدّب ولده: لا تخرجهم من علم إلى علم حتى يحكموه، فإنّ اصطكاك العلم في السمع وازدحامه في الوهم مضلّة للفهم.
وكان الشريح ابن يلعب بالكلاب، فكتب شريح إلى معلّمه:
ترك الصلاة لأكلب يسعى بهاطلب الهراش مع الغواة الرّجّس
فإذا خلوت فعضّه بملامةوعظنه وعظك للأريب الكيّس
وإذا هممت بضربه فبدرّةوإذا بلغت بها ثلاثا فاحبس
واعلم بأنّك ما فعلت فنفسهمع ما يجرّعني أعزّ الأنفس
وقال آخر لرجل يلعب بالكلاب:
أيها المبتلي بحبّ الكلابلا يحبّ الكلاب إلا الكلاب
لو تعرّيت وسطها كنت منهاإنما فقتها بلبس الثّياب
وقال آخر:
لتبك أبا أحمد قردةوكلب هراش وديك صدوح
وطير زجال وقمريّةهتوق العشيّ وكبش نطوح
بلغني عن أبي الحسن العكليّ عن عبد الله بن بكر بن عبد الله المزنيّ قال: سمعت أبي يقول: قال لقمان: ضرب الوالد ولده كالسّماد للزرع.
حدّثني محمد بن عبيد عن معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق عن ابن المبارك عن أسامة بن زيد عن مكحول قال: كتب عمر إلى أهل الشام: علّموا أولادكم السّباحة والرّمي والفروسيّة.
وكانت العرب تسمّي الرجل، إذا كان يكتب ويحسن الرّمي ويحسن العوم وهي السّباحة ويقول الشّعر، الكامل.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع