من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
الردّ على الملحدين
قال بعض الملحدين لبعض أصحاب الكلام: هل من دليل على حدوث العالم؟ قال: الحركة والسكون، فقال: الحركة والسّكون من العالم، فكأنّك إذا قلت: الدليل على حدوث العالم العالم؛ فقال له: وسؤالك إيّاي من العالم، فإذا جئت بمسألة من غير العالم جئتك بدليل من غير العالم.
قال المأمون لثنويّ يناظر عنده: أسألك عن حرفين قط، خبرّني: هل ندم مسيء قطّ على إساءته؟ قال: بلى؛ قال: فالنّدم على الإساءة إساءة أو إحسان؟ قال: بل إحسان؛ قال: فالذي ندم هو الذي أساء أو غيره؟ قال: بل
هو الذي أساء؛ قال: فأرى صاحب الخير هو صاحب الشرّ، وقد بطل قولكم، إنّ الذي ينظر نظر الوعيد هو الذي ينظر نظر الرحمة؛ قال: فإني أزعم أنّ الذي أساء غير الذي ندم؛ قال: فندم على شيء كان من غيره أو على شيء كان منه؟ فأسكته.
دخل الموبذ على هشام بن الحكم فقال له: يا هشام، حول الدنياشيء؟ قال: لا، قال: فإن أخرجت يدي فثمّ شيء يردّها؟ قال هشام:
ليس ثمّ شيء يردّك، ولا شيء يخرج يدك فيه؛ قال: فكيف أعرف هذا؛ قال له: يا موبذ؛ أنا وأنت على طرف الدنيا فقلت لك يا موبذ: إني لا أرى شيئا، فقلت لي: ولم لا ترى؟ فقلت لك: ليس ها هنا ظلام يمنعني، قلت لي أنت: يا هشام، إني لا أرى شيئا، فقلت لك: ولم لا ترى؟ قلت: ليس ضياء أنظر به؛ فهل تكافأت الملّتان في التناقض؟ قال: نعم، قال: فإذا تكافأتا في التناقض لم تتكافآ في الإبطال أن ليس شيء؟ فأشار الموبذ بيده أن أصبت.
ودخل عليه يوما آخر فقال: هما في القوّة سواء؟ قال: نعم؛ قال: فجوهرهما واحد؟ قال الموبذ لنفسه- ومن حضر يسمع- إن قلت: إنّ جوهرهما واحد عادا في نعت واحد، وإن قلت: مختلف اختلفا أيضا في الهمم والإرادات
ولم يتّفقا في الخلق، فإن أراد هذا قصيرا أراد هذا طويلا؛ قال هشام: فكيف لا تسلم! قال: هيهات!.
وجاءه رجل ملحد فقال له: أنا أقول بالاثنين وقد عرفت إنصافك فلست أخاف مشاغبتك؛ فقال هشام وهو مشغول بثوب ينشره ولم يقبل عليه: حفظك الله، هل يقدر أحدهما أن يخلق شيئا لا يستعين بصاحبه عليه؟ قال: نعم؛ قال:
هشام: فما ترجو من اثنين! واحد خلق كلّ شيء أصحّ لك! فقال: لم يكلّمني بهذا أحد قبلك.
قال المأمون لمرتدّ إلى النصرانية: خبّرنا عن الشيء الذي أوحشك عن ديننا بعد أنسك به واستيحاشك ممّا كنت عليه؛ فإن وجدت عندنا دواء دائك تعالجت به، وإن أخطأ بك الشّفاء ونبا عن دائك الدّواء كنت قد أعذرت ولم ترجع على نفسك بلائمة، وإن قتلناك قتلناك بحكم الشريعة، وترجع أنت في نفسك إلى الاستبصار والثّقة وتعلم أنّك لم تقصّر في اجتهاد ولم تفرّط في الدخول من باب الحزم؛ قال المرتدّ: أوحشني ما رأيت من كثرة الاختلاف فيكم؛ قال المأمون: لنا اختلافان: أحدهما كالاختلاف في الأذان، والتكبير في الجنائز، والتشهّد، وصلاة الأعياد، وتكبير التشريق، ووجوه القراءات، ووجوه الفتيا، وهذا ليس باختلاف، إنما هو تخيّر وسعة وتخفيف من المحنة، فمن أذّن مثنى وأقام مثى لم يخطّىء من أذّن مثنى وأقام فرادى، ولا يتعايرون بذلك ولا يتعايبون، والاختلاف الآخر كنحو اختلافنا في تأويل الآية من كتابنا، وتأويل الحديث مع اجتماعنا على أصل التنزيل واتفاقنا على عين الخبر، فإن كان الذي أوحشك هذا حتى أنكرت هذا الكتاب، فقد ينبغي أن يكون اللفظ بجميع التوراة والإنجيل متّفقا على تأويله كما يكون متّفقا على تنزيله، ولا يكون بين جميع اليهود والنصارى اختلاف في شيء من
التأويلات؛ وينبغي لك ألّا ترجع إلا إلى لغة لا اختلاف في تأويل ألفاظها؛ ولو شاء الله أن ينزل كتبه ويجعل كلام أنبيائه وورثة رسله لا يحتاج إلى تفسير لفعل، ولكنّا لم نر شيئا من الدّين والدّنيا دفع إلينا على الكفاية، ولو كان الأمر كذلك لسقطت البلوى والمحنة، وذهبت المسابقة والمنافسة ولم يكن تفاضل، وليس على هذا بنى الله الدنيا. قال المرتدّ: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن المسيح عبد، وأنّ محمدا صادق، وانك أمير المؤمنين حقّا.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع