تجاوز إلى المحتوى

من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)

الأهواء والكلام في الدّين

قال المأمون يوما لعليّ بن موسى الرّضى ﵉: بم تدّعون هذا الأمر؟ قال: بقرابة عليّ من النبي ﷺ، وبقرابة فاطمة ﵂؛ فقال المأمون: إن لم يكن هاهنا شيء إلا القرابة ففي خلف رسول الله ﷺ من أهل بيته من هو أقرب إليه من عليّ، ومن هو في القرابة مثله؛ وإن كان بقرابة فاطمة من رسول الله، فإنّ الحقّ بعد فاطمة للحسن والحسين وليس لعليّ في هذا الأمر حقّ وهما حيّان؛ وإذا كان الأمر على ذلك، فإنّ عليّا قد ابتزّهما جميعا وهما حيّان صحيحان، واستولى عليّ على ما لا يجب له؛ فما أحار عليّ بن موسى نطقا.

حدّثنا الرّياشيّ قال: سمعت الأصمعيّ ينشد:

وإنّي لأغنى الناس عن متكلّميرى الناس ضلّالا وليس بمهتدي

وأنشدني أيضا الرياشيّ:

وعاجز الرّأي مضياع لفرصتهحتى إذا فات أمر عاتب القدرا
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

إذا عيّروا قالوا مقادير قدّرتوما العار إلّا ما تجرّ المقادر

وأنشدني سهل عن الأصمعيّ:

يا أيها المضمر همّا لا تهمّإنّك إن نقدر لك الحمّى تحتمّ
ولو غدوت شاهقا من العلمكيف توقّيك وقد جفّ القلم

وأنشدني غيره:

هي المقادير فلمني أو فذرإن كنت أخطأت فما أخطأ القدر

قال أبو يوسف: من طلب الدّين بالكلام تزندق، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن طلب غرائب الحديث كذب. كان مسلم بن أبي مريم- وهو مولى لبعض أهل المدينة وقد حمل عنه الحديث- شديدا على القدريّة، عائبا لهم ولكلامهم، فانكسرت رجله فتركها ولم يجبرها، فكلّم في ذلك فقال: يكسرها هو وأجبرها أنا! لقد عاندته إذا. قال رجل لهشام بن الحكم:

أترى الله ﷿ في فضله وكرمه وعدله كلّفنا ما لا نطيق ثم يعذّبنا؟ فقال هشام: قد، والله، فعل، ولكننا لا نستطيع أن نتكلّم.

حدّثني رجل من أصحابنا قال: صاحب رجل من القدريّة مجوسيّا في

سفر فقال له القدريّ: يا مجوسيّ، مالك لا تسلم؟ قال: حتى يشاء الله! قال:

قد شاء الله ذلك، ولكنّ الشيطان لا يدعك، قال المجوسيّ: فأنا مع أقواهما.

اجتمع أبو عمرو بن العلاء وعمرو بن عبيد فقال عمرو: إن الله وعد وعدا وأوعد إيعادا وإنه منجز وعده ووعيده. فقال له أبو عمرو: أنت أعجم! لا أقول إنّك أعجم اللسان، ولكنك أعجم القلب! أما تعلم، ويحك! أن العرب تعدّ إنجاز الوعد مكرمة، وترك إيقاع الوعيد مكرمة؟ ثم أنشده:

وإنّي وإن أوعدته أو وعدتهلمخلف إيعادي ومنجز موعدي

حبيب بن الشهيد قال: قال إياس بن معاوية: ما كلّمت أحدا بعقلي كلّه إلا صاحب القدر؛ قلت: ما الظلم في كلام العرب؟ قال: هو أن يأخذ الرجل ما ليس له؛ قلت: فإن الله له كلّ شيء.

وفي كتاب للهند: اليقين بالقدر لا يمنع الحازم توقّي المهالك، وليس على أحد النّظر في القدر المغيّب، ولكن عليه العمل بالحزم، ونحن نجمع تصديقا بالقدر وأخدا بالحزم.

حدّثني خالد بن محمد الأزديّ قال: حدّثنا شبابة بن سوّار قال: سمعت رجلا من الرافضة يقول: رحم الله أبا لؤلؤة! فقلت: تترحّم على رجل

مجوسيّ قتل عمر بن الخطّاب ﵁! فقال: كانت طعنته لعمر إسلامه.

حدّثني أحمد بن الخليل قال: حدّثنا الأصمعيّ قال: أخبرني عاصم بن محمد العمريّ قال: كنت جالسا عند أمير من أمراء المدينة فأتي برجل شتم أبا بكر وعمر فأسلمه حجّاما حتى حذق.

وقال بعض شعراء الرافضة في محمد بن الحنفيّة:

ألا قل للوصيّ فدتك نفسيأطلت بذلك الجبل المقاما
أضرّ بمعشر والوك منّاوسمّوك الخليفة والإماما
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
وعادوا فيك أهل الأرض طرّامقامك عنهم ستين عاما
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
وما ذاق ابن خولة طعم موتولا وارت له أرض عظاما
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
لقد أمسى بمورق شعب رضوىتراجعه الملائكة الكلاما

وقال كثيرّ عزّة فيه وكان رافضيّا يقول بالرّجعة:

ألا إنّ الأئمّة من قريشولاة الحقّ أربعة سواء
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
عليّ والثلاثة من بنيههم الأسباط ليس بهم خفاء
فسبط سبط إيمان وبرّوسبط غيّبته كربلاء
وسبط لا يذوق الموت حتّىيقود الخيل يقدمها اللّواء
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
تغّيب، لا يرى، عنهم زمانابرضوى عنده غسل وماء

وهم يذكرون أنه دخل شعبا باليمن في أربعين من أصحابه فلم ير لهم أثر.

قال طلحة بن مصرّف لرجل: لولا أني على وضوء لأخبرتك بما تقول الشّيعة.

قال هارون بن سعد العجليّ وكان رأس الزّيدية)

ألم تر أنّ الرافضين تفرّقوافكلّهمو في جعفر قال منكرا
فطائفة قالوا إله ومنهمطوائف سمّته النبيّ المطهّرا
فإن كان يرضى ما يقولون جعفرفإنّي إلى ربّي أفارق جعفرا
ومن عجب لم أقضه جلد جفرهمبرئت إلى الرحمن ممن تجفّرا
برئت إلى الرحمن من كل رافضبصير بباب الكفر، في الدين أعورا
إذا كفّ أهل الحق عن بدعة مضىعليها وإن يمضوا على الحق قصّرا
ولو قال إنّ الفيل ضبّ لصدّقواولو قال زنجيّ تحوّل أحمرا
وأخلف من بول البعير فإنّهإذا هو للإقبال وجّه أدبرا
فقبّح أقوام رموه بفريةكما قال في عيسى الفرى من تنصّرا

سمعت بعض أهل الأدب يقول: ما أشبه تأويل الرافضة للقرآن بتأويل رجل للشّعر، فإنه قال يوما: ما سمعت بأكذب من بني تميم! زعموا أنّ قول القائل:

بيت زرارة محتب بفنائهومجاشع وأبو الفوارس نهشل

إنما هو في رجال منهم؛ قيل له: ما تقول أنت؟ قال: البيت بيت الله، وزرارة الحجر؛ قيل له: فمجاشع؟ قال: زمزم جشعت بالماء؛ قيل له: فأبو

الفوارس؟ قال: أبو قبيس؛ قيل: فنهشل؟ قال: نهشل أشدّ، وفكّر ساعة ثم قال: نعم، نهشل! مصباح الكعبة طويل أسود فذاك نهشل!.

قال أعشى همدان يذكر قتل الرافضة الناس:

إذا سرت في عجل فسر في صحابةوكندة فاحذرها حذارك للخسف
للشاعر أعشى همدان، اقرأ القصيدة
وفي شيعة الأعمى زياد وغيلةولسب وإعمال لجندلة القذف

الأعمى هو المغيرة. وزياد يعني الخنق. واللّسب: السمّ؛ وإعمال لجندلة القذف: يريد رضخهم رؤوس الناس بالحجارة. ثم قال:

وكلّهمو شرّ على أنّ رأسهمحميدة والميلاء حاضنة الكسف

والكسف هذا هو أبو منصور، سمّى بذلك لأنه قال لأصحابه: فيّ

نزل: وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً

وكان يدين بخنق الناس وقتلهم.

ثم قال:

متى كنت في حيّى بجيلة فاستمعفإنّ لهم قصفا يدلّ على حتف

كان المغيرة بجليّا مولى لهم. ثم قال:

إذا اعتزموا يوما على قتل زائرتداعوا عليه بالنّباح وبالعزف
للشاعر أعشى همدان، اقرأ القصيدة

وكان ابن عيينة ينشد:

إذا ما سرّك العيشفلا تأخذ على كنده

يريد أن الخنّاقين من المنصورية أكثرهم بالكوفة من كندة، منهم أبو قطنة الخنّاق.

حدّثني أبو حاتم قال: حدّثنا الأصمعيّ عن ابن أبي زائدة قال: قال هشام بن القاسم: أخذ خالد بن عبد الله المغيرة فقتله وصلبه بواسط عند منظرة العاشر، فقال الشاعر:

طال التّجاور من بيان واقفاومن المغيرة عند جذع العاشر
يا ليته قد شال جذعا نخلةبأبي حنيفة وابن قيس الناصر

وبيان هذا هو بيان التّبّان وكان يقول: إليّ أشار الله إذ يقول: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ

وهو أوّل من قال بخلق القرآن.

وأما المغيرة فكان مولى لبجيلة وكان سبائيّا وصاحب نيرنجات. قال الأعمش: قلت للمغيرة: هل كان عليّ يحيي الموتى؟ فقال: لو شاء لأحيا عادا وثمود وقرونا بين ذلك كثيرا.

بلغني عن أبي عاصم عن إسماعيل بن مسلم المكّيّ قال: كنت بالكوفة فإذا قوم من جيراني يكثرون الدخول على رجل، فقلت من هذا الذي تدخلون عليه؟ فقالوا: هذا عليّ بن أبي طالب، فقلت: أدخلوني معكم فمضيت معهم وخبأت معي سوطا تحت ثيابي فدخلت فإذا شيخ أصلع بطين، فقلت له: أنت عليّ بن أبي طالب؟ فأومأ برأسه: أي نعم، فأخرجت السّوط فما زلت أقنّعه ! وهو يقول: لتاوى لتاوى، فقلت لهم: يا فسقة! عليّ بن أبي

طالب نبطيّ ! ثم قلت له: ويلك! ما قصّتك؟ قال: جعلت فداك، أنا رجل من أهل السّواد أخذني هؤلاء فقالوا: أنت عليّ بن أبي طالب.

حدّثني رجل من أصحاب الكلام قال: دخل هشام بن الحكم على بعض الولاة العباسيين فقال رجل للعباسي: أنا أقرّر هشاما بأنّ عليّا كان ظالما، فقال له: إن فعلت ذلك فلك كذا؛ فقال له: يا أبا محمّد، أما علمت أن عليّا نازع العبّاس إلى أبي بكر؟ قال: نعم، قال: فأيّهما كان الظالم لصاحبه؟

فتوقّف هشام وقال: إن قلت العباس خفت العباسيّ، وإن قلت عليّا ناقضت قولي، ثم قال: لم يكن فيهما ظالم، قال: فيختصم اثنان في أمر وهما محقّان جميعا؟ قال: نعم، اختصم الملكان إلى داود وليس فيهما ظالم إنّما أرادا أن ينبّهاه على ظلمه، كذلك اختصم هذان إلى أبي بكر ليعرّفاه ظلمه فأسكت الرجل وأمر الخليفة لهشام بصلة.

قال حسّان بن ثابت في النبيّ ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄:

ثلاثة برّزوا بسبقهمنضّرهم ربّهم إذا نشروا
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «ثلاثة برزوا بسبقهم»
عاشوا بلا فرقة حياتهمواجتمعوا في الممات إذ قبروا
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «ثلاثة برزوا بسبقهم»
فليس من مسلم له بصرينكر من فضلهم إذا ذكروا
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «ثلاثة برزوا بسبقهم»

وقال أعرابيّ لعبد الله بن عمر:

إليك ابن خير الناس إلّا محمداوإلّا أبا بكر نروح ونغتدي

وقال أبو طالب في سهل بن بيضاء، وكان أسر فأطلقه رسول الله ﷺ بغير فداء، لأنه كان مسلما مكرها على الخروج:

وهم رجعوا سهل بن بيضاء راضياوسرّ أبو بكر بها ومحمد

وقال عبيد الله بن عمر:

أنا عبيد الله ينميني عمرخير قريش من مضى ومن غبر
بعد رسول الله والشّيخ الأغرّمهلا عبيد الله في ذلك نظر

وقال حسّان بن ثابت يرثي أبا بكر ﵁:

إذا تذكّرت شجوا من أخي ثقةفاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة»
خير البريّة أتقاها وأعدلهابعد النّبيّ وأوفاها بما حملا
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة»
والثاني الصادق المحمود مشهدهوأوّل الناس منهم صدّق الرّسلا
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة»
وكان حبّ رسول الله قد علموامن البريّة لم يعدل به رجلا
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة»

حدّثني مهيار الرازيّ قال: قال جرير بن ثعلبة: حصرت شيطانا مرّة فقال: أرفق بي فإنّي من الشّيعة، فقلت: فمن تعرف من الشيعة؟ قال:

الأعمش، فخلّيت سبيله. قال أبو هريرة العجليّ لمحمد بن عليّ بن

الحسين ﵈:

أبا جعفر أنت الوليّ أحبّهوأرضى بما ترضى به وأتابع
أتتنا رجال يحملون عليكمأحاديث قد ضاقت بهنّ الأضالع
أحاديث أفشاها المغيرة فيهموشرّ الأمور المحدثات البدائع

حدّثني هارون بن موسى عن الحسن بن موسى الأشيب عن حمّاد بن زيد عن يحيى بن سعيد قال: قال عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر التنقّل. قال:

ما ضرّ من أصبح المأمون سائسهإن لم يسسه أبو بكر ولا عمر
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «يا وارث الملك إن الملك محتبس»

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عيون الأخبار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.