من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
كتاب العلم
والبيان
العلم
حدّثني الزياديّ قال: حدّثنا عيسى بن يونس عن الأوزاعيّ عن عبد الله ابن سعد عن الصّنابحيّ عن معاوية بن أبي سفيان قال: نهى رسول الله ﷺ عن الأغلوطات، قال الأوزاعيّ: يعني صعاب المسائل.
حدّثني سهيل بن محمّد عن الأصمعيّ قال: سمعت عمران بن حدير يحدّث عن رجل من أهل الشام قد سمّاه، قال: قال كعب الأحبار لقوم من أهل الشام: كيف رأيكم في أبي مسلم الخولانيّ ؟ فقالوا: ما أحسن رأينا فيه وأخذنا عنه! فقال: إنّ أزهد الناس في العالم أهله، وإنّ مثل ذلك مثل الحمّة تكون في القوم فيرغب فيها الغرباء، ويزهد فيها القرباء، فبينا ذلك
غار ماؤها، وأصاب هؤلاء منفعتها، وبقي هؤلاء يتفكّنون، أي يتندّمون.
وفي الإنجيل أنّ عيسى صلى الله عليه لمّا أراهم العجائب، وضرب لهم الأمثال والحكمة، وأظهر لهم هذه الآيات، قالوا: أليس هذا ابن النّجّار! أو ليست أمّه مريم وأخوه يعقوب ويوسف وشمعون ويهوذا وأخواته كلّهنّ عندنا! فقال لهم عيسى: إنّه لا يسبّ النبيّ ولا يحقّر إلّا في مدينته وبيئته.
حدّثنا الرياشيّ قال: حدّثنا الأصمعيّ قال: قيل لدغفل النسّابة: بم أدركت ما أدركت من العلم؟ فقال: بلسان سؤول وقلب عقول، وكنت إذا لقيت عالما أخذت منه وأعطيته.
حدّثني أبو حاتم قال: حدّثنا الأصمعيّ قال: حدّثنا العلاء بن أسلم عن رؤبة بن العجّاج قال: أتيت النّسابة البكريّ فقال لي: من أنت؟ فقلت: أنا ابن العجاج، قال: قصّرت وعرّفت، لعلك من قوم إن سكتّ عنهم لم يسألوني، وإن تكلّمت لم يعوا عنّي، قلت: أرجو ألا أكون كذلك، قال: ما أعداء المروءة؟
قلت: تخبرني، قال: بنو عمّ السوء إن رأوا حسنا ستروه، وإن رأوا سيّئا أذاعوه، ثم قال: إن للعلم آفة وهجنة ونكدا، فآفته نسيانه، ونكده الكذب فيه، وهجنته نشره عند غير أهله.
كان يقال: لا يزال المرء عالما ما طلب العلم فإذا ظن أن قد علم فقد جهل.
حدّثني شيخ لنا عن محمّد بن عبيد عن الصّلت بن مهران عن رجل عن الشعبيّ عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «من تعلّم العلم لأربعة دخل النار ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء أو يميل به وجوه الناس أو يأخذ به من الأمراء».
وحدّثني عن أبي معاوية عن حجّاج عن مكحول قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من عبد يخلص العبادة لله أربعين يوما إلّا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه». وقرأت في حكم لقمان أنه قال لابنه: يا بنيّ، أغد عالما أو متعلّما أو مستمعا أو محبّا، ولا تكن الخامس فتهلك.
حدّثني محمد بن داود عن سويد بن سعيد عن إسماعيل عن ابن عيّاش عن معاذ ابن رفاعة عن إبراهيم بن عبد الرحمن قال: قال النبيّ ﷺ: «يحمل هذا العلم من كلّ خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين».
وروى أبو خالد بن الأحمر عن عمرو بن قيس عن أبي إسحاق قال:
قال عليّ ﵇: كلمات لو رحّلتم المطيّ فيهنّ لا تصيبوهنّ قبل أن تدركوا مثلهن: لا يرجونّ عبد إلا ربّه، ولا يخافنّ إلا ذنبه، ولا يستحيي من لا يعلم أن يتعلم، ولا يستحيي إذا سئل عمّا لا يعلم أن يقول: الله أعلم.
واعلموا أنّ منزلة الصبر من الإيمان كمنزلة الرأس من الجسد، فإذا ذهب الرأس ذهب الجسد، وإذا ذهب الصبر ذهب الإيمان. وكان يقول: من حقّ العالم عليك إذا أتيته أن تسلّم على القوم عامّة وتخصّه بالتحية، وأن تجلس قدّامه ولا تشير بيدك، ولا تغمز بعينك، ولا تقول قال فلان خلافا لقوله، ولا تغتاب عنده أحدا، ولا تسارّ في مجلسه، ولا تأخذ بثوبه، ولا تلحّ عليه إذا كسل، ولا تغرض من صحبته لك: فإنما هو بمنزلة النخلة لا يزال يسقط عليك منها شيء. وفيما قال عليّ ﵇: يا كميل، العلم خير من
المال، لأنّ العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق. وقال: قيمة كلّ امرىء ما يحسن. ويقال إذا أرذل الله عبدا حظر عليه العلم. وقال الشاعر:
يعدّ رفيع القوم من كان عالماوإن لم يكن في قومه بحسيب
وإن حلّ أرضا عاش فيها بعلمهوما عالم في بلدة بغريب
قال بزرجمهر: ما ورّثت الآباء الأبناء شيئا أفضل من الأدب، لأنها تكتسب المال بالأدب وبالجهل تتلفه فتقعد عدما منهما. قال رجل لخالد بن صفوان: مالي إذا رأيتكم تتذاكرون الأخبار، وتتدارسون الآثار، وتتناشدون الأشعار، وقع عليّ النوم؟ قال: لأنّك حمار في مسلاخ»
إنسان.
خرج الوليد بن يزيد حاجّا ومعه عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر فكانا ببعض الطريق يلعبان بالشّطرنج فاستأذن عليه رجل من ثقيف فأذن له وستر الشّطرنج بمنديل، فلمّا دخل سلّم فسأله حاجته؛ فقال له الوليد: أقرأت القرآن؟ قال: لا، يا أمير المؤمنين! شغلتني عنه أمور وهنات، قال: أفتعرف الفقه؟ قال: لا، قال: أفرويت من الشّعر شيئا؟ قال: لا، قال: أفعلمت من أيام العرب شيئا؟ قال: لا، قال: فكشف المنديل عن الشّطرنج وقال:
شاهك، فقال له عبد الله بن معاوية: يا أمير المؤمنين! قال: اسكت فما معنا أحد.
وفي كتاب للهند: العالم إذا اغترب فمعه من علمه كاف، كالأسد معه
قوّته التي يعيش بها حيث توجّه. وكان يقال: العلم أشرف الأحساب، والمودّة أشدّ الأسباب، قال الشاعر:
الحلم والعلم خلّتا كرمللمرء زين إذا هما اجتمعا
صنوان لا يستتمّ حسنهماإلا بجمع لذا وذاك معا
كم من وضيع سما به العلم والحلم فنال العلاء وارتفعا
ومن رفيع البنا أضاعهماأخمله ما أضاع فاتّضعا
قال الأحنف: كاد العلماء أن يكونوا أربابا، وكلّ عزّ لم يؤكّد بعلم فإلى ذلّ ما يصير. وقال ابن المقفّع: إذا أكرمك الناس لمال أو سلطان فلا يعجبنّك ذلك، فإنّ زوال الكرامة بزوالهما، ولكن ليعجبك إن أكرموك لدين أو أدب. وفي بعض الحديث المرفوع: «مثل العلماء في الأرض مثل النجوم في السماء». وكان يقال: إستدلّ على فضل العلم أنه ليس أحد يحبّ أنّ له بحظه منه خطرا. قال يونس بن حبيب: علمك من روحك، ومالك من بدنك. قال أبو الأسود: الملوك حكّام على الناس، والعلماء حكّام على الملوك.
قيل لبزرجمهر: العلماء أفضل أم الأغنياء؟ فقال: العلماء، فقيل له:
فما بال العلماء بأبواب الأغنياء أكثر من الأغنياء بأبواب العلماء؟ فقال: لمعرفة العلماء بفضل الغنى وجهل الأغنياء بفضل العلم. وفي الحديث: «ليس الملق من أخلاق المؤمن إلّا في طلب العلم». قال ابن عبّاس: دللت طالبا، فعزرت مطلوبا؛ وكان يقول: وجدت عامّة علم رسول الله ﷺ عند هذا الحيّ من الأنصار، إن كنت لأقيل بباب أحدهم ولو شئت أذن لي، ولكن أبتغي بذلك طيب نفسه. وكان يقال: أوّل العلم الصّمت والثاني الاستماع، والثالث الحفظ، والرابع العقل، والخامس نشره. ويقال: إذا جالست العلماء فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول. قال الحسن: من أحسن عبادة الله
في شبيبته لقاه الله الحكمة في سنّه، وذلك قوله: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ
قال بعض الحكماء من الصحابة: تقول الحكمة: من التمسني فلم يجدني فليفعل بأحسن ما يعلم، وليترك أقبح ما يعلم، فإذا فعل ذلك فأنا معه وإن لم يعرفني. وكان يقال: لا يكون الرجل عالما حتّى يكون فيه ثلاث: لا يحقر من دونه في العلم، ولا يحسد من فوقه، ولا يأخذ على علمه ثمنا. وقال ابن عيينة: يستحبّ للعالم إذا علّم ألّا يعنّف، وإذا علّم ألّا يأنف. وفي كلام لغيلان، لا تكن كعلماء زمن الهرج إن علّموا أنفوا وإن علّموا عنفوا. وفي حكمة لقمان: إن العالم الحكيم يدعو الناس إلى علمه بالصّمت والوقار، وإن العالم الأخرق يطرد الناس عن علمه بالهذر والإكثار. قال إبراهيم بن المنصور: سل مسألة الحمقى واحفظ حفظ الأكياس. وأنشد ابن الأعرابيّ:
ما أقرب الأشياء حين يسوقهاقدر وأبعدها إذا لم تقدر
فسل الفقيه تكن فقيها مثلهمن يسع في عمل بفقه يمهر
وتدبّر الأمر الذي تعنى بهلا خير في عمل بغير تدبّر
فلقد يجدّ المرء وهو مقصّرويخيب جدّ المرء غير مقصّر
ذهب الرجال المقتدى بفعالهموالمنكرون لكلّ أمر منكر
وبقيت في خلف يزيّن بعضهمبعضا ليدفع معور عن معور
وقال الشاعر:
شفاء العمى طول السؤال وإنّماتمام العمى طول السكوت على الجهل
وقال بعضهم: خير خصال المرء السؤال. ويقال: إذا جلست إلى عالم فسل تفقّها ولا تسل تعنّتا. قال الحسن. من استتر عن الطلب بالحياء لبس للجهل سرباله، فقطّعوا سرابيل الحياء، فإنّه من رقّ وجهه رق علمه؛ وقال:
إنّي وجدت العلم بين الحياء والستر. وقال الخليل؛ منزلة الجهل بين الحياء والأنفة. وقال عليّ بن أبي طالب ﵇: قرنت الهيبة بالخيبة، والحياء بالحرمان، والحكمة ضالّة المؤمن فليطلبها ولو في يدي أهل الشّرك. وقال عروة بن الزّبير لبنيه: تعلّموا العلم فإن تكونوا صغار قوم فعسى أن تكونوا كبار قوم آخرين، فيا سوءتا ماذا أقبّح من جهل بشيخ! وكان يقال: علّم علمك من يجهل، وتعلّم ممّن يعلم، فإنّك إذا فعلت ذلك علمت ما جهلت وحفظت ما علمت.
قيل لبزرجمهر: بم أدركت ما أدركت من العلم؟ فقال: ببكور كبكور الغراب، وحرص كحرص الخنزير، وصبر كصبر الحمار. وقال الحسن:
طلب العلم في الصغر كالنّقش في الحجر، وطلب العلم في الكبر كالنقش على الماء. ويقال: التفقّه على غير علم كحمار الطاحونة يدور ولا يبرح. وفي الحديث المرفوع «ارحموا عزيزا ذلّ ارحموا غنيّا افتقر ارحموا عالما ضاع بين جهّال» ويقال: أحقّ الناس بالرحمة عالم يجوز عليه حكم جاهل.
قال المسيح ﵇: يا بني إسرائيل، لا تلقوا اللؤلؤ إلى الخنازير،
فإنّها لا تصنع به شيئا، ولا تعطوا الحكمة من لا يريدها، فإنّ الحكمة أفضل من اللؤلؤ، ومن لا يريدها شرّ من الخنازير. قال ديمقراط: عالم معاند خير من منصف جاهل. وقال آخر: الجاهل لا يكون منصفا؛ وقد يكون العالم معاندا. قال سفيان: تعوّذوا بالله من فتنة العابد الجاهل، وفتنة العالم الفاجر. قيل للحسن: الحرفة في أهل العلم: ولغيرهم الثّروة، فقال: إنّك طلبت قليلا في قليل فأعجزك، طلبت المال وهو قليل في الناس، في أهل العلم وهم قليل من الناس. وقال الخريمي:
لا تنظرنّ إلى عقل ولا أدبإنّ الجدود قرينات الحماقات
وقال آخر:
ما ازددت من أدبي حرفا أسرّ بهإلّا تزيّدت حرفا تحته شوم
إنّ المقدّم في جذق بصنعتهأنّى توجّه منها فهو محروم
وقال الطائيّ لمحمد بن عبد الملك:
أبا جعفر، إنّ الجهالة أمّهاولود وأمّ العلم جذّاء حائل
قال الثّوريّ: من طلب الرّياسة بالعلم سريعا فاته علم كثير؛ وقال:
يهتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلّا ارتحل. قال بعض أهل العلم: يغفر للجاهل سبعون ذنبا قبل أن يغفر للعالم ذنب واحد. قال بلال بن أبي بردة: لا يمنعنّكم سوء ما تعلمون منا أن تقبلوا أحسن ما تسمعون. وقال الخليل بن أحمد:
اعمل بعلمي ولا تنظر إلى عمليينفعك قولي ولا يضررك تقصيري
كتب رجل إلى أخ له: إنّك قد أوتيت علما فلا تطفئنّ نور علمك بظلمة الذنوب فتبقى في الظلمة يوم يسعى أهل العلم بنور علمهم.
وقال بعض الحكماء: لولا العلم لم يطلب العمل، ولولا العمل لم يطلب العلم، ولأن أدع الحقّ جهلا به أحبّ إليّ من أن أدعه زهدا فيه. وقال مالك بن دينار: إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلّت موعظته عن القلوب كما يزلّ القطر عن الصّفا. ونحوه قول زياد: إذا خرج الكلام من القلب وقع في القلب، وإذا خرج من اللسان لم يجاوز الآذان.
ويقال: العلماء إذا علموا كملوا، فإذا عملوا شغلوا، فإذا شغلوا فقدوا، فإذا فقدوا طلبوا فإذا طلبوا هربوا. قال الحسن: ما أحسن الرجل ناطقا عالما ومستمعا واعيا وواعيا عاملا. وقال ابن مسعود: إني لأحسب الرّجل ينسى العلم بالخطيئة يعملها. وقال ابن عبّاس: إذا ترك العالم قول لا أدري أصيبت مقاتله. وقال يزيد بن الوليد بن عبد الملك:
إذا ما تحدّثت في مجلستناهى حديثي إلى ما علمت
ولم أعد علمي إلى غيرهوكان إذا ما تناهى قصرت
وقال آخر:
إذا ما انتهى علمي تناهيت عندهأطال فأملى أم تناهى فأقصرا
ويخبرني عن غائب المرء فعلهكفى الفعل عما غيّب المرء مخبرا
قال عمر بن الخطّاب: لا أدركت لا أنا ولا أنت زمانا يتغاير الناس فيه
على العلم كما يتغايرون على الأزواج. قال سلمان: علم لا يقال به ككنز لا ينفق منه. وفي الحديث المرفوع: «العلم علمان علم في القلب فذلك العلم النافع وعلم على اللسان فذلك حجّة الله على ابن آدم» قال عمر بن عبد العزيز: ما قرن شيء إلى شيء أحسن من حلم إلى علم ومن عفو إلى قدرة.
قال أبو الدّرداء: من يزدد علما يزدد وجعا.
قال أفلاطون: لولا أنّ في قول لا أعلم سببا لأنّي أعلم لقلت إنّي لا أعلم. وقال آخر: ليس معي من فضيلة العلم إلا علمي بأنّي لست أعلم.
قال الخليل بن أحمد: الرجال أربعة: رجل يدري ويدري أنّه يدري فسلوه، ورجل يدري ولا يدري أنه يدري فذاك ناس فذكّروه، ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري فذلك مسترشد فعلّموه، ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فذلك جاهل فارفضوه.
كتب كسرى إلى بزرجمهر وهو في الحبس: كانت ثمرة علمك أن صرت بها أهلا للحبس والقتل، فكتب إليه بزرجمهر: أما ما كان معي الجدّ فقد كنت أنتفع بثمرة العلم فالآن إذ لا جدّ فقد صرت أنتفع بثمرة الصبر مع أني إن كنت فقدت كثير الخير فقد استرحت من كثير الشرّ.
قال بزرجمهر: من صلح له العمر صلح له التعلّم. وقيل لبعض الحكماء: أيحسن بالرجل أن يتعلّم؟ فقال: إن كانت الجهالة تقبح به فإنّ العلم يحسن به. ويقال: التودّد زين العلم.
قال عمر بن الخطّاب: ما من غاشية أدوم أرقا، وأبطأ شبعا من عالم.
قال مالك بن دينار: من طلب العلم لنفسه فالقليل منه يكفي، ومن طلبه
للناس فحوائج الناس كثيرة.
قال إبّقراط: العلم كثير، والعمر قصير، والصنعة طويلة، والزمان جديد، والتجربة خطأ.
قال المسيح ﵇: إلى متى تصفون الطرنف للمدلجين، وأنتم مقيمون مع المتحيّرين؟ إنما ينبغي من العلم القليل، ومن العمل الكثير. قال سلمان: لو حدّثت الناس بكلّ ما أعلم لقالوا رحم الله قاتل سلمان. كان يقال: لا تقل فيما لا تعلم فتتّهم فيما تعلم. وكان يقال: العلم قائد، والعمل سائق، والنّفس حرون، فإذا كان قائد بلا سائق بلدت وإذا كان سائق بلا قائد عدلت يمينا وشمالا، فإذا اجتمعا أنابت طوعا وكرها. قال أيّوب: لا يعرف الرجل خطأ معلّمه حتّى يعرف الاختلاف. ويقال: غريزة العقل أنثى وما يستفاد من العلم ذكر ولن يصلحا إلّا معا.
قال المسيح ﵇: إن أبغض العلماء إلى الله رجل يحبّ الذّكر بالمغيب، ويوسّع له في المجالس، ويدعى إلى الطعام، وتفرغ له المزاود، بحقّ أقول لكم: إنّ أولئك قد أخذوا أجورهم في الدنيا، وإنّ الله يضاعف لهم العذاب يوم القيامة.
لما دلّي زيد بن ثابت في قبره قال ابن عبّاس: من سرّه أن يرى كيف ذهب العلم فهكذا ذهاب العلم.
ويقال: إذا أردت المحبة من الله فكن عالما كجاهل. وقال بعض الشعراء في تلاقي العلماء:
إذا تلاقى الفيول وازدحمتفكيف حال البعوض في الوسط؟
وقال ابن الرّقاع:
ولقد أصبت من المعيشة لذّةولقيت من شظف الخطوب شدادها
وعلمت حتّى لست أسأل عالماعن حرف واحدة لكي أزدادها
ويقال: أربع لا يأنف منهنّ الشريف: قيامه عن مجلسه لأبيه، وخدمته لضيفه، وقيامه على فرسه وإن كان له مائة عبد، وخدمته العالم ليأخذ من علمه.
قيل لعطاء بن مصعب: كيف غلبت على البرمكة وعندهم من هو آدب منك؟ قال: ليس للقرباء ظرافة الغرباء، كنت بعيد الدار، غريب الاسم، عظيم الكبر، صغير الجرم، كثير الالتواء، شحيحا بالإملاء؛ فقرّبني إليهم تباعدي منهم، ورغّبهم فيّ رغبتي عنهم.
قال أبو يعقوب الخريميّ: تلقّاني سعيد بن وهب مع طلوع الشمس فقلت: أين تريد؟ قال: أدور لعلّي أسمع حديثا حسنا، ثم تلقّاني أنس بن أبي شيخ فقلت: أين تريد؟ قال: عندي حديث حسن فأنا أطلب له إنسانا حسن الفهم حسن الاستماع، قلت: حدّثني به، قال: أنت حسن الفهم سيّء الإستماع، وما أرى لهذا الحديث إلا إسماعيل بن غزوان. وقال الطائيّ في نحو هذا:
وكنت أعزّ عزّا من قنوعتعوّضه صفوح من ملول
فصرت أذلّ من معنى دقيقبه فقر إلى فهم جليل
كان يقال: إذا أردت أن تكون عالما فاقصد لفنّ من العلم، وإذا أردت أن تكون أديبا فخذ من كل شيء أحسنه. قال إبراهيم بن المهديّ:
قد يرزق المرء لم تتعب رواحلهويحرم الرّزق من لم يؤت من تعب
مع أنني واجد في الناس واحدةالرزق أروغ شيء عن ذوي الأدب
وخلّة ليس فيها من يخالفنيالرزق والنّوك مقرونان في سبب
يا ثابت العقل كم عاينت ذا حمقالرّزق أغرى به من لازم الجرب
قال أنو شروان للموبذ: ما رأس الأشياء؟ قال: الطبيعة النقيّة تكتفي من الأدب برائحته ومن العلم بالإشارة إليه، وكما يذهب البذر في السّباخ ضائعا، كذلك الحكمة تموت بموت الطبيعة، وكما تغلب السّباخ طيّب البذر إلى العفن، كذلك الحكمة تفسد عند غير أهلها؛ قال كسرى؛ قد صدقت وبحق قلّدناك ما قلّدناك.
قال بعض السلف: يكون في آخر الزمان علماء يزهّدون في الدنيا ولا يزهدون، ويرغّبون في الآخرة ولا يرغبون، ينهون عن غشيان الولاة ولا ينتهون، يقرّبون الأغنياء ويباعدون الفقراء، وينقبضون عند الحقراء، وينبسطون عند الكبراء: أولئك الجبّارون أعداء الرحمن.
نافع عن ابن عمر قال: العلم ثلاثة: كتاب ناطق؛ وسنة ماضية؛ ولا أدري.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع