من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
الحديث
حدّثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشّهيد قال: حدّثنا محمد بن
فضيل عن الأعمش قال: كان إسماعيل بن رجاء يجمع صبيان الكتّاب فيحدّثهم كيلا ينسى حديثه. وحدّثني إسحاق الشّهيديّ قال: حدّثنا أبو بكر بن عيّاش عن الأعمش قال: قال لي حبيب بن أبي ثابت: لو أنّ رجلا حدّثني عنك بحديث ما باليت أن أرويه عنك.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ عن نافع عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: ألف عن ألف خير من واحد عن واحد إنّ فلانا عن فلان ينتزع السّنّة من أيديكم.
حدّثني الرياشيّ قال: روي عن محمد بن إسماعيل عن معتمر قال:
حدّثني منقذ عن أيّوب عن الحسن قال: ويح: رحمة.
حدّثنا الرياشيّ قال: روى ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد؛ قال ربيعة: ثم ذاكرت سهيلا بهذا الحديث فلم يحفظه، فكان بعد ذلك يرويه عنّي عن نفسه عن أبيه عن أبي هريرة.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ عن شعبة قال: كان قتادة إذا حدّث بالحديث الجيّد ثم ذهب يجيء بالثاني غدوة.
بلغني عن ابن مهديّ قال: سئل شعبة؛ من الذي يترك حديثه؟ فقال:
الذي يتّهم بالكذب، ومن تكثّر بالغلط، ومن يخطىء في حديث مجمع عليه فلا يتّهم نفسه ويقيم على غلطه، ورجل روى عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون.
وعن مالك أنه قال: لا يؤخذ العلم من أربعة: سفيه معلن بالسفه، وصاحب هوى، ورجل يكذب في أحاديث الناس وإن كنت لا تتّهمه في
الحديث، ورجل له فضل وتعفّف وصلاح لا يعرف ما يحدّث.
حدّثني عبد الرحمن عن الأصمعيّ أنه رثى سفيان بن عيينة فقال:
فليبك سفيان باغي سنّة درستومستبيت أثارات وآثار
ومبتغي قرب إسناد وموعظةوأفقيّون من طار ومن طار
أمست مجالسه وحشا معطّلةمن قاطنين وحجّاج وعمّار
من للحديث عن الزّهريّ حين ثوىأو للأحاديث عن عمرو بن دينار
لن يسمعوا بعده من قال حدّثنا الزّهريّ من أهل بدو أو بإحضار
لا يهنأ الشامت المسرور مصرعهمن مارقين ومن جحّاد أقدار
ومن زنادقة، جهم يقودهمقودا إلى غضب الرحمن والنار
وملحدين ومرتابين قد خلطوابسنّة الله أهتارا بأهتار
وقال آخر في مالك بن أنس الفقيه:
يأبى الجواب فما يراجع هيبةوالسائلون نواكس الأذقان
هدي التقيّ وعزّ سلطان التّقىفهو المطاع وليس ذا سلطان
حدّثنا أبو الخطّاب قال: حدّثنا محمد بن سوّار قال: حدّثنا هشام بن حسّان قال: كان الحسن يحدّثنا اليوم بالحديث ويردّه الغد ويزيد فيه وينقص إلا أن المعنى واحد.
حدّثني أبو الخطاب قال: حدّثنا ميمون قال: حدّثنا جعفر بن محمد عن أبيه قال: قال حذيفة بن اليمان: إنّا قوم عرب فنقدّم ونؤخّر ونزيد وننقص، ولا نريد بذلك كذبا.
أبو معاوية قال: قال أبو إسحاق الشاميّ: لو كان هذا الحديث من الخبز نقص.
أبو أسامة قال: قال مسعر: من أبغضني فجعله الله محدّثا. أبو معاوية قال: سمعت الأعمش يقول: والله لأن أتصدّق بكسرة أحبّ إليّ من أن أتحدّث بستين حديثا.
أبو أسامة قال: سمعت سفيان يقول لوددت أنها قطعت من هامتي، وأومأ إلى المنكب، وأني لم أسمع منه شيئا.
قال ابن عيينة: ما أحبّ لمن أحبّ أن يكون أحفظ الناس للحديث.
قال بعضهم: إنّي لأسمع الحديث عطلا فأشنّفه وأقرّطه وأقلّده فيحسن، وما زدت فيه معنى، ولا نقصت منه معنى.
أبو أسامة قال: سأل حفص بن غياث الأعمش عن إسناد حديث فأخذ بحلقه وأسنده إلى الحائط وقال: هذا إسناده.
وحدّث ابن السّمّاك بحديث فقال له رجل: ما إسناده؟ فقال: هو من
المرسلات عرفا. وحدّث الحسن بحديث فقال له رجل: يا أبا سعيد، عمّن قال وما يصنع بعمّن؟ أمّا أنت فقد نالتك موعظته، وقامت عليك حجّته.
يعلى قال: قال الأعمش: إذا رأيت الشيخ لم يطلب الفقه أحببت أن أصفعه.
ابن عيينة قال: قال الأعمش: لولا تعلّم هذه الأحاديث كنت كبعض بقّالي الكوفة.
إزدحم الناس يوما على باب ابن عيينة أيام الموسم وبالقرب منه رجل من حاجّ خراسان قد حطّ بمجمله فديس وكسر ما كان معه وانتهب كعكه وسويقه، فقام يسير إلى سفيان يدعو ويقول: إني لا أحلّ لك ما صنعت؛ فقال سفيان: ما يقول؟ فقال: بعضهم: يقول لك: زدنا في السّماع رحمك الله.
أنشدني أبو حاتم عن الأصمعيّ للعلاء بن المنهال الغنويّ في شريك:
فليت أبا شريك كان حيّافيقصر حين يبصره شريك
ويترك من تدرّيه عليناإذا قلنا له هذا أبوك
وقال آخر:
تحرّز سفيان وفرّ بدينهوأمسى شريك مرصدا للدراهم
وقال آخر في شهر بن حوشب:
لقد باع شهر دينه بخريطةفمن يأمن القرّاء بعدك يا شهر؟
وذلك أنه كان دخل بيت المال فسرق خريطة، ورافق رجلا من أهل الشام فسرق عيبته. وقال ابن مناذر:
ومن يبغ الوصاة فإنّ عنديوصاة للكهول وللشّباب
خذوا عن مالك وعن ابن عونولا ترووا أحاديث ابن دأب
عبد العزيز بن أبان عن سفيان عن حبيب بن أبي ثابت قال: طلبنا هذا الأمر وما لنا فيه نيّة، ثم إنّ النّية جاءت بعد؛ فقال سفيان: قال زيد بن أسلم:
رأيتم رجلا مدّ رجله فقال: اقطعوها سوف أجبرها. قيل لرقبة: ما أكثر شككّ! فقال: محاماة عن اليقين؛ وقال بعضهم: سأل شعبة أيّوب السّختيانيّ عن حديث فقال: أنا أشكّ، فيه فقال: شكّك أحبّ إليّ من يقين سبعة.
حدّثني زيد بن أخزم قال: سمعت عبد الله بن داود يقول: رأيت الأعمش يضمّ كفّيه ثم يضرب بهما صدره ويقول: أسكن.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: حدّثني بعض الرّواة قال: قلت للشّرقي بن قطامي: ما كانت العرب تقول في صلاتها على موتاها؟ فقال: لا أدري، فأكذب له؟ فقلت: كانوا يقولون:
ما كنت وكواكا ولا بزونّكرويدك حتّى يبعث الحقّ باعثه
وكواك: غليظ، وزونّك: قصير؛ قال: فإذت أنا به يحدّث به في المقصورة يوم الجمعة؛ قال أبو نواس:
حدّثني الأزرق المحدّث عنعمرو بن شمر عن ابن مسعود
لا يخلف الوعد غير كافرةوكافر في الجحيم مصفود
حدّثني مهيار قال: حدّثني هدبة بن عبد الوهاب عن شقيق البلخيّ أنه أطرى يوما أبا حنيفة ﵀ بمرو فقال له عليّ بن إسحاق: لا تطره بمرو فإنهم لا يحتملون ذلك؛ فقال شقيق: قد مدحه مساور الشاعر فقال:
إذا ما الناس يوما قايسونابآبدة من الفتيا ظريفه
أتيناهم بمقياس صحيحتلاد من طراز أبي حنيفه
إذا سمع الفقيه بها وعاهاوأثبتها بحبر في صحيفه
فقال له: قد أجابه بعض أصحابنا:
إذا ذو الرّأي خاصم في قياسوجاء ببدعة هنة سخيفه
أتيناهم بقول الله فيهاوآثار مبرّزة شريفه
فكم من فرج محصنة عفيفأحلّ حرامه بأبي حنيفه
أقال أبو حنيفة بنت صلبتكون من الزّنا عرسا صحيحه
سمع رجل مناديا ينادي: من يدلّنا على شيخ ضلّ؟ فقال: ما سمعت كاليوم شيخ ينادى عليه؛ ثم جاء به إلى بشر المرّيسيّ فقال: هذا شيخ ضالّ فخذ بيده؛ وكان بشر يقول بخلق القرآن.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع