من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
الإعراب واللحن
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: سمعت مولى لآل عمر بن الخطّاب يقول: أخذ عبد الملك بن مروان رجلا كان يرى رأي الخوارج رأي شبيب، فقال له: ألست القائل:
ومنّا سويد والبطين وقعنبومنّا أمير المؤمنين شبيب
فقال: إنما قلت: «ومنا أمير المؤمنين شبيب» بالنصب، أي يا أمير المؤمنين فأمر بتخلية سبيله.
حدّثني عبد الله بن حيّان قال: كتب رفيع بن سلمة المعروف بدماذ إلى أبي عثمان النّحويّ:
تفكّرت في النحو حتى مللتوأتعبت نفسي به والبدن
وأتعبت بكرا وأصحابهبطول المسائل في كلّ فنّ
فمن علمه ظاهر بيّنومن علمه غامض قد بطن
فكنت بظاهره عالماوكنت بباطنه ذا فطن
خلا أنّ بابا عليه العفاء للفاء يا ليته لم يكن
وللواو باب إلى جنبهمن المقت أحسبه قد لعن
إذا قلت هاتوا لماذا يقال لست بآتيك أو تأتين
أجيبوا لما قيل هذا كذاعلى النّصب قالوا لإضمار أن
وما إن رأيت لها موضعافأعرف ما قيل إلا بظنّ
فقد خفت يا بكر من طول ماأفكّر في أمر «أن» أن أجن
قال ابن سيرين: ما رأيت على رجل أحسن من فصاحة، ولا على امرأة أحسن من شحم.
وقال ابن شبرمة: إذا سرّك أن تعظم في عين من كنت في عينه صغيرا، ويصغر في عينك من كان في عينك عظيما فتعلّم العربيّة، فإنها تجريك على المنطق وتدنيك من السّلطان. ويقال: النحو في العلم بمنزلة الملح في القدر والرّامك في الطّيب. ويقال: الإعراب حلية الكلام ووشيه. وقال بعض الشعراء:
النحو يبسط من لسان الألكنوالمرء تكرمه إذا لم يلحن
وإذا طلبت من العلوم أجلّهافأجلّها منها مقيم الألسن
قال رجل لأعرابيّ: كيف أهلك بكسر اللام؟ - يريد كيف أهلك- فقال الأعرابيّ: صلبا؛ ظنّ أنه سأله عن هلكته كيف تكون.
وقيل لأعرابيّ: أتهمز إسراييل؟ قال: إني إذا لرجل سوء؛ قيل له: أتجرّ فلسطين؟ قال: إني إذا لقويّ. وقيل لآخر: أتهمز الفارة؟ فقال: الهرّة تهمزها.
وقيل: كان بشر المريسيّ يقول لأصحابه: قضى الله لكم الحوائج على أحسن الوجوه وأهنؤها فقال قاسم التّمار: هذا كما قال الشاعر:
إنّ سليمى والله يكلؤهاضنّت بشيء ما كان يرزؤها
سمع أعرابيّ مؤذّنا يقول: أشهد أنّ محمدا رسول الله بنصب رسول، فقال: ويحك! يفعل ماذا؟.
قال مسلمة بن عبد الملك: اللحن في الكلام أقبح من الجدري في الوجه. وقال عبد الملك: اللحن في الكلام أقبح من التفتيق في الثوب النفيس. قال أبو الأسود: إني لأجد للّحن غمزا كغمز اللحم.
قال الخليل بن أحمد: أنشدني أعرابيّ:
وإنّ كلابا هذه عشر أبطنوأنت بريء من قبائلها العشر
فجعلت أعجب من قوله: عشر أبطن حين أنّث لأنه عنى القبيلة، فلما رأى عجبي من ذلك، قال: أليس هكذا قول الآخر:
فكان مجنّي دون من كنت أتّقيثلاث شخوص كاعبان ومعصر
قال رجل من الصالحين: لئن أعربنا في كلامنا حتّى ما نلحن لقد لحنّا في أعمالنا حتى ما نعرب.
دخل أعرابيّ السّوق فسمعهم يلحنون، فقال: سبحان الله! يلحنون ويربحون ونحن لا نلحن ولا نربح!.
دخل رجل على زياد فقال له: إنّ أبينا هلك، وإنّ أخينا غصبنا على ميراثنا من أبانا؛ فقال زياد: ما ضيّعت من نفسك أكثر مما ضاع من مالك.
قال الرّياشيّ عن محمد بن سلّام عن يونس قال: قال بلال لشبيب بن شيبة وهو يستعدي على عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر قال: أحضرنيه،
قال: قد دعوته لكلّ ذلك يأبى؛ برفع كلّ؛ قال بلال؛ فالذنب لكلّ. قال بعض الشعراء:
إمّا تريني وأثوابي مقاربةليست بخزّ ولا من نسج كتّان
فإنّ في المجد همّاتي وفي لغتيعلويّة ولساني غير لحّان
وقال: فيل مولى زياد لزياد: أهدوا لنا همار وهش، فقال: ما تقول؟
ويلك! فقال: أهدوا لنا أيرا؛ فقال زياد: الأوّل خير.
سمع أعرابيّ واليا يخطب فلحن مرّة أو اثنتين، فقال: أشهد أنك ملكت بقدر. وسمع أعرابيّ إماما يقرأ: وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا
[بفتح تاء تنكحوا] فقال: سبحان الله! هذا قبل الإسلام قبيح فكيف بعده! فقيل له:
إنه لحن، والقراءة وَلا تَنْكِحُوا
فقال: قبّحه الله، لا تجعلوه بعدها إماما فإنّه يحلّ ما حرّم الله. قال الشاعر في جارية له:
أوّل ما أسمع منها في السّحرتذكيرها الأنثى وتأنيث الذّكر
والسّوءة السّوءاء في ذكر القمر
قال الحجّاج لرجل من العجم نخّاس: أتبيع الدّوابّ المعيبة من جند
السلطان؟ فقال: «شريكاتنا في هوازها وشريكاتنا في مداينها وكما تجيء تكون» فقال الحجّاج: ما تقول؟ ففسّروا له ذلك؛ فضحك وكان لا يضحك.
أمّ الحجّاج قوما فقرأ وَالْعادِياتِ ضَبْحاً
وقرأ في آخرها إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ
بنصب أنّ، ثمّ تنبّه على اللام في لخبير وأنّ «إنّ» قبلها لا تكون إلا مكسورة فحذف الّلام من «لخبير»، فقرأ إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ.
قال أبو زيد: قلت للخليل بن أحمد: لم قالوا في تصغير واصل أويصل ولم يقولوا وويصل؟ فقال: كرهوا أن يشبّه كلامهم بنبح الكلاب.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع