تجاوز إلى المحتوى

من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)

الشعر

يقال: خير الشّعر ما روّاك نفسه. ويقال: خير الشعر الحوليّ المنقّح المحكّك.

سمع أعرابيّ رجلا ينشد شعرا لنفسه، فقال: كيف ترى؟ قال: سكّر لا حلاوة له. قيل لبعض علماء اللغة؛ أرأيت الشاعرين يجتمعان على المعنى الواحد في لفظ واحد؟ فقال: عقول رجال توافت على ألسنتها.

قال بشّار يصف نفسه:

زور ملوك عليه أبّهةيعرف من شعره ومن خطبه
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا مالك الناس في مسيرهم»
لله ما راح في جوانحهمن لؤلؤ لا ينام عن طلبه
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا مالك الناس في مسيرهم»
يخرجن من فيه في النّديّ كمايخرج ضوء السّراج من لهبه
ترنو إليه الحدّان غاديةولا تملّ الحديث من عجبه
تلعابة تعكف الملوك بهتأخذ من جدّه ومن لعبه
يزدحم الناس كلّ شارقةببابه مسرعين في أدبه
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا مالك الناس في مسيرهم»

وقال الطائيّ يذكر الشعر:

إنّ القوافي والمساعي لم تزلمثل النّظام إذا أصاب فريدا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «طلل الجميع لقد عفوت حميدا»
هي جوهر نثر فإن ألّفتهبالشعر صار قلائدا وعقودا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «طلل الجميع لقد عفوت حميدا»
من أجل ذلك كانت العرب الألىيدعون هذا سؤددا مجدودا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «طلل الجميع لقد عفوت حميدا»
وتندّ عندهم العلا إلّا علاجعلت لها مرر القريض قيودا

وقال أيضا:

ولم أر كالمعروف تدعى حقوقهمغارم في الأقوام وهي مغانم
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ألم يأن أن تروى الظماء الحوائم»
وإنّ العلا ما لم تر الشعر بينهالكالأرض غفلا ليس فيها معالم
وما هو إلا القول يسري فيغتديله غرر في أوجه ومواسم
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ألم يأن أن تروى الظماء الحوائم»
يرى حكمة ما فيه وهو فكاهةويقضى بما يقضي به وهو ظالم
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ألم يأن أن تروى الظماء الحوائم»
ولولا خلال سنّها الشعر ما درىبغاة العلا من أين تؤتى المكارم
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ألم يأن أن تروى الظماء الحوائم»

وقال عمر بن لجإ لبعض الشعراء: أنا أشعر منك؛ قال: ولم ذاك؟

قال: لأنّي أقول البيت وأخاه، ولأنك تقول البيت وابن عمّه.

قيل لعقيل بن علّفة: ألا تطيل الهجاء؟ فقال: يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق.

وقال بعضهم: خير الشّعر المطمع.

قيل لكثيّر: يا أبا صخر، كيف تصنع إذا عسر عليك قول الشعر؟ قال:

أطوف بالرّباع المخلية والرّياض المعشبة، فيسهل عليّ أرصنه ويسرع إليّ أحسنه.

ويقال: إنه لم يستدع شارد الشعر بمثل الماء الجاري، والشّرف العالى، والمكان الخضر الخالي أو الحالي.

وقال عبد الملك بن مروان لأرطاة بن سهيّة: هل تقول الآن شعرا؟

قال: ما أشرب، ولا أطرب، ولا أغضب؛ وإنما يكون الشعر بواحدة من هذه.

وقيل لكثيّر: ما بقي من شعرك؟ فقال: ماتت عزّة فما أطرب، وذهب الشّباب فما أعجب، ومات ابن ليلى فما أرغب- يعني عبد العزيز بن مروان- وإنما الشعر بهذه الخلال.

وقيل لبعضهم: من أشعر الناس؟ فقال: امرؤ القيس إذا ركب، والنابغة إذا رهب، وزهير إذا رغب، والأعشى إذا طرب.

وقيل للعجّاج: إنك لا تحسن الهجاء، فقال: إن لنا أحلاما تمنعنا من أن نظلم، وأحسابا تمنعنا من أن نظلم، وهل رأيت بانيا لا يحسن أن يهدم!.

وقلت في وصف الشّعر: الشعر معدن علم العرب، وسفر حكمتها، وديوان أخبارها، ومستودع أيامها، والسّور المضروب على مآثرها، والخندق المحجوز على مفاخرها، والشاهد العدل يوم النّفار، والحجّة القاطعة عند الخصام، ومن لم يقم عندهم على شرفه وما يدّعيه لسلفه من المناقب

الكريمة والفعال الحميد بيت منه. شذّت مساعيه وإن كانت مشهورة، ودرست على مرور الأيّام وإن كانت جساما؛ ومن قيّدها بقوافي الشعر، وأوثقها بأوزانه، وأشهرها بالبيت النادر، والمثل السائر، والمعنى اللطيف، أخلدها على الدهر، وأخلصها من الجحد، ورفع عنها كيد العدوّ وغضّ عين الحسود.

وما جاء في الشعر كثير. وقد أفردت للشعراء كتابا، وللشعر بابا طويلا في كتاب العرب. وذكرت هذه النّتفة في هذا الكتاب كراهية أن أخليه من فنّ من الفنون.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عيون الأخبار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.