من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
التلطّف في الكلام والجواب وحسن التعريض
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: ترك عقيل عليّا وذهب إلى معاوية؛ فقال معاوية: يا أهل الشام، ما ظنّكم برجل لم يصلح لأخيه؟ فقال عقيل: يا
أهل الشام، إنّ أخي خير لنفسه وشرّ لي، وإن معاوية شرّ لنفسه وخير لي.
قال: وقال معاوية يوما: يا أهل الشام، إنّ عمّ هذا أبو لهب؛ فقال عقيل: يا أهل الشام، إن عمّة هذا حمّالة الحطب؛ وكانت أمّ جميل امرأة أبي لهب وهي بنت حرب.
وحدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: حدّثنا أبو هلال عن قتادة قال:
قال عبيد الله بن زياد لقيس بن عبّاد: ما تقول فيّ وفي الحسين؟ فقال:
أعفني أعفاك الله! فقال: لتقولنّ؛ قال: يجيء أبوه يوم القيامة فيشفع له، ويجيء أبوك فيشفع لك؛ قال: قد علمت غشّك وخبثك، لئن فارقتني يوما لأضعنّ بالأرض أكثرك شعرا.
قيل لميمون بن مهران: كيف رضاك عن عبد الأعلى ؟ قال: نعم المرء عمرو بن ميمون.
مرّ عمر بن الخطّاب بالصبيان وفيهم عبد الله بن الزبير، ففرّوا ووقف؛ فقال له عمر: ما لك لم تفرّ مع أصحابك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، لم أجرم فأخافك، ولم يكن بالطريق ضيق فأوسع لك.
حدّثني الفضل بن محمد بن منصور بن زياد كاتب البرامكة قال: قال عبد الله بن طاهر ذات يوم لرجل أمره بعمل: إحذر أن تخطىء فأعاقبك بكذا. (لأمر عظيم) قلت له: أيها الأمير، من كانت هذه عقوبته على الخطأ فما ثوابه على الإصابة!.
رأى رجل من قريش رجلا له هيئة رثّة، فسأل عنه، فقالوا: من تغلب، فوقف له وهو يطوف بالبيت، فقال له: أرى رجلين قلّما وطئتا البطحاء؛ فقال
له: البطحاوات ثلاث: بطحاء الجزيرة، وهي لي دونك؛ وبطحاء ذي قار، وأنا أحقّ بها منك؛ وهذه البطحاء وسواء العاكف فيه والبادي.
حدّثني سهل عن الأصمعيّ عن أبي عمرو بن العلاء أو غيره: أنّ معاوية عرض فرسا على عبد الرحمن بن حسّان فقال: كيف تراه؟ قال: أراه أجشّ هزيما، يريد قول النجاشيّ:
ونجّى ابن حرب سابح ذو علالةأجشّ هزيم والرماح دواني
حدّثني محمد بن عبد العزيز قال:؛ حدّثنا أبو سلمة عن حمّاد بن سلمة قال: أخبرنا داود بن أبي هند عن محمد بن عبّاد المخزوميّ أنّ قريشا قالت:
قيّضوا لأبي بكر رجلا يأخذه، فقيّضوا له طلحة بن عبيد الله؛ فأتاه وهو في القوم فقال: يا أبا بكر، قم إليّ؛ قال: إلام تدعوني؟ قال: أدعوك إلى عبادة اللّات والعزّى؛ قال أبو بكر: من اللّات؟ قال بنات الله، قال: فمن أمّهم؟
فسكت طلحة وقال لأصحابه: أجيبوا صاحبكم، فسكتوا؛ فقال طلحة: قم يا
أبا بكر، فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمدا رسول الله؛ فأخذ أبو بكر بيده فأتى به النبيّ ﷺ فأسلم.
حدّثني محمد بن عبيد عن معاوية عن أبي إسحاق عن عبيد الله بن عمر أنّ عمر قال: من يخبرنا عن قندابيل ؟ فقال رجل: يا أمير المؤمنين، ماؤها وشل، وتمرها دقل، ولصّها بطل؛ إن كان بها الكثير جاعوا، وإن كان بها القليل ضاعوا؛ قال عمر: لا يسألني الله عن أحد بعثته إليها أبدا.
حدّثني أبو حاتم قال: حدّثنا الأصمعيّ قال: مرض زياد فدخل عليه شريح، فلما خرج بعث إليه مسروق بن الأجدع يسأله: كيف تركت الأمير؟
قال: تركته يأمر وينهي، فقال مسروق: إنّ شريحا صاحب تعريض فسلوه فسألوه؛ قال: تركته يأمر بالوصيّة وينهي عن البكاء. ومات ابن لشريح ولم يشعر به أحد، فغدا عليه قوم يسألون به، وقالوا: كيف أصبح من تصل يا أبا أميّة؟ فقال: الآن سكن علزه ورجاه أهله.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: حدّثني بعض الأعراب قال: هوي رجل امرأة ثم تزوّجها، فأهدى إليها ثلاثين شاة وزقّا من خمر، فشرب الرسول في الطريق بعض الخمر وذبح شاة؛ فقالت للرسول لمّا أراد الانصراف: اقرأ على مولاك السلام، وقل له إنّ شهرنا نقص يوما، وإنّ سحيما راعي شائنا أتانا
مرثوما. فلما أتى مولاه فأخبره ضربه حتى أقرّ.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي قال: خطب أعرابي إلى قوم، فقالوا: ما تبذل من الصّداق؟ وارتفع السّجف فرأى شيئا كرهه، فقال والله ما عندي نقد، وإني لأكره أن يكون عليّ دين.
حدّثني عبد الرحمن عن الأصمعي قال: قال سلم بن قتيبة للشّعبيّ: ما تشتهي؟ قال: أعزّ مفقود، وأهون موجود؛ قال: يا غلام، إسقه ماء.
المدائني قال: كان لابن عون ابن عمّ يؤذيه، ولاحاه يوما فقال له ابن عون لمّا بلغ منه: لتسكتنّ أو لأشتمنّ مسيلمة. فشهد بعد ذلك عند عبيد الله ابن الحسن، فردّ شهادته.
المدائني: قال المغيرة بن شعبة: ما خدعني أحد قطّ غير غلام من بلحارث بن كعب، فإني ذكرت امرأة منهم، فقال: أيها الأمير، لا خير لك فيها، إني رأيت رجلا قد خلا لها يقبّلها، ثم بلغني بعد أنه تزوّجها، فأرسلت إليه فقلت: ألم تعلمني أنك رأيت رجلا يقبلها؟ فقال: بلى! رأيت أباها يقبّلها.
قال المدائني: أتى شريحا القاضي قوم برجل، فقالوا: إن هذا خطب إلينا: فسألناه عن حرفته فقال: أبيع الدوابّ؛ فلما زوّجناه، فإذا هو يبيع السنانير؛ قال: أفلا قلتم أيّ الدوابّ تبيع! وأجاز ذلك.
المدائني قال: دخل رجل على عيسى بن موسى وعنده ابن شبرمة،
فقال له: أتعرفه؟ وكان رمي عنده بريبة قال: نعم، إنّ له بيتا وشرفا وقدما، فخلّى سبيله فلما خرج قال له أصحابه: أعرفته؟ قال: لا، ولكني أعلم أنّ له بيتا يأوي إليه، وشرفه أذناه ومنكباه، وقدمه هي قدمه التي يمشي عليها.
المدائني قال: سئل الشعبيّ عن رجل، فقال: إنه لنافذ الطّعنة، ركين القعدة، يعني أنه خيّاط فأتوه فقالوا: غررتنا؛ فقال: ما فعلت! وإنه لكما وصفت.
المدائني قال: أتي العريان بن الهيثم بشابّ سكران، فقال له: من أنت؟ فقال:
أنا ابن الذي لا ينزل الدهر قدرهوإن نزلت يوما فسوف تعود
ترى الناس أفواجا إلى ضوء نارهفمنهم قيام حولها وقعود
فظنّ أنه من بعض أشراف الكوفة فخلّاه، ثم ندم على ألّا يكون سأله من هو، فقال لبعض الشّرط: سل عن هذا، فسأل، فقالوا: هو ابن بيّاع الباقلّي.
دخل حارثة بن بدر الغدانيّ على زياد، وكان حارثة صاحب شراب وبوجهه أثر، فقال له زياد: ما هذا الأثر بوجهك؟ فقال حارثة: أصلح الله الأمير، ركبت فرسا لي أشقر فحملني حتى صدم بين الحائط، فقال زياد: أما إنك لو ركبت الأشهب لم يصبك مكروه؛ عنى زياد اللبن، وعنى حارثة النبيذ.
قعد قوم على نبيذ فسقط ذباب في قدح أحدهم، فقال رجل منهم: غطّ التميميّ، فقال آخر: غطّه فإن كان تميميّا رسب، وإن كان أزديّا طفا؛ قال ربّ المنزل: ما يسرّني أنه كان قال بعضكم حرفا. وإنما عنى أنّ أزد عمان ملّاحون.
المدائني قال: رأى رجل في يد امرأة كانت تأتيه خاتم ذهب، فقال لها: إدفعي إليّ خاتمك أذكرك به، فقالت: إنه ذهب، وأخاف أن تذهب، ولكن خذ هذا العود لعلك تعود.
حدّثني الزياديّ قال: حدّثنا عبد الوارث بن سعيد عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال: أقبل النبي ﷺ إلى المدينة مردفا أبا بكر شيخا يعرف، ورسول الله شابّ لا يعرف، فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: يا أبا بكر، من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل؛ فيحسب السامع أنه يهديه الطريق، وإنما يعني سبيل الخير.
كان سنان بن مكمّل النميريّ يشاير ابن هبيرة يوما وهو على بغلة، فقال له عمر بن هبيرة: غضّ من بغلتك؛ قال: كلا! إنها مكتوبة. أراد ابن هبيرة قول الشاعر:
فغضّ الطّرف إنّك من نميرفلا كعبا بلغت ولا كلابا
وأراد سنان قول الآخر:
لا تأمننّ فزاريّا خلوت بهعلى قلوصك واكتبها بأسيار
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: قال معاوية للأحنف: يا أحنف، ما الشيء الملّفف في البجاد ؟ فقال: هو السّخينة يا أمير المؤمنين. أراد معاوية قول الشاعر:
إذا ما مات ميت من تميمفسرّك أن يعيش فجيء بزاد
بخبز أو بتمر أو بسمنأو الشيء الملفّف في البجاد
وأراد الأحنف أنّ قريشا تعيّر بأكل السخينة.
المدائني قال: سأل الحرسيّ أبا يوسف القاضي عن السواد؛ فقال: النور في السواد. يعني نور العينين في سواد الناظر.
المدائني قال: لقي شيطان الطّاق خارجيّ فقال: ما أفارقك أو تبرأ من عليّ، فقال: أنا من عليّ ومن عثمان بريء. يريد أنه من عليّ، وبريء من عثمان.
سمع عمر بن الخطّاب امرأة في الطّواف تقول:
فمنهنّ من تسقى بعذب مبرّدنقاخ فتلكم عند ذلك قرّت
ومنهنّ من تسقى بأخضر آجنأجاج ولولا خشية الله فرّت
فعلم ما تشكو، فبعث إلى زوجها فوجده متغيّر الفم، فخيّره بين خمسمائة درهم أو جارية من الفيء على أن يطلّقها فاختار خمسمائة، فأعطاه وطلّقها.
حدّثني أحمد بن محمد أبو نصر الكاتب قال: كنت واقفا بهذا المكان، وأقبلت امرأة من هذه الناحية، وغلام من الناحية الأخرى أبيض الوجه
رائعه، ونظرت إليه المرأة، فلما التقيا قالت له: ما اسمك يا فتى؟ قال:
محمد؛ قالت: ابن من؟ قال: ابن زانة، وتبسّم عن ثغر أفلج مختلف قبيح؛ فقالت: واحرباه على ما قال! فقلت لها: قد وقعت لك عليها؛ قالت: من أين؟ قلت: من كنية أبي الخير النصرانيّ كاتب سعيد الحاجب، أراد أن الياء إذا نقلت عن أبي الخير إلى زانة، صار هذا أبا الخر، وصار هذا ابن زانية.
مر ابن أبي علقمة بمجلس بني ناجية فكبا حماره لوجهه فضحكوا؛ فقال: ما يضحككم! إنه رأى وجوه قريش فسجد.
قال عمرو بن بحر: قال أبو الهذيل لمحمد بن الجهم وأنا عنده: يا أبا جعفر، إني رجل منخرق الكفّ لا أليق درهما، ويدي هذه صناع في الكسب ولكنها في الإنفاق خرقاء، كم من مائة ألف درهم قسمتها على الإخوان في مجلس وأبو عثمان يعلم ذلك! أسألك بالله يا أبا عثمان، هل تعلم ذلك؟ قال: يا أبا الهذيل، ما أشك فيما تقول؛ قال: فلم يرض أن حضرت حتى استشهدني، ولم يرض إذ استشهدني حتى استحلفني.
قال المدائنيّ: بعث يزيد بن قيس الأرحبيّ، وكان واليا لعليّ، إلى الحسن والحسين ﵃ بهدايا بعد انصرافه من الولاية وترك ابن الحنفيّة، فضرب عليّ- ﵇ على جنب ابن الحنفيّة وقال:
وما شرّ الثلاثة أمّ عمروبصاحبك الّذي لا تصبحينا
فرجع يزيد إلى منزله وبعث إلى ابن الحنفيّة بهديّة سنيّة.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي قال: حدّثني موسى بن محمد قاضي المدينة، قال: مرّ رجل بأعرابي يوقد في أصل ميل، فقال: كم على الميل؟
فقال: لست أقرأ، ولكنّ كتابه فيه؛ قال: وما كتابه؟ قال: محجن وخلقه سمط وثلاثة أطباء وحلقة مذنّبة (يغني صورة خمسة).
قال أبو اليقظان: إن عمرو بن مالك بن ضبيعة هو الذي قيل فيه:
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصاوما علّم الإنسان إلّا ليعلما
وذلك أنّ سعد بن مالك كان عند بعض الملوك، فأراد الملك أن يبعث رائدا يرتاد له منزلا ينزله، فبعث بعمرو فأبطأ عليه، فآلى الملك لئن جاء ذامّا أو حامدا ليقتلنّه؛ فلما جاء عمرو وسعد عنده، قال سعد للملك؛ أتأذن لي فأكلّمه؟ قال: إذا أقطع لسانك؛ قال: فأشير إليه؛ قال: إذا أقطع يدك؛ قال: فأومىء إليه؛ قال: أقطع حنو عينك؛ قال: فأقرع له العصا؛ قال:
إقرع فأخذ العصا فضرب بها عن يمينه ثم ضرب بها عن شماله ثم هزّها بين
يديه، فلقن عمرو، فقال: أبيت اللّعن! أتيتك من أرض زائرها واقف، وساكنها خائف، والشّبعى بها نائمة، والمهزولة ساهرة جائعة، ولم أر خصبا محلا، ولا جدبا هزلا.
لما حكّم أبو موسى وقدم ليحّكم، دسّ معاوية إلى عمرو رجلا ليعلم علمه وينظر كيف رأيه؛ فأتاه الرجل فكلّمه بما أمره به، فعضّ عمرو على إبهامه ولم يجبه؛ فنهض الرجل فأتى معاوية فأخبره؛ فقال: قاتله الله! أراد أن يعلمني أني فررت قارحا.
حدّثني أبو حاتم قال: حدّثني الأصمعي قال: حدّثنا عيسى بن عمر قال: سأل الحجاج جبر بن حبيب عن رجل، وكره أن يعاقبه إن دلّ عليه، فقال: تركته والله جسدا يحرّك رأسه يصبّ في حلقه الماء، والله لئن حمل على سرير ليكوننّ عليه عورة؛ قال: فتركه.
حدّثني القاسم بن الحسن عن خالد بن خداش عن حمّاد عن مجالد عن عمير بن روذى قال: خطبنا عليّ ﵇ فقال: لئن لم يدخل الجنة إلا من قتل عثمان لا أدخلها ولئن لم يدخل النار إلا من قتل عثمان لا أدخلها؛ فقيل له: ما صنعت! فرّقت الناس فخطبهم فقال: إنكم قد أكثرتم في قتل عثمان، ألا وإن الله قتله وأنا معه؛ قال: فحدّثنا خالد عن حمّاد عن حبيب بن الشّهيد عن محمد بن سيرين قال: كلمة عربيّة لها وجهان. أي وسيقتلني معه.
سأل زياد رجلا بالبصرة: أين منزلك؟ فقال: واسط، قال: مالك من الولد؟ قال: تسعة. فلما قام، قيل لزياد: كذبك في كل ما سألته، ما له إلا
ابن واحد، وإن منزله بالبصرة، فلما عاد إليه، قال: ذكرت أن لك تسعة من الولد، وأن منزلك بواسط؟ قال: نعم؛ قال: خبّرت بغير ذلك؛ قال: صدقت وصدقوك، دفنت تسعة بنين فهم لي، ولي اليوم ابن واحد ولست أدري أيكون لي أم لا: وأما منزلي فإلى جانب الجبّان بين أهل الدنيا وأهل الآخرة، فأيّ منزل أوسط منه! قال: صدقت.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ عن عيسى بن عمر قال: قال المختار لجنده: يا شرطة الله، ليخرجنّ إلى قريب على الكعبة الحرام دابّة له ستّ قوائم وله رأس بلا عنق، ثم التفت إلى رجل إلى جانبه فقال: أعني اليعسوب.
كان إبراهيم إذا لم يعجبه الرجل قال: ما هو بأعجب الناس إليّ.
بلغني عن معاوية بن حيّان عن المبارك بن فضالة عن عبد الله بن مسلم ابن يسار، قال: كان أبي إذا غضب على البهيمة، قال: أكلت سمّا قاضيا حدّثني زيد بن أخزم قال: حدّثنا أبو قتيبة قال: حدّثنا أبو المنهال البكراويّ قال: كان الحسن إذا أخذ من لحيته شيء، قال: لا يكن بك السوء.
وقيل للحسن؛ أتى رجل صاحبا له في منزله وكان يصلي، فقال:
أدخل؟ فقال في صلاته: ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ
؛ فقال: لا بأس.
كان محمد بن عليّ إذا رأى مبتلى أخفى الاستعاذة. وكان لا يسمع من داره يا سائل بورك فيك، ولا يا سائل خذ هذا؛ ويقول: سمّوهم بالحسن الجميل عباد الله، فتقولون: يا عبد الله، بورك فيك.
قيل لعليّ بن أبي طالب ﵇: كم بين السماء والأرض؟ قال:
دعوة مستجابة. قيل: فكم بين المشرق والمغرب؟ قال: مسيرة يوم (يعني للشمس).
كان رشم عمر بن مهران الذي يرشم به على طعامه: اللهم احفظه ممن يخطفه.
خرج رجل من بني أسد بإبل له يسقيها، ومعه ابنة له جميلة عاقلة، حتى دفع إلى ماء لبني فزارة، فسألهم أن يأذنوا له في سقي إبله؛ فقالوا: على ألا تجأجىء بها، قال: فإذا لا تشرب شرب خير؛ قالوا: إن رضيت وإلّا فانصرف؛ فقالت له الجارية: أشرط لهم ما طلبوا وأنا أكفيك؛ فأخذ الدلو، وجعلت الجارية ترتجز وتقول:
جارية شبّت شباب العسلجذات وشاحين وذات دملج
وذات ثغر أشنب مفلّجوذات خلق مستتبّ مدمج
في أبيات كثيرة، فشربت الإبل حتى رويت من غير أن جأجأ بها.
وتبايع أعرابيان على أن يشرب أحدهما لبنا حازرا ولا يتنحنح، فلما شربه وتقطّع في حلقه؛ قال: كبش أملح؛ فقال صاحبه؛ فعلها وربّ الكعبة! فقال: من فعلها فلا أفلح. وكان ما تبايعا عليه كبشا.
قال الأصمعي: قلت لأعرابي معه شاء: لمن هذه الشّاء؟ فقال: هي لله عندي.
حدّثني أبو الخطّاب قال: حدّثنا أبو داود عن عمارة بن زاذان قال:
حدّثنا أبو الصهباء قال: قال الحجّاج لسعيد بن جبير: اختر أيّ قتلة شئت؛ فقال له: بل اختر أنت لنفسك، فإن القصاص أمامك.
ولي هرثمة الحرس مكان جعفر بن يحيى، فقال له جعفر: ما انتقلت عني نعمة صارت إليك.
أمر الحجّاج ابن القرّيّة أن يأتي هند بنت أسماء فيطلقها بكلمتين، ويمتّعها بعشرة آلاف درهم؛ فأتاها فقال لها: إنّ الحجّاج يقول لك: كنت فبنت، وهذا عشرة آلاف متعة لك: فقالت: قل له: كنا فما حمدنا، وبنّا فما ندمنا؛ وهذه العشرة الآلاف لك ببشارتك إياي بطلاقي.
سئل سفيان بن عيينة عن قول طاوس في ذكاة السمك أو الجراد؛ فقال ابنه عنه: ذكاته صيده.
اجتمع الناس عند معاوية وقام الخطباء لبيعة يزيد وأظهر قوم الكراهة،
فقام رجل من عذرة يقال له يزيد بن المقنّع، واخترط من سيفه شبرا، ثم قال: أمير المؤمنين هذا، وأشار إلى معاوية، فإن يهلك فهذا، وأشار إلى يزيد، فمن أبي فهذا، وأشار إلى سيفه. فقال معاوية: أنت سيّد الخطباء.
قال رجل من أهل الحجاز لابن شبرمة: من عندنا خرج العلم؛ قال ابن شبرمة: ثم لم يعد إليكم.
قال المدائنيّ: قال معاوية لابن عبّاس؛ أنتم، يا بني هاشم، تصابون في أبصاركم؛ فقال ابن عباس؛ وأنتم، يا بني أمية، تصابون في بصائركم.
وقال له معاوية: ما أبين الشّبق في رجالكم! فقال: هو في نسائكم أبين.
أبو اليقظان قال: قال ابن ظبيان التّيميّ لزرعة بن ضمرة: لقد طلبتك يوم الأهواز ولو ظفرت بك لقطعت منك طابقا سخنا؛ قال: أفلا أدلّك على طابق هو أسخن وأحوج إلى القطع؟ قال: بلى! قال: بظر بين إسكتي أمّك.
أبو اليقظان قال: بعث الحجّاج إلى الفضيل بن بزوان العدواني، وكان خيّرا من أهل الكوفة، فقال: إني أريد أن أولّيك، قال: أو يعفيني الأمير؟
فأبى وكتب عهده، فأخذه وخرج من عنده فرمى بالعهد وهرب، فأخذ به الحجّاج، فقال: يا عدوّ الله؛ فقال: لست لله ولا للأمير بعدوّ؛ قال: ألم أكرمك؟ قال: بل أردت أن تهينني؛ قال: ألم أستعملك؟ قال: بل أردت أن
تستعبدني؛ قال: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
الآية؛ قال: ما استوجبت واحدة منهن؛ قال: كل ذلك قد استوجبت بخلافك. وأمر رجلا من أهل الشام أن يضرب عنقه.
سليمان بن أبي شيخ قال: حدّثني حجر بن عبد الجبّار عن عبد الملك ابن عمير قال: كان في مجلس زياد، الذي يجلس فيه للناس بالكوفة، في أربع زواياه كتاب بقلم جليل: الوالي شديد في غير عنف، ليّن في غير ضعف؛ الأعطية لإبّانها، والأرزاق لأوقاتها؛ البعوث لا تجمّر؛ المحسن يجزى بإحسانه والمسيء يؤخذ على يديه كلما رفع رأسه إلى زاوية قرأ ما فيها.
قال سليمان: وحدّثنا أبو سفيان الحميريّ قال: أبلى أبو جهم بن كنانة يوم الراوية، فقال له الحجاج: من أنت؟ قال: أنا أبو جهم بن كنانة، قال له الحجاج: قد زدناك في اسمك ألفا ولاما فأنت أبو الجهم، وزدنا في عطائك ألفا.
العباس بن بكّار عن عبيد الله بن عمر الغسّانيّ عن الشعبيّ قال: قال معاوية لشدّاد بن أوس: يا شدّاد، أنا أفضل أم عليّ؟ وأينا أحبّ إليك؟ فقال:
عليّ أقدم هجرة، وأكثر مع رسول الله إلى الخير سابقة، وأشجع منك قلبا، وأسلم منك نفسا، وأما الحبّ فقد مضى عليّ، فأنت اليوم عند الناس أرجى منه.
قال الأحنف لمعاوية في كلام: أنت أعلمنا بيزيد في ليله ونهاره، وسرّه وعلانيته، فلا تلقمه الدنيا وأنت تذهب إلى الآخرة.
خطب الحجّاج فشكا سوء طاعة أهل العراق؛ فقال جامع المحاربيّ: أما إنهم لو أحبّوك لأطاعوك، على أنهم ما شنئوك لنسبك ولا لبلدك ولا لذات نفسك، فدع ما يباعدهم منك إلى ما يقرّبهم إليك، والتمس العافية فيمن دونك تعطها ممن فوقك، وليكن إيقاعك بعد وعيدك، ووعيدك بعد وعدك؛ فقال الحجاج: والله ما أراني أردّ بني اللّكيعة إلى طاعتي إلا بالسيف؛ فقال: أيها الأمير، إن السيف إذا لاقى السيف ذهب الخيار؛ قال الحجّاج: الخيار يومئذ لله؛ قال: أجل! ولكنك لا تدري لمن يجعله الله؛ فقال: يا هناه، إنك من محارب! فقال جامع:
وللحرب سمّينا وكنّا محارباإذا ما القنا أمسى من الطّعن أحمرا»
فقال الحجاج: والله لقد هممت أن أخلع لسانك فأضرب به وجهك؛ فقال له: يا حجّاج، إن صدقناك أغضبناك، وإن كذبناك أغضبنا الله، فغضب الأمير أهون علينا من غضب الله.
قال الأصمعيّ: أخبرنا شيخ من قضاعة قال: ضللنا مرة الطريق فاسترشدنا عجوزا؛ فقالت: استبطن الوادي وكن سيلا حتى تبلغ.
ابن الكلبيّ قال: كتب معاوية إلى قيس بن سعد: أما بعد، فإنما أنت يهوديّ ابن يهوديّ، إن ظفر أحبّ الفريقين إليك عزلك واستبدل بك، وإن ظفر أبغضهما إليك قتلك ونكلّ بك، وقد كان أبوك وترقوسه ورمى غرضه، فأكثر الحزّ وأخطأ المفصل، فخذله قومه، وأدركه يومه؛ ثم مات طريدا بحوران؛ والسلام. فكتب إليه قيس بن سعد: أما بعد، فإنما أنت وثن ابن وثن، دخلت في الإسلام كرها وخرجت منه طوعا، ولم يقدم إيمانك ولم يحدث نفاقك، وقد كان أبي وتر قوسه ورمى غرضه، وشغّب عليه من لم يبلغ كعبه ولم يشقّ غباره، ونحن أنصار الدين الذي خرجت منه، وأعداء الدين الذي خرجت إليه؛ والسلام.
قال يحيى بن سعيد الأمويّ: سمعت الأعمش يقول لخالد بن صفوان:
شعرت أنّ منزلك لا يعرف إلا بي حتى يقال عند منزل الأعمش؛ فقال خالد:
صدقت، مثل حمام عنترة، ويقال وردان وبيطار (حيان).
قال الربيع لشريك بين يدي المهديّ: بلغني أنك خنت أمير المؤمنين؛ فقال شريك: لو فعلنا ذلك لأتاك نصيبك.
قال رجل من العرب: أريت البارحة في منامي كأني دخلت الجنة فرأيت
جميع ما فيها من القصور، فقلت: لمن هذه؟ فقيل: للعرب؛ فقال رجل عنده من الموالي: أصعدت الغرف؟ قال: لا؛ قال: فتلك لنا.
وكتب قتيبة بن مسلم إلى عبيد الله بن زياد بن ظبيان: أما بعد، فإن عشمشم أعشى الشجر. فكتب إليه ابن ظبيان: من ذلك الشجر كان بربط أبيك. يعني مسلم بن عمرو، وكان مغنّيا ليزيد بن معاوية.
قال بحر بن الأحنف لجارية أبيه زبراء: يا فاعلة: فقالت: لو كنت كما تقول أتيت أباك بمثلك.
وقال رجل لابنه: يابن الفاعلة؛ فقال: والله لئن كنت صدقت ما فعلت حتى وجدتك فحل سوء.
أتت ابنة الخسّ عكاظ، فأتاها رجل يمتحن عقلها ويمتحن جوابها، فقال لها: إني أريد أن أسألك؛ قالت: هات. قال: كاد؛ فقالت: المنتعل يكون راكبا. قال: كاد: قالت: الفقر يكون كفرا. قال: كاد؛ قالت: العروس تكون ملكا. قال: كاد؛ قالت: النّعامة تكون طائرا. قال: كاد؛ قالت:
السّرار يكون سحرا. ثم قالت للرجل: أسألك؟ قال: هاتي، قالت:
عجبت؛ قال: للسّباخ لا ينبت كلؤها ولا يجف ثراها. قالت: عجبت؛ قال:
للحجارة لا يكبر صغيرها ولا يهرم كبيرها. قالت: عجبت؛ قال: لشفرك لا يدرك قعره ولا يملأ حفره.
المدائنيّ قال: كان عرام بن شتير عند عمر بن هبيرة، فألقى إليه ابن هبيرة خاتمة وفصّه أخضر، فعقد عرام في الخاتم سيرا. أراد عمر قول الشاعر:
لقد زرقت عيناك يا ابن مكعبركما كلّ ضبّيّ من اللّؤم أزرق
وأراد عرام:
لا تأمننّ فزاريّا خلوت بهعلى قلوصك واكتبها بأسيار
قال جرير للأخطل: أرّقت نومك، واستهضمت قومك؛ قال الأخطل:
قد أرّقت نومي، ولو نمت كان خيرا لك.
أراد معاوية أن يخطب بصفّين فقال له عمرو بن العاص: دعني أتكلّم فإن أتيت على ما تريد وإلّا كنت من وراء ذلك، فأذن له؛ فتكلّم بكلمات، قال: قدّموا المستلئمة وأخّروا الحسّر، كونوا مقصّ الشارب، أعيرونا أيديكم ساعة، قد بلغ الحقّ مفصله، إنما هو ظالم أو مظلوم.
حدّثني ابن أبي سعد عن محمد بن الحسن التميمي عن عبد الله بن أحمد بن الوضّاح، قال: دخل أعرابيّ على عبد الملك بن مروان؛ فقال له:
يا أعرابيّ، صف الخمر فقال:
شمول إذا شجّت وفي الكأس مزّةلها في عظام الشاربين دبيب
تريك القذى من دونها وهي دونهلوجه أخيها في الإناء قطوب
فقال: ويحك يا أعرابيّ! لقد اتّهمك عندي حسن صفتك لها: قال: يا أمير المؤمنين، واتهمك عندي معرفتك بحسن صفتي لها.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع