تجاوز إلى المحتوى

من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)

الخطب

تتبّعت خطب رسول الله ﷺ، فوجدت أوائل أكثرها: «الحمد لله نحمده ونستعينه ونؤمن به ونتوكل عليه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له». ووجدت في بعضها: «أوصيكم، عباد الله، بتقوى الله وأحثّكم على طاعته». ووجدت في خطبة له بعد حمد الله والثناء عليه: أيها الناس، إنّ لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإنّ لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم؛ إن المؤمن بين مخافتين: بين أجل قد مضى لا يدري ما الله صانع به، وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه؛ فليأخذ العبد لنفسه من نفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الكبر، ومن الحياة قبل الموت؛ والذي نفس محمد بيده ما بعد الموت مستعتب ولا بعد الدنيا دار إلا الجنة أو النار، ووجدت كلّ خطبة مفتاحها الحمد إلا خطبة العيد فإن مفتاحها التكبير.

وتكبير الإمام قبل أن ينزل عن المنبر أربع عشرة تكبيرة.

خطبة لأبي بكر الصدّيق ﵁

حدّثني أبو سهل قال: حدّثني الطّنافسيّ عن محمد بن فضيل قال: حدّثنا عبد الرحمن ابن إسحاق عن عبد الله القرشيّ عن عبد الله بن عكيم قال: خطبنا أبو بكر ﵁ فقال:

أما بعد، فإني أوصيكم بتقوى الله وحده وأن تثنوا عليه بما هو أهله، وتخلطوا الرغبة بالرهبة، والإلحاف بالمسألة؛ فإنّ الله أثنى على زكريّا وأهل بيته فقال: إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً

. ثم اعلموا أن الله قد ارتهن بحقّه أنفسكم، وأخذ على ذلك مواثيقكم، واشترى منكم القليل الفاني بالكثير الباقي. هذا كتاب الله فيكم لا تفنى عجائبه ولا يطفأ نوره، فصدّقوه وانتصحوه واستضيئوا منه ليوم الظّلمة. ثم اعلموا أنكم تغدون وتروحون في أجل قد غيّب علمه عنكم، فإن استطعتم ألّا ينقضي إلا وأنتم في عمل لله فافعلوا، ولن تستطيعوا ذلك إلا بالله. فسابقوا في مهل؛ فإنّ قوما جعلوا آجالهم لغيرهم ونسوا أنفسهم، فأنهاكم أن تكونوا أمثالهم، والوحى الوحى والنجاء النجاء! فإنّ من ورائكم طالبا حثيثا مرّه، سريعا سيره.

وفي غير هذه الرواية: أين من تعرفون من أبنائكم وإخوانكم! قد انتهت بهم آجالهم فوردوا على ما قدّموا فحلوا عليه وأقاموا للشقوة والسّعادة فيما بعد الموت. أين الجبّارون الذين بنوا المدائن وحصّنوها بالحوائط! قد صاروا تحت

الصّخر والآكام.

خطبة لأبي بكر أيضا ﵁

رواها إبراهيم بن محمد من ولد أبي زيد القارىء.

حمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبيّ ﷺ ثم قال:

إنّ أشقى الناس في الدنيا والآخرة الملوك. فرفع الناس رؤوسهم؛ فقال: ما لكم يا معشر الناس! إنّكم لطعّانون عجلون، إنّ الملك إذا ملك زهّده الله فيما في يده، ورغّبه فيما في يدي غيره، وانتقصه شطر أجله، وأشرب قلبه الإشفاق، فهو يحسد على القليل، ويتسخّط الكثير، ويسأم الرخاء، وتنقطع عنه لذّة البهاء، لا يستعمل العبرة ولا يسكن إلى الثقة، فهو كالدرهم القسيّ والسّراب الخادع، جذل الظاهر، حزين الباطن، فإذا وجبت نفسه ونضب عمره وضحا ظلّه، حاسبه الله فأشدّ حسابه وأقلّ عفوه. ألا إنّ الفقراء هم المرحومون، وخير الملوك من آمن بالله، وحكم بكتاب الله وسنّة نبيّه ﷺ.

وإنكم اليوم على خلافة نبوّة، ومفرق محجّة، وسترون بعدي ملكا عضوضا، وأمّة شعاعا، ودما مفاحا. فإن كانت للباطل نزوة، ولأهل الحق جولة؛ يعفو لها الأثر، وتموت السّنن، فالزموا المساجد، واستشيروا القرآن، والزموا الجماعة.

وليكن الإبرام بعد التشاور، والصّفقة بعد طول التناظر، أي بلادكم خرسة فإن

الله سيفتح عليكم أقصاها كما فتح أدناها.

خطبة أبي بكر ﵁ يوم سقيفة بني ساعدة

أراد عمر الكلام، فقال له أبو بكر: على رسلك. نحن المهاجرون أوّل الناس إسلاما، وأوسطهم دارا، وأكرمهم أحسابا، وأحسنهم وجوها، وأكثر الناس ولادة في العرب، وأمسّهم رحما برسول الله ﷺ، أسلمنا قبلكم، وقدّمنا في القرآن عليكم، فأنتم إخواننا في الدّين، وشر كاؤنا في الفيء، وأنصارنا على العدوّ؛ آويتم وواسيتم، فجزاكم الله خيرا؛ نحن الأمراء، وأنتم الوزراء؛ لا تدين العرب إلا لهذا الحيّ من قريش، وأنتم محقوقون ألّا تنفسوا على إخوانكم من المهاجرين ما ساق الله إليهم.

خطبة لأبي بكر ﵁

الهيثم عن مجالد عن الشّعبيّ قال: لما بويع أبو بكر الصدّيق ﵁، صعد المنبر فنزل مرقاة من مقعد النبيّ ﷺ فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:

إني وليت أمركم ولست بخيركم، ولكنه نزل القرآن وسنّ رسول الله ﷺ.

اعلموا أيها الناس أنّ أكيس الكيس التّقى، وأنّ أحمق الحمق الفجور، وأنّ أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له بحقّه، وأضعفكم عندي القويّ حتى آخذ منه الحقّ، إنما أنا متّبع ولست بمبتدع، فإن أحسنت فأعينوني، وإن زغت

فقوّموني. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

خطبة لعمر بن الخطاب ﵁

قال: ولما ولي عمر صعد المنبر وقال:

ما كان الله ليراني أرى نفسي أهلا لمجلس أبي بكر، ثم نزل عن مجلسه مرقاة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إقرءوا القرآن تعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله. إنه لم يبلغ حقّ ذي حقّ أن يطاع في معصية الله. ألا وإني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة والي اليتيم: إن استغنيت عففت وإن افتقرت أكلت بالمعروف تقرّم البهمة الأعرابية. القضم لا الخصم.

خطبة لعثمان بن عفّان ﵁

قال: ولما ولي عثمان صعد المنبر فقال:

رحمهما الله، لو جلسا هذا المجلس ما كان بذلك من بأس، فجلس على ذروة المنبر فرماه الناس بأبصارهم، فقال: إن أوّل مركب صعب، وإن مع اليوم أيّاما، وما كنّا خطباء، وإن نعش لكم تأتكم الخطبة على وجهها إن شاء الله تعالى.

خطبة لعليّ بن أبي طالب ﵁

خطب فقال:

أما بعد، فإن الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع، وإنّ الآخرة قد أقبلت فأشرفت باطّلاع، وإن المضمار اليوم وغدا السّباق. ألا وإنكم في أيام أمل من ورائه أجل، فمن قصّر في أيام أمله قبل حضور أجله فقد خسر عمله. ألا فاعملوا لله في الرّغبة كما تعملون له في الرّهبة. ألا وإنّي لم أر كالجنة نام طالبها، ولا كالنار نام هاربها. ألا وإنه من لم ينفعه الحقّ ضرّه الباطل، ومن لم يستقم به الهدى جار به الضلال، ألا وإنكم قد أمرتم بالظّعن، ودللتم على الزاد؛ وإنّ أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل.

خطبة عليّ ﵇ بعد مقتل عثمان ﵁

أيها الناس، كتاب الله وسنّة نبيكم. لا يدّعي مدّع إلّا على نفسه. شغل

من الجنّة والنار أمامه ساع نجا، وطالب يرجو، ومقصّر في النار: ثلاثة؛ واثنان: ملك طار بجناحيه، وبنيّ أخذ الله بيديه، لا سادس. هلك من اقتحم، وردي من هوى. اليمين والشّمال مضلّة، والوسطى الجادّة: منهج عليه باقي الكتاب وآثار النبوّة. إن الله أدّب هذه الأمّة بأدبين: السّوط والسيف؛ فلا هوادة فيهما عند الإمام. فاستتروا ببيوتكم، وأصلحوا ذات بينكم؛ والتوبة من ورائكم.

من أبدى صفحته للحق هلك. قد كانت أمور ملتم عليّ فيها ميلة لم تكونوا عندي محمودين ولا مصيبين. والله أن لو أشاء أن أقول لقلت. عفا الله عمّا سلف. أنظروا، فإن أنكرتم فأنكروا، وإن عرفتم فارووا. حقّ وباطل، ولكلّ أهل. والله لئن أمّر الباطل لقديما فعل؛ ولئن أمّر الحقّ لربّ ولعلّ. ما أدبر شيء فأقبل.

خطبة أيضا لعليّ ﵁

خطب عليّ حين قتل عامله بالأنبار فقال في خطبته:

يا عجبا من جدّ هؤلاء في باطلهم وفشلكم عن حقّكم! فقبحا لكم وترحا حين صرتم غرضا يرمى، يغار عليكم ولا تغيرون، وتغزون ولا تغزون، ويعصى الله وترضون. إن أمرتكم بالمسير إليهم في الحرّ قلتم: حمارّة القيظ، أمهلنا حتى ينسلخ الحرّ، وإن أمرتكم بالمسير إليهم في الشتاء قلتم:

أمهلنا حتى ينسلخ الشتاء هذا أوان قرّ؛ كلّ هذا فرارا من الحرّ والقرّ، فأنتم والله من السيف أفرّ، يا أشباه الرجال ولا رجال! أحلام الأطفال وعقول ربّات الحجال؛ أفسدتم عليّ رأيي بالعصيان والخذلان، حتى قالت قريش: ابن أبي طالب شجاع ولكن لا علم له بالحرب. لله أبوهم! هل منهم أحد أشدّ لها مراسا وأطول تجربة منّي؟ لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين فهأنا الآن قد نيّفت على الستين، ولكن لا رأي لمن لا يطاع.

خطبة لمعاوية ﵀

بلغني عن شعيب بن صفوان قال: خطب معاوية فقال:

أيها الناس، إنّا قد أصبحنا في دهر عنود، وزمن شديد، يعدّ فيه المحسن مسيئا، ويزداد الظالم فيه عتوّا، لا ننتفع بما علمنا، ولا نسأل عمّا جهلنا، ولا نتخوّف قارعة حتى تحلّ بنا. فالناس أربعة أصناف: منهم من لا يمنعه من الفساد في الأرض إلا مهانة نفسه وكلال حدّه ونضيض وفره؛ ومنهم المصلت لسيفه والمجلب بخيله ورجله والمعلن بشرّه، قد أشرط نفسه وأوبق دينه لحطام ينتهزه أو مقنب يقوده أو منبر يفرعه، ولبئس المتجران تراهما لنفسك ثمنا ومما عند الله عوضا. ومنهم من يطلب الدنيا بعمل الآخرة ولا يطلب الآخرة بعمل الدنيا قد طامن من شخصه وقارب من خطوه، وشمّر من ثوبه، وزخرف نفسه للأمانة، واتخذ ستر الله ذريعة إلى المعصية. ومنهم من أقعده عن طلب الملك ضؤولة في نفسه وانقطاع من سببه، فقصّر به الحال عن أمله، فتحلّى باسم القناعة وتزيّن بلباس الزّهّاد، وليس من ذلك في مراح ولا مغدى. وبقي رجال غضّ أبصارهم ذكر المرجع، وأراق دموعهم خوف المحشر فهم بين شريد

نادّ، وخائف منقمع، وساكت مكعوم، وداع مخلص، وموجع ثكلان، قد أخملتهم التقيّة، وشملتهم الذّلّة، فهم في بحر أجاج، أفواههم ضامرة، وقلوبهم قرحة، قد وعظوا حتى ملّوا، وقهروا حتى ذلّوا، وقتلوا حتى قلّوا.

فلتكن الدنيا في أعينكم أصغر من حثالة القرظ وقراضة الجلم، واتّعظوا بمن كان قبلكم قبل أن يتّعظ بكم من بعدكم، وارفضوها ذميمة، فإنها قد رفضت من كان أشغف بها منكم.

خطبة ليزيد بن معاوية بعد موت معاوية

خطب فقال: إن معاوية كان حبلا من حبال الله، مدّه ما شاء أن يمدّه، ثم قطعه حين شاء أن يقطعه؛ وكان دون من قبله وهو خير ممن بعده، ولا أزكّيه عند ربه، وقد صار إليه فإن يعف عنه فبرحمته، وإن يعاقبه فبذنبه، وقد وليت الأمر بعده، ولست أعتذر من جهل ولا أشتغل بطلب علم. وعلى رسلكم ! إذا كره الله أمرا غيرّه.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عيون الأخبار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.