من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
خطبة لعتبة بن أبي سفيان
أبو حاتم عن العتبيّ قال: إحتبست كتب معاوية حتى أرجف أهل مصر بموته ثم ورد كتابه بسلامته، فصعد عتبة المنبر والكتاب في يده فقال:
يا أهل مصر، قال طالت معاتبتنا إياكم بأطراف الرّماح وظبات السيوف حتى صرنا شجي في لهواتكم ما تسيغنا حلوقكم، وأقذاء في أعينكم ما تطرف عليها جفونكم. فحين اشتدت عرى الحق عليكم عقدا، واسترخت عقد الباطل منكم حلّا، أرجفتم بالخليفة وأردتم توهين السلطان، وخضتم الحقّ إلى الباطل، وأقدم عهدكم به حديث! فاربحوا أنفسكم إذا خسرتم دينكم، فهذا كتاب أمير المؤمنين بالخبر السارّ عنه والعهد القريب منه. واعلموا أنّ سلطاننا على أبدانكم دون قلوبكم؛ فأصلحوا لنا ما ظهر، نكلكم إلى الله فيما بطن؛ وأظهروا خيرا وإن أسررتم شرّا؛ فإنكم حاصدون ما أنتم زارعون. وعلى الله نتوكّل وبه نستعين.
خطبة لعتبة أيضا
وبهذا الإسناد أنّ عتبة خطب أهل مصر حين هاجوا فقال.
يا أهل مصر، خفّ على ألسنتكم مدح الحق ولا تفعلونه، وذمّ الباطل وأنتم تأتونه، كالحمار يحمل أسفارا أثقله حملها ولم ينفعه علمها. وإني والله لا
أداوي أدواءكم بالسيف ما اكتفيت بالسّوط، ولا أبلغ السوط ما كفتني الدّرّة، ولا أبطىء عن الأولى إن لم تصلحوا عن الأخرى، ناجزا يناجز، ومن حذّر كمن بشّر فدعوا قال ويقول من قبل أن يقال فعل ويفعل؛ فإن هذا اليوم ليس فيه عقاب، ولا بعده عتاب.
خطبة لعبد الله بن الزّبير
خطب عبد الله بن الزّبير حين قتل أخوه مصعب فقال:
الحمد لله الذي يعزّ من يشاء ويذلّ من يشاء. إنه لن يذلّ من كان الحقّ معه وإن كان فردا، ولن يعزّ من كان أولياء الشيطان حزبه وإن كان معه الأنام.
أتانا خبر من قبل العراق أجزعنا وأفرحنا: قتل مصعب ﵀. فأما الذي أحزننا من ذلك فإنّ لفراق الحميم لذعة يجدها حميمه عند المصيبة به ثم يرعوي بعدها ذوو الرأي إلى جميل الصبر وكريم العزاء. وأما الذي أفرحنا من ذلك فعلمنا أنّ قتله شهادة، وأن ذلك لنا وله الخيرة. ألا إن أهل العراق أهل الشقاق والنفاق باعوه بأقلّ ثمن كانوا يأخذونه به. إنا والله ما نموت حبجا ولا نموت إلا قتلا، قعصا بالرماح تحت ظلال السيوف، ليس كما تموت بنو مروان؛
والله إن قتل رجل منهم في جاهليّة ولا إسلام. ألا إنما الدنيا عارية من الملك الأعلى الذي لا يبيد ذكره ولا يذلّ سلطانه فإن تقبل عليّ لا آخذها أخذ البطر الأشر، وإن تدبر عني لا أبك عليها بكاء الخرف المهتر. ثم نزل.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع