تجاوز إلى المحتوى

من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)

خطبة زياد البتراء

حدّثني عبد الرحمن عن الأصمعيّ عن أبي بكر بن أبي عاصم ببعضها، وحدّثني أبي عن الهيثم بن عديّ، قال: لما قدم زياد أميرا على البصرة فنظر إلى أبياتها، قال: ربّ فرح بإمارتي لن تنفعه، وكاره لها لن تضرّه؛ فدخل وعليه قباء أبيض ورداء صغير، فصعد المنبر، فخطب الناس خطبة بتراء: لم يصلّ فيها على النبيّ ﷺ، وكان أوّل من خطبها، ثم قال:

أما بعد، فقد قال معاوية ما قد علمتم، وشهدت الشهود بما قد سمعتم، وإنما كنت امرأ حفظ الله منه ما ضيّع الناس، ووصل ما قطعوا. ألا وإنّا قد ولينا وولينا الوالون، وسسنا وساسنا السائسون، وإنا وجدنا هذا الأمر لا يصلحه إلا شدّة في غير عنف، ولين في غير ضعف. وايم الله ما من كذبة أكبر شاهدا من كذبة إمام على منبر؛ فإذا سمعتموها منّي فاغتمزوها فيّ، واعلموا أنّ عندي أمثالها، وإذا رأيتموني آمر فيكم بالأمر فأنفذوه على أذلاله. وايم الله إنّ لي

فيكم لصرعى كثيرة، فليحذر كلّ امرىء منكم أن يكون من صرعاي. وايم الله لآخذنّ البريء بالسقيم، والمطيع بالعاصي، والمقبل بالمدبر، حتى تستقيم لي قناتكم، وحتى يقول القائل: انج سعد، فقد قتل سعيد. فقام إليه عبد الله بن الأهتم التميميّ، فقال: أيها الأمير، أشهد أنك أوتيت الحكمة وفصل الخطاب؛ فقال له: كذبت، ذاك نبيّ الله داود. ثم قام إليه الأحنف، فقال: إنما المرء بجدّه، والسيف بحدّه، والجواد بشدّه؛ وقد بلّغك جدّك أيها الأمير ما ترى؛ وإنما الحمد بعد البلاء، والثناء بعد العطاء، وإنا لا نثني حتى نبتلي. ثم قام إليه مرداس بن أديّة، فقال: قد سمعنا مقالتك أيّها الأمير، وإنّ خليل الله إبراهيم ﵇ أدّى عن الله غير الذي أدّيته، قال الله تعالى: أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى

؛ وأنت تزعم أنك تأخذ البريء بالسقيم، والمطيع بالعاصي، والمقبل بالمدبر؛ فقال له: أسكت، فوالله ما أجد إلى ما أريد سبيلا، إلا أن أخوض إليه الباطل خوضا. ثم نزل.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عيون الأخبار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.