تجاوز إلى المحتوى

من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)

وقال في خطبة له أخرى

: حرام عليّ الطعام والشراب حتى أسوّيها بالأرض هدما وإحراقا. إيّاي

ودلج الليل، فإني لا أوتى بمدلج إلا سفكت دمه، وإيّاي ودعوى الجاهليّة، فإني لا أجد أحدا دعا بها إلّا قطعت لسانه. وقد أحدثتم أحداثا، وأحدثنا لكل ذنب عقوبة؛ فمن غرّق قوما غرّقته، ومن أحرق قوما أحرقته، ومن نقب بيتا نقبت عن قلبه، ومن نبش قبرا دفنته فيه حيّا؛ فكفّوا أيديكم وألسنتكم أكفّ عنكم.

وقد كانت بيني وبين أقوام منكم أشياء قد جعلتها دبر أذني وتحت قدمي، فمن كان محسنا فليزدد، ومن كان مسيئا فلينزع. إنّي لو علمت أنّ أحدكم قد قتله السّلّ من بغضي لم أكشف له قناعا ولم أهتك له سترا، حتى يبدي لي صفحته، فإذا فعل ذلك لم أناظره؛ فأعينوا على أنفسكم واتنفوا أمركم.

خطبة للحجاج حين دخل البصرة

دخل وهو متقلّد سيفا متنكّب قوسا عربية، فعلا المنبر فقال:

أنا ابن جلا وطلّاع الثّنايامتى أضع العمامة تعرفوني
للشاعر سليمان الباروني، من قصيدة «لبست التاج تاج الفخر كيما»

إنّ أمير المؤمنين نكب عيدانه بين يديه، فوجدني أمرّها عودا وأصلبها

مكسرا، فوجّهني إليكم. ألا فوالله لأعصبنّكم عصب السّلمة، ولألحونّكم لحو العود ولأضربنّكم ضرب غرائب الإبل، حتى تستقيم لي قناتكم، وحتى يقول القائل: انج، سعد، فقد قتل سعيد. ألا وإياي وهذه الشّفعاء والزّرافات، فإنّي أوتى بأحد من الجالسين في زرافة إلا ضربت عنقه. هكذا حدّثنيه أحمد بن سعيد عن أبي عبيد في كتاب غريب الحديث. وقال لي غيره:

هو إيّاي وهذه الشّفعاء والزّرافات. وقد فسّرت الحديث في كتابي المؤلّف في غريب الحديث.

خطبة للحجاج أيضا

أرجف الناس بموت الحجّاج، فخطب فقال:

إنّ طائفة من أهل العراق، أهل الشقاق والنفاق، نزغ الشيطان بينهم، فقالوا: مات الحجاج ومات الحجاج! فمه! وهل يرجو الحجّاج الخير إلا بعد الموت! والله ما يسرّني ألّا أموت وأنّ لي الدنيا وما فيها! وما رأيت الله رضي بالتخليد إلا لأهون خلقه عليه إبليس. ولقد دعا الله العبد الصالح فقال: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي

، فأعطاه ذلك إلا البقاء.

فما عسى أن يكون أيها الرجل! وكلكم ذلك الرجل!. كأنّي والله بكلّ حيّ منكم ميّتا، وبكل رطب يابسا، ونقل في ثياب أكفانه إلى ثلاث أذرع طولا في ذراع عرضا، وأكلت الأرض لحمه ومصّت صديده، وانصرف الحبيب من ولده يقسم الخبيث من ماله؛ إن الذين يعقلون يعلمون ما أقول، ثم نزل.

خطبة أخرى للحجاج حين أراد الحج

خطب فقال: أيها الناس إني أريد الحج، وقد استخلفت عليكم ابني هذا، وأوصيته بخلاف ما أوصى به رسول الله ﷺ في الأنصار؛ إن رسول الله أوصى أن يقبل من محسنهم، وأن يتجاوز عن مسيئهم؛ وإني أمرته ألّا يقبل من محسنكم ولا يتجاوز عن مسيئكم. ألا وإنكم ستقولون بعدي مقالة لا يمنعكم من إظهارها إلا مخافتي، ستقولون بعدي: لا أحسن الله له الصّحابة! ألا وإنيّ معجّل لكم الجواب: لا أحسن الله لكم الخلافة، ثم نزل.

خطبة للحجاج أيضا

خطب فقال في خطبته: سوطي سيفي، فنجاده في عنقي، وقائمه في يدي، وذبابه قلادة لمن اغترّ بي! فقال الحسن: بؤسا لهذا! ما أغرّه بالله!.

وحلف رجل بالطلاق أنّ الحجاج في النار، ثم أتى امرأته فمنعته نفسها؛ فأتى ابن سيرين يستفتيه؛ فقال: يا ابن أخي، امض فكن مع أهلك، فإنّ

الحجّاج إن لم يكن في النار لم يضرّك أن تزني.

خطبة لعمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه:

حدّثني أبو سهل عن إسحاق بن سليمان عن شعيب بن صفوان عن رجل من آل سعيد بن العاص، قال:

كان آخر خطبة خطب بها عمر بن عبد العزيز ﵀ أن حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإنكم لم تخلقوا عبثا، ولن تتركوا سدى، وإنّ لكم معادا ينزل الله فيه للحكم فيكم والفصل بينكم، فخاب وخسر من خرج من رحمة الله وحرم جنّة عرضها السموات والأرض. ألم تعلموا أنه لا يأمن غدا إلا من حذر اليوم وخاف، وباع نافدا بباق، وقليلا بكثير، وخوفا بأمان؟ ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين، وستكون من بعدكم للباقين كذلك، حتى تردّ إلى خير الوارثين؟ ثم إنكم في كل يوم تشيّعون غاديا ورائحا إلى الله قد قضى نحبه، حتى تغيبّوه في صدع من الأرض في بطن صدع غير موسّد ولا ممهّد، قد فارق الأحباب وباشر التراب وواجه الحساب، فهو مرتهن بعمله، غنيّ عما ترك فقير إلى ما قدّم. فاتّقوا الله قبل انقضاء مواقيته ونزول الموت بكم! أما إني أقول هذا وما أعلم أنّ عند أحد من الذنوب أكثر مما عندي، فأستغفر الله وأتوب إليه.

ثم رفع طرف ردائه على وجهه فبكى وأبكى من حوله.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عيون الأخبار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.