تجاوز إلى المحتوى

من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)

وصايا المؤدّبين في الأولاد

أوصى هشام بن عبد الملك سليمان الكلبيّ، لما اتخذه مؤدّبا أنّ ابني هذا هو جلدة ما بين عينيّ، وقد ولّيتك تأديبه فعليك بتقوى الله، وأداء الأمانة فيه، بخلال أوّلها أنك مؤتمن عليه، والثانية أنا إمام ترجوني وتخافني، والثالثة كلّما ارتقى الغلام في الأمور درجة ارتقيت معه. وفي هذه الخلال ما يرغبك في ما أوصيك به. إنّ أول ما آمرك به أن تأخذه بكتاب الله وتقرئه في كل يوم عشرا يحفظه حفظ رجل يريد التكسب به ثم روّه من الشعر أحسنه. ثم تخلّل به في أحياء العرب، فخذ من صالح شعرهم هجاء ومديحا، وبصّره طرفا من الحلال والحرام والخطب والمغازي، ثم أجلسه كل يوم للنّاس ليتذكر.

وقال عتبة بن أبي سفيان لمؤدب ولده: ليكن أوّل إصلاحك لولدي إصلاح نفسك فإنّ عيونهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما استحسنته والقبيح ما استقبحته. علّمهم كتاب الله وروّهم من الحديث أشرفه، ومن الشعر أعفّه ولا تكرههم على علم فيملّوه ولا تدعهم فيهجروه، ولا تخرجهم من علم إلى علم. حتى يحكموه، فازدحام العلم في السّمع مضلّة للفهم. وعلّمهم سير الحكماء وهدّدهم وأدّبهم دوني، ولا تتكل على كفاية منك، واستزدني بتأثيرك أزدك إن شاء الله تعالى.

وضرب أبو مريم مؤدّب الأمين والمأمون الأمين بعود فخدش ذراعه فدعاه الرشيد إلى الطعام فتعمّد أن حسر عن ذراعه فرآه الرشيد. فسأله، فقال: ضربني أبو مريم فبعث إليه ودعاه قال فخفت فلما حضرت، قال: يا غلام وضّئه فسكنت وجلست آكل، فقال: ما بال محمد

يشكوك فقلت قد غلبني خبثا وعرامة قال: اقتله فلأن يموت خير من أن يموق.

النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الحدّ الأوّل في العقل والعلم والجهل وما يتعلّق بها

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.