تجاوز إلى المحتوى

من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)

أيمان الأعراب

اختصم أعرابيان في حق فأقبلا إلى وال فوجبت اليمين على أحدهما، فقال المدّعي:

كله إليّ أيها الحاكم أحلفه، فقال له: أنت وذاك فدوّر له دائرة في الأرض، وقال: إجلس فيها فجلس، فقال له: جعل الله نومك نغصا وأكلك غصصا ومشيك رقصا ومسحك برصا وقطعك حصصا فأدخلك قفصا وأدخل في إستك هذا العصا، فأبى أن يحلف واتقاه بحقّه.

واستحلف أعرابي خصما فقال: قل لا أصحبني الله عصمة ولا سدّ عنّي خلة وأحضرني كل نقمة وأثكلني كل نعمة وصرّد لي المشرب وسلبني الأقرب فالأقرب، إن كان ما ادعيت حقا، فاتقاه بحقّه.

اختصم أعرابيان إلى أمير اليمامة فقال أحدهما: إن لي قبل صاحبي حقا فمره يخرج منه فأنكر، فقال الوالي: أحالف أنت؟ قال: نعم، فقال خصمه: دعني من يمينك حتى أحلفه، فقال: قل لا ترك الله لي خفا يتبع خفا ولا ظلفا يتبع ظلفا، وحتني من أهلي ومالي حتّ الورق، وخلعني من أهلي ومالي خلع الخضاب، وأحوجني إلى شرّ خلق الله إن كان لهذا قبلي حق. فقال: لا أحلف واتقاه بما ادّعى عليه.

وحلف أعرابي آخر، فقال: قل لا استتبت الله من خطيئة ولا استنجدته لبليّة ولا وفيت له بعهد ولا استجزته أوان جهد، فأتقاه بحقّه. وقال أعرابي لآخر في حق: أتحلف، فقال نعم، فقال: قل ألزمني الله الزلل ولا سدّ عني الخلل، وألبسني القل والملل، وألصق بي الغمّ والعلل، وقطع عني سببه وأصحبني غضبه وأحضرني نقمه وأعدمني نعمه، وكدر لي المشرب وأفقدني الأقرب فالأقرب، إن كان لك عندي حق فاتّقاه ولم يحلف.

النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الحد الثامن في الصناعات والمكاسب والتقلّب والغنى والفقر

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.