من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)
رجاء رحمة الله وغفرانه ومدح ذلك
قال النبي ﷺ: ما أحبّ أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ
وقال: إن الله تعالى يقول: أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء. وقال ابن عباس لابن عمر ﵄: أي آية أرجي؟ فقال: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ
الآية، فقال: إن هذه لمرجوة وأرجى منها قوله تعالى: وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ
.. وقيل: أعظم من الذنب اليأس من الرحمة وأشد منه المماطلة بالتوبة. وقال أعرابي لابن عباس من يحاسب الخلق يوم القيامة؟ قال: يحاسبهم الله تعالى قال: نحونا ورب الكعبة فقال: كيف؟ قال إن الكريم إذا قدر غفر. ورؤي الشبلي
في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ فأنشد:
حاسبونا فدقّقواثم منّوا فأعتقوا
وسمع أعرابي ابن عباس يقرأ قول الله تعالى: وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها
. قال: والله ما أنقذنا منها وهو يريد أن يلقينا فيها، فقال ابن عباس: خذوه من غير فقيه. ولقي يحيى عيسى ﵉ فعبس هذا وتبسم هذا، فقال: هذا لهذا مالك عابس كأنك قانط، وقال: هذا لهذا مالك ضاحك كأنك آمن، فأوحى الله تعالى إليهما: أن أحبكما إليّ أحسنكما ظنا بي. وقيل لرجل: كم تكون تاركا للتوبة؟ فقال:
رأيت الله تعالى وصف قوما فقال: وآخرون اعترفوا بذنوبهم إليّ عسى الله أن يتوب عليهم، وعسى من الله واجب. فقيل له: قد قال الله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ
الآية وقال عمر بن عبد العزيز لعمر بن علقمة: أخاف عليك النار، فقال: لكني لا أخافها قال لم، قال لأن الله تعالى يقول: لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى
، وأنا صدقت وأقبلت.
وقال أبو نواس:
يا كثير الذنب عفوالله من ذنبك أكبر
وقال بعضهم: يا رب حجّتي حاجتي ووسيلتي فاقتي.
النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع