تجاوز إلى المحتوى

من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)

الحدّ الرابع والعشرون في الحيوانات (٢)

وإذا خرج من وكره لا يستقر. وكذلك البلبل لكنّ البلبل كذلك ما دام في القفص ويخرب البيوت والسقوف ويجلب الحيات لو لوعها بأكله. وفي المثل هو في حلم عصفور، وبكر بكور العصفور.

المكاء: قال شاعر:

إذا غرّد المكاء في غير روضةفويل لأهل الشاء والحمرات

وإنّما قال ذلك لأن المكاء لا يكاد يوجد إلا في الرياض.

قال امرؤ القيس:

كأنّ مكاكيّ الجواء غديّةصبحن سلافا من رحيق مفلفل

وقيل: إن حية أكلت بيض مكاء فأخذت حسكة بمنقارها وجعلت تفرفر على رأسها حتى فتحت فاها فألقتها فيها فماتت، وفيه قال:

فربما قتل المكاء ثعبانا

الخطّاف: قال أبو منصور الديلمي:

وطير يبشّرنا بالمصيفزيارته أرضنا كلّ حين
يضم جناحين كالحنجرينعلى ذنب يشبه البارحين
بسجع حكى هذيان الرياضمن السّند يتبعه بالأنين

قال الكندي:

تقسّم زوار من الهند سقفناخفاف على قلب النديم شفاق
أعاجم تلتذّ الخصام كأنّهاكواعب زنج راعهنّ طلاق
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «ألست ترى ركب الغمام يساق»
أنس بنا أنس الإماءة تجنّنتوشيمتها غدر بنا وأباق

قال أبو نواس:

كأن أصواتها في الجو إذ سطعتصك الجلاة إذا ما جزت الشعار

الهدهد: قال ابن عبّاس: كان سليمان بن بن داود، إذا فقد الماء في بريّة دلّه الهدهد لأنه إذا نقر وجه الأرض عرف ما بينه وبين الماء. قيل: فكيف يجهل الفخ إذا دنا منه؟ قال: إذا جاء القدر عمي البصر، ولم يغن الحذر. والعرب تقول فترعنه قبر أمه لأنه جعل قبرها على رأسه برأيها ونتن ريحة من الجيفة المدفونة في رأسه. وقال صاحب المنطق: الهدهد لما اتخذ العش من الزبل ترقي فيه ريشه فلذلك خبث ريحه.

وقال بعضهم: الهدهد تكلف. واستدل بقوله تعالى: وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ

الرخمة: وتسمى الأنوق وتنسب إلى الحمق، شاعر:

وذات إسمين والألوان شتّىوتحمق وهي كيسة الحويل
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «يفوت ذوي المفاقر أسهلاه»

وقال محمد بن سهل ما أحمقها وهي تحضن بيضها وتحمي فرخها وتحب ولدها ولا تمكن من نفسها ألا زوجها، وتقطع في أول القواطع وترجع في أول الرواجع ولا تطير في التحسير، ولا تغتر بالشكير، ولا ترب بالوكور ولا تسقط في الحفير. أي إذا رأت الحفير هربت منه. والصيادون يستدلّون به على قطاع الطير. وقيل: أعزّ من بيض الأنوق.

البوم: يعادي الغداف ولا يقوى عليه بالنهار. وهو يهجم على الغداف بالليل في أوكاره فيأكل فراخه- وهو موصوف بالشؤم.

وقيل لصياد- معه بومتان كبيرة وصغيرة- بكم؟ فقال: الكبيرة بدرهم، والصغيرة بدرهمين. قيل له: ولم ذلك؟ فقال لأن شؤمه في إقبال.

الخفاش: هو طائر بلا ريش إنما هو لحم وجلد. ولا يطير في ضوء ولا ظلمة، لقوة بصره وكثرة شعاع عينه فيلتمس فيما بين الوقتين رزقه.

وهو يصيد البعوض وقيل إن أنثاه تحيض وترضع كالأرنب وماله منقار وله أسنان حداد ويصير على الطعام. ونهى عن قتله وقتل الضفدع. وقيل: إن أنثاه تحمل ولدها تحت جناحها، ترضعه في طيرانها وتتجنب ورق الدلب حيث كان. وفيه قال ابن المعتز:

أبى علماء النّاس أن يعلموننيوقد ذهبوا في الشعر في كلّ مذهب
بجلدة إنسان وصورة طائروأظفار يربوع وأنياب ثعلب

الببغاء: من غريزته أن من كلمها نصب لها مرآة وكلّمها من خلفها، حتى تعتاد الكلام

ومما جاء في الهوام والحشرات

الثعلب: موصوف بالروغان والخبث والنذالة. قال بعضهم: أروغ من ثعلب ومن فرط خبثه أنّه يجري مع كبار السباع وفي حديث العامة أن الثعلب متى كثرت عليه البراغيث يتناول صوفة ثم يدخل رجليه في الماء، فلا يزال يغمس بدنه في الماء أوّلا فأولا حتّى يجتمعن في خطمه. فإذا غمس خطمه في الماء اجتمعن في الصوفة ثم يتركها في الماء ويثب خارجا. ونضيبه أي قضيبه في صورة أنبوبة أحد شطريه أعظم، وهو في صورة مثقب والآخر عصب ولحم. يولع بأكل القنفذ ويقال إنه يقلبه على ظهره ثم يبول على بطنه فيعتريه الأشر فيتمدّد فيبقر بطنه.

الأرنب: قيل: إنها تحيض والذكر منها الحزن وقضيبه على صورة قضيب الثعلب. وقيل:

إنها تنام مفتوحة العين، وتطأ على مواخير القوائم كيلا تعرف الكلاب أثرها. وهو قصير اليد وليس يعرف بقصر اليد، أسرع من الأرنب، والعرب تزعم أن من علق عليه كفّ أرنب لم تصبه عين ولا سحر، لأن الجنّ تهرب منه إذ ليست من مطاياها لمكان الحيض وهي أحسن الأشياء صيدا لتدبيرها وتدبير الكلب عليها.

القرد: يضحك ويطرب ويحكي ويتناول بيده الطعام ويضعه في فمه. وله أصابع وأظفار وإذا سقط في الماء يغرق كالإنسان قبل أن يتعلم السباحة ويتزاوج ويتغاير تغايرهم، فقال:

قرد يقهقه أو عجوز تلطم

الدبّ: أنثاه إذا وضعت ولدها رفعته في الهواء أياما تهرب به من الذرّ من مكان إلى مكان إلى أن تشتد أعضاؤه.

القنفذ: جعل سلاحه شوكه وهو يأخذ الحيّات فيأكلها يقبع رأسه حتى يأتي عليها. وقال ابن الزبير في رجل خاشنه وهو يخطب ثم سكت: ماله ضبح ضبح الثعلب ثم قبع قبوع القنفذ.

الورل: لا يتخذ البيوت إبقاء على برثنه، ويعلم أنه سلاحه الذي به يقوى. وله ذنب يؤكل ويستطاب، ويقتل الضبّ ويشدخ رأس الحيّة ثم يبتلعها لا يضرّه سمّها. وهو كثير التوقف والتلبث إذا مشى.

وتزعم المجوس أن أهرمن لما قسّم الشرور والسموم كان أخذ من الجرذ شرا فحضر وقد قسم الشر فتداخلها الحسرة فتراها متى اشتدت تتذكر ما فاتها لتباطئها فتقوم وتتحسّر.

الخنفساء: موصوفة بالصّبر. وربما غرز على ظهرها شوكة فتجول كأنها عقرت. وربّما تكون في العلف فيأكلها البعير فمتى وصلت إلى جوفه حيّة قتلته. وهي موصوفة باللجاج، قال:

أشدّ لجاجا من الخنفساء

أمّ حبين: دويبة أصغر من الحرباء كدرة المسراة، بيضاء البطن. وقيل لأعرابي ما تأكلون؟ قال:

ما دبّ ودرج إلا أم حبين، فقال: لتهن أم حبين العافية.

الظربان: على خلقة الكلب الصينيّ أخبث دابة مساءة لا يقوم لفسوها شيء. وتأتي جحر الضبّ فتفسو فيه وتضيق عليه حتى تدار به فيأخذه ويأكله ويسمى مفرق النعم لأنها إذا فست فيها ابدت تأذيا بفسوها وقيل: فسا بينهم الظربان إذا تفرّقوا.

الوجرة: دويبة كالغطاءة حمراء تلزق بالأرض وقيل وجر صدره إذا التزق بالعداوة التزاق تلك بالأرض، وهذا كما يقال للحقود ضبّ.

العضرفوط: دويبة لا خير فيها تذكر العرب أنها لا تبول ألا تشعر بذنبها تلقاء القبلة والحيّات تأكله.

الجعل: يموت من ريح الورد ويعيش بالرّوث.

قال المتنبّي:

كما تضرّ رياح الورد بالجعل

وتحرس القوم. فكلما قام قائم منهم لحاجته تبعه وهو يدحرج الجعر.

قال يهجو:

حتّى إذا أضحى تدري فاكتحلبجارتيه ثم ولّى فنبل

رزق الأنوقين قرينا والجعل

وله جناحان لا يكادان يريان إلا إذا طار

العقرب: لا تسبح ولا تتحرك في الماء، جاريا كان أو راكدا. وحتفها في ولدها إذ حان وقت ولاده بقر بطنها فتموت، وفيه:

وحاملة لا يكمل الدهر حملهاتموت ويبقى حملها حين تعطب

والقاتلة بموضعين شهرزور وقرى الأهواز. وهي التي يقال لها الجرارة.

والعقارب يلسع بعضها بعضا فتموت وربما ضربت الطشت فتخرقه وتبقى إبرتها فيه وتلسع الأفعى فتقتلها.

وقيل: إذا لسعت من لسعت أمه عقرب وهي حامل تموت العقرب ولا تضره.

وتقصد العقرب بالليل الأصوات، ولا تضرب المغشيّ عليه ولا النائم حتّى يتحرك وشرّ ما تضرّ الملدوغ إذا كان خارجا من الحمام لسخونة بدنه وتفتح مسامه.

البعوض: وأجناسه البقّ والجرجس والشذان والفراش والأذى. وللبعوض خرطوم ولكنه يخرجه ويطويه.

وقال بعضهم رأيت البعوضة تغمس خرطومها في جلد الجاموس كما يغمس الرجل إصبعه في الثريد. وكان يطير عن ظهره فيسقط الغصن فيقيء ما في جوفه، ثم يعود.

وأنشد في مجلس يونس قول جرير:

يصرّ عن ذا اللب حتّى لا حراك بهوهنّ أضعف خلق الله أركانا
للشاعر عبد الله بن علي الخليلي، من قصيدة «حور العيون»

قال: ما أراه يصف إلا

القمل: القمل يعتري من العرق والوسخ من الثوب والشعر. وقيل: يعتري من أكل التين ويكون في رأس الأسود الرأس أسود، وفي أخضب الشعر بالحمرة أخضب. وفي الأخصف خصيفا، وفي الأبيض.

وقيل: هكذا كحرّة بني سليم كلّ ما فيها من حيوان أسود بلاد الترك كل ما فيها على ألوان بلادهم ومن زيبق ذهب قمله ويزيله لبس الحرير فأذن لهما. ويكثر القمل في الدجاج والحمام إذا لم يغسلا وكذلك في القرد وتراه أبدا يتقمّل ويضع قمله في فيه.

القراد: يخلق من عرق البعير ووسخه كالقمل من الإنسان. والقراد إذا كان صغيرا قمقامة ثم يكون حنانة ثم قرادا ثم حلمة. ويقال له: القل والطلح والعقير والبرام والقرشان.

وقيل: أشجع من قراد وألزق منه وأذل وأفطن من حلمة ويقال فلان يقرد فلانا أي يحتال عليه، وأصله أن يؤخذ قراد البعير ليسكن ثم يجعل الخطام في عنقه.

السّمك: الأجناس المائية موصوفة بالخمول وليس فيها خصلة من الفطنة، إلا ما يحكى عن صيد الجرذان ودابة تحمل الغريق حتى تؤدّيه إلى الساحل.

والتبوظ ضرب من السمك ينتهي إلى الشبكة فلا يستطيع النفوذ منها فيعلم أنه لا ينجيه إلا الوثوب، فيجمع جراميزه قيد رمح فيثب ويغوص في الطين أيام الجزر.

والسمك قيل يكون له اللسان والدماغ في الماء العذب لا الملح البحتري في بركة:

يقمن فيها بأوساط مجنّحةكالطير ينقضّ من جوّ خوافيها

السرطان: له ثمان أرجل ويستعين مع ذلك بأسنانه فكأنه يمشي على عشر وعيناه في ظهره وينسلخ من جلده في السنة سبع مرات، ويتخذ جحرا له بأبان أحدهما يشرع إلى الماء والثاني إلى اليبس. ومتى انسلخ سد الباب الذي في الماء لئلا تدخل عليه الحيّة فتأكله وترك الباب الذي يلي اليبس لتصيبه بالريح فيعصب لحمه.

السلحفاة: تكون بريّة وبحريّة وتصيد الحيات وتبيض في الشطّ، وفيها يقول محمد بن عبد الملك:

وسلحفاة سمحسكونها والحركه
شبّهتها بديلميّساقط في المعركه
مستتر بترسهعمّن عسى أن يهلكه

التّمساح: لا يكون إلا في نيل مصر، ويأكل الإنسان. وقيل: إن بطنه كقباء مفروج وكل شيء يأكل بالمضغ دون الإبتلاع فإنه يحرك فكّه الأسفل إلا التمساح فإنه يحرك الأعلى.

التنّين: ينكره أكثر الناس إلا بعض الشاميين يزعم أنه إعصار فيه نار يخرج من بخار الأرض فلا يمرّ على شيء إلا أحرقه.

ومما جاء في أحوال الحيوانات وطبائعها

المتزاوجة من الحيوانات: ليس التزاوج إلا في ذي رجلين دون ذوات الأربع، وذلك في الإنسان والحمام وأجناسها. وأما الدجاج والحجل فإنها تمكن كل ذكر من نفسها.

البائضة والوالدة: كل ما لا أذن ظاهرة لجنسه فإنه يبيض وماله أذن ظاهرة فإنه يلد ولا يبيض. وما يبيض على ثلاثة أضرب: هوائي ومائي وأرضي. فالطائر منها ما يبيض في السقوف والأجذاع كالخطاطيف، ومنها ما يبيض على شعف الجبال، حيث لا يوصل إليه كالرخم

والمائية منها ما يبيض في الأرض ويحضن كالبق والضفدع والسلحفاة والسراطين تبيض في بيوت لها في شطوط الأنهار لها بابان والأرضيّ كالحيّة والضب.

ما يكثر نسله وما يقلّ: السمك يكثر منسلها ويأكل بعضها بعضها. وكذلك الضبّ يخرج سبعين حسلا ولولا أن بعضها يأكل بعضا لصارت الصحاري ضبابا. والخنزيرة تضع عشرين خوصا لكن يموت أكثرها لعجزها عن تربيتها. ويخرج من جوف العقرب عقارب كثيرة.

قال صاحب المنطق: نسل الأسد يقل جدا لأنه يجرح الرحم فتعقم، والجوارح من الطيور يقلّ فراخها والبغاث يكثر.

قال:

بغاث الطير أكثرها فراخاوأمّ الصقر مقلاة نزور
للشاعر سالم بن وابصة الأسدي، من قصيدة «تَرَى الرَّجَلَ النحِيفَ فَتَزْدَرِيهِ»

وأقلّ الخلق عددا وذرأ الكركدن. فأما الطيور فأما الطيور تزق وتحضن كالحمام لم يكن لها أكثر من فرخين ما تلقم فزاد الله في عدد فراخه، والعقارب والضباب والسمك وكل ما لا تحضن ولا تزق ولا تلقم كثير أولادها جدا.

ما يكسب وقت ما يولد: الفروج والعنكبوت والفأر والجري والنحل

ما يكون من غير تناسل: البعوض والبق والبرغوث لا يكون من توالد تخلق من عفن المياه، وقيل: الكمأة قد تتعفن فتتولد منها الأفعى.

ما تناسل من الأجناس المختلفة: أما البغل فمعروف والذئب والضبع يتسافدان وولدهما السمع، والذئب، والكلبة وولدهما الديسم.

وقال صاحب المنطق: تتوالد السلوقية من الثعلب، والثعلب يسفد الهرة الوحشية.

وحكي عن صاحب الطيور أنا رأينا كثيرا منها يتسافد، ورؤي أشياء عجيبة من أولادها. وادّعى جهلة أن الزرافة تنتج من بين الإبل الوحشية، والبقرة الوحشية لما رأوا اسمه بالفارسية اشتركا وبلنك، أي بعير وبقر ونمر، وقالوا في الجاموس إنه بقر وضأن، ولم يقولوا في النعامة هذا، وإن سمي اشتر مرك. وادّعوا تسافد الجن والأنس واستدلوا

على ذلك بقوله تعالى: وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ

وقالوا الواقواق من نتاج بعض الحيوانات وبعض النبات

القوّة على الجماع: الإنسان يغلب جميع الحيوانات في السفاد لأن ذلك دائم منه في جميع الأزمنة وعلى جميع الأحوال. والإبطاء في الفراغ للجمل والورل والذبان والعناكب والضفادع والخنازير.

وأما الكلاب والذئاب فتلتحم وكذلك الذبان وقال النوشجان: أقبلت من خراسان، في بعض طرق أجبالها فرأيت أثر ست أرجل أكثر من ميلين فسألت فقيل لي أن الخنزير في زمن الهياج يركب ذكره الأنثى. وهي ترتع وتمرّ فهذا أثرهما وكثرة عدد الجماع من العصافير. وكل جنس يحبل إلا البغل فإنه وإن أحبل لم ينم وقفط تيس بني حمار مشهور.

المتسافد ذكوره: الخنازير والحمار والحمام كل ذلك، للذكر الذكر، وللأنثى الأنثى

ما يتغاير: يتغاير الخنزير والحمل والفرس إلا أنها لا تتزاوج وحمار الوحش يغار ويحمي أناثه الدهر كله، وأجناس الحمام تتزاوج ولا تتغاير والقرد يتزاوج ويتغاير.

أشراف الحيوانات: قيل: أشرف السباع ثلاثة: الأسد والببر والنمر. وأشرف البهائم ثلاثة:

الكركدن والفيل والجاموس وأشرف المركوبات: الخيل والإبل. وأشرف الطير:

العقاب.

وقيل: الرياسة في الهواء للعقاب، وفي الماء للتمساح وفي الغياض للأسد.

وقيل: الطير هوائي والسمك مائي يعني أكثر استقرارهما في هذين الموضعين.

ومن الحيوان ما لا يصلح أمره إلا بالرئيس كالنحل والغرانيق والكراكي، وأما الإبل والحمير والبقر فالرياسة لفحل الهجمة ولعير العانة ولثور الربرب. وقيل: لكل شيء سادة حتّى النمل.

ما يتعادى من الحيوانات: قيل: أشد العداوة عداوة الجوهر وما يتعادى على ضربين: ضرب يعادي جنس

جنسه. وذلك نوعان: أحدهما كل نظير صاحب كالأسد والفيل فإنهما يتقاتلان وكل قد يقتل الآخر. والفرس المائي يقتل التمساح ويتغالبان. والحيّة وسام أبرص يتقاتلان والأسد والنمر والأسد والجاموس.

ومنها ما لا يضرّ الآخر ولا يقوى الآخر عليه كالسنور مع الجرذ، والذئب مع الشاة، والدجاج مع ابن آوى، والحمام والشاهين والشاة أشد فرقا من الذئب منها من الأسد.

والدجاج يخاف ابن آوى أكثر ما يخاف الثعلب والحمام أشد فرقا من الشاهين منه للبازي والصقر.

القويّ المتفادي من الضعيف: الجاموس يخشى البعوض خوفا شديدا، ينغمس في الماء والفيل يهرب من الهرّة.

وقيل: إنما يهرب من الأسد إذا ظنّه سنورا عظيما. والحية إذا أصابها خدش تسلّط عليها الذرّ فيهلكها. واللبوة إذا وضعت قصد الذرّ شبلها فيأكله، ولذلك قال المتنبّي:

يذبّ أبو الشبل الخميس عن ابنهويسلمه عند الولادة للنمل

ما تقوى أناثها: كلّ صنف من الحيوان ذكورها أجرأ وأقوى إلا الفهد والذئب واللبوة.

الأكلة للنّاس من السباع: الأسد والنمر والببر. وقيل لا يعرض ذلك للناس إلا بعد الهرم والعجز عن الصيد. والذئب أشد الناس مطالبة فإن عجز عوي مستغيثا بالذئاب.

الآكل بعضها بعضا: السمك يأكل بعضه بعضا أكلا ذريعا والذئب متى رأس ذئبا أدمى أكله لا محالة:

قلت وكنت كذئب السوء لما رأى دمابصاحبه يوما أحال على الدم

والجرذ إذا خصي أكلها أصحابها.

الصابرة عن الطعام: الحيّة وسام أبرص والعضاة والتمساح تسكن في أعشتها الأربعة الأشهر الشديدة البرد، فلا تطعم شيئا وسائر الحيوانات تسكن بطن الأرض كذلك كل همج لا تبرز في الشتاء إلا النمل والذرّ والنحل فإنها تدّخر ما يكفيها.

المدّخرة: الإنسان والنملة والذّرة والجرذ والفأر، والعنكبوت والنّحل.

إختلاف الحيوان في الأكل: الحيوان على ثلاثة أضرب: المشتركة كالإنسان والعصفور والغراب والسمك تأكل الحيوانات والنبات. والآكلة للحم في غالب الأمر كالحمام. ثم تختلف فمنها ما يأكل جنسا واحدا كالنحل تأكل العسيل والعنكبوت يعيش من مصّ الذباب.

إختلاف مشيها: من الحيوان ما لا يسيح بالمشي، فالضبع عرجاء تخمع، والذئب أقزل أشنج النسا كأنه يتوخّى إذا مشى، والأسد إذا مشى ينخلع كأنه رهيص. والسنور والفهد في طريق الأسد. والغراب يحجل كأنه مقيد. والجراد يمشي ويطير والعصفور يثب ويجمع رجليه معا. وكذلك القنبر والحمر وما أشبهها والقطاة مليحة المشي مقاربة الخطو وبه شبه مشي المرأة قال:

فدفعتها فتدافعتمشي القطاة إلى الغدير

والذباب يمشي مشيا سبطا، والبرغوث يمشي ويثب وسمي طامر بن طامر لوثوبه.

وكلّ ذي أربع وذي إثنين إذا تكسر إحدى رجليه تحامل على الأخرى إلا النعامة قال:

وإنّي وإيّاه كرجلي نعامة

الطويلة العمر: . ممّا يوصف بطول العمر الحيّة، فإنه يقال لا تموت حتف أنفها، ويقطع ثلث جسمها فتعيش، إن سلمت من الذرّ. والدخال يقطع بنصفين فيمران في الطريقين. والضبّ طويل الذماء مع هشم الرأس والطعن الخائف الذي لا يحتمله غيره.

ويقال اللهم واقية كواقية الكلاب وذلك لسلامتها من الآفات والكبش تقطع إليتيه فيعيش.

ما يحدّ بصره: الفرس والهدهد والعقاب والنسر. وأما السنّور والفأر والجرذ والسباع فإنّها تبصر بالليل كما تبصر بالنهار والخفاش يبصر فيما بين الضوء والظلمة لكثرة شعاعها في بصرها.

وأما ما يبصر بالليل فالأسد والسنور والنمر والأفعى.

ما يصدق سمعه: قيل: أسمع من قراد لأنه يسمع تحرّك البعير فيقصده وإن كان قد أتى عليه سنون.

والفرس والقنفذ والدلدل.

الموصوف باللجاج: الخنفساء والذّباب لا ينطرد وإن طرد، والدودة الحمراء تروم الصعود إلى السقف كلّما سقطت عادت.

الحاذق بالبناء: الزنبور يعمل بيوتنا مدوّرة كأنّها من كاغد مزردة والسّرفة تبني بيتا حسنا وقيل أصنع من سرفة وكذلك التبوظ.

الحاذق بالنّسج: . العنكبوت ودود القزّ تخرج القز من جوفها.

ما يحيض: الكلب والأرنب والضبع والخفاش، وقيل: ذوات الأربع كلها تحيض.

الموصوف بالحمق: الرخمة والحباري وأنثى الذئاب، وتسمى الجهيزة، لأنها تتكفّل ولد الضبع وتترك ذا بطنها. قال:

كمرضعة أولاد أخرى وضيعتبني بطنها هذا الضّلال عند القصد
للشاعر أبو الأخيل العجلي، من قصيدة «ألا يا اسلمي ذات الدماليج والعقدِ»

والضبعة والنعجة والعنز، وكذلك الطاووس والقدرج مع حسنها والزرافة.

الموصوف بالجبن: العقعق والغراب والعصفور والصقر والصفرد.

ما يصدق شمّه: الذئب صادق الإسترواح، ولذلك قيل:

يستخبر الريح إذا لم يسمعبمثل مقراع الصّفا الموقع

وجلّ الوحشيّات على ذلك والنعامة صادقة الشمّ. وأعجب من ذلك الذرّة نحو أن يشمّ رجل جرادة يابسة فيتهافت عليها. والفرس يتشمّم رائحة الحجر من مسيرة ميل ومن ذلك السنّور والكلب ويبلغ من صدق شمه أنه يقصد الحجرة فيشمّها فتعرف الكلاب بتشممه وجار الضبع فتقصده.

ما يسلخ: كل ذي جسد محرز فإنها تسلخ كالحيّة والسرطان كل طائر لجناحيه غلاف كالجعل والدبر والسلخ للطير تحسرها، وللحوافر عقائقها، وللإبل طرح أوبارها وللجراد جلودها وللأيائل قرونها وللأشجار ورقها وللاسروع أن يصير فراشا وللبعوض أن يصير دعموصا.

ما يتناسل: قيل: إن البعوض يصير دعمومصا، والبعوض يستحيل برغوثا، والأسروع فراشا والذباب والزنابير أول ما يتولد يكون دودا، ثم يتطور.

وقيل: العقاب والحدأة يتبدلان فيصير الذكر أنثى وهذا غريب. وقيل: ليس ذلك بأغرب من الشجرة التي تثمر البلوط سنة، والعفص سنة. وقيل: الضبع سنة أنثى وسنة ذكر ولم تذكر العرب ذلك.

ما يعايش الناس: الكلب والسنّور والفرس والبعير والحمار والبغل والغنم والبقر ونحو ذلك ومن الطيور الدجاج والحمام والخطاف والزرزور والخفاش والعصفور، وليس فيها أطول عمرا من البغل ولا أقصر عمرا من العصفور. وعلل ذلك بقلّة السفاد وكثرته.

ما يتكفّل بولد غيره: الذئب وتقدّم، والنعام تحضن بيض غيرها وحمل على ذلك قول الشاعر:

كتاركة بيضها بالعراءوملبسة بيض أخرى جناحا
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «تعلقتها وإناء الشباب»

والدجاجة تحضن بيض الحمام وبالعكس. وكاسر العظام يتعهد فرخ العقاب، وذلك أنها تفرخ ثلاثا فتعجز من شرهها عن تربية ما فوق الاثنين.

الكاسية بالليل: البوم والصدى والهامة والصونع والخفاش وغراب الليل. والبومة تدخل على كل طائر في بيته بالليل تأكل فراخه. والبعوض قد يؤذي بالنهار.

ما يحضن البيض وما لا يحضن: الطيور تحضن، والضبّ لا يحضن بل يغطيها بالتراب وينتظر أيام انصداعها، ثم ينبش عنها التراب.

ما يتعيّن مكانه وما لا يتعيّن: الخلد والفأرة والنمل والنحل والضبّ لها مساكن معلومة تأويها. وأما أكثر الطيور فلا تتخذ بيتا ترجع إليه، بل ذكورها سيّارة وإناثها يقمن إلى تمام خروج الفراخ من البيض وتذهب.

وأكثر الطيور قواطع كالخطاف والزرزور والغراب والحدأة وأما السمك فكذلك. منها ما يجيء من أقصى البحار كأنه تتحمض بحلاوة الماء وعذوبته.

ما ادّعي تكليفه: زعم بعض الناس أنّ الأشياء كلّها مكلّفة وأنها أمم تجري مجرى الناس، وتأوّل قوله تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ

وقال تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ

الآية وقال: يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ

والطير.

واتبعوا ظاهر الآيات.

والعقرب والحية والغراب والوزغ والكلب عاصيات معاقبات.

وقالوا: لم يكن من خشاش الأرض إلا كان يطفئ النّار عن إبراهيم ﵇، إلا الوزّغ فإنها كانت تنفخها.

المنسوب إلى مكان من البهائم: ذئب الخمر وأرنب الخلة وتيس الرمل وضبّ السحاب، وهو نبت يحسن حاله به، وقنفذ برقة. وشيطان الخماطة، وغول القفر، وجان العشرة. وكان لهذه الأشياء اختصاص بهذه الأمكنة وقوة. وذلك غير ممتنع.

وكان يقال من دخل تبّت كان مسرورا من غير سبب، ما دام بها. ومن أقام بالموصل حولا ثم تفقد عقله وجده ناقصا.

وقيل حمّى خيبر وطحال البحرين ودمامل الجزيرة وجرب الزنج.

جملة من اختلاف الخلق: . كل حيوان أصل لسانه إلى داخل إلا الفيل. وكل سمك في العذب بلسان ودماغ وكل ذي عين من ذوات الأربع، فالأشفار لجفنها الأعلى، إلا الإنسان فللأعلى والأسفل.

وكل حيوان ذي صدر فصدره ضيق إلا الإنسان والفيل والبقر. وللجواميس أربعة أخلاف في بطونها، وللشاة خلفان، وللناقة أربعة، وللسنّور والكلب ثمانية أطباء.

والخنزيرة كثيرة الأطباء. وللفهد أربعة وللظبية إثنان.

واللحية تكون للرجل والديك والتيس. والجمل له القنون والكوسة من السمك في بطنه شحم طيّب إن اصطادوه ليلا وإلا فلا.

ومما جاء في الصيد والذبائح

ما يجوز أكله من الصيد وما لا يجوز: قال الله تعالى: وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ

. وقال عدي بن حاتم: سألت رسول الله ﷺ فقلت: أنا قوم نصيد بهذه الكلاب، فقال: إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه، فكل ما أمسك عليك وإن قتل، إلا أن يأكل الكلب فإن أكل الكلب فلا تأكل. فإني أخاف أن يكون مما أمسك على نفسه.

وقال عدي: يا رسول الله أرمي الصيد فلا أجده إلا بعد ثلاثة. قال: إذا رأيت أثر سهمك فيه تعلم أنه قتله، فكل. وفي حديث آخر: ما تجد أثر سبع. وفي حديث آخر:

وما تأخر عنك للغد فلا تأكله فإنك لا تدري أرميتك قتلته. وفي رواية كلّ ما أصميت ودع ما أنميت. وقال جابر: نهي عن صيد كلب المجوسي.

جواز أكل ما صيد بالقوس: . قال أبو ثعلبة: قال رسول الله ﷺ كلّ ما ردّت إليك قوسك. وفي آخر ذكيا أو غير ذكي. وروى عدي بن حاتم عنه ﷺ: ما أصاب بحدّه فكل وما أصاب بعرضه فلا تأكل.

وفي آخر: إن أتيته وقد سبقك بنفسه فكل، وإلا فلا تأكل حتّى تذكى.

ما ذبح بغير سكين: قال عدي: قلت يا رسول الله إني أرسل كلبي فيأخذ الصيد فلا أجد ما أذبحه به إلا المروة والعصا، فقال: أجر الدم بمائت وأذكر اسم الله عليه. وقال ﷺ: إذا أنهرت الدم فكل، وفي حديث ما خلا السنّ والعظم.

النهي عن المثلة بالحيوان والحثّ على تحسين الذّبح: . قال النبي ﷺ: لعن الله من يمثل بالحيوان. ونهى أن تصبّر البهيمة وأن يؤكل لحمها إذا ضرب، وقال ﷺ: لا تتخذوا الروح غرضا: وقال: إن الله كتب الإحسان في كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته.

من تجوز منه الذكاء: قال أبو العشر الدارمي عن أبيه: قال: قلت: يا رسول الله أما تكون الذكاة إلا في اللبة والحلق؟ قال: بلى لو طعنت في حلقها لأجزأ عنك. وسئل ﷺ عن ذبيحة النصارى لكنائسهم وأعيادهم، فقال: إن لم تأكلوها فإني آكلها فأطعموني. وقال ابن عباس: نهى النبي ﷺ عن ذبيحة نصارى العرب وذبيحة الغلام. وروى جابر عنه ﷺ أنه سئل عن ذبيحة المرأة والصبيّ، فقال: إذا ذكر اسم الله عليه فلا بأس. وكانت العرب تقول ما ذكر اسم الله عليه فلا تأكلوه. وما ذبحتم لغير الله فكلوه فأنزل الله تعالى: ولا تأكلوا ممّا لم يذكر اسم الله عليه، وإنه لفسق.

النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «محاضرات الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.