تجاوز إلى المحتوى

من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)

الحدّ الثالث والعشرون في الملك والجنّ

عن ابن عبّاس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: ليس من خلق الله تعالى أكثر من الملائكة. وعن أبي نجيح عن مجاهد (والمقسمات أمرا) قال: الملائكة ينزلها الله تعالى بأمره على من يشاء. وعن مسلم عن مسروق وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً

. قال: هي الملائكة.

وعن الحكم وما ننزله إلا بقدر معلوم.

قال: بلغني أنه ينزل مع المطر أكثر من ولد آدم وولد إدريس يحصون كل قطرة وأين تقع ومن يرزق ذلك النبات.

وعن العلاء بن عبد الحكم عن ابن سابط في قوله تعالى: وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ

قال في أم الكتاب كل شيء هو كائن إلى يوم القيامة. ووكّل به ثلاثة من الملائكة يحفظونه: فوكل جبريل بالكتاب أن ينزل به إلى الرسل، ووكّل جبريل بالهلكات إذا أراد الله أن يهلك قوما ووكّله أيضا بالنصر عند القتال.

ووكّل ميكائيل بالحفظ والقطر ونبات الأرض. ووكّل عزرائيل بقبض الأرواح فإذا ذهب الله بالدنيا جمع بين حفظهم وبين ما في أمّ الكتاب فيجدونه سواء.

وعن ابن عباس ويتلوه شاهد منه جبريل وعن النبي ﷺ أنه رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح.

وعن الربيع ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى

قال: جبريل، وهو بالأفق الأعلى، قال: (بالسماء الأعلى) يعني جبريل، ثم دَنا فَتَدَلَّى

يعني جبريل، فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى

. قال على لسان جبريل: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى

يعني جبريل رآه في صورته وعن النبي ﷺ أنه قال: الروح الأمين جبريل له ستمائة جناح من لؤلؤ قد نشرها مثل ريش الطواويس.

عن ابن شبابة، قال: يدبر الأمر أربعة: جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل.

فجبريل على الريح والجنود، وميكائيل على القطر والنبات، وملك الموت على قبض الأرواح وإسرافيل يبلغهم ما يؤمرون به.

وعنه ﷺ أنه قال لجبريل لم أر ميكائيل ضاحكا. قال: ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار.

عن عليّ بن أبي طالب في قوله: يسألونك عن الروح، قال: ملك له سبعون ألف وجه فيها سبعون ألف لسان لكل لسان منها سبعون ألف لغة يسبّح الله بكل اللغات.

عن ابن عبّاس قال: أتى نفر من اليهود إلى النبي ﷺ فقالوا: أخبرنا عن الروح ما هو؟ قال: جند من جنود الله ليسوا بملائكة لهم رؤوس وأرجل يأكلون الطعام. ثم قرأ:

يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا

قال هؤلاء جند وهؤلاء جند. وعن الأعمش قال: سألت مجاهدا عن قوله تعالى: وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ

قال: هم الملائكة.

ومما جاء في إبليس والجن

حقيقة الجنّ: الجنّ من الخلق التي لطفت أجسادها. ويشهد لحقيقته القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وذكر بعض الفلاسفة ممن لا يثبت القديم أن لا حقيقة للجن والملائكة.

بعض التّحذير الوارد في الشريعة من الشيطان: قال الله تعالى: وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ

، وذلك في آيات كثيرة.

وقال ﷺ: خمروا آنيتكم وأوكئوا أسقيتكم وأجيفوا الأبواب، وأطفئوا المصابيح، واكفتوا صبيانكم، فإن للشيطان انتشارا وخطفة.

وقال ﷺ: لا تشربوا من ثلمة الإناء فإنها كفل الشيطان.

رجم الشياطين: قال الله تعالى: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ

وقال تعالى: إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ

وحكى الله تعالى عنهم أنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا (الآيات) وكان الشياطين يتسمعون ما يوحونه إلى أوليائهم. وقد زعم بعض الناس أن الله تعالى جعل الرجوم حجة لنبيه ﷺ وقال قوم ليس كذلك. فقد قال بشر:

فجال على نفر كما انقضّ كوكبوقد حال دون النقع والنقع يسطع

وقال أمية بن أبي الصلت:

وترى شياطينا تروغ مضافةورواغها صبر إذا ما تطرد
تلقى عليها في السّماء مذلّةوكواكب ترمى بها فتعرد
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «تعلم فإن الله ليس كصنعه»

تصوّر الجن للإنسان بصور: تزعم العامة أن الجنّ تتصور بأي صورة تشاء، إلا الغول فإنها تتصور في صورة امرأة، إلا رجليها فإنهما لا بد وإن يكونا رجلي حمار. وقاسوا ذلك بتصوير جبريل ﵇ بصورة دحية الكلبي، وتصوّر إبليس بصورة سراقة بن مالك، وبصورة الشيخ النجديّ.

والغول تتصور للإنسان فتغوله أي تهلكه، ويقولون من ضربها ضربة قتلها. وإذا زيدت لم تمت ولو ضربت ألوفا. قال شاعر:

فقالت زد فقلت رويد أنيعلى أمثالها ثبت الجنان

من ادّعى أنه قتله الجنّ: قالوا: خرج علقمة بن صوفان في الجاهلية يريد مالا على حمار ومعه سوط في ليلة، فإذا بشيء يدور ومعه سيف وهو يقول:

علقم إنك مقتولوإن لحمك مأكول

فقال علقمة: شق مالي ولك تقتل من لا يقتلك أغمد عنّي منصلك. فواثبه وضرب كل واحد صاحبه فخرّا ميتين. وقالوا: إن الجن قتلت حرب بن أمية، وفيه قالت الجنّ:

وقبر حرب بمكان قفروليس قرب قبر حرب قبر

وقتلت سعد بن عبادة وقالت:

قد قتلنا سيّد الخزرج سعد بن عباده
ورميناه بسهمين فلم نخط فؤاده
للشاعر صائح ابي قبيس، اقرأ القصيدة

من ادّعى أنه قتل الجنّ: من ذلك ما روي أن تأبّط شرا قتل غولا، وعاد إلى قومه وقد تأبّط رأسه، فقيل:

تأبّط شرّا. وروي أن عمر ﵁ صرع جنيّا.

ما نسب إليهم من الداء: قالوا: الطاعون من الجنّ وسمّي رماح الجن، قال:

ولكنّي خشيت على أبيرماح الجنّ أو إياك جاري

الإستجارة بالجنّ: كانت العرب إذا صار أحدهم في تيه من الأرض وخاف الجنّ يقول: رافعا صوته، أنا مستجير بسيّد هذا الوادي ويصير له بذلك خفارة. ولذلك قال الله تعالى: وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِ

الآية.

رئيّ الشعراء: ادّعى كثير من فحول الشعراء أنّ له رئيا يقول الشعر بفيه، وله إسم معروف من ذلك مسحل شيطان الأعشى وفيه يقول:

دعوت خليلي مسحلا ودعوا لهجهنام جدعا للهجين المذمّم
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ألا قل لتيا قبل مرتها اسلمي»

وذكر أن خال مسحل هميم شيطان الفرزدق قال أبو النجم:

إنّي وكلّ شاعر من البشرشيطانه أنثى وشيطاني ذكر
للشاعر زكي مبارك، من قصيدة «إني وكل شاعر من البشر»

وقال آخر:

إنّي وإن كنت صغيرا سنّيفإنّ شيطاني كبير الجنّ

من ادّعى أنه تجيبه الجنّ: يقال: فلان مخدوم إذا كان إذا عزم على الجنّ أجابوه. فمنهم عبد الله بن هلال الحميري صديق إبليس، وكرباس الهندي وصالح الدبيري.

وقالوا: من أراد أن يحبه الجن فليتبخر باللّبان ويراعي سير المشتري ويغتسل بالماء القراح، ويكثر من دخول الخرابات.

وقالوا إذا آخى الجنيّ أنسيا أخبره ووجد حسه ورأى خياله.

ومنهم الكهان نحو جارية جهينة وكاهنة باهلة وشق وسطيح. والعرّاف دون الكاهن.

من استهوته الجنّ: قالت العرب: استهوت الجنّ سنان بن أبي حارثة يستفحلونه فمات فيهم. واستهووا طالب بن أبي طالب فلم يوجد له أثر قط. وعمرو بن عدي اللخميّ ثم ردّوه إلى جذيمة

الأبرش. واستهووا عمارة بن الوليد بن المغيرة، ونفخوا في أحليله فصار مع الوحش.

وقالوا خرافة رجل استهوته الجنّ ثم عاد يخبر عنها، وبه ضرب المثل فقيل: المثل حديث خرافة.

وروي أن عمر ﵁ استخبر المفقود الذي استهوته الجن ما كان طعامهم؟

قال: الفول. وقيل الرمّة وما لم يذكر إسم الله عليه.

من ادّعى أنه من ولد الجنّ: ذكرت العرب أن عمرو بن يربوع من ولد السعالي. وذكر أبو زيد النحويّ أن سعلاة أقامت في بني تميم حتى ولدت فيهم. فلما رأت برقا يلمع من نحو ديارهم حنّت فطارت إليهم، وفيهم قال الشاعر:

يا قاتل الله ابني السعلاةعمرا وقابوسا شرار النات

أي الناس. وذكروا أن جرهما من ولد الملائكة. واستدل على صحة تناسل الجن من الأنس بقوله تعالى: وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ

وقوله: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌ

وزعموا أن النسناس تركيب ما بين الشقّ والإنسان.

مساكن الجنّ: زعمت العرب أن الله تعالى لما أهلك الأمة الساكنة وبار، كما أهلك طسما وجديسا وعادا وثمود، سكنت الجن منازلهم وحمتها من كل من أرادها. وأنها أخصب بلد فإن دنا اليوم منه إنسان غالط حثوا في وجهه التراب فإن أبى الرجوع خبلوه. وإن من أراده ألقى على قلبه الصرفة حتى كأنهم أصحاب موسى في التيه.

وقيل في المثل: لا يهتدي لكذا حتى يهتدي لوبار وليس بذلك المكان إلا الجن والإبل الحوشيّة.

وقالوا شيطان الحماطة، وغول القفر، وجان العشر، وشيطان عبقر. ونسب كل شيء في الجودة إلى عبقر حتى قيل لم أر عبقريا مثله.

مراكب الجنّ: ادعوا أن الجنّ يركب كل وحش من البهائم والطيور، إلا الأرنب لأنها تحيض. والضباع لأنها تركب أيور القتلى والموتى، إذا جيفت أبدانهم، والقرد وأنّها لا تغتسل من الجنابة.

وقالوا يكثر ركوبها القنفذ والورل وأنشدوا للجن:

وكلّ المطايا قد ركبنا فلم نجدألذّ وأشهى من ركوب الجنادب
ولم أر فيها غير قنفذ بوقةيقود قطارا من عظيم العناكب

وقالوا من قتل من أول الليل بعض هذه المراكب لم يأمن على فحل إبله. ومتى اعتاره غمّ أو مرض في ماله وأهله، حكموا بأن ذلك عقوبة من قتهلم.

ما نسب فعله إلى الجنّ: نسب كثير من الناس أبنية محكمة إلى الجن واستدلوا على أنهم كانوا يبنون، بقول الله تعالى: فيهم كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ

وقال النابغة:

وخيّس الجنّ إني قد أذنت لهميبنون تدمر بالصفّاح والعمد
للشاعر ابن سارة الأندلسي، اقرأ القصيدة

وقالوا للمأثور من السيوف عملته الجن. وقالوا في الإبل فيها عرقاء من سفاد الجن.

حتى قالوا الحوشية من نسل حوش وهي إبل الجن. والمهرية منسوبة إلى فحل لهم وذهبوا إلى أن النبي ﷺ كره الصلاة في أعطان الإبل لأنها خلقت من أعنان الشياطين. وقال الجاحظ جهلوا مجاز الكلام فحملوا اللفظ على غير جهته.

النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

في هذا الباب

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «محاضرات الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.